الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[خطبة الكتاب]
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المصنف (بسم الله الرّحمن الرّحيم) بتقديم البسملة، وافتتاح كتب العلم بها جرى عمل الأئمة المصنّفين واستقرّ أمرهم؛ حسبما قاله الحافظ ابن حجر.
قال: وكذا معظم كتب الرسائل، والقصد:
1-
الاقتداء بالكتاب العزيز، فإنّ العلماء متّفقون على استحباب البسملة في أوّله في غير الصلاة، والإجماع منعقد على تقديمها في خطّ المصحف؛ وإن كانت ليست آية منه عند مالك.
2-
والعمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرّحمن الرّحيم؛ فهو أبتر» . رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتاب «الجامع» ، وفي رواية:
«أقطع» ، وفي رواية:«أجذم» بالجيم والذال المعجمة، وهو من التشبيه البليغ في العيب المنفّر، ومعنى الجميع: أنّه ناقص البركة غير تامّ في المعنى؛ وإن تمّ في الحس.
ومعنى «ذي بال» ؛ أي: حال يهتمّ به. ومعنى الابتداء بالبسملة: الاستعانة بالله عز وجل، على زيادة لفظ «اسم» ؛ أو أنّه هنا واقع على المسمّى. أو معناه:
التبرّك باسمه سبحانه. فالباء للاستعانة، أو للملابسة، أو المصاحبة؛ بقصد التبرّك، و «الاسم» مشتقّ من السموّ؛ وهو العلوّ، وقيل: من السّمة؛ وهي العلامة.
واسم الجلالة: علم على ذاته تعالى، فهو خاصّ به سبحانه وتعالى، إذ لا يسمّى به غيره تعالى، فهو أخصّ الأسماء، وهو أعرف المعارف وأعظم الأسماء، لأنه دالّ على الذات الموصوف بصفات الإلهية كلّها، فهو اسم جامع لمعاني الأسماء الحسنى كلّها، وما سواه خاصّ بمعنى، فلهذا يضاف إليه جميع الأسماء ولا يضاف هو إلى شيء، وكلّ أسمائه تعالى للتخلّق إلّا هذا الاسم؛ فإنّه
الحمد لله
…
للتعلّق فحسب، وحظّ العبد منه التولّه؛ وهو استغراق القلب والهمّة به تعالى، فلا يرى غيره، ولا يلتفت لسواه. وهو عربيّ عند الأكثر وهو الحق.
واختلف فيه: هل هو مرتجل؛ أو مشتق، والأول هو المشهور والمختار.
والرحمن والرحيم: صفتان للمبالغة من الرحمة.
و «الاسم» مجرور بالباء، و «الجلالة» مجرور بالمضاف، و «الرحمن» نعت لاسم الله، وعلى أنّ «الرحمن» علم يكون بدلا من «اسم الله» ، أو عطف بيان؛ وصوّب.
والرحيم نعت للجلالة على الأوّل، أو ل «الرحمن» على الثاني، إذ لا يتقدّم البدل؛ ولا العطف على النعت، والجملة تحتمل الخبرية والإنشائية، وقد قيل بكلّ منهما.
(الحمد لله) أتى- رضي الله عنه بالحمدلة بعد البسملة!!:
1-
قضاء لبعض ما يجب من حمد الله تعالى والثناء عليه؛ بذكر أوصاف كماله، وشكر نعمه وآلائه؛ التي أعظمها الهداية للإيمان والإسلام، ومن جملتها تأليف هذا الكتاب.
و2- اقتداء بالكتاب العزيز، وبالنبي صلى الله عليه وسلم في ابتدائه بالحمد في جميع خطبه.
و3- عملا بجميع روايات الحديث السابق؛ ففي رواية «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب (الحمد لله) فهو أقطع» ، وفي رواية «بحمد الله» ، وفي رواية «كلّ كلام لا يبدأ فيه «بالحمد لله» فهو أجذم» وفي رواية:«كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب «بسم الله الرّحمن الرّحيم» فهو أقطع» ، وفي رواية «كلّ أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر» ؛ أو قال «أقطع» على التردّد. فرواية البسملة صريحة فيها، ورواية:«الحمد لله» - بالرفع- صريحة فيه. ورواية: «بالحمد لله»
ربّ العالمين،
…
- بالخفض-، أو «بحمد الله» !! يحتمل أن يكون المراد الابتداء بلفظ «الحمد لله» بهذه الصيغة، ويحتمل أن يكون المراد الابتداء بمادة الحمد؛ وإن لم يكن بهذه الصيغة. حتّى لو قال:«حمدت الله» أو: «أحمده» لأجزأه، ويحتمل أن يكون المراد الثناء، ولو لم يكن بهذه المادة، حتى لو أتى بالبسملة لاكتفي بها. وعلى هذا المعنى رواية:«بذكر الله» .
ولما تعارضت رواية البسملة ورواية الحمدلة ظاهرا- إذ الابتداء بأحد الأمرين يفوّت الابتداء بالآخر، وكان الجمع بينهما ممكنا؛ بأن يقدّم أحدهما على الآخر فيقع الابتداء به حقيقة، وبالآخر بإضافته إلى ما سواه- أتى بهما معا.
وقدّم البسملة!! لأنها أولى بالتقديم، لأنّ حديثها أقوى، وعملا بكتاب الله الوارد بتقديمها.
والحمد هو: الثناء على المحمود بجميل صفاته على جهة التعظيم؛ سواء كان في مقابلة نعمة، أو لا. وكلّ من صفاته تعالى جميل، فهو ثناء على الله تعالى بجميع صفاته.
واختار الجملة الاسمية!! اقتداء بالكتاب العزيز، ولأنها تفيد الدوام والاستمرار، والجملة خبرية لفظا؛ إنشائية معنى.
(ربّ) أي: مالك. وأصل التربية: نقل الشيء من أمر إلى أمر حتى يصل إلى غاية أرادها المربّي، ثم نقل إلى المالك والمصلح للزوم التربية لهما غالبا.
(العالمين) اسم جمع خاص بمن يعقل؛ وهم الجنّ والإنس والملائكة، وقيل:
جمع سلامة ل «العالم» على غير قياس، والعالم- في اللغة-: كلّ نوع، أو جنس فيه علامة يمتاز بها على سائر الأنواع والأجناس الحادثة. فيقال في الأنواع:«عالم الإنسان» ؛ و «عالم الطير» ؛ و «عالم الخيل» . ويقال في الأجناس: «عالم الحيوان» ، و «عالم الأجسام» ، و «عالم الناميات» .
.........
ويحتمل أن تكون المناسبة في تسمية النوع والجنس ب «العالم» أنّ لهما من الفصول والخواصّ ما يعلمان به. ونقله المتكلمون إلى كلّ حادث.
والمناسبة في هذه التسمية: أن كلّ حادث فيه علامة تميّزه عن موجده المولى القديم، حتّى لا يلتبس به أصلا، ولهذا ردّ مولانا جلّ وعلا على الضالين الذين جعلوا له شركاء من الحوادث، فقال تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ) [الرعد/ 33] أي: اذكروا أوصافهم حتى ينظر أفيها ما يصلح للألوهية؛ أم لا!!.
ويحتمل أن تكون المناسبة أنّ كلّ حادث يحصل العلم للناظر فيه بما يجب للمولى العظيم من عليّ الصفات، وتنزّهه عن سمات المحدثات. فالمناسبة الأولى تقتضي أن العالم مأخوذ من العلامة، والمناسبة الثانية تقتضي أنّه مأخوذ من العلم.
وقد أشعر قوله «ربّ العالمين» أنّ التربية كلّها- وهي: إيصال كلّ حادث إلى كماله الذي أريد له- ليست إلّا من المولى تبارك وتعالى.
وهذه التربية على قسمين: عامة؛ وخاصّة.
فالعامّة: التربية بالإيجاد والتنمية والإمداد بالحياة والحواسّ وغيرهما مما هو مشترك بين عموم الأجساد.
والخاصّة: التربية الروحانية بالعلوم والمعارف العلمية والعملية، وضبط الحركات والسّكنات للجري على مقتضاهما. وهذه التربية هي العزيزة الشريفة الموصلة إلى الفوز برضا مولانا جلّ وعلا، والتمتّع بما لا يحاط بوصفه من نعيم الجنان أبد الآباد، وقد جعل الله سبحانه هذه التربية الخاصّة لا تحصل لأحد من أهل الأرض إلّا على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، وجعل الحاصل منها على يد نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم الحظّ الأوفر والنصيب الأكثر؛ مع سهولة فيها وقلّة معاناة، كما قال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)[البقرة/ 185] ، وقال في
حمدا يوافي نعمه، ويكافىء مزيده،
…
وصف أمّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ)[الأعراف/ 157] ، وقد عرف كثرة من تربّى على يده صلى الله عليه وسلم هذه التربية الخاصّة من حديث ورد بأن أهل الجنة مائة وعشرون صفا؛ ثمانون صفا منها لهذه الأمة، ولعلهم إن كانوا ثلثي أهل الجنة يكون لهم من الجنة ونعيمها أكثر من الثلثين؛ كثلاثة أرباع أو تسعة أعشار أو نحو ذلك، لما علم من تخصيص المولى تبارك وتعالى لهم بكرامة تضعيف الثواب لهم بالعمل والزمان والمكان والحال، فلم ينل غيرهم من الجنة إلّا اليسير، فكأنها إنما خلقت لهم ومن أجلهم.
(حمدا) ؛ أي: حمدت حمدا (يوافي نعمه) أي: يقابلها ويوجد معها بحيث يكون بقدرها؛ فلا تقع نعمة إلّا مقابلة بهذا الحمد، بحيث يكون الحمد بإزاء جميع النعم، وهذا على سبيل المبالغة بحسب ما ترجّاه، وإلّا! فكل نعمة تحتاج لحمد مستقلّ.
والنّعم جمع نعمة؛ وهي: ملائم تحمد عاقبته. ومن ثمّ قيل: لا نعمة لله على كافر، وإنما ملاذّة استدراج.
(ويكافىء) - بهمز في آخره- (مزيده) المزيد: مصدر ميمي؛ من (زاده الله النعم) أي: حمدا يساوي ويطابق نعمه التي أنعم بها علينا، المزيدة على نعم سائر الأمم الماضية؛ كفضل يوم الجمعة، وصيرورة وجه الأرض مسجدا، والتراب طهورا- مثلا-، مطابقة النعل بالنعل؛ لا ينقص عنها بأدنى نقصان.
قال أصحابنا؛ كالقاضي حسين والمتولي وإمام الحرمين والغزالي: لو حلف إنسان (ليحمدنّ الله تعالى بمجامع الحمد)، ومنهم من قال: ب «أجلّ التحاميد» ؛ فطريقه في برّ يمينه أن يقول «الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده» . قال في «الروضة» : وليس لهذه المسألة دليل معتمد، أي: من الأحاديث، وإلّا! فدليله من حيث المعنى ظاهر؛ نقله ابن حجر في «الإمداد» .
ويضاهي كرمه.
وأشهد أن لا إله إلّا الله
…
وفي «التحفة» : ولو قيل يبرّ ب: «يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك» ؛ لكان أقرب، بل ينبغي أن يتعيّن؛ لأنّه أبلغ معنى، وصحّ به الخبر. انتهى.
قال النووي في «الأذكار» : قال أصحابنا: ولو حلف إنسان «ليثنينّ على الله تعالى أحسن الثناء» ؛ فطريق البرّ أن يقول: لا أحصي ثناء عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك.
