المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الفصل الثاني في صفة فراشه صلى الله عليه وسلم، وما يناسبه] - منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول - جـ ١

[عبد الله عبادى اللحجى]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌كلمة الناشر

- ‌ترجمة الشّيخ عبد الله اللحجي

- ‌فأخذ عن مشايخها وهم:

- ‌السيد عبد الرحمن بن محمد الأهدل

- ‌ومن شيوخ الشيخ اللحجي في المراوعة: الشيخ العلامة السيد: عبد الرحمن بن حسن

- ‌ومن شيوخ الشيخ عبد الله اللحجي في اليمن: الشيخ العلّامة الحبر البحر الفهّامة أبو الفضائل عزّ الدين السيد: محمد حسن هند بن عبد الباري

- ‌رحلته إلى مكة المكرمة:

- ‌اتّصاله بالوالد السيد علوي المالكي:

- ‌ومن شيوخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرمة: الإمام العلّامة المحدّث شيخنا الشيخ: حسن بن محمد المشّاط المكّي المالكي

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكة المكرمة العلّامة الإمام المؤرّخ المحقق شيخ المشايخ السيد الشيخ محمد العربي

- ‌ومن مشايخ عبد الله اللحجي بمكة المكرمة العلّامة المسند الشيخ: محمد ياسين بن عيسى الفاداني المكّي

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي من أهل مكة المكرمة العلامة السيد: محمد أمين الكتبي المكيّ الحنفي

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرّمة العلّامة الشيخ: محمد يحيى أمان المكّيّ الحنفي

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللّحجي من أهل المدينة المنوّرة العلّامة الشيخ: أمين بن أحمد الطرابلسي- طرابلس الغرب- المالكيّ

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرّمة العلّامة الشيخ: إسحاق بن إبد بن محمد نور الصامولي

- ‌روايته وأسانيده:

- ‌[مناقبه]

- ‌صلتي بالشيخ اللّحجي

- ‌صلة خاصة:

- ‌مؤلفاته:

- ‌وفاته:

- ‌تعريف بكتاب منتهى السول على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌[فهرست مطالب الكتاب]

- ‌[المقدّمة: وهي تشتمل على تنبيهين]

- ‌[التّنبيه الأوّل: في معنى لفظ الشّمائل]

- ‌[التّنبيه الثّاني: في الفوائد المقصودة: من جمع شمائله صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الباب الأوّل في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسمائه الشّريفة]

- ‌[الفصل الأوّل في نسبه الشّريف صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل الثّاني في أسمائه الشّريفة صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الباب الثّاني في صفة خلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل الأوّل في جمال صورته صلى الله عليه وسلم، وما شاكلها]

- ‌[الفصل الثّاني في صفة بصره صلى الله عليه وسلم واكتحاله]

- ‌[الفصل الثّالث في صفة شعره صلى الله عليه وسلم، وشيبه، وخضابه، وما يتعلق بذلك]

- ‌[الفصل الرّابع في صفة عرقه صلى الله عليه وسلم ورائحته الطّبيعيّة]

- ‌[الفصل الخامس في صفة طيبه صلى الله عليه وسلم وتطيّبه]

- ‌[الفصل السّادس في صفة صوته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل السّابع في صفة غضبه صلى الله عليه وسلم وسروره]

- ‌[الفصل الثّامن في صفة ضحكه صلى الله عليه وسلم وبكائه]

- ‌[الفصل التّاسع في صفة كلامه صلى الله عليه وسلم وسكوته]

- ‌[الفصل العاشر في صفة قوّته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الباب الثّالث في صفة لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وفراشه وسلاحه]

- ‌[الفصل الأوّل في صفة لباسه صلى الله عليه وسلم من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ونحوها]

- ‌[الفصل الثّاني في صفة فراشه صلى الله عليه وسلم، وما يناسبه]

- ‌[الفصل الثّالث في صفة خاتمه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل الرّابع في صفة نعله صلى الله عليه وسلم وخفّه]

- ‌[الفصل الخامس في صفة سلاحه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل السّادس كان من خلقه صلى الله عليه وسلم أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه]

- ‌فهرسة الجزء الأول من كتاب منتهى السول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌[الفصل الثاني في صفة فراشه صلى الله عليه وسلم، وما يناسبه]

[الفصل الثّاني في صفة فراشه صلى الله عليه وسلم، وما يناسبه]

الفصل الثّاني في صفة فراشه صلى الله عليه وسلم، وما يناسبه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فراش من أدم، حشوه ليف، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه.

