الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الفصل الخامس في صفة طيبه صلى الله عليه وسلم وتطيّبه]
الفصل الخامس في صفة طيبه صلى الله عليه وسلم وتطيّبه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكّة يتطيّب منها. ومعنى (السّكّة) : طيب
…
(الفصل الخامس) من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة طيبه صلى الله عليه وسلم وتطيّبه) ؛ أي: استعماله الطيب وما يتعلّق بذلك
فائدة: يتأكّد الطّيب للرجال في نحو يوم الجمعة، والعيدين، وعند الإحرام، وحضور الجماعة، والمحافل، وقراءة القرآن، والعلم، والذكر، ويتأكّد لكلّ من الرجل والمرأة عند المباشرة، فإنّه من حسن المعاشرة.
روى أبو داود في «سننه» ، والترمذي في «شمائله» بسند حسن؛ (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه) قال:(كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكّة) - بضم السين المهملة وتشديد الكاف، - قيل: هي طيب مركّب، وقيل: وعاء الطيب، فإن كان المراد بها هنا نفس الطيب فمن في قوله (يتطيّب منها) للتبعيض، وإن كان المراد بها الوعاء فهي للابتداء.
قال العلّامة ابن حجر الهيتمي: والظاهر أنّ المراد بها: ظرف يوضع فيه الطيب؛ كما يشعر به قوله «منها» ، لأنه لو أريد بها نفس الطيب لقيل يتطيب بها؛ وقد علمت أنّه يصحّ إرادة نفس الطيب؛ وتكون «من» للتبعيض.
وإنما قيل «منها» ليشعر بأنه يستعمل بدفعات، بخلاف ما لو قيل بها، فإنه يوهم أنّه يستعمله بدفعة؛ كما قاله ميرك. انتهى «باجوري» .
(ومعنى السّكّة) - بتشديد السين والكاف-: (طيب) يتّخذ من الرامك
…
مجموع من أخلاط، ويحتمل أن يكون وعاء.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته.
- بكسر الميم وتفتح-؛ وهو: شيء أسود يخلط بمسك، ويعرك ويقرص ويترك يومين، ثم يثقب بمسلّة؛ ثم ينظم في خيط، وكلّما عتق عبق؛ كذا في «القاموس» .
وقال الجزري في «تصحيح المصابيح» : هي طيب (مجموع من أخلاط.
ويحتمل أن يكون وعاء) للطيب. انتهى «باجوري» وغيره.
وروى النسائي، والبخاري في «تاريخه» ؛ عن محمد بن علي؛ قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطيّب؛ قالت: نعم بذكارة الطيب:
المسك والعنبر، انتهى. قال في «النهاية» : ذكارة الطيب- بالكسر- وذكورته:
ما يصلح للرجال، وهو ما لا لون له؛ كالمسك، والعنبر، والعود. انتهى.
(و) أخرج أبو يعلى بسند حسن؛ عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه:
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ المسك) - بكسر الميم-؛ وهو طيب معروف، وأصله دم يتجمّد في خارج سرّة الظبية ثم ينقلب طيبا، وهو طاهر إجماعا، ولا يعتدّ بخلاف الشيعة. انتهى «باجوري» .
(فيمسح به رأسه ولحيته) ، ظاهره أن استعمال الطيب مطلوب مطلقا، ولو كان الشخص خاليا عن الناس، فيسنّ التطيّب بسائر أنواع الطيب، وأفضله المسك، ولا عبرة بقول العامّة «إنّه طيب النساء» .
وقال حجّة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى: الجاهل يظنّ أنّ ذلك من حبّ التزيّن للناس؛ قياسا على أخلاق غيره، وتشبيها للملائكة بالحدادين، وهيهات!! فقد كان مأمورا بالدعوة، وكان من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم، وتحسين صورته في أعينهم، لئلا تزدريه نفوسهم، فينفّرهم ذلك عنه، ويتعلّق المنافقون به في تنفير الناس عنه، وهذا الفعل واجب على كل عالم تصدّى لدعوة الخلق إلى الحق. انتهى؛ نقله المناوي في «كبيره» .
وكان صلى الله عليه وسلم يضمّخ رأسه بالمسك.
وكان أنس لا يردّ الطّيب؛ وقال: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يردّ الطّيب.