وزاد بعضهم في آخره: فلك الحمد حتّى ترضى. وصوّر أبو سعيد المتولّي المسألة؛ فيمن حلف «ليثنينّ على الله تعالى بأجلّ الثناء وأعظمه» ، وزاد في أول الذكر: سبحانك. انتهى.
(ويضاهي) أي: يشابه في الكثرة (كرمه) الواسع.
(وأشهد) ؛ أي: أعترف بلساني مع الإذعان بالقلب الذي هو حديث النفس التابع للمعرفة. ولا يكفي الاعتراف باللسان فقط- كما كان يفعله المنافقون- ولا المعرفة من غير إذعان، لأن بعض الكفّار يعرفون الحقّ لكنّهم غير مؤمنين؛ لعدم الإذعان. (أن) ؛ أي: أنّه؛ أي: الحال والشأن (لا إله إلّا الله) ، ف «أن» مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، و «لا» نافية للجنس، و «إله» اسمها مبنيّ معها على الفتح في محلّ نصب، و «إلّا» أداة حصر، ولفظ الجلالة [الله] بالرفع- بدل من الضمير المستتر في الخبر، أو [الله]- بالنصب- على الاستثناء؛ لا على البدلية من محل اسم «لا» ، لأنّها لا تعمل إلّا في النّكرات، واسم «الله» معرفة. وهل يقدّر الخبر من مادة الوجود، أو من مادّة الإمكان!؟ اختار بعضهم الأوّل؛ لأنه لو قدّر من مادة الإمكان لم يفد وجود الله تعالى، والراجح الثاني، لأنه لو قدّر من مادة الوجود لم يفد نفي إمكان غيره تعالى من الإلهية؛ مع أنّه المقصود من الكلمة المشرفة.
الملك الحقّ المبين، وأشهد
…
وأمّا وجوده تعالى!! فمتّفق عليه بين أرباب الملل كلّها، فلا ضرر في عدم إفادته على هذا التقدير. والمعنى عليه: لا إله ممكن إلّا الله، فإنّه ممكن؛ أي:
غير ممتنع. فيصدق بالواجب والجائز. والواقع أنّه واجب. والحقّ أنّ المنفيّ- في الكلمة المشرّفة- المعبود بحقّ غير الله تعالى؛ باعتبار الواقع، كما انحطّ عليه كلام الشيخ الأمير. والمعنى: لا معبود بحقّ في الواقع إلّا الله. هكذا قرّره الباجوري رحمه الله تعالى.
(الملك) - بكسر اللام؛- من الملك- بضم الميم- أي: المتصرّف بالأمر والنهي؛ سواء كان له أعيان مملوكة؛ أم لا. وأما «مالك» - بالألف-! فهو من الملك- بكسر الميم- أي: المتصرّف في الأعيان المملوكة، سواء كان متصرّفا أيضا بالأمر والنهي، أم لا. فبينهما العموم والخصوص الوجهي على هذا. والله تعالى متصرّف بالأمر والنهي، ومتصرّف في الأعيان المملوكة له، فهو ملك مالك. ولذلك قرىء بهما في قوله تعالى (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)(4)[الفاتحة] .
والتفرقة بين الملك- بضم الميم- والملك- بكسرها- عرف طارىء، وإلّا فهما لغتان في مصدر «ملك» كما قاله البيضاوي في «تفسيره» ؛ نقله الباجوري رحمه الله تعالى. (الحقّ) أي: الثابت، من: حقّ الشيء: ثبت، فهو تعالى ثابت أزلا وأبدا، فلم يسبقه عدم؛ ولا يلحقه عدم، بخلاف ما عداه! فإنّه مسبوق بعدم وملحوق به؛ ولو بالقابلية كالجنة والنار. وهو المراد بالبطلان في قوله:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
…
(المبين) أصله مبين- بسكون الباء وكسر الياء: نقلت حركة الياء إلى الساكن قبلها- ومعناه: المظهر للحقّ فيتّبع، وللباطل فيجتنب، أو المظهر للأمور العجيبة الدالّة على ملكه وحقّيّته، وهذا كلّه إن أخذ من «أبان» بمعنى: أظهر. فإن أخذ من «أبان» بمعنى: بان، أي: ظهر!! كان معناه البيّن الظاهر الذي لا خفاء فيه.
(وأشهد) إنما كرّر لفظ الشهادة مع الاستغناء عنه ب «أشهد» الأول!! لمزيد
أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله
…
الاعتناء بالشهادة المتعلّقة بنبينا صلى الله عليه وسلم (أنّ سيّدنا) ؛ أي: [سيد] جميع المخلوقات إنسا وجنّا وملائكة وغيرهم. والسيد: يطلق على الحليم الذي لا يستفزّه غضب، وعلى من كثر سواده، أي: جيشه، وعلى غير ذلك.
(محمّدا) بدل من «سيدنا» ، وهذا الاسم أشرف أسمائه صلى الله عليه وسلم وأشهرها بين العالمين، ولذا خصّت به الكلمة المشرّفة (عبده ورسوله) خبران ل «أنّ» . وإنّما قدّم الوصف بالعبودية على الوصف بالرسالة!! امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم:«ولكن قولوا عبد الله ورسوله» . ومعنى العبودية: التذلّل والخضوع. وهي وصف شريف جليل، ولذلك وصف بها في أسنى المقامات؛ كمقام الإسراء، ومقام إنزال الكتاب، وغير ذلك. ومما يعزى للقاضي عياض رحمه الله تعالى.
وممّا زادني شرفا وتيها
…
وكدت بأخمصي أطأ الثّريّا
دخولي تحت قولك يا عبادي
…
وأن صيّرت أحمد لي نبيّا
ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم: أنّ الله تعالى خاطبه بالنبوة والرسالة في القرآن؛ دون سائر أنبيائه. والنبي: رجل اختصّه الله بسماع وحيه بملك، أو دونه. وقيل: هو رجل أوحي إليه بالعمل بشرع معيّن. وقال القرافي: إنّ النبوّة ليست هي مجرّد الوحي كما يعتقده كثير، لحصوله لمن ليس ك (مريم) ؛ وليست بنبيّة على الصحيح. بل النبوة عند المحققين إيحاء الله تعالى الرجل بحكم إنشائي. انتهى.
ثم اختلف فيما يفترق به النبيّ والرسول، وما يزيد الرسول على النبي!! فقيل: إن الرسول هو النبيّ المأمور بتبليغ ما أوحي إليه. فهو أخصّ من مطلق النبيّ، لزيادته عليه بالأمر بالتبليغ. وقيل: إن حكم التبليغ والإرسال يعمّهما، وإنّما يفترقان في أمر آخر من كون الرسول يأتي بشرع جديد؛ أو نسخ لبعض شرع من قبله، أو له كتاب مخصوص، والنبيّ إنما يأتي مؤكّدا لشرع غيره؛ كيوشع بن نون، فإنه بعث مؤكّدا لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام.
ثم النبي والرسول إذا أطلقا في القرآن والسنة؛ فإنما المراد بهما نبينا
سيّد الخلق أجمعين.
اللهمّ؛
…
محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الرسول المطلق لكافّة الخلق من الأولين والآخرين. فرسالته عامّة، ودعوته تامّة، ورحمته شاملة، وإمداداته في الخلق عامّة، وكلّ من تقدّم من الأنبياء والرسل قبله؛ فعلى حسب النيابة عنه، فهو الرسول على الإطلاق.
(سيّد الخلق) قد ورد إطلاق «السيّد» عليه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة صحيحة؛ كما في حديث الترمذي: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة»
…
الحديث، وفي حديث الشفاعة:«انطلقوا إلى سيّد ولد آدم» .. وفي حديث «الصحيحين» :
«أنا سيّد النّاس يوم القيامة» .
وسيادته صلى الله عليه وسلم أعلى وأظهر وأوضح من أن يستدلّ عليها، فهو سيّد العالم بأسره من غير تقييد؛ ولا تخصيص، وفي الدنيا والآخرة.
وإنما قال في الحديث: «أنا سيّد النّاس يوم القيامة» !! لظهور انفراده بالسؤدد والشفاعة فيه من غيره حين يلجأ إليه الناس في ذلك؛ فلا يجدون سواه، وجميع الخلائق مجتمعون؛ أوّلهم وآخرهم، وإنسهم وجنّهم وفيهم الأنبياء والمرسلون، وتلك الدار دار الدوام والبقاء؛ فهي المعتبرة.
وقد كان صلى الله عليه وسلم معلوما بالسيادة نسبا وطبعا، وخلقا وأدبا، إلى غير ذلك من المكارم قبل ظهوره بالنبوة، يعرف ذلك من اعتنى بالسّير؛ وتعرّف أحواله من الصغر إلى الكبر، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه.
(أجمعين) توكيد لاستغراق أفراد المنحصر في المضاف إليه.
(اللهمّ) هو توجّه للمطلوب، وطلب لحصول المرغوب؛ بالتوسّل بالاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب؛ وإذا سئل به أعطى. ولفظ به بصيغة حذف فيها «ياء» النداء المتضمّنة لوجود البينونة النفسانية، إذ حذفها يقتضي زوال ذلك.
وتعويض الميم من حرف النداء في لفظ الجلالة! يقتضي قوّة الهمّة في الطلب
صلّ أفضل صلاة وأكملها، وأدومها، وأشملها، على سيّدنا محمّد عبدك
…
والجزم. وإنّما جعل هذا الاسم العظيم في أوائل الأدعية غالبا!! لأنه جامع لجميع معاني الأسماء الكريمة؛ وهو أصلها.
(صلّ) ، الصّلاة من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم. ولفظها مختصّ بالمعصوم؛ من نبيّ وملك؛ تعظيما لهم، وتمييزا لمراتبهم عن غيرهم.
(أفضل صلاة وأكملها) - أي: أتمّها- (وأدومها وأشملها) - أعمّها- (على سيّدنا محمّد) الصحيح: جواز الإتيان بلفظ «السيد» و «المولى» ونحوهما مما يقتضي التشريف والتوقير والتعظيم في الصلاة على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على تركه، ويقال في الصلاة وغيرها. وقال صاحب «مفتاح الفلاح» : وإياك أن تترك لفظ السيادة؛ ففيه سرّ يظهر لمن لازم هذه العبادة.
(عبدك) سمّاه الله تعالى عبدا وشرّفه بهذا الاسم، وذلك غاية التفضيل والتكريم حيث أجلّ قدره، وعظّم أمره؛ فقال (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [1/ الإسراء] . والعبد: اسم مضاف لاسم الرب والسيّد والمالك، فإن العبد من له ربّ، فمن عرف نفسه بالعبودية عرف ربّه بالربوبية. فشهود العبودية مستلزم لشهود الربوبية. ومن لا يغفل عن العبودية بالكلية هو العبد علما وحالا وتحقّقا ووجودا، وعدم الغفلة عن العبودية كمال الإنسان، وذلك موقوف على العبودية. فالعبودية كمال، وهو عين الكمال الإنساني. ولما كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كمال الرسالة وجب أن يكون له كمال العبودية. فكان صلى الله عليه وسلم أكمل الكمّل على الإطلاق، وعبوديته أكمل كلّ كمال. ولما كانت العبودية عين الكمال؛ وكان له صلى الله عليه وسلم كمال العبودية؛ أثنى الله عليه باسم العبد وسمّاه به في أشرف مقاماته، فقال تعالى (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ)[1/ الإسراء] ، وقال (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى)
(10)
[النجم] ، وقال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ)[1/ الكهف]، وكان صلى الله عليه وسلم يقول- كما في البخاري-:
«لا تطروني كما أطرت النّصارى عيسى، ولكن قولوا عبد الله ورسوله» فاستثبت
الّذي خصّصته بالسّيادة العامّة، فهو سيّد العالمين على الإطلاق، ورسولك الّذي بعثته بأحسن الشّمائل وأوضح الدّلائل؛
…
ما هو ثابت له، وأسلم لله بما هو له لا سواه. وليس للعبد إلّا اسم العبد، ولذا كان «عبد الله» أحبّ الأسماء إلى الله تعالى، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم. ولما خيّر صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا؛ اختار أن يكون نبيا عبدا. فاختار ما هو الأتمّ والأحبّ إلى الله تعالى وما يضاف إليه، لأن النبي والعبد تصحّ إضافتهما، إذ يقال «نبيّ الله» و «عبد الله» ؛ بخلاف الملك؛ إذ لا يحسن أن يقال:«ملك الله» !! لما يوهم من عكس النسبة؛ قاله الفاسي.