(الفصل الثّاني) من الباب الثالث (في) بيان ما ورد في (صفة فراشه صلى الله عليه وسلم ، وقدره، وخشونته ليقتدى به في ذلك.

(و) في صفة (ما يناسبه) ويتعلّق به؛ كوسادة.

والفراش- بكسر الفاء- بمعنى مفروش، ككتاب بمعنى مكتوب، وهو: اسم لما يفرش، كاللباس لما يلبس، وجمعه فرش، ككتاب وكتب، ويقال له أيضا:

فرش من باب التسمية بالمصدر، وقد ورد في «صحيح مسلم» :«فراش للرّجل، وفراش لزوجته، وفراش للضّيف، وفراش للشّيطان» .

وإنّما أضافه إلى الشيطان!! لأنّه زايد على الحاجة مذموم.

قال الإمام الشعراني رحمه الله في «كشفة الغمّة» : (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فراش من أدم) - بفتحتين- جمع أديم؛ وهو الجلد المدبوغ؛ (حشوه) - بالفتح- أي:

الأدم باعتبار لفظه، وإن كان معناه جمعا، فالجملة صفة لأدم، أو حالية من «فراش» ، و «كان» تامّة؛ أي: محشوّه (ليف) - بكسر اللّام- أي: من ليف النخل كما هو الغالب عندهم.

(طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه) .

ص: 522

وكان متقلّلا من أمتعة الدّنيا كلّها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلّها.. فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها.

وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ قالت: من أدم، حشوه ليف.

قال في «تيسير الوصول إلى جامع الأصول» للحافظ الديبع: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم حشوه ليف» أخرجه الخمسة إلّا النسائي. انتهى.

وهو في «الشمائل» من رواية عروة بن الزبير؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «إنّما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف» .

(و) قال الإمام النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» : (كان) صلى الله عليه وسلم (متقلّلا من أمتعة) - جمع متاع، وهو في اللّغة: كل ما ينتفع به كالطعام، والبزّ، وأثاث البيت. وأصل المتاع: ما يتبلغ به من الزاد- (الدّنيا) ؛ فعلى، وسمّيت دنيا لدنوها، والجمع الدّنا مثل الكبرى والكبر، وإنّما كان متقلّلا من أمتعة الدنيا (كلّها) ؛ لأنّ الله تعالى أمره أن لا يمدّن عينيه إلى الدنيا وزهرتها، (و) إلى ما متّع به أهلها؛ فمن ثمّ اقتصر منها على أقلّ ممكن مع تيسيرها عليه، ف (قد) عرضت عليه كنوزها، و (أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلّها) روى مسلم في «صحيحه» :«بينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» ؛ (فأبى أن يأخذها) ، وما أرادها، (واختار الآخرة عليها) ، ولو أراد الدنيا لكان أشكر الخلق بما أخذه منها، ولأنفقه كلّه في مرضاة الله تعالى وسبيله.

(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ من حديث محمد الباقر مرسلا قال:

(سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها)، أي: أنّ سائلا سألها: (ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ قالت: من أدم حشوه ليف) .

وفيه أنّ النّوم على الفراش المحشوّ، واتّخاذه لا ينافي الزهد، هبه من أدم أو

ص: 523

و (الأدم) - جمع أديم على غير القياس- وهو: الجلد المدبوغ، ويجمع على: أدم.

وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة مثنيّة، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«ما هذا يا عائشة؟!» ، قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصاريّة دخلت فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا، فقال: «ردّيه يا عائشة، فو الله لو غيره، حشوه ليف أو غيره؛ لأنّ عين الأدم واللّيف ليست شرطا، بل لأنّها المألوفة عندهم، فيلحق بها كل مألوف مباح.

نعم الأولى لمن غلب عليه الكسل، وميل نفسه إلى الراحة والترفّه أن لا يبالغ في حشو الفراش؛ لأنّه سبب ظاهر في كثرة النوم، والغفلة؛ والبطء عن المهمّات والخيرات بدليل حديث حفصة الآتي.

(والأدم) - بفتحتين- (جمع) أدمة، أو جمع (أديم على غير القياس، و) الأديم (هو الجلد المدبوغ) أو الأحمر، أو مطلق الجلد؛ على ما في «القاموس» .

(ويجمع) أيضا (على أدم) - بضمتين- وهو القياس. مثل بريد وبرد.