فائدة: ليس من الكبر التجمّل بالملابس ونحوها، بل قد يكون ذلك مندوبا؛ كالتجمّل للصلوات والجماعات ونحوها، وفي حقّ المرأة لزوجها وهو لها، وفي حقّ العالم لتعظيم العلم في نفوس الناس، وقد يكون واجبا في حقّ ولاة الأمور وغيرهم؛ إذا توقف عليهم تنفيذ الواجب، فإن الهيئة المزرية لا تصلح معها مصالح العامّة في هذه الأعصار، لما جبلت عليه النفوس الآن من التعظيم بالصور؛ عكس ما كان عليه السلف الصالح من التعظيم بالدين والتقوى. انتهى؛ ذكره السيد محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل في «نشر الأعلام» ؛ شرح «البيان والإعلام» للسيد أبي بكر بن أبي القاسم الأهدل رحمه الله.
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز النسائي:
(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمّخ) - بتشديد الميم وآخره خاء معجمة- أي:
يلطّخ (رأسه بالمسك) بأن يأخذ المسك بيده الشريفة فيمسح به رأسه؛ كما بيّنته الرواية السابقة.
(و) أخرج الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ عن ثمامة بن عبد الله قال:(كان أنس) بن مالك (لا يردّ الطّيب، وقال) - أي:
أنس-: (إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يردّ الطّيب) - أي: لخفّة المنّة فيه، وقد ورد النهي عن ردّه مقرونا ببيان الحكمة، في حديث صحيح: رواه أبو داود، والنسائي، وأبو عوانة؛ من طريق عبيد الله بن أبي جعفر؛ عن الأعرج؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا:«من عرض عليه طيب فلا يردّه، فإنّه خفيف المحمل طيّب الرّائحة» . قال ميرك: وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال «ريحان» بدل «طيب» ! ورواية الجماعة أثبت.
وعن أبي عثمان النّهديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أعطي أحدكم الرّيحان
…
والمحمل هنا- بفتح الميم الأولى وكسر الثانية-، والمراد به الحمل- بفتح الحاء المهملة-، والمعنى أنّه ليس بثقيل؛ بل قليل المنّة، ومع هذا طيّب الرائحة، والطّيب ذو الرائحة الطيبة جعله الله تعالى نافعا لمالكه وغيره، فلا يختصّ مالكه إلّا بكونه حامله، والمقصود منه مشترك بينه وبين غيره، والهديّة إذا كانت قليلة وتتضمّن منفعة فلا تردّ، لئلا يتأذّى المهدي؛ إذا لم يكن طماعا. انتهى «باجوري وعلي قاري» .
ويلحق بالطيب كلّ ما لا منّة فيه كالوسادة والدّهن والحلو، ورزق من يحتاج إليه، وقد أوصلها السيوطي إلى سبعة، ونظمها فقال:
عن المصطفى سبع يسنّ قبولها
…
إذا ما بها قد أتحف المرء خلّان
فحلو وألبان ودهن وسادة
…
ورزق لمحتاج وطيب وريحان
(و) أخرج أبو داود في «مراسيله» ، والترمذي في «الشمائل» و «الجامع» ؛ وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ (عن أبي عثمان النّهديّ) - بفتح النون وسكون الهاء- نسبة إلى بني نهد قبيلة باليمن، واسمه عبد الرحمن بن ملّ- بتثليث الميم وتشديد اللام- ابن عمرو بن عدي، مشهور بكنيته، ثقة عابد، مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولم يجتمع به، فليس بصحابي، وإنما سمع من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي موسى، وروى عنه قتادة وغيره، ومات سنة:
خمس وتسعين- بتقديم المثناة على المهملة-، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل أكثر، فالحديث مرسل؛ كما صرّح به السيوطيّ في «الجامع الصغير» (رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أعطي) - بالبناء للمفعول- و (أحدكم) - نائب فاعل؛ وهو المفعول الأول والريحان مفعول ثان-، أي: إذا عرض على أحدكم- (الرّيحان) - وهو كلّ نبت طيّب الريح من أنواع المشمومات؛ على ما في
فلا يردّه؛ فإنّه خرج من الجنّة» .
وعن أنس رضي الله عنه: كان أحبّ الرّياحين إليه صلى الله عليه وسلم الفاغية.
«النهاية» ، فمنه الورد والفاغية والنّمام وغيرها- (فلا يردّه) - بفتح الدال-، وهو نصّ في كونه نهيا، بخلاف ما لو روي- بضم الدال- فإنه يحتمل أنّها نافية، فيكون نفيا لفظا؛ نهيا معنى، كقوله تعالى (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (79) [الواقعة] . وتقدّم قريبا خبر مسلم:«من عرض عليه ريحان فلا يردّه فإنّه خفيف المحمل طيّب الرّيح» .