(الّذي خصّصته بالسّيادة العامّة) على جميع المخلوقات- أي: جعلتها مقصورة عليه؛ أي: أعطيته هذه المرتبة دون غيره-، (فهو سيّد العالمين) :
جميع الخلق؛ الإنس والجنّ والملائكة وغيرهم في الدنيا والآخرة (على الإطلاق) من غير تقييد؛ ولا تخصيص، (ورسولك) المختصّ منك بالرّسالة الجامعة الكاملة المحيطة السارية في تضاعيف الوجود بالإمداد من عين الجود؛ المستولية على أطوار العوالم وحركات أدوارها، وإدراج جزئيّاتها في أسوار كلّيّاتها على الإحاطة والشمول؛ بحكم (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)[79/ النساء]، - أي: مطلقا لم تتقيّد بقيد- ولم تختصّ رسالته بمخصّص، فهو رسول للكافّة بالكافّة من الإمداد بمنافعهم؛ من وجود ونموّ ورزق وهداية، ودلالة على طرق رشادهم، وما هو الأصلح بهم في معاشهم ومعادهم، وما يلتحق بذلك من الرحمة المرسل بها بمقتضى (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (107) [الأنبياء] (الّذي بعثته بأحسن الشّمائل) : كريم الأخلاق، وجميل الأفعال، واستقامة الطريق.
والشمائل: جمع شمال- بالكسر- وهي الأخلاق والصفات المحمودة.
(و) بعثته ب (أوضح) - أي: أبين- (الدّلائل) ؛ أي: الحجج البالغة القاطعة، والبراهين الواضحة الساطعة؛ الدالّة على صدقه وصحّة نبوّته ورسالته دلالة واضحة، كانشقاق القمر، وتسليم الحجر والشجر، وحنين الجذع، ونبع
ليتمّم مكارم الأخلاق.
صلاة تناسب ما بينك وبينه من القرب الّذي ما فاز به أحد، وتشاكل ما لديكما من الحبّ الّذي انفرد به في الأزل والأبد.
الماء من بين أصابعه، وتسبيح الحصى في كفّه، ومجيء الشجر لدعوته، وكذا شهادة الكتب المنزّلة، واتصافه بأنواع الكمالات، وما اشتمل عليه من محاسن الصفات:
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة
…
لكان منظره ينبيك بالخبر
(ليتمّم مكارم الأخلاق) قال الباجي: كانت العرب أحسن الناس أخلاقا بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلّوا بالكفر عن كثير منها؛ فبعث صلى الله عليه وسلم ليتمّم محاسن الأخلاق ببيان ما ضلّوا عنه، وبما قضي به في شرعه. انتهى.
وهذا مقتبس من حديث: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» . رواه الإمام أحمد، والحاكم، والبيهقي؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم، ورواه الإمام مالك في «الموطّأ» بلاغا؛ بلفظ «إنّما بعثت
…
الخ» .
(صلاة تناسب ما بينك وبينه من القرب) المعنويّ الذي هو قرب المكانة الرفيعة لا قرب المكان (الّذي ما فاز) - أي: ظفر- (به أحد) من الخلق، (و) صلاة (تشاكل) - أي: تشابه- (ما لديكما من الحبّ) : اسم من المحبّة، ومحبّة الله للعبد: إرادة تقريبه وإكرامه، ومحبّة العبد لله: معنى يجعله الله في قلبه، وهو تعلّق الهيبة والأنس، يعرف بآثاره ويظهر بأنواره، وهو الذي يقطع الوساوس، ويلذّ بالخدمة، ويسلّي عن المصائب، ويبعث على إيثار الحق على كلّ شيء، ولا يزال مجموعا على ربّه بكلّيّته؛ فبدنه للخدمة، وقلبه للذكر، وروحه للمحبّة، وسرّه للمشاهدة، وهو مقام الحبيب (الّذي انفرد به)، ويعطي كلّ من أهّل له على مقدار ما قسم له منه؛ نبيّا كان أو وليّا. وقوله (في الأزل والأبد) الأزل: استمرار
صلاة لا يعدّها ولا يحدّها قلم ولا لسان، ولا يصفها ولا يعرفها ملك ولا إنسان. صلاة تسود كافّة الصّلوات كسيادته على كافّة المخلوقات. صلاة يشملني نورها من جميع جهاتي في جميع أوقاتي، ويلازم ذرّاتي في حياتي وبعد مماتي. وعلى آله
…
الوجود في أزمنه مقدّرة غير متناهية في جانب الماضي، والأبد: استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب المستقبل.
(صلاة لا يعدّها) - أي: لا يحصيها- (ولا يحدّها) المراد حدّ العدد ومنتهاه: أي لا ينهيها (قلم) بالكتابة، (ولا لسان) بالكلام، (ولا يصفها) أي: ينعتها- (ولا يعرفها ملك ولا إنسان) لعظمها وكثرتها، فلا يحاط بها ولا يدرى حقيقتها.
(صلاة تسود) ؛ أي: تشرف وتفضل (كافّة) - أي: جميع- (الصّلوات) التي صلّى بها الناس عليه صلى الله عليه وسلم؛ أي: تصير أفضل عند التفاضل (كسيادته) الجامعة لجوامع السؤدد؛ أي: مثل سيادته؛ أو فضله (على كافّة المخلوقات) ؛ فيكون فضل صلاة المصنّف على صلاة الناس مطابقة لفضله صلى الله عليه وسلم على الناس، وبينهما بون بعيد، لأنّه أفضل الخلق على الإطلاق، فتكون الصلاة المطلوبة أفضل الصلوات على الإطلاق.
(صلاة يشملني) - أي: يعمّني- (نورها من جميع جهاتي) الستّ: يمين، وشمال، وأمام، وخلف، وفوق، وتحت (في جميع) أجزاء (أوقاتي) الليليّة والنهاريّة، (ويلازم جميع ذرّاتي) : - أجزائي- (في) حال (حياتي وبعد مماتي) ، والقصد من ذلك إحاطة النور به، وتعميم جوارحه، وعدم مفارقته لذلك النور؛ ولو بعد موته، وذلك ببركة الصلاة والسلام على سيّد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام (وعلى آله) ، فصل بينه وبين آله ب «على» !! ردّا على الشيعة، فإنّهم يمنعون ذلك، وينقلون فيه حديثا موضوعا لفظه:«من فرّق بيني وبين آلي ب «على» لم تنله شفاعتي» .
الأطهار، وأصحابه الأخيار،
…
والصحيح جواز إضافة «آل» إلى الضمير. وآل نبيّنا عند الشافعي: مؤمنو بني هاشم والمطلب، وهذا بالنسبة للزكاة؛ دون مقام الدعاء. ومن ثمّ اختار الأزهريّ وغيره من المحققين أنّهم هنا «كلّ مؤمن تقيّ» لحديث فيه.
(الأطهار) جمع: طهير وطهر؛ كما في «القاموس» أي: المطهّرين في عناصرهم، وهو مقتبس من قوله تعالى (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(33)[الأحزاب]، وفي وصف «الآل» بالأطهار تصريح بأنهم مستحقّون للصلاة عليهم تبعا له صلى الله عليه وسلم كما علمناه في حديث: كيف نصلّي عليك!! قال: «قولوا اللهمّ؛ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد» ولم يقل: «آل محمد الأتقياء» أو السالمين من المعاصي والتبعات
…
أو نحو ذلك، فدلّ على أن ذلك حقّ لهم كيفما كانوا. ولله درّ الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى آمين- حيث يقول:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم
…
فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم القدر أنّكم
…
من لّم يصلّ عليكم لا صلاة له
فظهر بهذا أن تارك الصلاة على الآل تارك لفضيلة عظيمة وسنّة جسيمة.
(وأصحابه) اسم جمع ل «صاحب» ، بمعنى الصحابي؛ وهو: من اجتمع مؤمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد نبوته في حال حياته ومات على ذلك؛ ولو أعمى، أو غير مميز، أو ملكا، أو جنيّا- على الأصح- كما شملته «من» .
وهم أفضل من آل لا صحبة لهم. وإنما قدّم الآل؛ لأنّ الصلاة وردت عليهم بالنصّ، وأما الصلاة على الصحب؛ فبالقياس.
(الأخيار) فيه إشارة إلى أنّ الصحابة كلّهم عدول، وأنّ طعن
وسلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد:
الطاعن في بعضهم غير مرضيّ ولا مقبول. وبين الآل والصّحب عموم وخصوص من وجه؛ لاجتماع الآل والصحب فيمن كان من أقاربه واجتمع به؛ كسيدنا علي بن أبي طالب، وانفراد الآل فيمن كان من أقاربه ولم يجتمع به؛ كأشراف زماننا هذا، وانفراد الصحب فيمن اجتمع به ولم يكن من أقاربه؛ كأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه. (وسلّم تسليما كثيرا) السلام: هو تسليمه من كلّ آفة ونقص.
(أمّا بعد) كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر. وأتى بها!! تأسّيا به صلى الله عليه وسلم، فإنّه كان يأتي بها في خطبه ونحوها كما صحّ عنه، بل رواها عنه اثنان وثلاثون صحابيا؛ كما قاله ابن علّان. وقال الزرقاني: روى ذلك أربعون صحابيا؛ كما أفاده الرهاوي في «أربعينه» المتباينة الأسانيد. انتهى.
وأوّل من قالها داود عليه السلام كما قيل- فهي «فصل الخطاب» الذي أوتيه. لأنها تفصل بين المقدمات والمقاصد، والخطب والمواعظ. قال العلقمي في «حاشية الجامع الصغير» : وبهذا قال كثير من المفسرين.
وقيل: أول من قالها قسّ بن ساعدة الإيادي، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل:
يعرب بن قحطان، وقيل:«سحبان وائل» بالإضافة الذي كان في الجاهلية، لا سحبان بن وائل الذي كان في زمان معاوية، خلافا لمن وهم فيه. نبّه عليه البلغيثي عن التلمساني في «حاشية الشفا» . قال: ولا يدلّ قول سحبان بن وائل:
«لقد علم الحيّ اليمانون أنّني
…
إذا قلت: «أمّا بعد» أنّي خطيبها»
على أنّه أوّل من قالها. انتهى.
وعلى هذه الأقوال ف «فصل الخطاب» الذي أوتيه داود عليه الصلاة والسلام هو: «البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر» .
فقد خطر لي أن أجمع كتابا أجعله وسيلة لبلوغي من رضا الله تعالى ورسوله المرام، وذريعة للانتظام في سلك خدّامه
…
وقال المحققون: فصل الخطاب الفصل بين الحق والباطل.
وهي ظرف مبنيّ على الضّم؛ كغيره من الظروف المقطوعة عن الإضافة.
ويجوز ضمّ الدّال مع التنوين، كما يجوز نصبه منّونا؛ وغير منوّن.
