الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6-
والسياق يجعلنا نذكر حالة أخرى في صدد الكتابيات. وهي استفراش الإماء الكتابيات من قبل مالكهن. ولقد أباحت آيات النساء [3 و 24] والمؤمنون [6] والأحزاب [50 و 52] والمعارج [30] استفراش المسلمين للإماء اللاتي يملكونهن دون تقيد بقيد المؤمنات. وهناك آثار نبوية تجيز استفراش المسلمين لما ملكت أيمانهم مطلقا أيضا أوردناها في سياق تفسير آيات سورة النساء [24 و 25] فيكون الإماء الكتابيات مشمولات بهذه الإباحة.
7-
ولقد استطرد بعض المفسرين إلى المجوس والصابئة في سياق بحث الزواج أيضا. وهذه المسألة بحثناها في سياق مسألة الطعام فنكتفي بهذا التنبيه.
8-
وما ذكرناه في بحث الطعام في صدد من يدعي أنه أهل كتاب من غير اليهود والنصارى ينسحب على هذا البحث. فنكتفي كذلك بهذا التنبيه.
[سورة المائدة (5) : الآيات 6 الى 7]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7)
.
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
…
إلخ والآية التالية لها وما فيهما من أحكام وتلقين ومسألة المسح على الخفين وما ورد في كل ذلك من أحاديث
عبارة الآيتين واضحة. وقد احتوتا:
(1)
خطابا موجها للمؤمنين يأمرهم عند قيامهم للصلاة أن يغسلوا أيديهم ووجوههم وأرجلهم ويمسحوا برؤوسهم. ويغتسلوا إذا كانوا جنبا. وإذا لم يجدوا ماء في سفر أو حضر أو كانوا مرضى يؤذيهم الماء ووجب عليهم الوضوء أو الاغتسال من الجنابة بسبب قضاء حاجتهم في الغائط للأول وملامسة النساء للثاني فيجزيهم أن يمسحوا أيديهم ووجوههم من صعيد طيب.
(2)
وتنبيها تعليليا بأن الله تعالى لم يرد بأمره إعناتا وإحراجا وإنما يريد تطهيرهم وإتمام نعمته عليهم.
(3)
وتذكيرا بما ارتبطوا به من ميثاق مع الله تعالى حينما آمنوا به وبرسالة رسوله وقالوا سمعنا وأطعنا لتوكيد القيام بما يؤمرون به وبوجوب تقوى الله الذي يعرف ما في الصدور كما يعرف الظواهر.
ولقد روى الطبري حديثا موصولا إلى سعد بن أبي وقاص قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلّمه فلا يكلّمنا ونسلّم عليه فلا يردّ علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة فقلنا يا رسول الله نكلّمك فلا تكلّمنا ونسلّم عليك فلا تردّ علينا حتى نزلت آية الرخصة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
…
إلخ.
وروى البخاري ومسلم والترمذي حديثا عن عائشة جاء فيه «سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال حبست الناس في قلادة. فأحسست بالموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
…
إلخ فقال أسيد بن حضير لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلّا بركة لهم» «1» .
(1) التاج ج 4 ص 90.
وقد أورد الطبري وغيره من المفسرين هذا الحديث كسبب لنزول آية سورة النساء [43] التي فيها رخصة التيمم. وقد روى البخاري حديثا عن عائشة في صدد هذه الآية جاء فيه «هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالا فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلّوا على غير وضوء فأنزل الله تعالى آية التيمّم» «1» .
والحادث متشابه في الحديثين مما قد يسوغ القول إنه واحد وإن من المستبعد أن تكون الآيتان نزلتا فيه مع بعد ما بين نزولهما.
وحديث سعد بن أبي وقاص لم يرد في كتب الصحاح وليس فيه على احتمال صحته قرينة على أن الآية نزلت بسبب ما ذكر فيه. وكل ما يمكن أن يفيده أن النبي صلى الله عليه وسلم ظلّ على عادته بعدم ردّ السلام على أصحابه وهو على غير وضوء إلى أن نزلت الآية.