(و) أخرج البيهقي، وأبو الشيخ في كتاب «الأخلاق النبوية» ، وابن سعد في «الطبقات» (عنها)، أي: عن عائشة (رضي الله تعالى عنها قالت:

دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة) ، وفي رواية عباءة (مثنيّة، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما هذا يا عائشة؟!» قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصاريّة) - مفاده أنّها سمّتها له فنسي الراوي اسمها، أو أبهمها لغرض فعبّر عنها بفلانة- (دخلت فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا. فقال: «ردّيه يا عائشة؛ فو الله لو

ص: 524

شئت لأجرى الله تعالى معي جبال الذّهب والفضّة» .

و (القطيفة) : دثار له خمل.

وسئلت حفصة رضي الله تعالى عنها:

شئت لأجرى الله تعالى معي جبال الذّهب والفضّة» ) . فاتّخاذي لهذا الفراش ليس عجزا عن غيره، بل اختيار لعدم الترفّه المشعر بالمباهاة وحظّ النفس، واتّباعا لقوله تعالى (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ) *، وفي رواية ابن سعد، وأبي الشيخ: «فلم أردّه، وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ثلاث مرات: ردّيه يا عائشة، فو الله

الخ. قالت: فرددته» .

وفيه أنّها لم تردّه بمجرد أمره؛ لأنّها لم تفهم تحتّمه، بل فهمت أنه أراد إن شئت، ولذا لمّا صرح بتحتّمه ردّته.

(والقطيفة) - بفتح القاف وكسر الطاء المهملة على وزن فعلية- هي: (دثار) بالكسر- ما يتدثّر به الإنسان؛ وهو: ما يلقيه عليه من كساء، أو غيره فوق الشعار (له خمل) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان الميم- مثل فلس، الهدب، وقد يقال للخمل: قطيفة، ويقال للقطيفة: طنفسة، وتجمع القطيفة على قطائف وقطف بضمتين-

(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ من طريق محمد الباقر مرسلا قال:

سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ قالت:

من أدم حشوه ليف.

و (سئلت) أمّ المؤمنين (حفصة) بنت الفاروق؛ عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين (رضي الله) تعالى عنه و (عنها) آمين، وهي شقيقة عبد الله بن عمر.

ولدت وقريش تبني البيت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة في شعبان؛ على رأس ثلاثين شهرا قبل أحد.

وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت خنيس بن

ص: 525

ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ قالت:

مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة.. قلت: لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ له،

خذافة السهمي، وكان ممّن شهد بدرا، وتوفي بالمدينة المنورة.

قال ابن سعد: توفي عنها مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من بدر، ثمّ بعد أن تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم طلّقها طلقة، ثم راجعها بأمر جبريل عليه السلام، قال: إنّها صوامة، قوامة، وزوجتك في الجنّة، وأوصى عمر إلى حفصة، وأوصت حفصة إلى أخيها عبد الله، قال: قال ابن سعد: قال الواقدي: توفّيت حفصة في شعبان سنة:

45-

خمس وأربعين، وهي بنت ستين سنة.

وروي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستّون حديثا، رحمها الله تعالى ورضي عنها وعن سائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ قالت: مسحا) أي كان مسحا- بكسر الميم وسكون السين- وهو: كساء خشن يعدّ للفراش من صوف (نثنيه) بصيغة المتكلّم مع الغير من المبني للفاعل (ثنيتين) - بكسر أوّله- تثنية: ثنية كسدرة، وفي رواية: ثنيين بدون تاء- بكسر الثاء- تثنية ثني كحمل، يقال: ثناه إذا عطفه وردّ بعضه على بعض. (فينام عليه.

فلمّا كان ذات ليلة) «كان» تامّة، و «ذات» بالرفع فاعل، ويروى بالنصب على الظرفية، وعليه ففاعل «كان» ضمير عائد على الوقت، وعلى كلّ من الروايتين فلفظة «ذات» مقحمة، أو صفة لموصوف محذوف، أي ساعة ذات ليلة.

(قلت) أي: في نفسي، أو لبعض خدمي:(لو ثنيته) بصيغة المتكلم الواحد (أربع ثنيات) - بكسر المثلثة- منصوب على أنّه مفعول مطلق، أي: أربع طبقات (لكان أوطأ)، أي: ألين (له) من وطؤ الفراش فهو وطيء؛ كقرب فهو قريب.

ص: 526

فثنيناه له بأربع ثنيات، فلمّا أصبح.. قال:«ما فرشتموا لي اللّيلة؟» .