ووجوه ذلك مفصّلة في كتب النحو؛ ك «شرح القطر» وغيره.
وهي ظرف زمان كثيرا؛ ك «جاء زيد بعد عمرو» ، وظرف مكان قليلا؛ ك «دار زيد بعد دار عمرو» . وهي هنا صالحة للزمان باعتبار اللفظ، وللمكان باعتبار الرّقم. ولكون «أمّا» نابت مناب اسم الشرط الذي هو «مهما» ؛ أجيبت بالفاء، إذ التقدير: مهما يكن من شيء بعد ما تقدّم من الحمد والشهادتين والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم؛ (فقد خطر لي) . الخاطر: ما يخطر في القلب من تدبير أمر، فيقال: خطر ببالي، وعلى بالي، خطرا، وخطورا من بابي «ضرب، وقعد» ؛ (أن أجمع) ؛ أي: أؤلّف (كتابا) - أي- مكتوبا، وتنوينه للتعظيم.
وهو- في الأصل- مصدر سمّي به المكتوب على التوسّع، ثم غلب في العرف على جمع من الكلمات المستقلة بالتعيين المفردة بالتدوين (أجعله وسيلة) - أي: سببا- (لبلوغي) : وصولي (من رضا الله تعالى) . هو كناية عن فعله به ما يفعل الراضي عمن يرضى عنه. وهو إيصال الخير إليه، لأن البلوغ الوصول والانتهاء إلى غاية مقصودة، لكن مع اعتبار ضرب من التمكّن والقوّة، لأنّ المادّة بتقاليبها دائرة على هذا المعنى، والغاية المقصودة هنا رضا الله تعالى، (و) رضا (رسوله) صلى الله عليه وسلم، وذلك غاية المطالب والمقاصد. وقوله (المرام) أي: المطلوب مفعول «بلوغي» ، كقوله تعالى (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) (8) [مريم] (وذريعة) أي:
وسيلة (للانتظام) أي: الاندراج (في سلك) - بكسر السين- أصل معناه:
الخيط، ومقصوده بذلك التقرّب إليه صلى الله عليه وسلم حتى يكون معدودا من جملة (خدّامه) بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة-: جمع خادم مثل كاتب وكتّاب،
عليه الصّلاة والسّلام.
ثمّ نظرت إلى قلّة علمي،
…
والمراد كونه من المشتغلين بخدمة الجناب النبوي لينخرط في سلك المحبوبين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدلي بدلوه معهم في بحر فضله الذي لا يخيب قاصده، ولا يظمأ وارده، مستمطرا سحائب إحسانه، مستنزلا غزير برّه وامتنانه، لأنّ أدنى انتساب إليه صلى الله عليه وسلم يحصل غاية النفع والشرف، إذ لم يخلق الله خلقا أكرم عليه منه صلى الله عليه وسلم، ولم يخلق جاها أعظم من جاهه؛ فيحصل لخادمه من الجاه بحسب ماله صلى الله عليه وسلم من العزّ والشرف.
قال سيّدي عبد الوهّاب الشعراني: ما في الوجود من جعل الله له الحلّ والربط، دنيا وأخرى؛ مثل النبي صلى الله عليه وسلم، فمن خدمه على الصدق والمحبّة والوفاء، دانت له رقاب الجبابرة، وأكرمه جميع المؤمنين كما ترى ذلك فيمن كان مقرّبا عند ملوك الدنيا. ومن خدم السيّد خدمته العبيد. وكما أن غلام الوالي لا يتعرّض له إذا سكر مثلا؛ إكراما للوالي، فكذلك خدّام النبي صلى الله عليه وسلم لا تتعرض لهم الزبانية يوم القيامة؛ إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد فعلت الحماية مع التقصير ما لا تفعله كثرة الأعمال الصالحة مع عدم الاستناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاستناد الخاصّ. ولله درّ من قال:
وإذا ما الجناب كان عظيما
…
مدّ منه لخادميه لواء
وإذا عظّمت سيادة متبو
…
ع أجلّ أتباعه الكبراء
وقد كان المصنّف رحمه الله تعالى ممّن له القدح المعلّى في خدمة الجناب النبوي؛ بالتأليف والمديح والصلوات ونشر علوم السنة النبوية، نظمنا الله تعالى في سلك أحبابه المتعلّقين بجنابه عليه الصلاة والسلام بمنّه وكرمه. آمين.
(ثمّ نظرت إلى قلّة علمي) . في «القاموس» : نظره ونظر إليه؛ نظرا، ومنظرا: تأمّله بعينه. قال الشارح: هكذا فسّره الجوهري. وفي «البصائر» :
والنظر أيضا تقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته. وقد يراد به التأمّل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص. وقوله تعالى (قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ) [يونس/ 101]- أي: تأمّلوا-.
وضعف فهمي، وكثرة ذنوبي، ووفرة عيوبي.. فأحجمت إحجام من عرف حدّه فوقف عنده، ثمّ تخطّرت سعة الكرم، وكوني من أمّة هذا النّبيّ الكريم.. فأقدمت إقدام الطّفل على الأب الشّفيق الحليم،
…
واستعمال النظر في البصر أكثر استعمالا عند العامّة، وفي البصيرة أكثر استعمالا عند الخاصّة. ويقال: نظرت إلى كذا؛ إذا مددت طرفك إليه، رأيته؛ أو لم تره، ونظرت إليه إذا رأيته وتدبّرته، ونظرت في كذا: تأمّلته. ثم قال: وإذا قلت «نظرت إليه» لم يكن إلّا بالعين، وإذا قلت «نظرت في الأمر» ؛ احتمل أن يكون تفكّرا وتدبرا بالقلب. انتهى.
(وضعف فهمي) هذا منه تواضع رحمه الله تعالى، (وكثرة ذنوبي) ؛ جمع ذنب، وهو الإثم والمعصية. وقد أذنب الرجل صار ذا ذنب. وقد قالوا: إن هذا من الأفعال التي لم يسمع لها مصدر على فعلها، لأنه لم يسمع إذناب ك «إكرام» ، (ووفرة)، أي: كثرة (عيوبي) ؛ جمع عيب: وهو الوصمة (فأحجمت) عمّا أردت من تأليف الكتاب المذكور، أي: كففت عنه. يقال «حجمته عن الشيء» ؛ أي كففته عنه، وأحجم هو عنه أي: كفّ. وهو من النوادر مثل: كببته فأكبّ؛ قاله الجوهري (إحجام)، أي: إحجاما مثل إحجام (من عرف حدّه) - أي:
عرف نفسه بالقصور- (فوقف عنده) أي: عند حدّه، حيث كان قاصرا عن بلوغ هذه الرتبة.
(ثمّ تخطّرت) أي: تذكّرت (سعة الكرم) من الله سبحانه وتعالى، (و) تخطّرت (كوني من أمّة هذا النّبيّ الكريم ف) رجوت أن يكرمني الله بنيل هذا الأرب؛ لأجل نبيه صلى الله عليه وسلم فقوي رجائي، و (أقدمت) على تنفيذ هذا العزم، وهو تأليف الكتاب (إقدام) أي: إقداما مثل إقدام (الطّفل على الأب) أي: أبيه (الشّفيق) كثير الشفقة (الحليم) على ولده؛ فلا يعاقبه إذا أساء، لأن حلمه وشفقته يمنعانه. والنبي صلى الله عليه وسلم هو أبو المؤمنين، وأزواجه أمهاتهم، لا سيما
بعد أن سمعت قول الله تعالى: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)[التوبة: 128] .
فكم من أعرابيّ فدم، لا أدب له
…
(بعد أن سمعت قول الله تعالى) في سورة التوبة واصفا له بالرحمة والرأفة لأمته، حيث قال (لَقَدْ جاءَكُمْ) - أيها العرب- (رَسُولٌ) - هو محمد صلى الله عليه وسلم (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) - أي: منكم تعرفون نسبه وحسبه، وأنّه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. وهو ترغيب للعرب في نصره، فإنّه تم شرفهم بشرفه، وعزّهم بعزه، وفخرهم بفخره، فإنه من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة والعفاف وطهارة النسب والأخلاق الحميدة- (عَزِيزٌ) - أي: شديد- (عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) - أي: عنتكم، أي مشقّتكم ولقاؤكم المكروه (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) أن تهتدوا- (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ) - شديد الرحمة- (رَحِيمٌ) (128) مريد لهم الخير. وقيل: بالمؤمنين رؤوف؛ أي: بالطائعين منهم، رحيم بالمذنبين. قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من أنبيائه اسمين من أسمائه تعالى إلّا للنبي صلى الله عليه وسلم فسمّاه رؤوفا رحيما. وقال (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)(65)[الحج] .
(فكم) خبرية، بمعنى عدد كثير ومميّزها قوله (من أعرابيّ) فهو مجرور ب «من» ؛ كما في قوله تعالى (* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ)[النجم/ 26]، والأعرابيّ:
ساكن البادية (فدم) - بفتح فسكون- هو من الناس العييّ عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلّة فهم، وهو أيضا: الغليظ الأحمق الجافي؛ كما في «القاموس» . ويصحّ إرادة كلّ من المعنيين هنا.
(لا أدب له)، قال الحافظ السيوطي في «التوشيح» : الأدب: استعمال ما يحمد قولا وفعلا. وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق. وقيل: الوقوف مع المستحسنات. وقيل: تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، يقال: إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سمّي به!! لأنّه يدعى إليه. انتهى.
ولا فهم، ولا عقل له ولا علم، ولا كرم ولا حلم.. قابل جنابه الشّريف بما غضب له المكان والزّمان،
…
(ولا فهم) الفهم: سرعة انتقال النفس من الأمور الخارجية إلى غيرها.
وقيل: الفهم تصوّر المعنى من اللفظ. وقيل: هيئة للنفس يتحقق بها ما يحسن.
وفي «إحكام الآمدي» :
الفهم جودة الذهن من جهة تهيّئه لاقتناص ما يرد عليه من المطالب.
(ولا عقل له) كامل. والعقل: نور روحاني يقذف به في القلب؛ أو الدماغ، به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية. واشتقاقه من العقل؛ وهو:
المنع!! لمنعه صاحبه عما لا يليق، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو ويزيد إلى أن يكمل عند البلوغ. وقيل: إلى أن يبلغ أربعين سنة، فحينئذ يستكمل عقله، كما صرّح به غير واحد. وفي الحديث:«ما من نبيّ إلّا نبّىء بعد الأربعين» وهو يشير إلى ذلك.
(ولا علم) العلم: هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع لموجب. وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل. والأوّل أخصّ من الثاني. وقيل:
العلم هو إدراك الشيء على ما هو به. وقيل: زوال الخفاء من المعلوم، والجهل نقيضه. وقيل: العلم صفة راسخة يدرك بها الكليات والجزئيات. وقيل: العلم وصول النفس إلى معنى الشيء. وقيل: هو مستغن عن التعريف.
(ولا كرم) الكرم: هو الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه.
(ولا حلم) الحلم: حالة توقّر وثبات عند الأسباب المحركات.
(قابل جنابه الشّريف) الجناب- بفتح الجيم- أصله الجانب؛ وهو: شقّ الإنسان.
فكأنّ للإنسان شيئا محسوسا يسمّى بالجناب والقدر؛ يحتشم صاحبه لأجله.