(فإنّه خرج من الجنّة» ) ، يحتمل أن بذره خرج من الجنة، وليس المراد أنه خرجت عينه من الجنّة.
وإنّما خلق الله الطيب في الدنيا!! ليذكر به العباد طيب الجنة، ويرغبون فيها بزيادة الأعمال الصالحة؛ ليصلوا بسببها إلى الجنة.
والحاصل أنّ طيب الدنيا أنموذج من طيب الجنة، وإلّا! فطيبها يوجد ريحه مسيرة خمسمائة عام؛ كما في حديث.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ من حديث عبد الحميد بن قدامة- وهو حسن لغيره- (عن أنس) خادم رسول الله رضي الله عنه قال:
(كان أحبّ الرّياحين) - جمع ريحان: نبت طيّب الريح؛ أو كلّ نبت طيب الريح؛ كذا في «القاموس» وفي «المصباح» : الريحان كل نبت طيب الريح، لكن إذا أطلق عند العامة انصرف إلى نبات مخصوص- (إليه صلى الله عليه وسلم الفاغية) نور الحنّاء، وهو من أطيب الرياحين وأحسنها، وجاء خبر «أنّها سيّدة الرّياحين في الدّنيا والآخرة» .
وفي «الشّعب» ؛ عن ابن درستويه: الفاغية: عود الحناء يغرس مقلوبا فيخرج بشيء أطيب من الحناء فيسمّى «الفاغية» ، وفيه منافع كثيرة من أوجاع
و (الفاغية) : زهر الحنّاء.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الرّيح الطّيّبة.
وكان صلى الله عليه وسلم يحبّ الطّيب والرّائحة الحسنة، ويستعملهما كثيرا، ويحضّ عليهما،
…
العصب والفالج والصداع وأوجاع الجنب والطحال وغيرها.
(والفاغية: زهر الحنّاء)، وقيل: عود الحناء- كما سبق-.
(و) أخرج أبو داود، والحاكم- وهو حديث صحيح؛ كما قال العزيزي-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الرّيح الطّيّبة) ، لأنها غذاء الروح، والروح مطيّة القوى، والقوى تزداد بالطيب، وهو ينفع الدماغ والقلب وجميع الأعضاء الباطنة، ويفرح القلب ويسرّ النفس، وهو أصدق شيء للروح وأشدّه ملاءمة لها، وبينه وبين الروح نسب قريب، فلهذا كان أحبّ المحبوبات إليه من الدنيا؛ ذكره المناوي في «الكبير»
(و) في «الشفاء» للقاضي عياض: (كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ الطّيب) وهو كل ما يتطيّب به؛ من بخور ومسك وعنبر ونحوها، (والرّائحة الحسنة) الحاصلة من غير جنس الطيب، كالريحان وسائر الزهور العطرة، ولذا كان صلى الله عليه وسلم لا يردّ هديّتها (ويستعملهما) أي: الطيب والرائحة (كثيرا) أي: في أكثر أوقاته استعمالا مناسبا لكلّ منهما، مع أنّه بذاته بل وبفضلاته طيب؛ كما هو مقرّر في محلّه، وكان استعمالها لزيادة المبالغة بنيّة ملاقاة الملائكة، فإنّهما تقوّيان الحواسّ، وتورثان النشاط والقوة، والملائكة تحبّهما وتكره الرائحة الخبيثة، بعكس الشياطين.
(ويحضّ عليهما) بضمير التثنية للطيب والرائحة، وفي نسخة «عليها» فالضمير لها، لأنها المقصودة من الطيب، لا لأنّها أعمّ كما قيل لتغايرهما، أي:
كان صلى الله عليه وسلم يحثّ الناس ويحرّضهم على استعمال ذلك، لما لهم فيه من الفوائد،
ويقول: «حبّب إليّ من دنياكم: النّساء،
…
ولحضور الملائكة الحفظة والكتبة عندهم، ولملاقاتهم له بما يحبّه، ومن مروءة الإنسان نظافته وطيب رائحته.
