الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
32 -
فصل فِي حكم التَّحَرُّز من الشَّيْطَان والحذر مِنْهُ
اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك
فَقَالَت طَائِفَة يَنْبَغِي أَن يشْتَغل العَبْد بالعبادات والطاعات وَلَا يلْتَفت إِلَى الشَّيْطَان وَلَا يشْتَغل بالتحذر مِنْهُ بل يَجْعَل بدل التحذر مِنْهُ طَاعَة الله عز وجل
وَقَالَت طَائِفَة التحذر من الشَّيْطَان وَأخذ الحذر مِنْهُ منَاف للتوكل على الله تَعَالَى والاعتماد عَلَيْهِ إِذْ لَا قدرَة للشَّيْطَان على إضلال وَلَا إغواء إِلَّا بِمَشِيئَة الرَّحْمَن وَإِرَادَة الديَّان
وَهَاتَانِ الفرقتان غالطتان مخالفتان لنصوص الْقُرْآن واتفاق أهل الْإِسْلَام على وجوب التَّحَرُّز من الْكفَّار وإعداد مَا استطعنا لَهُم من قُوَّة وكراع وَسلَاح وَقد قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا خُذُوا حذركُمْ} وَكَيف يكون امْتِثَال أَمر الله سُبْحَانَهُ شغلا عَن الله متوكلا على غَيره وَقد دخل سيد المتوكلين مَكَّة وعَلى رَأسه المغفر وَظَاهر يَوْم أحد بَين درعين
وَإِذا أمرنَا بِأخذ الحذر من عَدو نرَاهُ كَمَا يَرَانَا فَمَا بَال الظَّن بعدو يَرَانَا وَلَا نرَاهُ وَيجْرِي منا مجْرى الدَّم وَقد أَمر الله سبحانه وتعالى رَسُوله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشَّيْطَان الرَّجِيم بل أمره بالاستعاذة من جَمِيع الشَّيَاطِين بقوله تَعَالَى {وَقل رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون} أَي فِي شَيْء من أحوالي كلهَا
والتحرز من الشَّيَاطِين أولى من التَّحَرُّز من الْكَافرين لِأَن الشَّيْطَان إِذا نكبك بِشَيْء من مكره كنت من العاصين الخاسرين وَالْكفَّار إِذا نكبوك بِشَيْء من مَكْرهمْ كَانَ ذَلِك مكفرا لسيئاتك رَافعا لدرجاتك فَالصَّوَاب أَخذ الحذر مِنْهُ والتحرز مِنْهُ كَمَا أَمر رب الْعَالمين
وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بذلك فِي كَيْفيَّة التَّحَرُّز مِنْهُ وَأخذ الحذر فَقَالَت طَائِفَة يَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ الحذر مِنْهُ فِي أغلب الْأَحْوَال ترقبا لخطره يخطرها فَيدْفَع تِلْكَ الخطرة بِمَا غلب على الْقلب من ذكره والتحرز مِنْهُ
وَقَالَت طَائِفَة يُؤْخَذ الحذر مِنْهُ عِنْد كل طَاعَة تعرض مَخَافَة أَن يدْخل فِيهَا مَا يُفْسِدهَا
وأخطأت الطَّائِفَة الأولى بجعلها ذكر الشَّيْطَان أغلب من ذكر الرَّحْمَن