والمراد هنا: ذاته صلى الله عليه وسلم. والمعنى: فكم من أعرابيّ جلف واجهه صلى الله عليه وسلم (بما) أي:
بخلق سيّء (غضب له) أي: لأجل ذلك الخلق الصادر منه (المكان والزّمان) ؛
وخاطبه بما عبس له وجه السّيف واحتدّ له لسان السّنان
…
غيرة عليه صلى الله عليه وسلم أن تنتهك حرمته؛ كما وقع له مع قومه الذين وطئوا ظهره، وأدموا وجهه، وكسروا رباعيته، فأبى أن يقول إلّا خيرا. وقال:«اللهمّ؛ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون» . ولما تصدّى له غورث بن الحارث ليفتك به ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية تحت شجرة وحده قائلا؛ والناس قائلون في غزوة ذات الرقاع، فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا وهو قائم بيده السيف صلتا. فقال: من يمنعك مني؟. فقال:
«الله» . فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال:«من يمنعك منّي؟» قال: كن خير آخذ. فتركه وعفا عنه، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابيّ بردائه جبذة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد؛ احمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك؛ ولا من مال أبيك. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:«المال مال الله وأنا عبده» ، ثم قال:«ويقاد منك يا أعرابيّ ما فعلت بي!» قال: لا.
قال: «ولم؟» قال: لأنّك لا تكافىء بالسيئة السيئة!! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى آخر تمر.
وإسناد الغضب إلى الزمان والمكان مجار عقلي لوقوعه فيهما.
(و) كم من أعرابي غليظ الطبع (خاطبه) صلى الله عليه وسلم (بما)، أي: بكلام خشن (عبس) من باب (ضرب) عبوسا: قطب وجهه فهو عابس (له)، أي: لأجل هذا الكلام (وجه السّيف، واحتدّ) أي: غضب (له لسان السّنان) - بكسر السين؛ ككتاب. المراد به الرمح- ومعناه في الأصل: نصل الرمح؛ أي:
حديدته. يعني أنّه استحق القتل، فكأنّ السيف والرمح هاج بهما الغضب على هذا الأعرابي يريدان الانتقام منه؛ نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كما وقع له صلى الله عليه وسلم مع الرجل الذي قال له: اعدل؛ فإنّ هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، فلم يردّ عليه إلّا بقوله:
فكان جوابه الإغضاء، والعفو عمّن أساء، بل أدناه وقرّبه، وما لامه وما أنّبه، بل أفرغته أخلاقه المحمّديّة في قالب
…
«ويحك فمن يعدل إن لم أعدل!! خبت وخسرت إن لم أعدل» ، ونهى من أراد من أصحابه قتله.
وفي الكلام استعارتان بالكناية؛ حيث شبّه كلا من السيف والسنان بإنسان يريد الانتقام نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وحذف المشبّه به الذي هو الإنسان، ورمز له بشيء من لوازمه؛ وهو الوجه واللسان، والعبوس والاحتداد (ترشيح)«1» .
(فكان جوابه) صلى الله عليه وسلم لذلك المسيء (الإغضاء)، أي: الإمساك وعدم المؤاخذة. وفي «المصباح» : أغضى عينيه: قارب بين جفنيهما. ثم استعمل في الحلم فقيل: أغضى؛ إذا أمسك عفوا عنه. وفي «المحكم» : أغضى على قذى، صبر على أذى. انتهى.
(و) كان جوابه (العفو عمّن أساء) ، لأنّه صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه إلّا أن تنتهك حرمات الله تعالى؛ فينتقم لله. كما عفا عن اليهودية التي سمّته في الشاة بعد اعترافها، ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره؛ وقد أعلم به وأوحي إليه بشرح أمره!! (بل أدناه) ؛ أي: ذلك الأعرابي المسيء (وقرّبه) عطف تفسير، (وما لامه) : عذله، (وما أنّبه) أي: عنّفه. يقال: أنّبه تأنيبا: عنّفه ولامه ووبّخه، والتأنيب أشدّ العذل؛ وهو التوبيخ والتثريب. والتأنيب المبالغة في التوبيخ والتعنيف، ومنه حديث توبة كعب بن مالك: ما زالوا يؤنّبوني.
(بل أفرغته أخلاقه المحمّديّة) أي: صبّته (في قالب) - بفتح اللام وكسرها-: هو الشيء يفرغ فيه الجواهر ليكون مثالا لما يصاغ منها، وهو دخيل.
والصواب أنّه معرّب، وأصله كالب، لأن هذا الوزن ليس من أوزان العرب ك «الطابق» ونحوه؛ وإن ردّه الشهاب في «شرح الشفا» بأنه غير صحيح، فإنها
(1) الترشيح: ضرب من ضروب البلاغة، بمعنى: تأكيد المعنى السابق.
كيمياء السّعادة بأيادي الإحسان، حتّى اضمحلّت حدّة ذلك الوحش وانقلبت حديدته جوهرة إنسان، فتبدّل بغضه بالحبّ، وبعده بالقرب، وحربه بالسّلم، وجهله بالعلم
…
دعوى خالية عن الدليل. وصيغته أقوى دليل على أنّه غير عربي، إذ فاعل- بفتح العين- ليس من أوزان العرب، ولا من استعمالاتها. انتهى «شرح القاموس» .
(كيمياء السّعادة) المراد بذلك تهذيب النفس باجتناب الرذائل وتزكيتها عنها، واكتساب الفضائل وتحليتها بها. والكيمياء لغة مولّدة من اليونان؛ أصل معناها الحذق والحيلة؛ قاله الخفاجي.
(بأيادي الإحسان) جمع يد؛ وهي الجارحة. ثم أطلقت على النعمة مجازا.
ويحتمل أن يكون المعنى بأياد هي الإحسان، فالإضافة بيانيّة.
(حتّى اضمحلّت) : ذهبت (حدّة) - بكسر الحاء وتشديد الدّال المهملتين-:
هي ما يعتري الإنسان من الخفّة والطيش والغضب، تقول: حددت على الرجل أحدّ بالكسر- حدّة أيضا؛ عن الكسائي. (ذلك الوحش) أصل الوحش: حيوان البرّ الّذي لا يستأنس. فشبه به الإنسان الذي لم يتهذّب بالأخلاق الحسنة بجامع النّفرة من كلّ، (وانقلبت) أي: تبدّلت (حديدته) : القطعة من الحديد المعروف (جوهرة إنسان) كامل بالإضافة. والمراد أنّ هذا الأعرابي الجلف الذي كان سيّء الأخلاق نافرا كالوحش يشبه الحديد في القسوة؛ لمّا أشرقت عليه شمس النبوة، ورأى تلك الطلعة البهيّة، وأبصر الأخلاق المحمدية، وسمع الحكم المصطفيّة «1» ؛ تهذّبت نفسه، وحسنت أخلاقه، وتغيّرت طباعه؛ (فتبدّل بغضه) للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وللإسلام (بالحبّ) لهما، (و) تبدّل (بعده) عنهما (بالقرب) منهما، (و) تبدّل (حربه بالسّلم) - بكسر السين: الصلح- (و) تبدّل (جهله بالعلم) .
(1) تقتضي قواعد اللغة: المصطفوية.
واستحال إنسانا بعد أن كان ثعبانا، وصار حبيبا بعد أن كان ذيبا.
فهذا وأمثاله من شواهد مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم..
أطمعني بإمكان قبولي في جملة خدمه، ودخولي في عداد حشمه، ولا يبعد عن سعة كرم الله تعالى أن يهب لي إكراما لرسوله فوق ما أمّلته من الرّضا والقبول.
وللجلال السيوطي رحمه الله تعالى فيما يقال بكسر أوّله وضدّه بفتح أوله، هذان البيتان:
عن الأوائل أسماء أوائلها
…
بالكسر جاء، وأضداد لها فتحا
العلم والحلم والسّلم الغنى وتلا
…
خصب وفتح لأضداد لها وضحا
وذيّل عليهما السيد المرغني حفيد السيد محمد عثمان المرغني في «شرحه» لمولد جدّه المذكور ذاكرا أضداد ذلك؛ وهو ما كان أوّله مفتوحا؛ فقال:
وذاك جهل وحرب يا فتى سفه
…
جدب وفقر لربّ فضله طفحا
(واستحال) أي: صار (إنسانا) حقيقيّا (بعد أن كان) إنسانا صوريّا يشبه في أخلاقه (ثعبانا)، وهو: الحية الضخمة الطويلة تصيد الفأر، (وصار حبيبا بعد أن كان ذيبا) ؛ أي: كالذيب في الخبث والدّهاء.
(فهذا؛ وأمثاله من شواهد مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم أطمعني)، أي: جعلني طامعا (بإمكان قبولي في جملة خدمه) المشتغلين بنشر محاسنه ونصرة دينه، (ودخولي في عداد) - بكسر العين المهملة: المثل- (حشمه) - بفتح أوّليه للواحد والجمع- وهم خاصّة الرجل الذين يغضبون له من أهل وعبيد أو جيرة؛ إذا أصابه أمر. وفي «الصحاح» : حشم الرجل: خدمه ومن يغضب له. سمّوا بذلك!! لأنهم يغضبون له. انتهى.
(ولا يبعد عن سعة كرم الله تعالى أن يهب لي) أي: يعطيني (إكراما لرسوله) مفعول لأجله- (فوق) - أي: زيادة على- (ما أمّلته) ؛ أي: رجوته (من الرّضا والقبول) بيان ل «ما» .
وها أنا قد توكّلت عليه سبحانه، وقبضت قبضة من أثر الرّسول، فجمعت هذا الكتاب
…
(وها) - بفخامة الألف- حرف تنبيه للمخاطب ينبّه بها على ما يساق إليه من الكلام. وتفصل «ها» التنبيه المذكورة من اسم الإرشاة ب (أنا) وأخواته من ضمائر الرفع المنفصلة كثيرا، نحو: ها أنا ذا أفعل كذا. والإخبار عن هذا الضمير بغير اسم الإشارة كما هنا شاذّ؛ كما صرح به ابن هشام في «حاشية التسهيل» ؛ وإن وقع في ديباجة «المغني» حيث قال: (وها أنا بائح بما أسررته) . ومثله قول المصنف.
(قد توكّلت عليه سبحانه) قيل: التوكّل ترك تدبير النفس، والانخلاع عن الحول والقوة. وهو فرع التوحيد والمعرفة، (وقبضت قبضة من أثر الرّسول) .
هذا اقتباس، وهو جائز عند المالكية والشافعية باتفاق، غير أنّهم كرّهوه في الشعر خاصّة. هكذا حكى اتفاق المذهبين الشيخ داود الشاذلي الباهلي. وقد نصّ على جوازه القاضي عياض، وابن عبد البر، وابن رشيق، والباقلاني، وهم من أجلّة المالكية، والنووي شيخ الشافعية، ورواه الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد إلى الإمام مالك أنّه كان يستعمله. قال السيوطي: وهذه أكبر حجّة على من يزعم أن مذهب مالك تحريمه، وقد نفى الخلاف في مذهبه الشيخ داود، وهو أعرف بمذهبه، وأما مذهبنا!! فأنا أعرف أنّ أئمّته مجمعون على جوازه، والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم. فمن نسب إلى مذهبنا تحريمه، فقد فشر، وأبان عن أنه أجهل الجاهلين. انتهى ذكره الزرقاني على «المواهب» .
(فجمعت هذا الكتاب)، قال الأردبيلي: يطلق الكتاب على مطلق الخطّ، وعلى الكلام المكتوب؛ تسمية لاسم المفعول بالمصدر، وعلى مطلق الكلام؛ اتساعا، كما في قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ)[105/ النساء] .