(ويقول) - كما في الحديث الذي رواه النسائي، والطبرانيّ في «الأوسط» و «الصغير» ، والحاكم في «المستدرك» - بسند جيد بدون لفظ: وجعلت؛ وقال: على شرط مسلم-، والبيهقي في «سننه» ، وأبو عوانة في «مستخرجه على الصحيح» ، وابن عدي في «كامله» ، - وقال العقيلي: إنّه ضعيف، لكن قال الحافظ: إسناده حسن، قال الشهاب الخفاجيّ كالحافظ السخاوي في «المقاصد الحسنة» : وأخرجه أحمد وأبو يعلى في «مسنديهما» ، قال الزرقاني:
وأخرجه الإمام أحمد في «كتاب الزهد» ، ووهم من عزاه ل «مسنده» - كلّهم؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( «حبّب) - بالبناء للمفعول- (إليّ من دنياكم: النّساء) لنقل ما بطن من الشريعة مما يستحيا من ذكره بين الرجال.
قال الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» : الأنبياء زيدوا في النكاح لفضل نبوّتهم، وذلك أن النّور إذا امتلأ منه الصدر، فغاص في العروق؛ التذّت النفس والعروق؛ فأثار الشهوة وقوّاها.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: السرّ في إباحة نكاح أكثر من أربع لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ الله تعالى أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يستحيا من ذكره، وما لا يستحيا منه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ الناس حياء، فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله؛ ويسمعنه من أقواله التي قد يستحي من الإفصاح بها بحضرة الرجال، ليكتمل نقل الشريعة، فقد نقلن ما لم يكن ينقله غيرهن، في ما رأينه في منامه وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوّته، ومن جدّه واجتهاده في العبادة، ومن أمور يشهد كلّ ذي لبّ أنّها لا تكون إلّا لنبي، وما كان يشاهدها غيرهنّ، فحصل بذلك كلّ خير عظيم. انتهى «عزيزي» .
والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» .
(والطّيب،) لأنّه حظّ الملائكة، ولا غرض لهم في شيء من الدنيا سواه، فكأنّه يقول: حبّي لهاتين إنما هو لأجل غيري، قال الطيبي: جيء بالفعل مجهولا!! دلالة على أنّ ذلك لم يكن من جبلّته وطبعه، وأنه مجبور على هذا الحبّ؛ رحمة للعباد ورفقا بهم، بخلاف الصلاة فمحبوبة له بذاتها فلذا قال:
(وجعلت قرّة عيني) - فرحها وسرورها- (في الصّلاة» ) ذات الركوع والسجود، لأنّها محلّ المناجاة ومعدن المصافاة.
وقيل: المراد صلاة الله وملائكته عليه، ومنع بأنّ السياق يأباه.
وقدّم النساء!! للاهتمام بنشر الأحكام وتكثير سواد الإسلام، وأردف بالطّيب؛ لأنّه من أعظم الدوعي لجماعهنّ، مع حسنه بالذّات وكونه كالقوت للملائكة، وأفرد الصلاة عنهما!! لأنّها غيرهما بحسب المعنى، إذ ليس فيها تقاضي شهوة نفسانية؛ كما فيهما.
قال العلامة ابن الحاج في كتابه «المدخل» : وانظر إلى حكمة قوله عليه الصلاة والسلام «حبّب إليّ» ولم يقل: أحببت، وقال «من دنياكم» ، فأضافها إليهم؛ دونه عليه الصلاة والسلام، فدلّ على أن حبّه كان خاصّا بمولاه تبارك وتعالى، فلذا غاير؛ فقال:«وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» ، فكان عليه الصلاة والسلام بشري الظّاهر؛ ملكوتي الباطن، وكان عليه الصلاة والسلام لا يأتي إلى شيء من الأحوال البشرية إلّا تأنيسا لأمّته وتشريعا لها، لا لأنّه محتاج إلى شيء من ذلك بحيث لو تركه لأضرّ به، ألا ترى إلى قوله تعالى (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ)[50/ الأنعام] ، فقال «لكم» ولم يقل «إني ملك» ؛ فلم ينف الملكيه عنه إلّا بالنسبة إليهم، أعني بكونه ملكا في معانيه عليه الصلاة والسلام؛ لا في ذاته الكريمة، إذ أنه عليه الصلاة والسلام يلحق بشريته ما يلحق البشر، ولهذا قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي: هو بشر ليس كالأبشار، كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار، وهذا منه رحمه الله تعالى على
ورواية: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» .. لا أصل لها، ففي «المواهب» :
…
سبيل التقريب للفهوم، فدلّ على أنّه صلى الله عليه وسلم كان ملكيّ الباطن، ومن كان ملكي الباطن ملك نفسه، فلا تغلب عليه بحب شيء من الدنيا. انتهى كلام «المدخل» ؛ نقله عنه القسطلّاني.