قالت: قلنا: هو فراشك، إلّا أنّا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال:«ردّوه لحالته الأولى؛ فإنّه منعتني وطأته صلاتي اللّيلة» . و (المسح) : كساء خشن من صوف يعدّ للفراش.

ومعنى (أوطأ) : ألين؛ من وطؤ الفراش فهو وطيء، كقرب فهو قريب.

(فثنيناه له بأربع ثنيات) - بكسر المثلثة- بحيث صارت طاقاته أربعا فنام عليه، (فلمّا أصبح قال: «ما فرشتموا لي) أي: أي شيء فرشتم لي (اللّيلة) الماضية؟

ولعلّه لما أنكر نعومته ولينه ظنّ أنّه غير فراشه المعهود فسأل عنه، وأتى بصيغة المذكر للتّعظيم، أو لتغليب بعض الخدم.

(قالت: قلنا: هو فراشك) أي: المعهود بعينه (إلّا أنّا) أي: غير أنّا (ثنيناه بأربع ثنيات) - بكسر المثلثة- (قلنا: هو) : أي: المثني بأربع ثنيات (أوطأ) أي: ألين (لك) وأرفق لبدنك.

(قال: «ردّوه) - أي: فراشي- (لحالته الأولى) - أي: كونه مثنيا ثنيتين- (فإنّه) - أي: الحال والشأن- (منعتني وطأته صلاتي اللّيلة» ) أي: منعني لينه تهجّدي تلك اللّيلة الماضية؛ لأنّ تكثير الفراش سبب في كثرة النوم، ومانع من اليقظة غالبا، بخلاف تقليله فإنّه يبعث على اليقظة من قرب غالبا.

(والمسح) - بكسر الميم، وإسكان السين المهملة- (كساء خشن) غير ليّن يتّخد (من صوف يعدّ للفراش) يشبه كساء، أو ثياب سود من شعر يلبسها الزهاد، والرهبان.

(ومعنى «أوطأ» ) - بالهمز-: (ألين) مشتق (من) مصدر (وطؤ الفراش) بالضم- بمعنى لان، من باب حسن يحسن، يقال: وطؤ الفراش (فهو وطيء، كقرب) - بضم الراء- أي: على وزنه. (فهو قريب) والوطاء ككتاب: المهاد الوطيء، أي: الليّن.

ص: 527

وكان له صلى الله عليه وسلم عباءة تفرش له حيثما انتقل، تثنى طاقين تحته. وكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينام على الحصير وحده، ليس تحته شيء غيره.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على (و) في «طبقات الصوفيّة» للعلّامة المناوي رحمه الله تعالى: (كان له صلى الله عليه وسلم عباءة) - بالمدّ كسحابة-: ضرب من الأكسية فيه خطوط. وقيل: هي الجبّة من الصوف. قال الصرفيّون: همزته عن ياء، وإنّه يقال: عباءة وعباية، ولذلك ذكره الجوهريّ في «المعتل» . انتهى «شرح القاموس» . وتجمع العباءة على عباء بحذف الهاء، وتجمع على عباءآت أيضا. انتهى «مصباح» .

(تفرش له حيثما انتقل) في بيوت أزواجه بعد أن (تثنى طاقين) فتجعل (تحته. وكان) رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينام على الحصير) .

قال ابن بطّال: هي ما صنع من سعف النخل وشبهه، قدر طول الرجل فأكثر؛ قاله في «الفتح» . ولعلّ المراد بها: الخصفة المذكورة في حديث الحاكم الآتي.

وكان ينام عليه (وحده، ليس تحته) صلى الله عليه وسلم (شيء غيره) أي: غير الحصير، لتواضعه، وزهده في الدنيا وزينتها.

(وعن عبد الله بن مسعود) الهذليّ، تقدّمت ترجمته (رضي الله تعالى عنه) قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام؛ وقد أثر في جنبه، فبكيت. فقال:

«ما يبكيك؟» قلت: كسر وقيصر على الخزّ والديباج؛ وأنت نائم على الحصير، هذا يا رسول الله بأبي وأمي؟! لو كنت أذنتنا ففرشنا لك شيئا يقيك منه؟ فقال:

«ما لي وللدّنيا، وما أنا في الدّنيا إلّا كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح وتركها» .

رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حسن صحيح، وكذا صحّحه الحاكم، والضياء في «المختارة» .

ورواه الطبرانيّ، ولفظه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (قال: دخلت على

ص: 528

النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في غرفة كأنّها بيت حمّام، وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت، فقال:«ما يبكيك يا عبد الله؟» ، قلت: يا رسول الله؛ كسرى وقيصر يطؤون على الخزّ والدّيباج والحرير؛ وأنت نائم على هذا الحصير، قد أثّر بجنبك.

فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدّنيا ولنا الآخرة» .

وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدّثني عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير، قال: فجلست

النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في غرفة كأنّها بيت حمّام) - بتشديد الميم- أي: أنّ فيها من الحرّ والكرب كما في بيت الحمام، (وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت) شفقة عليه. (فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» .

قلت: يا رسول الله؛ كسرى) ملك الفرس، (وقيصر) ملك الرّوم (يطؤون) : يمشون (على الخزّ) - بخاء وزاي معجمتين- (والدّيباج والحرير) ، وأراد بالجمع ما فوق الواحد، أو أراد وقومهما؛ (وأنت نائم على هذا الحصير قد أثّر بجنبك؟!) ، وأنت رسول الله وأفضل خلقه، وهما كافران!

(فقال:) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (: «فلا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدّنيا) وهي فانية كأنّها لم تكن- (ولنا الآخرة» ) . وهي باقية، وهي الحيوان، ولنا في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدنيا.

(وعن) عبد الله (بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدّثني) الفاروق؛ أبو حفص (عمر بن الخطّاب) ؛ أمير المؤمنين (رضي الله تعالى عنه قال:

دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قال: فجلست،

ص: 529

فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصّاع، وإذا إهاب معلّق، فابتدرت عيناي، فقال:«ما يبكيك يا ابن الخطّاب؟» . فقلت: يا نبيّ الله؛ وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثّمار والأنهار، وأنت نبيّ الله وصفوته وهذه خزائنك؟! قال: «يا ابن الخطّاب؛

فإذا عليه إزاره؛ وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير) - بفتح الشين المعجمة وتكسر- (نحو الصّاع، وإذا إهاب) ، جلد لم يدبغ، أو مطلقا، دبغ أو لم يدبغ، والمراد جنس إهاب، فلا ينافي رواية «الصحيحين» أهب (معلّق، فابتدرت عيناي) : بادرت بإرسال الدموع مسرعة؛ (فقال: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟» . فقلت: يا نبيّ الله؛ وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك) ؛ أي: الأماكن المعدة للادّخار (لا أرى فيها إلّا ما أرى) من شعير نحو صاع؛ (وذاك كسرى وقيصر في الثّمار والأنهار، وأنت نبيّ الله؛ وصفوته) مختاره، (وهذه خزائنك) لا أرى فيها إلا ما أرى!! وكرّره مبالغة في إظهار التأسّف.

(قال: «يا ابن الخطّاب) - وفي رواية البخاريّ ومسلم-: «فو الله ما رأيت في بيته شيئا يردّ البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله فليوسّع على أمّتك، فإنّ فارس والروم قد وسّع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله. فجلس صلى الله عليه وسلم وكان متّكئا؛ فقال: «أو في هذا أنت يا ابن الخطّاب؟!» - بهمزة استفهام وواو عطف على مقدر بعدها- قال الكرماني: أي: أنت في مقام استعظام التّجمّلات الدنيويّة واستعجالها؟!.

وفي رواية للشّيخين أيضا: «أو في شكّ أنت يا ابن الخطّاب!!» أي: أنت

ص: 530

أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدّنيا؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في آخرتنا» .

في شكّ أنّ التوسّع في الدنيا مرغوب عنه؟!. فقلت: يا رسول الله استغفر لي» .

أي: من اعتقادي أنّ تجمّل الدنيا مرغوب فيه، قال:

( «أما ترضى أن تكون لنا الآخرة) الباقية (ولهم الدّنيا» ) الفانية؟ وجمع ضمير لهم!! على إرادتهما ومن تبعهما، أو كان على مثل حالهما، بدليل رواية الشيخين. وهذا الحديث رواه ابن ماجه بإسناد صحيح بهذا اللّفظ الذي أورده المصنّف.

ورواه الحاكم بلفظ: قال عمر رضي الله عنه: «استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه في مشربة؛ وإنّه لمضطجع على خصفة، وإنّ بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة محشوّة ليفا، وإنّ فوق رأسه لإهاب «1» عطين، وفي ناحية المشربة قرظ، فسلّمت عليه وجلست؛ فقلت: أنت نبيّ الله وصفوته وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير؟!.