ولما كان من المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا يتوضأون للصلاة في مكة واستمروا على ذلك في المدينة على ما شرحناه وأوردنا الآثار الواردة في صدده في سياق آية النساء المذكورة. ولما كان من الأرجح أن يكون الحادث المذكور في حديث عائشة قد وقع في ظروف نزول آية النساء على ما ذكرناه أيضا في سياق تفسيرها وشرحها. ولا سيما أن الطبري والبغوي وهما من أقدم المفسرين الذين وصل إلينا كتب تفسيرهم لم يورداه ولم يوردا رواية ما من بابه في سياق آية المائدة التي نحن في صددها. ثم لما كان من الملحوظ أن هذه الآية وحدة تامة منسجمة. فالذي يتبادر لنا أن فريقا من المسلمين أخذوا يتهاونون في أمر الوضوء والطهارة أو في أشكالهما وأركانهما أو لا يرون ذلك واجبا فاقتضت حكمة التنزيل تنزيل الآية للتوكيد ولبيان الأشكال والأركان مع ذكر رخصة التيمم لإتمام الموضوع.
(1) التاج ج 4 ص 82.
ويلحظ أن الآية الثانية منسجمة مع الآية الأولى ومعطوفة عليها حيث يتبادر أنها جاءت بمثابة تعقيب وتدعيم لما أمرت به الآية الأولى. وقد يكون منها تأييد لما قلناه من أن بعض المسلمين تهاونوا في أمر الوضوء والاغتسال من الجنابة فاقتضت حكمة التنزيل تذكيرهم بنعمة الله عليهم. وميثاقه الذي أخذه منهم على السمع لما يأمرهم به وطاعته.
والتوكيد عليهم بتقواه وتنبيههم إلى أنه عليم بكل ما في نفوسهم بالإضافة إلى أعمالهم الظاهرة.
والتناسب قائم بين الآيتين وما سبقهما من حيث القصد التشريعي. فإما أن تكونا نزلتا بعد الآيات السابقة مباشرة فوضعتا بأمر رسول الله بعدها للتناسب التشريعي والظرفي. أو وضعت بعدها للتناسب التشريعي وحسب. ونرجح على كل حال أنها نزلت بعد الآيات التي سبقتها إما فورا وإما بعد مدة ما والله تعالى أعلم.
ولقد صرف بعض المؤولين جملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ في الآية الأولى إلى قصد تعليل إيجاب التيمم إذا فقد الماء أو آذى. ومنهم من صرفها إلى قصد تعليل إيجاب الوضوء. والجملة تتحمل المعنيين. وإن كان صرفها إلى تعليل التيمم أقوى لأنه الأقرب إليها تتضمن قصد إشعار المسلمين دائما بشعور الطهارة ووجوبها وليس للإحراج.
ومهما يكن من أمر ففي الجملة معنى يصح أن يكون نبراسا يستمدّ منه المسلمون نورا وهدى في مختلف أمورهم وهو كون الله تعالى إنما يتوخى في تكاليفه ورخصه نفع المسلمين وطهارتهم ماديا وروحيا دون قصد الإحراج. وفي هذا من الجلال ما فيه.
وأسلوب الآية الثانية قوي نافذ. ومع أنها موجهة إلى المؤمنين في عهد رسول الله في صدد ما أمروا به في الآية الأولى فإن إطلاق عبارتها يجعل ما احتوته
من هتاف وتذكير وتنبيه مستمر المدى شاملا لكل ما أمر الله به ورسمه ونهى عنه.
ولقد قلنا إن الآثار تؤيد أن الوضوء كان ممارسا منذ وقت مبكر من العهد المكي. وفي نزول الآية الأولى متأخرة مع ممارسة الوضوء قبلها بمدة طويلة مشهد من المشاهد الكثيرة التي احتوت ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم وتشريعاته لفروض وأمور وأعمال دينية وسياسية واجتماعية وحربية بدون وحي قرآني ثم ينزل الوحي القرآني مؤيدا لتلك الممارسة والتشريعات والأعمال.