قال المصنف رحمه الله: (ورواية: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» ) ؛ كما اشتهر على الألسنة (لا أصل لها، ففي)«شرح الشفاء» للعلامة ملّا علي قاري:
إنّ لفظ «ثلاث» خطأ فاحش. ومما يدلّ على بطلانه تغيّر سياق الحديث في قوله:
«وجعلت
…
الخ» . انتهى. وقال الشهاب الخفاجي: إنّها غير ثابتة؛ وإن أثبتها الزمخشري والغزاليّ في «الإحياء» ، والقاضي عياض تبعا لهم، وقد أفردنا هذا الحديث بتعليقة مستقلة. انتهى.
وفي ( «المواهب) اللدنية» للعلامة القسطلاني:
تنبيه: وقع في «الإحياء» للغزالي في موضعين، وفي تفسير آل عمران؛ من «الكشاف» عند قوله تعالى (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)[97/ آل عمران] وتبعه البيضاوي، وكذا وقع للراغب وابن عربي في «الفصوص» وكثير من كتب الفقهاء «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» ، وقالوا: إنه عليه الصلاة والسلام، قال «ثلاث» ولم يذكر إلّا اثنتين: الطّيب والنّساء!! لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن في تعيين ما يصلح جعله مثالا للمتروك، ومنه قول الشاعر:
إنّ الأحامرة الثّلاثة أهلكت
…
مالي وكنت بهنّ قدما مولعا
الخمر والماء القراح وأطّلي
…
بالزّعفران فلا أزال مولّعا
وبعضهم ينشدها هكذا:
إنّ الأحامرة الثّلاثة أهلكت
…
مالي وكنت بهنّ قدما مولعا
الرّاح واللّحم السّمين وأطّلي
…
بالزّعفران فلن أزال مولّعا
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر:
فلم يذكر الماء، وهذا عندهم يسمّى «طيّا» ، وهو: أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلّم، كإبهامه على السامع، لعدم إرادة المتكلّم وقوف السامع عليه لنكتة، وأنشد الزّمخشريّ شاهدا عليه قول جرير:
كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم
…
من العبيد وثلث من مواليها
فصرّح بذكر ثلثين وطوى ذكر الثالث، كأنه قيل: والثالث من الأخيار الذين ليسوا موالي ولا عبيدا، وفائدة الطيّ عندهم: تكثير ذلك الشيء، لتذهب النفس كلّ مذهب ممكن، لكن هذا التكلّف إنّما يجيء لو ورد لفظ «ثلاث» ولم يرد!!.
فقد (قال شيخ الإسلام) شهاب الملّة والدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد أبو الفضل (الحافظ ابن حجر) : لقب لبعض آبائه، الكناني العسقلاني القاهريّ الشافعي، الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخّرة.
ولد في ثاني عشر شعبان سنة: - 773- ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر.
ونشأ بها يتيما في كنف أحد أوصيائه فحفظ القرآن؛ وهو ابن تسع، وتفقّه بالبلقيني والبرماوي وابن الملقّن والعزّ بن جماعة، وعليه أخذ غالب العلوم الآلية والأصولية، ثم حبّب الله إليه فنّ الحديث، فأقبل عليه بكلّيّته فعكف على الزين العراقي وحمل عنه علم الحديث؛ سندا ومتنا، وعللا واصطلاحا.
وارتحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة، وأكثر جدا من المسموع والشيوخ، وسمع العالي والنازل، واجتمع له من ذلك ما لم يجتمع لغيره، وأدرك من الشيوخ جماعة كلّ واحد رأس في فنّه الذي اشتهر به؛ فالتنوخيّ في معرفة القراءات، والعراقيّ في الحديث، والبلقينيّ في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقّن في كثرة التصانيف، والمجد صاحب «القاموس» في حفظ اللغة، والعزّ بن جماعة في تفنّنه في علوم كثيرة بحيث كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها.
إنّ لفظ «ثلاث» لم يقع في شيء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى، وكذلك قاله الوليّ العراقيّ
…
ثم تصدّى لنشر الحديث وقصر نفسه عليه؛ مطالعة وإقراء، وتصنيفا وإفتاء، وتفرّد بذلك، وشهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد، والعدوّ والصديق، حتّى صار إطلاق لفظ «الحافظ» عليه كلمة إجماع، ورحل الطلبة إليه من الأقطار، وطارت مؤلفاته في حياته، وانتشرت في البلاد، وتكاتبت الملوك من قطر إلى قطر في شأنها، وهي كثيرة جدّا عدّدها السخاوي في «الضوء اللامع» ، وأخذ عنه الناس طبقة بعد طبقة، وألحق الأصاغر بالأكابر.