فقال: ( «أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة) - بمعجمة وكاف: قريبة- (الانقطاع)، أي: الزوال (وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في آخرتنا» ) ، وإضافة الآخرة لهم!! لأنّهم المنتفعون بها، حتّى كأنّها منسوبة لهم؛ لا لغيرهم.

وفي رواية للشيخين: «أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا» .

فقلت: استغفر لي؛ يا رسول الله.

قال النووي في «شرح مسلم» : وهذا يحتجّ به من يفضّل الفقر على الغنى،

(1) بالنصب اسم «إن» وكتب بحذف الألف على لغة ربيعة وجرى عليه كثير من المحدثين. وعطين أي متغيرا منتنا اهـ.

ص: 531

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرير مرمّل بالبرديّ، وعليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبرديّ، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليه، فإذا النّبيّ صلى الله عليه وسلم نائم عليه، فلمّا رآهما.. استوى جالسا، فنظرا، فإذا أثر السّرير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله؛ ما يؤذيك

لما في مفهومه أنّ بمقدار ما يتعجّله من طيّبات الدنيا يفوته من ادّخار الأجر له في الآخرة، وقد يتأوّله الآخرون بأنّ المراد أنّ حظّ هؤلاء من النعيم ما تعجّلوه في الدنيا، ولا حظّ لهم في الآخرة لكفرهم.

(و) أخرج ابن حبّان في «صحيحه» المسمى ب «الأنواع والتقاسيم» ؛ (عن) أمّ المؤمنين (عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرير مرمّل) - بضم الميم وفتح الراء وشدّ الميم- بالبرديّ بفتح فسكون-: نبات يعمل منه الحصر على لفظ المنسوب إلى البرد، كما في «المصباح» . فالمعنى أنّ قوائم السرير موصولة مغطّاة بما نسج من ذلك النبات؛ كذا قال الزرقاني.

وفي حديث عمر في الصحيح: فإذا هو مضطجع على رمال حصير. قال القسطلاني: بكسر الراء وتضم، أي: سرير مرمول بما يرمّل به الحصير، أي:

ينسج، ورمال الحصير ضلوعه المتداخلة فيه كالخيوط في الثوب. انتهى.

قال في «النهاية» : والمراد أنّه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف؛ ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. انتهى كلامه.

(وعليه) - أي السرير- (كساء أسود، وقد حشوناه بالبرديّ، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليه؛ فإذا النّبيّ صلى الله عليه وسلم نائم عليه، فلمّا رآهما استوى جالسا) إكراما لهما، (فنظرا فإذا أثر السّرير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا:

يا رسول الله؛ ما يؤذيك) - بحذف همزة الاستفهام تخفيفا- أي: أما يؤذيك

ص: 532

خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؛ وهذا كسرى وقيصر على فرش الدّيباج والحرير؟! فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تقولا هذا؛ فإنّ فراش كسرى وقيصر في النّار، وإنّ فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة» .

وما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مضجعا قطّ، إن فرش له.. اضطجع، وإلّا.. اضطجع على الأرض.

ومعنى (مرمّل) :

(خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؛ وهذا كسرى وقيصر) أتى بالإشارة لتحقّق كونهما (على فرش الدّيباج والحرير؟!) ، حتّى كأنّهما مشاهدان يشار إليهما.

(فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تقولا هذا، فإنّ فراش كسرى وقيصر في النّار) - كناية عن عذابهما وحقارتهما؛ بجعل النار ظرفا لفراشهما محيطة به- (وإنّ فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة» ) ، لم يقل «في الجنّة» على نمط ما قبله!! إشارة إلى تصرّفه فيها كيف شاء، وذلك أبلغ في تعظيمه من مجرّد كون فراشه وسريره بها.

وقد أشار إلى ما تقدّم الحافظ زين الدين العراقي في «ألفيّته في السيرة» فقال:

فراشه من أدم وحشوه

ليف فلا يلهي بعجب زهوه

وربّما نام على العباءة

بثنيتين عند بعض النّسوة

وربّما نام على الحصير

ما تحته شيء سوى السّرير

(وما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - عبارة القسطلّاني في «المواهب اللّدنّيّة» :

ويروى أنّه عليه الصلاة والسلام ما عاب- (مضجعا قطّ) ؛ أي: مكانا يضطجع فيه (إن فرش له اضطجع) على ما فرش له، (وإلّا) يفرش له شيء (اضطجع على الأرض) صلى الله عليه وسلم.

(ومعنى مرمّل) - بضم الميم وفتح الراء وشد الميم الثانية آخره لام-

ص: 533

منسوج. و (البرديّ) : نبات.