ولقد تعددت الأقوال التي يرويها الطبري وغيره عن أهل التأويل في مدى جملة وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا منها أنه الميثاق الذي أخذه الله من بني آدم على ما جاء في آية سورة الأعراف [169] ومنها أنها البيعة التي روي أن النبي أخذها من وفد الأوس والخزرج قبيل هجرته. والتي تمّت الهجرة بناء عليها والتي روي أن صيغتها هي صيغة آية الممتحنة هذه مع التذكير يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) ومنها ما عناه الحديث الذي رواه الشيخان والنسائي عن عبادة بن الصامت الذي جاء فيه «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول الحقّ أينما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم. وفي رواية وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» ومنها أنه ما اعتبر ميثاقا مأخوذا من كل مسلم على السمع والطاعة حين يعلن إسلامه وإيمانه وينضوي إلى الدين الإسلامي. ونحن نطمئن بالقول الأخير لأنه متساوق مع فحوى الآية التي شمل الهتاف بها لكل أمر ولكل مؤمن ولكل زمن. والله تعالى أعلم.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية الأولى أحاديث نبوية بفضل الوضوء منها ما ورد في الكتب الخمسة منها حديث رواه الخمسة إلا أبا داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء. فمن
استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل» «1» وحديث رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله. قال إسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط» «2» وحديث رواه مسلم عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من توضّأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» «3» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» «4» وحديث رواه الخمسة إلا البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
ولا صدقة من غلول» «5» .
ومما لا ريب فيه أن الشريعة الإسلامية بإيجابها على كل مسلم ومسلمة غسل أطرافهما المكشوفة أكثر من مرة في اليوم والاغتسال من الجنابة التي يمكن أن تتكرر مرارا في الشهر بالإضافة إلى ما تضمنته آية سورة المدثر الثالثة من إيجاب تطهير ثيابهم. وإلى ما تضمنته الأحاديث النبوية العديدة في هذا الأمر «6» قد هدفت إلى جعل المسلمين مثالا في العناية بطهارة الجسد والثوب في موازاة ما هدفت إليه بالرسالة المحمدية في جعلهم مثالا في الطهارة الروحية على ما عبرت عنه آية سورة البقرة كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ
(1) التاج ج 1 ص 69.
(2)
المصدر نفسه ص 69 و 70.
(3)
المصدر نفسه. [.....]
(4)
التاج ج 1 ص 134 وهناك أحاديث أخرى في كتب الصحاح وغيرها فاكتفينا بما أوردناه.
ويتبادر لنا على ضوء التقريرات القرآنية والنبوية أن ما ذكر في الأحاديث من الخطايا التي يغفرها الله إن شاء للمسلم إذا توضأ هي ما كان من باب اللمم والهفوات وما ليس من الكبائر وما ليس فيه حقّ الغير ماله وعرضه ودمه. وما ليس فيه إثم وفحش ظاهر وباطن.
وإن قصد التشويق والتبشير من الحكمة الملموحة في الأحاديث والله أعلم.
(5)
المصدر نفسه ص 135.
(6)
أوردنا في سياق تفسير سورة الجمعة جملة من ذلك.
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) . وآية سورة آل عمران [129] المماثلة لها.
وفي كتب التفسير «1» أقوال كثيرة معزوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه وتابعيهم في صدد ما انطوى في الآية الأولى من أحكام نوجزها ونعلق عليها بمايلي باستثناء ما ورد في الاغتسال والتيمم وكيفياته ونواقض الوضوء وموجبات الغسل ومدى ملامسة النساء حيث ألممنا بذلك في سياق جملة مماثلة في آية سورة النساء [43] :
1-
اختلف في قراءة أَرْجُلَكُمْ حيث قرئت بفتح اللام وبكسرها. وترتب على ذلك خلاف. فمن قرأها بالكسر قال إن الآية أمرت بالمسح على الرجلين لأن الكلمة معطوفة على وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ومن قرأها بالفتح أوجب غسل الرجلين لأنها تكون معطوفة على الوجه واليدين. وعلّل أصحاب هذا القول تأخيرها للترتيب في عملية الوضوء حيث يكون غسل الرجلين آخرها واستندوا إلى أحاديث عن كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وغسله لرجليه سنوردها بعد. ومنها حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة قال «أسبغوا الوضوء فإني سمعت أبا القاسم يقول: ويل للعراقيب من النار» «2» وحديث رواه مسلم وأبو داود عن عمر «أن رجلا توضّأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلّى» «3» وحديث رواه أبو داود والترمذي عن المستورد قال «رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يخلّل أصابع رجليه بخنصره» «4» .
