الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى الحاضر. ويربط بين أخلاق الآباء والأبناء مما جرى عليه النظم القرآني. ولقد اختلفت الأقوال في المقصود من الَّذِينَ كَفَرُوا فقيل إنهم المشركون وقيل إنهم المنافقون الذين هم كانوا كفارا في حقيقة أمرهم «1» .
واليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة كانوا وراء المنافقين منذ بدء الهجرة وظلوا وراءهم على ما شرحناه في سياق تفسير آية سورة البقرة [14] وسورة الحشر [11] وتحالفوا مع مشركي العرب أيضا على ما شرحناه في سياق تفسير آية سورة النساء [51] وآيات سورة الأحزاب [11- 27] غير أننا نرجح أن المقصود هم كفار المشركين استدلالا من قرنهم مع اليهود في الآية التالية. والمتبادر أن في الآية الثانية إشارة إلى ما كان من دعاوى اليهود الكاذبة بأنهم يؤمنون برسالة النبي على ما حكته الآية [61] من هذه السورة والآية [76] من سورة البقرة والآية [77] من سورة آل عمران.
وهكذا تكون الآيتان بسبيل التنديد ببني إسرائيل في المدينة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: فهؤلاء الذين لعن الأنبياء أسلافهم بسبب أخلاقهم وتمرّدهم وعدم تناهيهم عن المنكر لم يرعووا ولم يرتدعوا. وكثير منهم يوالون الذين كفروا بالله ورسالة رسوله. وفي ذلك مناقضة لدعواهم الإيمان. لأنهم لو كانوا يؤمنون حقا بالله ورسوله وما أنزل إليهم لما فعلوا ذلك. والحقيقة من أمرهم هي أن كثيرا منهم فاسقون متمردون على الله تعالى. ولبئس ما سوّلت لهم أنفسهم من موقف خبيث استحقوا عليه سخط الله الدائم وعذاب النار الأبدي.
[سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86]
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86) .
(1) انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن حيث أوردوا هذه الأقوال.
(1)
قسيسين: جمع قسّ. وتعددت الأقوال في اشتقاقها ومعناها. فقيل إنها مشتقة من قسّ الإبل يقسّها بمعنى أحسن رعيها وسوقها. وقيل إنها من التقسّس بمعنى التجسّس ونشر الأخبار وتسمع الأصوات وتعرية العظم من اللحم. ولعل القول الأول هو الأنسب. وعلى كل حال فالكلمة كانت مما يعرف العرب قبل نزول القرآن أن معناها رتبة دينية عند النصارى. وقد سمّي بعضهم بها. ومن مشهوريهم قسّ بن ساعدة الإيادي الخطيب.
(2)
رهبان: جمع راهب. وكان يطلق على المتبتّل من النصارى المنقطع في دير، الذي نذر حرمان نفسه من التنعم بالزواج والولد ولذّات الطعام والزينة.
وقيل إنها مشتقة من الرهبة بمعنى الخوف. أو من رهب الإبل بمعنى هزالها وكلالها. ولعل القول الثاني أنسب. لأن حرمان الرهبان أنفسهم من لذات الحياة يؤدي إلى هزالهم وكلالهم وإذا صح أن تكون من الرهبنة فينطوي فيها معنى الخوف من الله وكون ذلك هو الذي يجعل الرهبان يحرمون أنفسهم من متع الحياة ولذاتها. وعلى كل حال فالكلمة كانت مما يعرف العرب قبل الإسلام أنها تطلق على المتقشفين المبتعدين عن اللذائذ المتفرغين للعبادة من النصارى. وفي سورة الحديد إشارة إلى ذلك في صدد النصارى وفيها كلمة (رهبانية) وروي في مناسبتها حديثان جاء في أحدهما «لا رهبانية في الإسلام» تفسير الطبرسي وفي أحدهما «لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله» تفسير ابن كثير.