ثمّ شاع استعماله في التعارف فيما جمع فيه الألفاظ الدالّة على نوع من المعنى،
من آثاره في شمائله الشّريفة صلى الله عليه وسلم، وأدخلت فيه جميع الشّمائل الّتي رواها الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى التّرمذيّ أو أكثر، لما بين المصدر والمكان من التعلّق الخاصّ، فيقال: أتاني كتاب عن فلان، وسيّرت إلى فلان كتابا، ومنه (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا)[28/ النمل] وأمّا في عرف المؤلفين؛ فيطلق تارة على مكتوب مشتمل على حكم أمر مستقل منفرد عن غيره؛ وعن آثاره ولواحقه وتوابعه وأسبابه وشروطه، وتارة على مكتوب مشتمل على مسائل علم أو أكثر. وقد يسمّى ذلك المكتوب باسم خاصّ، وهو المراد هنا.
(من آثاره) ؛ أي: محاسنه (في شمائله) جمع شمال- بالكسر- أي:
أخلاقه (الشّريفة صلى الله عليه وسلم وصفاته المحمودة، (وأدخلت) - أي: أدرجت- (فيه) ؛ أي: في هذا الكتاب (جميع) كتاب ( «الشمائل) النبوية» (الّتي رواها) بأسانيده (الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى) بن سورة بن موسى بن الضحّاك؛ (التّرمذيّ) . قال الأصفهاني في كتابه «لبّ اللباب في الأنساب» :
التّرمذي- بضمّ التاء، وفتحها، وكسرها- نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له:«جيحون» ، خرج منها جماعة، منهم: الترمذي صاحب «الجامع» و «العلل» . انتهى. وسكت عن بيان حركة ميمه، وبيّنها أصل أصله:
السمعانيّ، وعبارته: التّرمذي؛ بكسر المثناة من فوق والميم، وبضمّها، وبفتح المثناة وكسر الميم. انتهى. وفي الراجح من هذه اللغات خلاف. فقال ابن سيّد الناس: المتداول بين أهل تلك المدينة فتح التاء وكسر الميم، والذي نعرفه قديما كسرهما معا، والذي يقوله المتقنون أهل المعرفة بضمّهما. وكلّ واحد يقول لها معنى يدّعيه. انتهى.
وفي «طبقات الحفاظ» للذهبي: قال شيخنا ابن دقيق العيد: ترمذ- بالكسر- هو المستفيض على الألسنة حتى يكاد يكون كالمتواتر. وقال الباجي: سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري يقول: هو بضمّ التاء. انتهى. وهو الحافظ الضرير أحد الأئمة الستّة، قيل: إنّه ولد أكمه، طاف البلاد فسمع من قتيبة وعلي بن حجر
رضي الله تعالى عنه بعد حذف مكرّرها وأسانيدها، ولم أتقيّد بترتيبه وتبويبه، بل سلكت أسلوبا غير أسلوبه، وأضفت إليها من كتب الأئمّة الآتي ذكرهم أكثر منها بكثير،
…
وأبي كريب وخلائق، وأخذ علم العلل والرجال عن البخاري، وروى عنه حمّاد بن شاكر، وأحمد بن حسنويه، ومحمد بن أحمد بن محبوب، وآخرون. وقد سمع منه البخاري أيضا. قال ابن حبان في «الثقات» : كان ممّن جمع وصنّف وحفظ وذاكر.
ولد سنة: - 209- مائتين وتسع- بتقديم المثناة على المهملة- قال المستغفري: مات في شهر رجب سنة: - 279- تسع- بتقديم المثناة على المهملة- وسبعين- بتقديم المهملة على الموحدة- ومائتين، فعمره سبعون سنة بتقديم المهملة على الموحدة-. (رضي الله تعالى عنه) ورحمه رحمة واسعة.
آمين.
(بعد حذف مكرّرها) أي: حذف الأحاديث المكرّرة فيها من نوع واحد بدون زيادة. (و) بعد حذف (أسانيدها) جمع إسناد؛ وهو: الإخبار عن طريق المتن، والسند: رجال المتن. وقيل: هما بمعنى وعليه جرى الجلال السيوطي في «ألفيته» حيث قال:
والسّند الإخبار عن طريق
…
متن كالاسناد لدى فريق
وعبّر المصنف بالحذف الذي يكون عادة بعد الذكر!! إشعارا بأن السند مما يعتني به أرباب الإتقان، فكأنّه ذكره ثم حذف، ولو عبّر بالترك ونحوه لما فهم ذلك.
(ولم أتقيّد بترتيبه)، أي: الترمذي، (و) لم أتقيّد بألفاظ (تبويبه) أي:
تراجم الأبواب، (بل سلكت أسلوبا غير أسلوبه) أي: طريقة غير طريقته، (وأضفت) ؛ أي: ضممت (إليها) - أي: «شمائل الترمذي» - (من كتب الأئمّة الآتي ذكرهم) زيادات (أكثر منها) ؛ أي: «الشمائل الترمذية» .
(بكثير) ؛ بحيث أن الزيادة تبلغ نحو ثلاثة أمثال «الشمائل الترمذية» .
وألحقت بغريب الألفاظ ما تدعو إليه الحاجة من ضبط أو تفسير.
فجاء كتابا حافلا ليس له في بابه نظير.
وسمّيته: «وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول» وهذا بيان الكتب الّتي نقلته منها، ورويته عنها:
1-
«كتاب الشّمائل» للإمام التّرمذيّ.
2-
«المصابيح»
…
(وألحقت بغريب الألفاظ) اللغوية، أي: التي هي غير مألوفة الاستعمال، أي: أتبعتها (ما تدعو إليه الحاجة من ضبط) لحروفه نحو «بالفوقية، أو التحتية» وبيان ما قد يشتبه من الحركات، (أو تفسير) أي: شرح معنى للفظ خفيّ؛ بأن يكون فيه غموض بحيث يعسر فهم معناه من مبناه إلّا للعارف، أو تكون دلالته فيها غموض، بأن يكون ذلك اللفظ مصروفا عن ظاهره لمقتض.
(فجاء) - أي: فبعد إتمامه- على الكيفية التي ذكرها صار (كتابا حافلا ليس له في بابه نظير) ، لما جمع فيه مما تفرّق في غيره؛ من صحيح الأخبار ومشهورها؛ المشتملة على شمائله وأخلاقه الحميدة وعباداته وغيرها.
(وسمّيته «وسائل الوصول) - الوسائل: جمع وسيلة؛ وهي ما يكون سببا لتحصيل شيء- (إلى شمائل الرّسول» ) صلى الله عليه وسلم.
(وهذا بيان) أسماء (الكتب الّتي نقلته منها، ورويته عنها:
كتاب «الشّمائل» للإمام) أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) الحافظ الضرير، وقد تقدّمت ترجمته قريبا.
(المصابيح) أي: كتاب «مصابيح السنة» ، قيل: إنّ مؤلّفه لم يسمّه ب «المصابيح» نصّا منه، وإنما صار هذا الاسم علما بالغلبة من حيث إنّه قال في مقدّمتها: أما بعد؛ فهذه ألفاظ
…
إلى أن قال: هن مصابيح الدجى
…
الخ.
قسمه مؤلفه إلى صحاح وحسان، مريدا بالصحاح: ما أخرجه الشيخان: البخاري
للإمام البغويّ.
3-
«الإحياء» للإمام الغزاليّ.
ومسلم، أو أحدهما. وبالحسان: ما أخرجه أرباب السنن الأربعة مع الدارمي، أو بعضهم؛ وهو اصطلاح له، ولم يعيّن فيه من أخرج كلّ حديث على انفراده، ولا الصحابي الذي رواه (للإمام) ركن الدين محيي السنة: أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفرّاء (البغويّ) نسبة إلى «بغا» : قرية من قرى خراسان بين مرو وهراة، الفقيه الشافعي المحدّث المفسر صاحب المصنّفات المبارك له فيها، لقصده الصالح، المتعبّد الناسك الرباني، المولود سنة: - 436- ست وثلاثين وأربعمائة، والمتوفّى بمرو سنة: - 516- ست عشرة وخمسمائة هجرية، له كتاب «التهذيب» في الفقه الشافعي، و «شرح السنة» في الحديث، و «مصابيح السنة» في الحديث، و «الجمع بين الصحيحين» ، وتفسير «معالم التنزيل» ، وغير ذلك رحمه الله تعالى. آمين.
(الإحياء) ؛ أي «إحياء علوم الدين» الذي هو أجلّ كتب المواعظ وأعظمها، حتى قيل فيه: إنّه لو ذهبت كتب الإسلام وبقي «الإحياء» لأغنى عما ذهب.
(للإمام) حجّة الإسلام: أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد (الغزاليّ) بالتخفيف للزاي في المشهور؛ نسبة إلى «غزالة» : قرية من قرى طوس، أو بتشديد الزاي [غزّالي] نسبة إلى صناعة الغزل. الشافعي، جامع أشتات العلوم، المبرز في المنطوق منها والمفهوم، من شاع ذكره في البلاد، واشتهر فضله بين العباد.
ولد ب «الطابران» : قصبة طوس بخراسان سنة: - 450- خمسين وأربعمائة، ورحل إلى نيسابور، ولازم إمام الحرمين؛ حتى برع في المذهب والخلاف والجدل والأصلين والمنطق، وقرأ الحكمة والفلسفة، وأحكم كلّ ذلك، وفهم كلام أرباب هذه العلوم، وتصدّى للردّ على مبطليهم؛ وإبطال دعاويهم، وصنّف في كلّ فنّ من هذه العلوم كتبا أحسن تأليفها، وأجاد وصفها وترصيفها، ورحل إلى بغداد؛ فالحجاز؛ فبلاد الشام؛ فمصر، وكان شديد الذكاء، سديد النظر، عجيب
4-
«الشّفا» للقاضي عياض.
الفطرة، مفرط الإدراك، قويّ الحافظة، بعيد الغور، غوّاصا على المعاني الدقيقة، جبل علم، مناظرا محجاجا.
ثم عزفت نفسه عن الدنيا؛ فرفض ما فيها من التقدّم والجاه، وأخذ يجول في البلاد، ويجاهد نفسه جهاد الأبرار، ويكلّفها مشاقّ العبادات، ويبلوها بأنواع القرب والطاعات، إلى أن صار قطب الوجود؛ وتكلّم على لسان أهل الحقيقة، وحدّث بكتاب «الإحياء» ، وقد شهد له أبو العباس المرسي بالصدّيقيّة العظمى.
وكانت وفاته بطوس سنة: - 505- خمس وخمسمائة هجرية. رحمه الله تعالى.
( «الشّفا) بالتعريف بحقوق المصطفى» صلى الله عليه وسلم، وهو كتاب عظيم النفع كثير الفائدة، لم يؤلّف مثله في الإسلام، وقد جربت قراءته لشفاء الأمراض المزمنة، وتفريج الكروب، ودفع الخطوب؛ شكر الله سعي مؤلّفه، وجازاه عليه بأتمّ الجزاء وأعظمه. ولم ينصف الذهبي في قوله: إنه محشوّ بالأحاديث الموضوعة والتأويلات الواهية الدالّة على قلّة نقده بما لا يحتاج قدر النبوة له. انتهى. نعم؛ في كتاب «الشفا» أحاديث ضعيفة، وأخرى قيل فيها: إنها موضوعة، تبع فيها «شفاء الصدور» للخطيب أبي الربيع سليمان بن سبع السبتي. والله أعلم.
(للقاضي) أبي الفضل: (عياض) بن موسى بن عياض اليحصبي نسبا؛ نسبة إلى يحصب بن مالك «قبيلة من حمير» ، السّبتي دارا وبلدا؛ نسبة إلى «سبتة» مدينة مشهورة بالمغرب، الأندلسي أصلا، المالكي مذهبا.