والأكثر على وجوب غسل الرجلين. وهو الأوجه فيما يتبادر لنا ولعلّ جملة إِلَى الْكَعْبَيْنِ قرينة قرآنية على ذلك حيث لا تبدو حكمة لو كان القصد مسحا.
(1) انظر الطبري والبغوي والخازن وابن كثير والطبرسي والزمخشري. وأكثرها استيعابا تفسير الطبري.
(2)
التاج ج 1 ص 92- 93.
(3)
المصدر نفسه.
(4)
المصدر نفسه.
وهذا ما عليه جمهور أهل السنة. أما الشيعة فهم يقرأون لام أَرْجُلَكُمْ بالكسر ويقولون بالمسح دون الغسل. ولا يأخذون بالأحاديث التي لا يرويها أئمتهم. وقد روى الطبرسي عن إمامهم أبي جعفر أن شخصا سأله عن المسح على الرجلين فقال له هو الذي نزل به جبريل.
2-
إن نصّ الآية يفيد أن الوضوء واجب على كل مسلم كلّما قام إلى الصلاة، وهناك رواية عن عكرمة أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ الآية. ورواية عن ابن سيرين أن الخلفاء الراشدين كانوا يتوضأون لكل صلاة. ورواية عن عبد الله بن حنظلة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشقّ ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلّا من حدث. ورواية عن ابن بريدة عن أبيه من طرق عديدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان عام الفتح صلّى الصلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله. قال: عمدا فعلته»
. ورواية عن عمرو بن عامر أنه سأل أنسا: أكان رسول الله يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم. قال: فأنتم؟ قال: كنا نصلّي الصلوات بوضوء واحد «2» . وروايات عديدة عن جابر بن عبد الله وابن عباس وعكرمة وأبي موسى وأبي العالية تفيد أن سنّة رسول الله وأصحابه لا توجب الوضوء إلّا بعد حدث وأنهم كانوا يصلّون بوضوء واحد أكثر من صلاة. ورواية عن أبي غطيف قال صليت مع ابن عمر الظهر فأتى مجلسا فجلست معه فلما نودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ ثم خرج إلى الصلاة ثم رجع إلى مجلسه فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ فقلت: أسنّة ما أراك تصنع؟ قال: لا وإن كان وضوئي لصلاة الصبح كاف للصلوات كلّها ما لم أحدث ولكن سمعت رسول الله يقول من
(1) هذا الحديث من مرويات مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي أيضا (التاج ج 1 ص 93) .
(2)
روى البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي صيغة مقاربة لهذا الحديث (التاج ج 1 ص 193) . وهي هذه «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قلت كيف كنتم تصنعون قال يجزي أحدنا الوضوء ما لم يحدث» .
توضأ على طهر كتب له عشر حسنات فأنا رغبت في ذلك «1» .
ويستفاد من حديثي أنس وأبي بريدة الصحيحين بخاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة. وكان أصحابه يحذون حذوه ثم ألهم التخفيف عن أمته فصلّى بوضوء واحد أكثر من صلاة. وفسر بعمله التخفيفي وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة إذا كان المرء على غير طهر. وهذا ما عليه جمهور المسلمين بالتواتر الذي لم ينقطع من الصدر الإسلامي الأول وإن كان يستحبّ مع ذلك أن يتوضأ المسلم لكل صلاة طهرا على طهر.
3-
والآية لا تذكر إلّا غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين أو مسحهما على اختلاف القراءة. غير أن حديثا رواه الخمسة احتوى تفصيلا لكيفية الوضوء جاء فيه «أنّ عثمان دعا بوضوء فغسل كفّيه، ثلاث مرات ثم مضمض واستنثر ثم غسل وجه هـ ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ثم غسل اليسرى مثل ذلك ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا وقال من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه، وفي رواية مضمض واستنشق واستنثر بثلاث غرفات من ماء وفي أخرى مسح رأسه ثلاثا وفي أخرى مسح رأسه فأقبل بيديه وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه» «2» . وإلى هذا فقد روى البخاري وأبو داود والترمذي حديثا عن عبد الله بن زيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين» «3» - أي بدلا من ثلاث مرات لكل عمل- وحديثا عن ابن عباس «أن النبي توضأ مرة مرة» «4» . ومن الكيفيات المروية أيضا ما رواه أبو داود والترمذي عن أنس «أنس النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفّا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلّل به
(1) أوردنا قبل حديثا فيه ذلك رواه أبو داود والترمذي.