وتغطّى صلى الله عليه وسلم باللّحاف، قال عليه الصلاة والسلام:«ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكنّ.. غير عائشة» .

(منسوج) بالسعف كما تقدّم آنفا.

(والبرديّ) - بفتح الباء الموحدة وسكون الراء آخره ياء مثنّاة على لفظ المنسوب- هو (نبات) يعمل منه الحصر كما تقدّم.

(وتغطّى صلى الله عليه وسلم باللّحاف) بزنة كتاب: كلّ ثوب يتغطّى به، والجمع لحف؛ كما في «المصباح» .

(قال) النّبيّ عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاريّ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: اجتمع صواحبي إلى أمّ سلمة؛ فقلن: والله؛ إنّ النّاس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، وإنّا نريد الخير كما تريد عائشة. فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار. فذكرت ذلك أمّ سلمة له. قالت:

فأعرض عنّي، فلمّا عاد إليّ ذكرت له ذلك فأعرض عنّي، فلمّا كان في الثالثة ذكرت له فقال:«يا أمّ سلمة؛ لا تؤذيني في عائشة، فو الله (ما أتاني جبريل) - وفي رواية: «ما نزل عليّ الوحي» - (وأنا في لحاف امرأة منكنّ غير عائشة» ) رضي الله تعالى عنها إكراما من الله لها وسبق عناية بها.

وقيل: لمبالغتها في تنظيف ثيابها، أو لمكان والدها، وأنّه لم يفارق النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب أحواله، فسرى سرّه إلى ابنته؛ مع مزيد حبّ المصطفى لها.

وفيه فضلها على جميع نسائه، ويحتمل أنّ المراد غير خديجة؛ لأنها ماتت قبل ذلك فلم تدخل في الخطاب بقوله: منكنّ؛ قاله الحافظ ابن حجر، وجزم السيوطيّ بما أبداه احتمالا.

ثمّ المصنّف ذكر هذا دليلا لقوله تغطّى باللّحاف؛ لأنّ الاستثناء من النفي

ص: 534

وكان وساده الّذي يتّكىء عليه من أدم، حشوه ليف.

وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم متّكئا على وسادة على يساره.

إثبات، فكأنّه قيل: أتاني وأنا متغطّ بلحاف عائشة، والمتبادر أنّها معه فيه.

(و) أخرج الإمام أحمد؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

(كان وساده) - بكسر الواو-: المخدّة (الّذي يتّكىء عليه من أدم) - بفتحتين- جمع أدمة أو أديم، وهو الجلد المدبوغ. (حشوه) أي الأدم (ليف) .

والجملة صفة لأدم، وفيه إيذان بكمال زهده وإعراضه عن الدنيا ونعيمها، وفاخر متاعها، وحلّ اتّخاذ الوسادة ونحوها من الفرش.

وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ:«كان وسادته التي ينام عليها باللّيل من أدم حشوها ليف» .

وفيه حل اتّخاذ الوسادة ونحوها، والنوم عليها، وغير ذلك. قالوا: لكن الأولى لمن غلبه الكسل، والميل للدّعة والترفّه أن لا يبالغ في حشو الفراش؛ لأنّه سبب لكثرة النوم والغفلة، والشغل عن مهمّات الخيرات.

(و) أخرج أبو داود، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» - وقال: حسن غريب- (عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه؛ قال:

رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أي: أبصرته حال كونه (متّكئا على وسادة) - بكسر الواو- كإفادة: ما يتوسّد به من المخدّة- بكسر الميم وفتح الخاء المعجمة- وقد يقال:

وساد- بلا تاء-، وأساد- بالهمزة- بدل الواو (على يساره) ؛ أي: حال كون الوسادة موضوعة على يساره. أي: جانبه الأيسر، فهو صفة لوسادة، جيء به لبيان الواقع لا للتّقييد، فيحلّ الّاتكاء يمينا أيضا.

وقد بيّن الراوي في هذا الخبر التّكأة، وهي الوسادة هنا، وكيفيّة الاتّكاء.

ص: 535

وكان صلى الله عليه وسلم يصلّي على الحصير.

وكان صلى الله عليه وسلم يصلّي على بساط.

والتّكأة بوزن اللّمزة: ما يتّكأ عليه من وسادة وغيرها ممّا هيء وأعدّ لذلك، فخرج الإنسان فلا يسمى تكأة؛ وإن اتّكىء عليه.