واستمر على طريقته حتى مات في أواخر ذي الحجة سنة: - 852- اثنين وخمسين وثمانمائة، وكان له مشهد لم ير مثله، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى.
قال في تخريج أحاديث «الكشاف» : (إنّ لفظ «ثلاث» لم يقع في شيء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى) ، لأن الصلاة ليست من أمور الدنيا.
(وكذلك قاله) شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم (الوليّ) ؛ أي: ولي الدين بن زين الدين (العراقيّ) الحافظ ابن الحافظ، الإمام العلّامة المتفنّن المحقّق البارع.
ولد في سحر يوم الإثنين ثالث ذي الحجة سنة: - 762- اثنتين وستين وسبعمائة بالقاهرة، وأحضره والده على جماعة من الشيوخ، ورحل به إلى دمشق فأحضره بها على أعيان علمائها، وأخذ عمن دبّ ودرج، وكتب الطّباق وضبط الأسماء، وتدرّب بوالده في الحديث وفنونه، وكذا في غيره من فقه وأصول وعربية ومعان وبيان، وبرع في جميع ذلك وشارك في غيرها من الفضائل، وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس، واستمرّ يترقّى لمزيد ذكائه حتى ساد، وأبدأ وأعاد، وظهرت نجابته ونباهته، واشتهر فضله وبهر عقله، مع حسن خلقه وخلقه، وشرف نفسه، وتواضعه، وانجماعه، وصيانته وديانته، وأمانته،
في «أماليه» ،
…
وعفّته، وضيق حاله وكثرة عياله، ودرّس وهو شاب في حياة أبيه؛ وقال أبوه مادحا لدروسه:
دروس أحمد خير من دروس أبه
…
وذاك عند أبيه منتهى أربه
وولي القضاء بعد موت والده، فسار فيه أحسن سيرة، بعفّة ونزاهة، وحرمة وصرامة، وشهامة ومعرفة، وله مؤلفات كثيرة، وأقرأ مصنّفاته في حياته، وكان موته مبطونا شهيدا آخر يوم الخميس سابع عشر من شعبان سنة؛- 826- ست وعشرين وثمانمائة، ثم دفن إلى جنب والده بتربته رحمه الله تعالى.
(في «أماليه» ) - جمع إملاء؛ وهو: من وظائف العلماء قديما، خصوصا الحفاظ من أهل الحديث في يوم من أيّام الأسبوع يوم الثلاثاء؛ أو يوم الجمعة، وهو المستحبّ، كما يستحبّ أن يكون في المسجد لشرفهما «1» .
وطريقهم في الإملاء: أن يكتب المستملي في أوّل القائمة: هذا مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا، ويذكر التاريخ، ثم يورد المملي بأسانيده أحاديث وآثارا، ثم يفسّر غريبهما ويورد من الفوائد المتعلّقة بها بإسناد؛ أو بدونه ما يختاره ويتيسر له، وقد كان هذا في الصدر الأول فاشيا كثيرا، ثم ماتت الحفّاظ وقلّ الإملاء.
وقد شرع الحافظ السيوطيّ في الإملاء بمصر سنة: - 872- اثنتين وسبعين وثمانمائة، وجدّده بعد انقطاعه عشرين سنة، من سنة مات الحافظ ابن حجر، على ما قاله في «المزهر» .
وكتب الأمالي كثيرة: منها أمالي أبي زرعة الوليّ العراقي المذكورة، وهي تنوف عن ستمائة مجلس، وقبلها أمالي ابن السّمعاني، وابن عساكر، وابن دريد، وابن الشجري، وابن الحاجب، أمالي الحافظ السلامي، أمالي المحاملي، أمالي
(1) أي: شرف الجمعة وشرف المسجد.
وعبارته: (ليست هذه اللّفظة: وهي (ثلاث) في شيء من كتب الحديث
…
بديع الزمان الهمذاني، أمالي ثعلب، أمالي الزمخشري، أمالي الزجاج، أمالي الإمام الرافعي، أمالي الإمام الشافعي، أمالي شمس الأئمة السرخسي، أمالي الإمام أبي يوسف، أمالي الحاكم أبي عبد الله، أمالي قاضي خان، أمالي القالي، أمالي القضاعي، أمالي الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهذه الأمالي أغلبها في الحديث، وبعضها في النحو والعربية، وبعضها في الفقه.