(2)
التاج ج 1 ص 91- 93.
(3)
المصدر نفسه.
(4)
المصدر نفسه.
لحيته وقال: هكذا أمرني ربّي» . وما رواه الاثنان عن أنس أيضا «قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأت فخلّل بين أصابع يديك ورجليك» «1» وما رواه الاثنان أيضا عن المستورد قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخلّل أصابع رجليه بخنصره» «2» وما رواه الاثنان كذلك عن ابن عباس «أنّ النبي مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» «3» وما رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن المغيرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» «4» وما رواه أبو داود «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أسبغ الوضوء وخلّل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلّا أن تكون صائما» «5» .
4-
وفي الأقوال المأثورة عن ابن عباس وغيره على ما جاء في الطبري والبغوي والخازن وابن كثير ما يفيد وجوب غسل المرفقين نفسهما وما يفيد عدم وجوب ذلك والاكتفاء بغسل اليدين إلى حد المرفقين. لأن صيغة الآية تتحمل هذا وتتحمل ذاك. وليس هناك أثر نبوي صريح وثابت في ذلك. وهذا جعل المسألة خلافية في المذاهب الفقهية.
5-
وكما اختلف في دخول المرفقين في اليدين وعدمه اختلف في الكعبين أيضا لنفس السبب فكان غسلهما أو غسل الرجلين لحدودهما مسألة خلافية بدورها.
6-
ولقد اختلف في الترتيب فمنهم من أوجبه ومنهم من لم يوجبه.
والموجبون استندوا إلى ترتيب الآية من جهة وإلى الأحاديث في عملية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من جهة. وهو الأوجه فيما يتبادر لنا.
7-
ولقد اصطلح الفقهاء على تسمية غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس أركانا أو فروضا وبقية العملية سنّة. ومنهم من قال إن من يفعل الأركان
(1) التاج ج 1 ص 91- 93. [.....]
(2)
المصدر نفسه.
(3)
المصدر نفسه.
(4)
المصدر نفسه.
(5)
المصدر نفسه.
فقط يجزيه وتصح صلاته. غير أن الأكثر على كون بقية العملية المروية في الأحاديث واجبة مع الاختلاف في العدد من مرة لكل عمل إلى ثلاث بسبب اختلاف الروايات.
8-
ولقد ذهب بعضهم إلى أن نية الوضوء للصلاة ركن من أركانه. وذهب بعضهم إلى عدم ضرورة ذلك. ولقد روى أبو داود والترمذي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» «1» والمتبادر أن التسمية عند مباشرة الوضوء التي يوجبها هذا الحديث هي تعبير عملي عن النية.
9-
ولقد رأى بعضهم في الآية دلالة على أن الوضوء لا يجب لغير الصلاة.
وساق على ذلك حديثا رواه معزوا إلى أصحاب السنن عن عبد الله بن عباس جاء فيه «إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدّم إليه طعام فقالوا ألا نأتيك بوضوء فقال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» «2» .
10-
ومن سنن الوضوء المستحبة الاستياك حيث روى مالك والبخاري حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كلّ وضوء» «3» ولقد روى البخاري والنسائي حديثا آخر عن عائشة قالت «قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: السواك مطهرة للفم ومرضاة للربّ» «4» .
11-
واختلف في كيفية مسح الرأس ومقداره، فمنهم من أوجب مسحه جميعا ومنهم من أوجب مسح بعضه أو ربعه لأن الأحاديث المروية في ذلك مختلفة على ما مرّ ذكره.
12-
والمفسرون يستطردون في سياق تفسير هذه الآيات أو آية الوضوء بنوع خاص إلى ذكر المسح على الخفين. ومن المحتمل أن يكون ذلك بسبب اختلاف قراءة أَرْجُلَكُمْ ومجيء هذه الكلمة بعد جملة وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
(1) التاج ج 1 ص 88- 89.