الإمام البارع المتفنّن، عالم المغرب، المتمكّن في علم الحديث، والأصلين، والفقه والعربية. وكان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم. وله مصنفات في كلّ نوع من العلوم المهمّة. وكان من أصحاب الأفهام الثاقبة.
وكانت ولادته في نصف شعبان سنة: - 476- ست وسبعين وأربعمائة. وقدم
5-
«التهذيب» للإمام النّوويّ.
الأندلس طالبا للعلم، وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وجمع من الحديث كثيرا. واستقضي ببلده مدّة طويلة حمدت سيرته فيها. ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة؛ فلم يطل أمره بها، وتوفي بمراكش سنة: - 544- أربع وأربعين وخمسمائة. ودفن بباب «ايلان» داخل المدينة. رحمه الله تعالى رحمة الأبرار.
آمين.
(التّهذيب) ؛ أي: «تهذيب الأسماء واللّغات» جمع فيه مؤلفه الألفاظ الموجودة في «مختصر المزني» ، و «المهذّب» ، و «الوسيط» ، و «التنبيه» ، و «الوجيز» ، و «الروضة» ، وقال: إن هذه الستة تجمع ما يحتاج إليه من اللغات. وضمّ إلى ما فيها جملا مما يحتاج إليه مما فيها من أسماء الرجال والنساء والملائكة والجن وغيرهم ممن له ذكر في هذه الكتب برواية؛ أو غيرها، مسلما كان؛ أو كافرا، برّا كان؛ أو فاجرا.
ورتّبه على قسمين: الأول في الأسماء؛ وصدّره باسم النبي صلى الله عليه وسلم والكلام على أحواله وشمائله، والثاني في اللغات. وهو كتاب جيّد في بابه مفيد مشهور.
(للإمام) الحافظ الحجّة الهادي الناس إلى المحجّة، أستاذ المتأخرين، وشيخ الإسلام والمسلمين، وقدوة الحفّاظ والمحدثين، حامل لواء مذهب الشافعي على كاهله، ومحرّر دلائله في بكره وأصائله، المتّفق على جلالته وعلوّ رتبته وولايته، وارتقاء مكانته: أبي زكريا يحيى بن شرف بن مرّي بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة الشيخ محيي الدين (النّوويّ) نسبة ل «نوى» :
قرية من قرى حوران دمشق، الشافعي، صاحب التصانيف النافعة.
ولد سنة: - 631- إحدى وثلاثين وستمائة ب «نوى» . واجتهد في جميع العلوم، واعتنى بالحديث فسمع من كثير من الشيوخ، وسمع الكتب الستة و «المسند» و «الموطّأ» و «شرح السنة» ، و «سنن الدراقطني» وأشياء كثيرة.
وتفقّه على الكمال سلّار.
6-
«الهدي النّبويّ» للإمام محمّد ابن أبي بكر الشّهير بابن قيّم الجوزيّة.
7-
«الجامع الصّغير»
…
وكان حافظا للحديث وفنونه، وصحيحه وعليله، رأسا في معرفة مذهب الشافعي. وتخرّج به جماعة من العلماء؛ منهم علاء الدين بن العطّار، وحدّث عنه الحافظ المزّي، وغيرهما. وكان له الزهد والقناعة، ومتابعة السلف من أهل السنة والجماعة، والمثابرة على أنواع الخير؛ لا يصرف ساعة في غير طاعة، مع التفنّن في أصناف العلوم، فقها، ومتون أحاديث، وأسماء رجال، ولغة ونحوا وصرفا وغير ذلك. وحجّ حجّتين، ونفع الله بتصانيفه في حياته وبعد وفاته.
ولم يزل على الحال المرضيّ إلى أن وافاه الحمام في الرابع والعشرين من شهر رجب الحرام سنة: - 676- ست وسبعين وستمائة. رحمه الله تعالى رحمة الأبرار. آمين.
(الهدي النّبويّ) المسمى «زاد المعاد في هدي خير العباد» (للإمام) شمس الدين أبي عبد الله (محمّد بن أبي بكر) بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي (الشّهير ب «ابن قيّم الجوزيّة» ) الحنبلي العلّامة الحافظ المحدّث المصنّف المشهور.
ولد سنة: - 691- إحدى وتسعين وستمائة، وأخذ عن والده، والصفي الهندي، وابن تيمية، وبرع في جميع العلوم، وغلب عليه حبّ ابن تيمية حتّى كان لا يخرج عن شيء من أقواله؛ بل ينتصر له في جميع ذلك. وهو الذي نشر علمه بما صنّفه من التصانيف، وهو طويل النّفس في تصانيفه، يتعانى الإيضاح جهده؛ فيسهب جدّا، ومعظمها من كلام شيخه، متصرّف في ذلك، وله ملكة قوية، ولا يزال يدندن حول مفرداته، ينصرها ويحتجّ لها.
ومات في شهر رجب الحرام سنة: - 751- إحدى وخمسين وسبعمائة هجرية. رحمه الله تعالى.
( «الجامع الصّغير) في أحاديث البشير النذير» . وهو المعجم الوحيد الآن
للإمام السّيوطيّ.
8-
و «شرحه» للإمام
…
المتداول بين الناس، وهو من أكبر منن مؤلّفه على المسلمين الذي يعرفون به كلم نبيّهم، ومخرّجيها، ومظانّها، ومرتبتها في الجملة (للإمام) فخر المتأخّرين، علم أعلام الدين، خاتمة الحفّاظ والمحدّثين: أبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري المصري (السّيوطيّ) الشافعي. ويقال «الأسيوطي» ؛ نسبة إلى «سيوط» . قال في «القاموس» :
«سيوط» أو «أسيوط» بضمّهما: بلدة بصعيد مصر. انتهى.
ولد سنة: - 849- تسع وأربعين وثمانمائة، ونشأ على التجرّد في العلم فجمع غالب فنونه، وكان نادرة من نوادر الإسلام في القرون الأخيرة؛ حفظا، واطّلاعا، ومشاركة، وكثرة تأليف، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه؛ رجالا، وغريبا، ومتنا، وسندا، واستنباطا للأحكام منه. وأخذ العلم عن نحو ستمائة شيخ، وادّعى الاجتهاد، وكان يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ويسأله عن أحاديث. وله من المصنفات نحو ستمائة.
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في «حواشي الموطأ» : تصانيفه كلّها مشتملة على فوائد لطيفة، وفرائد شريفة، تشهد كلّها بتبحّره، وسعة نظره، ودقّة فكره، وأنه حقيق بأن يعدّ من مجدّدي الملّة المحمدية في بدء المائة العاشرة وآخر التاسعة كما ادّعاه بنفسه، وشهد بكونه حقيقا به من جاء بعده ك «علي القاري» المكي، في «المرآة» شرح «المشكاة» . انتهى.
قال العارف الشعراني: ولو لم يكن للسيوطي من الكرامات؛ إلّا إقبال الناس على تآليفه في سائر الأقطار بالكتابة والمطالعة؛ لكان في ذلك كفاية. انتهى.
وكانت وفاته في سنة: - 911- إحدى عشرة وتسعمائة هجرية. رحمه الله تعالى.
(وشرحه) المسمّى «السّراج المنير شرح الجامع الصغير» (للإمام) العالم العلّامة، الفقيه الفهّامة الشيخ: علي بن أحمد بن محمد نور الدين بن إبراهيم
العزيزيّ.
9-
«المواهب» للإمام القسطلّانيّ.
المصري (العزيزيّ) - نسبة ل «العزيزية» من الشرقية بمصر- البولاقي الشافعي المتوفى سنة: - 1070- سبعين وألف هجرية ببولاق. رحمه الله تعالى.
( «المواهب) اللدنية بالمنح المحمدية» كتاب جليل المقدار، عظيم الوقع، كثير النفع، ليس له نظير في بابه، وهو من الكتب المشهورة المخدومة. أشرقت من سطوره أنوار الأبّهة والجلالة، وقطرت من أديمه ألفاظ النبوة والرسالة، أحسن فيه ترتيبا وصنعا، وأحكمه ترصيعا ووضعا، وكساه الله فيه رداء القبول، ففاق على كثير مما سواه عند ذوي العقول. فالله يتولّى جزاءه ويرحمه رحمة واسعة. آمين.
ومما ينسب لبنت الباعوني «زوجة القسطلّاني» هذان البيتان مدحا في كتابه «المواهب» :
كتاب «المواهب» ما مثله
…
كتاب جليل وكم قد جمع
إذا قال غمر: له مشبه
…
يقول الورى: منك لا يستمع
(للإمام) العلّامة الحجّة الرّحلة المحدّث المسند الحافظ: شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفي محمد بن المجد حسين بن التاج علي الخطيب (القسطلّانيّ) بضم القاف وسكون السين وضمّ الطاء المهملة وتشديد اللّام- المصري الشافعي.
ولد سنة: - 851- إحدى وخمسين وثمانمائة بمصر، وأخذ عن الشهاب العبّادي، والبرهان العجلوني، والشيخ خالد الأزهري النّحوي، والحافظ السخاوي وغيرهم، وحجّ مرارا، وجاور بمكّة مرّتين، وكان متعفّفا جيّد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجيّ الصوت، مشاركا في الفضائل، متواضعا، متودّدا، لطيف العشرة، اشتهر بالصلاح والتعفّف.
وصنّف التصانيف التي سارت بها الركبان في حياته، وأشهرها: شرحه على «البخاري» الذي هو أجمع الشروح وأحسنها من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة. وهو للمدرّس أحسن وأقرب من «فتح الباري» وغيره، وما ألطف قول بعضهم في مدحه:
10-
«كشف الغمّة» للإمام الشّعرانيّ.
تطالبني بجمع الكتب نفسي
…
وفيها لذّتا بصري وسمعي
فقلت لها: الدّفاتر ليس تحصى
…
وما رمتيه يقصر عنه وسعي
نعم شرح الإمام القسطلاني
…
له في النّفس وقع أيّ وقع
إذا ظفرت به كفّاي يوما
…
ظفرت بمفرد يأتي بجمع
وله «منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج» في ثمانية أجزاء؛ لم يكمل.
ومات ليلة الجمعة سابع المحرم سنة: - 923- ثلاث وعشرين وتسعمائة هجرية، ودفن بقرب الأزهر عند الإمام العيني «شارح البخاري» . رحمهم الله تعالى رحمة الأبرار.
( «كشف الغمّة) عن جميع الأمّة» في الحديث. ذكر مؤلفه أنه جمعه من كتب الحفّاظ المعتمدة؛ كالستة، ومعاجم الطبراني، ومجاميع السيوطي، مرتبّا على أبواب كتب الفقه، ولم يعز فيه الأحاديث إلى مخرّجيها، وأنه لا يذكر فيه إلّا محل الاستدلال فيقول:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا» أو «يسكت على كذا» أو «يقول كذا» أو «يقرّ أصحابه على كذا» . ولا يذكر القصة إلّا إذا اشتملت على موعظة؛ أو اعتبار، أو أدب. وقد خرّج أحاديثه مؤرّخ مكّة المكرّمة الشهاب أحمد الحضراوي الشافعي المتوفّى سنة: - 1327- سبع وعشرين وثلاثمائة وألف هجرية في كتاب سمّاه «سراج الأئمة» في تخريج أحاديث «كشف الغمة عن جميع الأمة» » (للإمام) الفقيه المحدّث الصوفي العارف المسلّك، العلّامة المتبحّر في علوم الشريعة والحقيقة، القطب الرباني سيدي أبي المواهب عبد الوهّاب بن أحمد بن علي (الشّعرانيّ) نسبة إلى «ساقية أبي شعرة» ؛ من قرى «المنوفية» ، ويقال:«الشعراوي» ، الشافعي الأنصاري، وذكر في بعض كتبه أنّه من ذرية محمد بن الحنفية أفضل أولاد سيدنا عليّ بعد السبطين رضي الله تعالى عنهم.