وقد كانت سنّة الإملاء انقطعت بموت الحافظ ابن حجر وتلاميذه كالحافظين السخاوي والسيوطي، وبهما ختم الإملاء، فأحياه بعد مماته نادرة الدنيا في عصره ومصره، الذي لم يأت بعد الحافظ ابن حجر وتلاميذه أعظم منه اطلاعا، ولا أوسع رواية، ولا أعظم شهرة، ولا أكثر منه علما بهذه الصناعة الحديثية، الشيخ العلامة الحافظ السيد محمد بن محمد مرتضى الزبيدي المتوفى سنة: - 1205- خمس ومائتين وألف رحمه الله تعالى، خرّيت هذه الصناعة، ومالك زمام تلك البضاعة، فأحيا إملاء الحديث على طريق السلف، في ذكر الأسانيد والرّواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة، ووصلت أماليه إلى نحو أربعمائة مجلس، كان يملي في كل إثنين وخميس، وقد جمع ذلك في مجلدات، ذكر ذلك الحافظ السيد عبد الحي الكتاني في كتاب «فهرس الفهارس» رحمهم الله تعالى. آمين.
(وعبارته) قال العلامة المحقق أحمد بن حجر الهيتمي المكي رحمه الله تعالى في كتابه «الحق الواضح» : المقرّر الناقل متى قال «وعبارته كذا» تعيّن عليه سوق العبارة المنقولة بلفظها، ولم يجز له تغيير شيء منها، وإلّا كان كاذبا، ومتى قال:
«قال فلان» كان بالخيار بين أن يسوق عبارته بلفظها؛ أو بمعناها من غير نقلها، لكن لا يجوز له تغيير شيء من معاني ألفاظها، انتهى نقله عنه في «الفوائد المكية» .
(ليست هذه اللّفظة: وهي «ثلاث» في شيء من كتب الحديث) فليست
وهي مفسدة للمعنى؛ فإنّ الصّلاة ليست من أمور الدّنيا، وكذا صرّح به الزّركشيّ وغيره، كما حكاه شيخنا- يعني الحافظ السّخاويّ
…
مدرجة أيضا، كما زعمه من لا إلمام له بالفن، فالمدرج الملحق بحديث من قول راو بلا ظهور فصل.
(وهي مفسدة للمعنى، فإنّ الصّلاة ليست من أمور الدّنيا. وكذا صرّح به) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بهادر بدر الدين (الزّركشيّ) بوزن: الجعفري، التركي الأصل المصري الشافعي المشهور، العلامة المحقق الفقيه الأصولي المتفنن، المولود سنة: - 745- خمس وأربعين وسبعمائة، والمتوفى سنة:
794-
سبعمائة وأربع وتسعين- بتقديم المثناة على المهملة-.
له تصانيف كثيرة في عدّة فنون، منها «البرهان في علوم القرآن» ، و «البحر المحيط» في الأصول، و «لقطة العجلان» ، و «الديباج في توضيح المنهاج» ، و «الخادم شرح الروضة» ، و «الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة» ، و «قواعد الفقه» وغيرها، رحمه الله تعالى.
قال في «الأحاديث المشتهرة» له: لم يرد فيه لفظ «ثلاث» وزيادته محيلة للمعنى، فإن الصلاة ليست من الدنيا. (وغيره) وكأنّهم لم يعتبروا توجيه الزمخشري وغيره بأنه من الطي، لأنّه إنّما يصار إليه لو وجدت «1» ، أما حيث لم توجد؛ فلا داعي للتوجيه، بل ذكر التوجيه والاعتناء به يوهم قاصر الباع في الحديث ورودها؛ (كما حكاه) ؛ أي: ما نقله عن الحافظ ابن حجر والوليّ العراقي والبدر الزركشي (شيخنا- يعني) العلّامة (الحافظ) أبا الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الملقب «شمس الدين (السّخاويّ» ) الأصل، نسبة ل «سخا» : قرية غربي الفسطاط بمصر بلد آبائه، القاهري المولد والنشأة،
(1) أي لفظة «ثلاث» في الحديث.
في «المقاصد الحسنة» - وأقرّه) انتهى.
وأنكره أيضا ابن القيّم
…
الشافعي المذهب، الإمام شيخ الإسلام، المؤرّخ المحقّق الرّحالة الناقد.