(2)
انظر تفسير القاسمي.
(3)
التاج ج 1 ص 88- 89.
(4)
المصدر نفسه.
حيث ذهب بعضهم إلى أنها معطوفة على هذه الجملة وأن مفهومها هو مسح الرجلين وليس غسلها على ما ذكرناه قبل.
ولقد أوردوا في سياق ذلك أحاديث عديدة عن المسح على الخفين معظمها ورد في مساند الأحاديث الصحيحة «1» . وليس فيها أية إشارة إلى صلة هذه المسألة بقراءة أَرْجُلَكُمْ حيث يصحّ القول إنها تشريع نبوي للتخفيف والتيسير وأن ذكرها في سياق الآيات هو للمناسبة أو تطبيق متأخر. وأساس السنّة لبس الخفين على طهر فلا يكون بينها وبين روح الآية القرآنية تناقض. وقد أخذ بهذه السنة معظم المذاهب الإسلامية. ومن الأحاديث الواردة في المسح على الخفين حديث رواه الخمسة عن المغيرة بن شعبة «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء فصبّ عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ ومسح على الخفين وفي رواية لأبي داود أن المغيرة قال له يا رسول الله: نسيت، قال بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربّي عز وجل» «2» . وحديث رواه أبو داود وأحمد والترمذي عن بريدة «أن النجاشي أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خفّين أسودين ساذجين فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما» «3» وحديث رواه البخاري ومسلم عن المغيرة قال «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفّيه فقال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» «4» وحديث رواه أصحاب السنن عن المغيرة «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين وعقّب أبو داود على ذلك فقال إن عليا وابن مسعود والبراء وأنسا وأبا أمامة وسهل بن سعد مسحوا على الجوربين. وعقّب الترمذي فقال إن سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: «يمسح على الجوربين وإن لم تكن نعلين إذا كانا ثخينين» «5» . وقد روى أبو داود والترمذي
(1) انظر تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير.
(2)
التاج ج 1 ص 94.
(3)
المصدر نفسه ص 94- 95.
(4)
المصدر نفسه.
(5)
المصدر نفسه.
عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «المسح على الخفّين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة» «1» وروى مسلم والنسائي عن علي بن أبي طالب «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم» «2» .
14-
ويناسب البحث الإلمام بأحكام المياه التي يصحّ الوضوء والاغتسال بها. وقد رويت أحاديث عديدة في ذلك منها ما ورد في الكتب الخمسة. وهذه جملة منها:
1-
روى أصحاب السنن عن أبي هريرة قال «سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّا نركب البحر ونحمل القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته» «3» .
2-
روى أصحاب السنن عن ابن عمر قال «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون في الفلاة وما ينوبه من الدوابّ والسباع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث» . وفي رواية «إذا بلغ الماء قلّتين بقلال هجر لم ينجسه شيء» «4» .
3-
روى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه وفي رواية ثم يتوضأ منه. وفي رواية نهى أن يبال في الماء الراكد» «5» .
(1) التاج ج 1 ص 94- 95. [.....]
(2)
المصدر نفسه.
(3)
التاج ج 1 ص 70 والمتبادر أنه يصح الاغتسال به من الجنابة والفقهاء يعرفون (الطهور) أنه الماء الذي يزيل الحدث. أما إذا استعمل الماء بوضوء أو اغتسال فيبقى طاهرا ولكنه لا يزيل الحدث مرة ثانية.
(4)
التاج ج 1 ص 71 و 72 وجملة (في رواية) في الذيل من الشارح وقال الشارح إن الشافعي قدر القلة بقربتين ونصف من قرب الحجاز. والقربة نحو مائة رطل بغدادي. وروى الشارح عن الشافعي وغيره أن الماء في هذا المقدار لا ينجس إذا وقع فيه نجاسة إذا لم تتغير أوصافه وينجس إذا تغيرت.
(5)
التاج ج 1 ص 72 و 73 والمتبادر أن الماء الدائم أو الماء الراكد هو الماء في البئر النبع الذي يبقى في العمق ولا يجري.