ولد سنة: - 898- ثمان وتسعين وثمانمائة في «قلقشندة» بمصر، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحبب إليه الحديث فلازم الاشتغال به، ومع ذلك لم
11-
«طبقات الأولياء» .
12-
و «كنوز الحقائق» للإمام المناويّ.
يكن عنده جمود المحدّثين، وأخذ عن مائتي شيخ، وأخذ الطريق عن نحو مائة شيخ، اطّلع على سائر أدلّة المذاهب غالبا؛ المستعملة والمندرسة، وعلم استنباط كلّ مذهب منها لكثرة محفوظاته.
وتآليفه تزيد على ثلاث مائة كتاب في علوم الشريعة وآلاتها، وكان جيّد النظر، صوفي الخبر، له دراية بأقوال السلف ومذاهب الخلف، وكان مواظبا على السنّة، مجانبا للبدعة، مبالغا في الورع؛ مؤثرا لذي الفاقة على نفسه.
وتوفي في سنة: - 973- ثلاث وسبعين وتسعمائة هجرية. رحمة الله تعالى عليه.
«طبقات الأولياء» الكبرى المسمى: «الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية» ابتدأها بمقدّمة في كرامات الأولياء، ثم أتبع ذلك بثمانية أبواب في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بالخلفاء الراشدين، يلي ذلك تراجم الصوفية: في عشر طبقات لكل مائة سنة طبقة؛ مرتبا على حروف المعجم.
( «وكنوز الحقائق) في حديث خير الخلائق» ؛ فيه عشرة آلاف حديث في عشرة كراريس، في كلّ كراسة ألف حديث، وفي كل ورقة مائة حديث، مرتّبا على حروف المعجم، لكن من غير ذكر للصحابي الراوي للحديث، وهو مشحون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفي رموزه بعض تحريف يغلب على الظنّ أنه من النّسّاخ.
وهذان الكتابان كلاهما (للإمام) الكبير الحجة الثّبت، القدوة العلّامة الحافظ: عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الملقب «زين الدين الحدادي» (المناويّ) - بضم الميم، نسبة إلى «منية بن حصيب» - القاهري الشافعي، صاحب القلم السيّال والتصانيف السائرة، أجلّ أهل عصره من غير ارتياب.
وكان إماما فاضلا، زاهدا عابدا، قانتا لله خاشعا له، كثير النفع، وكان متقربا
13-
«حاشية الشّمائل» لشيخ مشايخي، أستاذ الأستاذين،..
يحسن العمل، مثابرا على التسبيح والأذكار، صابرا صادقا. وكان يقتصر يومه وليلته على أكلة واحدة من الطعام. وقد جمع من العلوم والمعارف على اختلاف أنواعها وتباين أقسامها ما لم يجتمع في أحد ممن عاصره.
ومن مشايخه: الشمس الرملي، والشعراني، والنجم الغيطي. وحضر دروس الأستاذ سيّدي محمد البكري في التفسير والتصوف.
وكانت ولادته في سنة: - 952- اثنتين وخمسين وتسعمائة هجرية، ووفاته في صفر سنة: - 1031- إحدى وثلاثين وألف هجرية يوم الخميس، وصلّي عليه يوم الجمعة بالجامع الأزهر. رحمه الله تعالى. آمين.
(حاشية الشّمائل) الترمذية المسماة «المواهب اللّدنّية على الشّمائل المحمدية» (لشيخ مشايخي) الذين منهم الشيخ إبراهيم السّقّا، والشيخ عبد الرحمن الشربيني، والشيخ محمد شمس الدين الأنبابي، والشيخ عبد الهادي نجا الأبياري رحمهم الله تعالى. آمين.
(أستاذ الأستاذين)، قال في «شرح القاموس» : لفظ «الأستاذ» من الألفاظ الدائرة المشهورة التي ينبغي التعرّض لها وإيضاحها؛ وإن كان أعجميا. وكون الهمزة أصلا هو الذي يقتضيه صنيع الشهاب الفيّومي، لأنه ذكره في الهمزة، وقال: الأستاذ كلمة أعجمية، ومعناها: الماهر بالشيء العظيم، وفي «شفاء العليل» : ولم يوجد في كلام جاهلي. والعامة تقوله بمعنى الخصيّ، لأنه يؤدّب الصغار غالبا.
وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتاب له سمّاه «المطرب في أشعار أهل المغرب» : الأستاذ كلمة ليست بعربية، ولا توجد في الشعر الجاهلي، واصطلحت العامة إذا عظّموا المحبوب أن يخاطبوه ب «الأستاذ» .
وإنما أخذوا ذلك من الماهر بصنعته!! لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدّبهم، فكأنه أستاذ في حسن الأدب؛ حدثنا بهذا جماعة ببغداد، منهم أبو الفرج ابن
خاتمة العلماء العاملين: الشيخ إبراهيم الباجوريّ
…
الجوزي؛ قال: سمعته من شيخنا اللّغوي أبي منصور الجواليقي في كتابه «المعرّب» من تأليفه. قاله شيخنا رحمه الله تعالى. انتهى.
(خاتمة) - أي: آخر- (العلماء العاملين) بعلمهم؛ بملازمة الاستقامة والأخذ بالعزائم حسب الاستطاعة، أي: أنّه محافظ على العمل بالعلم زيادة على غيره، فلا ينافي أن غيره من العلماء يعملون بعلمهم، ولا يخلو عالم من العمل بالعلم، ولو لم يكن من ذلك إلّا معرفته بالمعصية: أنّها معصية إذا وقع فيها، وهذا أقلّ فائدة العلم. بخلاف الجاهل، فإنه قد يفعل المعصية وهو يعتقدها طاعة يحتسب عليها الثواب؛ كالذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
قال العارف الشعراني في «البحر المورود» : كان سيّدي عليّ الخوّاص يقول:
قم لأهل العلم مطلقا، فإنّه لا يوجد لنا عالم إلّا وهو عامل بعلمه، وذلك لأنّه إذا زلّ يعرف أنّه عصى الله تعالى؛ فيستغفر الله تعالى ويندم ويتوب، فقد عمل بعلمه، ولو أنه كان جاهلا ما اهتدى للتوبة، فلولا علمه ما كان تاب، فقد نفعه علمه.
انتهى.
(الشّيخ) العلّامة: المحقّق شيخ الجامع الأزهر برهان الدين (إبراهيم) بن محمد بن أحمد (الباجوريّ) - نسبة إلى «باجور» ؛ قرية من قرى «المنوفية» بمصر-.
ولد سنة: - 1198- ثمان وتسعين ومائة وألف هجرية بمصر، ونشأبها.
وتعلّم في الأزهر فأخذ عن مشايخ كثيرين، منهم: العلّامة المحقّق الشيخ حسن القويسني، والمحقّق الشيخ محمد الفضالي، وكان من العلماء الصالحين والأئمة المحققين في سائر الفنون، وألّف المؤلفات النافعة بالعبارة القريبة السهلة مع جودة الإيضاح.
وتقلّد مشيخة الأزهر سنة: - 1263- ثلاث وستين ومائتين وألف، وتخرّج
رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فهذه أصوله، لم يخرج عنها شيء منه. اللهمّ إلّا أن يكون ذلك في تفسير الغريب، فإنّي راجعت فيما لم أجده فيها كتب اللّغة، وذلك نزر يسير.
على يده جمع كثير من العلماء، منهم خليفته شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد الأنبابي، ومنهم الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري، والشيخ إبراهيم السقّا، والشيخ عبد الرحمن الشربيني.
واستمر في مشيخة الأزهر إلى أن توفي بالقاهرة سنة: - 1277- سبع وسبعين بتقديم المهملة على الموحدة- ومائتين وألف هجرية. رحمه الله تعالى رحمة الأبرار.
(رضي الله تعالى عنهم أجمعين) ، ونفعنا بعلومهم، وأعاد علينا من فهومهم. آمين.
(فهذه) الكتب (أصوله) التي يستند إليها، والأصول: جمع أصل؛ وهو أسفل الشيء. يقال: قعد في أصل الجبل وأصل الحائط، وقلع أصل الشجرة. ثم كثر حتّى قيل: أصل كل شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه. فالأب أصل للولد، والنهر أصل للجدول؛ قاله الفيومي.
(لم يخرج عنها شيء منه) يعني: أنّ ما فيه هو موجود في هذه الكتب (اللهمّ؛ إلّا أن يكون ذلك) الخارج (في تفسير الغريب) من الألفاظ بحيث لم يوجد في هذه الكتب، وذلك نادر؛ (فإنّي راجعت فيما) أي: غريب الألفاظ الذي (لم أجده) ؛ أي: لم أجد شرح معناه (فيها) أي: هذه الكتب الأصول راجعت (كتب اللّغة)، مفعول «راجعت» ؛ أي: بحثت عن معناه في كتب اللغة ك «النهاية» لابن الأثير، و «لسان العرب» لابن منظور، (وذلك) - أي: الذي لم أجده في الأصول (نزر) - أي: قليل- (يسير) جدّا.
وقد ذكرت في بعض «الشّمائل» اسم الصّحابيّ راوي الحديث والإمام المخرّج له، وفي بعضها اسم الصّحابيّ فقط، ولم أذكر في بعضها غير متن الحديث تابعا في جميع ذلك الأصول المذكورة.
تنبيه: تستعمل «اللهمّ» على ثلاثة أوجه؛
أحدها: النداء المحض، وهو المعروف في كتب النحو.
ثانيها: أن يذكرها المجيب تمكينا للجواب في ذهن السامع؛ نحو «اللهم نعم» ، في جواب: أزيد قائم؟ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ؛ نعم» . في جواب ضمام لمّا سأله بقوله: أسألك بربّك وربّ من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كافة؟! آلله أمرك أن تصلي هذه الصلوات؟!
…
إلى آخر أسئلته. وفي كلّها يجيبه صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهمّ نعم» .
الثالث: أن تستعمل دليلا على النّدرة وقلّة الوقوع؛ أو بعده، نحو:«أنا أزورك اللهم؛ إذا لم تدعني» . إذ الزيارة مع عدم الطلب قليلة. ومنه قول المؤلفين «اللهم؛ أن يقال كذا» . قيل: وهي على هذين موقوفة؛ لا معربة، ولا مبنية؛ لخروجها عن النداء. فهي غير مركّبة، لكن استظهر الصبّان بقاءها على النداء مع دلالتها على التمكين، أو الندرة، فتكون معربة كالأوّل. ولو سلّم! فيقال إنّه منادى صورة؛ فله حكمه. والله أعلم؛ قاله «الخضري على ابن عقيل» .
(وقد ذكرت في بعض) هذا الكتاب ( «الشّمائل» اسم الصّحابيّ راوي الحديث) كابن عباس وأنس وأبي هريرة (و) ذكرت (الإمام المخرّج) - بضم الميم- (له) . أي: للحديث؛ كالبخاريّ ومسلم، (و) ذكرت (في بعضها اسم الصّحابيّ فقط) بدون ذكر اسم الإمام المخرج للحديث، (ولم أذكر في بعضها غير متن الحديث) مقتصرا عليه بدون ذكر الصحابي؛ ولا غيره (تابعا في جميع ذلك الأصول) التي هي الكتب (المذكورة) آنفا. والمصنّف لم يتبع الأصول المذكورة فيما ذكر، فإنّه حذف كثيرا من أسماء الرواة المخرجين الذين وعد بهم؛ إيثارا