المولود بالقاهرة في شهر ربيع الأول سنة: - 831- إحدى وثلاثين وثمانمائة، والمتوفى سنة: اثنتين وتسعمائة- بتقديم المثناة على السين- وقد تقدمت ترجمته رحمه الله تعالى
(في) كتابه ( «المقاصد الحسنة) في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة» (وأقرّه) قائلا: ما رأيتها في شيء من طرق الحديث بعد مزيد التفتيش، وقال في جزء ألّفه في هذا الحديث: يمكن أن تكون الصلاة في أمور الدنيا بالنظر إلى اللذّة الحاصلة لمديمها؛ كما قال في «الإحياء» : جعل الصلاة من جملة ملاذّ الدنيا، لأنّ كلّ ما يدخل في الحس والمشاهدة؛ فهو من عالم الشهادة وهو من الدنيا، والتلذّذ بتحريك الجوارح بالسجود والركوع!! إنما يكون في الدنيا؛ فلذا أضافها إليها؛ انتهى.
(انتهى) ؛ أي كلام «المواهب» ممزوجا بشيء من «شرح الزرقاني» عليها.
(وأنكره) ؛ أي لفظ «ثلاث» . (أيضا) ؛ من آض إذا رجع، وكلمة «أيضا» لا تستعمل إلّا مع شيئين بينهما توافق، ويمكن استغناء كلّ منهما عن الآخر، وهو مفعول مطلق حذف عامله وجوبا؛ سماعا، أو حال حذف عاملها وصاحبها، والتقدير على الأول: ارجع إلى إنكار لفظ «ثلاث» رجوعا، وعلى الثاني: أنكر لفظ «ثلاث» راجعا إلى الإنكار لها ثانيا.
قال الجلال السّيوطي: وتوقّف ابن هشام في عربيتها، وظنّ أنها مولّدة من استعمال الفقهاء، وليس كما ظنّ، فقد ثبتت عربيتها في الكلام الفصيح، وساق جملة من الأحاديث الدالّة على صحّة ما قاله، فليراجعه من أراده.
(ابن القيّم) : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الزرعي الدمشقي، شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي، العلامة الحافظ المجتهد المصنّف المشهور البارع، ولد سنة: - 691- إحدى وتسعين وستمائة، وأخذ عن
والده والصفيّ الهندي، وابن تيمية، وبرع في جميع العلوم، وغلب عليه حبّ ابن تيمية، حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، ومات في شهر رجب سنة: - 751- إحدى وخمسين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
قال في «زاد المعاد» : من رواه «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» فقد وهم، ولم يقل صلى الله عليه وسلم «ثلاث» ، والصلاة ليست من أمور الدنيا حتى تضاف إليها. انتهى.
قال الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة: - 1162- اثنتين وستين ومائة وألف هجرية، في كتابه «كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس» ؛ بعد سوق ما تقدّم عن ابن حجر والولي العراقي والزركشي وابن القيّم ما نصّه:
وأقول: في قولهم «بل هي مفسدة للمعنى؛ كقول الزركشي زيادة «ثلاث» محيلة للمعنى.. الخ» نظر؛ وإن أقرّوه، بل المحيل زيادة «من دنياكم ثلاث» ؛ لا لفظ «ثلاث» فقط فتأمّل.
وقال الجلال السيوطي في تخريج أحاديث «الشفاء» : أخرجه النسائي، والحاكم، عن أنس بدون «ثلاث» . لكن عند أحمد؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ثلاثة أشياء: النساء والطّيب والطعام، فأصاب اثنتين؛ ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب؛ ولم يصب الطعام..
إسناده صحيح، إلا أن فيه رجلا لم يسمّ. انتهى.
وأقول: يؤخذ منه أن الثالثة هي الطعام على فرض ثبوت ثلاث فتأمّل. انتهى كلام العجلوني.
وقد ذكر لفظة «ثلاث» الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني، الأصولي النحوي المتكلّم الواعظ، صاحب التصانيف القريبة من مائة المتوفى سنة: - 406- ست وأربعمائة، وألف فيها جزءا مفردا، ووجّهها في هذا الجزء،
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ الطّيب ويكره الرّائحة الرّديئة.
وأطنب في ذلك، ونقله عنه العلامة الحافظ السخاوي في جزئه الذي ألّفه في هذا الحديث، فليطلبه من أراد.
(و) قال الغزالي في «الإحياء» ، والشعراني في «كشف الغمة» :(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ الطّيب) ، والروائح الطيبة؛ وإن كان هو طيّب الرائحة دائما كما مرّ- (ويكره الرّائحة الرّديئة) ؛ لأنها تضرّ بالروح وتحبّها الشياطين؛ عكس الملائكة، فإنها تحبّ الرائحة الطيبة، وقد سبق الكلام على حكمة محبّته للطيب وفوائده.