(و) في «كنوز الحقائق» : (كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي على الحصير) من غير سجّادة تبسط له فرارا عن تزيين الظاهر للخلق، وتحسين مواقع نظرهم، فإنّ ذلك هو الرياء المحظور، وهو؛ وإن كان مأمونا منه لكنّ قصده التشريع.

والمراد بالحصير: ما نسج من ورق النخل، هكذا كانت عادتهم.

ثمّ هذا الحديث رمز له المناوي في «كنوزه» برمز عبد الرزاق! ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم؛ عن المغيرة بن شعبة بلفظ: كان يصلي على الحصير، والفروة المدبوغة.

قال المناوي: وعورض هذا الحديث بما رواه أبو يعلى، وابن أبي شيبة، وغيرهما من رواية شريح أنّه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير؛ والله سبحانه وتعالى يقول (وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً)(8)[الإسراء] ؟! قالت: لم يكن يصلّي عليه. ورجاله كما قال الحافظ الزين العراقي: ثقات.

وأجيب تارة بأنّ المنفيّ في خبرها المداومة، وتارة أخرى أجيب بأنّها إنّما نفت علمها، ومن علم صلاته على الحصير مقدّم على النافي، وبأنّ حديثها؛ وإن كان رجاله ثقات؛ لكن فيه شذوذ ونكارة. فإنّ القول «بأنّ المراد في الآية الحصير التي تفرش» مرجوح مهجور، والجمهور على أنّه من الحصر، أي: ممنوعون عن الخروج منها؛ أفاده الحافظ العراقي قال: وفيه ندب الصلاة على الحصير، ونحوه مما يقي بدن المصلي عن الأرض، وقد حكاه الترمذيّ عن أكثر أهل العلم؛ ذكره المناوي.

(و) أخرج ابن ماجه، والحاكم، وابن أبي شيبة بسند حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:

(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي على بساط) أي: حصير كما في «شرح

ص: 536

وكان صلى الله عليه وسلم يستحبّ أن تكون له فروة مدبوغة يصلّي عليها.

أبي داود» للوليّ العراقيّ، وسبقه إليه أبوه في «شرح الترمذيّ» حيث قال: في «سنن أبي داود» ما يدلّ على أنّ المراد بالبساط الحصير.

قال ابن القيّم: كان يسجد على الأرض كثيرا، وعلى الماء، والطين، وعلى الخمرة المتّخذة من خوص النخل، وعلى الحصير المتّخذ منه، وعلى الفروة المدبوغة؛ كذا في «زاد المعاد» . ولا ينافيه إنكاره في «المصايد» على الصوفيّة ملازمتهم للصلاة على سجادة. وقول ابن القيّم:«لم يصلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على سجادة قطّ، ولا كانت السجادة تفرش بين يديه» !!، مراده السجادة من صوف على الوجه المعروف، فإنّه كان يصلّي على ما اتّفق بسطه. انتهى؛ ذكره المناوي في «الكبير» رحمه الله تعالى.

(و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» بسند ضعيف؛ عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحبّ) ؛ أي: يحب (أن تكون له فروة مدبوغة) . الفروة قيل: بإثبات التاء، وقيل: بحذفها، والجمع فراء؛ كسهم وسهام، وهو على أنواع: فمنها السمور، والأزق، والقاقون، والسنجاب، والنافه، والقرسق، وأولاهنّ أعلاهنّ، وهي جلود حيوانات تدبغ فتخيط ويلبس بها الثياب، يلبسونها اتّقاء البرد. قال الأزهريّ: الجلدة إذا لم يكن عليها وبر، ولا صوف لا تسمّى «فروة» . انتهى «شرح القاموس» .

(يصلّي عليها) بيّن به أنّ الصلاة على الفروة لا تكره، وأنّ ذلك لا ينافي كمال الزهد، وأنّه ليس من الورع الصلاة على الأرض، لأنّ محلّ ذلك القلب.

وفيه إشارة إلى أنّ التنزّه عنها توهّما لتقصير الدبّاغ عن التطهير ليس من الورع، وإيماء إلى أنّ الشرط تجنّب النجاسة إذا شوهدت، وعدم تدقيق النظر في استنباط الاحتمالات البعيدة، وقد أخطأ قوم استفرغوا أنظارهم في دقائق الطهارة والنجاسة، وأهملوا النظر في دقائق الرياء والظلم!! فانظر كيف اندرس من الدين رسمه؛ كما اندرس تحقيقه وعلمه!! نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق إلى أقوم طريق. انتهى. مناوي رحمه الله تعالى.

ص: 537