المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الفصل التاسع في صفة كلامه صلى الله عليه وسلم وسكوته] - منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول - جـ ١

[عبد الله عبادى اللحجى]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌كلمة الناشر

- ‌ترجمة الشّيخ عبد الله اللحجي

- ‌فأخذ عن مشايخها وهم:

- ‌السيد عبد الرحمن بن محمد الأهدل

- ‌ومن شيوخ الشيخ اللحجي في المراوعة: الشيخ العلامة السيد: عبد الرحمن بن حسن

- ‌ومن شيوخ الشيخ عبد الله اللحجي في اليمن: الشيخ العلّامة الحبر البحر الفهّامة أبو الفضائل عزّ الدين السيد: محمد حسن هند بن عبد الباري

- ‌رحلته إلى مكة المكرمة:

- ‌اتّصاله بالوالد السيد علوي المالكي:

- ‌ومن شيوخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرمة: الإمام العلّامة المحدّث شيخنا الشيخ: حسن بن محمد المشّاط المكّي المالكي

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكة المكرمة العلّامة الإمام المؤرّخ المحقق شيخ المشايخ السيد الشيخ محمد العربي

- ‌ومن مشايخ عبد الله اللحجي بمكة المكرمة العلّامة المسند الشيخ: محمد ياسين بن عيسى الفاداني المكّي

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي من أهل مكة المكرمة العلامة السيد: محمد أمين الكتبي المكيّ الحنفي

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرّمة العلّامة الشيخ: محمد يحيى أمان المكّيّ الحنفي

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللّحجي من أهل المدينة المنوّرة العلّامة الشيخ: أمين بن أحمد الطرابلسي- طرابلس الغرب- المالكيّ

- ‌ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرّمة العلّامة الشيخ: إسحاق بن إبد بن محمد نور الصامولي

- ‌روايته وأسانيده:

- ‌[مناقبه]

- ‌صلتي بالشيخ اللّحجي

- ‌صلة خاصة:

- ‌مؤلفاته:

- ‌وفاته:

- ‌تعريف بكتاب منتهى السول على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌[فهرست مطالب الكتاب]

- ‌[المقدّمة: وهي تشتمل على تنبيهين]

- ‌[التّنبيه الأوّل: في معنى لفظ الشّمائل]

- ‌[التّنبيه الثّاني: في الفوائد المقصودة: من جمع شمائله صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الباب الأوّل في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسمائه الشّريفة]

- ‌[الفصل الأوّل في نسبه الشّريف صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل الثّاني في أسمائه الشّريفة صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الباب الثّاني في صفة خلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل الأوّل في جمال صورته صلى الله عليه وسلم، وما شاكلها]

- ‌[الفصل الثّاني في صفة بصره صلى الله عليه وسلم واكتحاله]

- ‌[الفصل الثّالث في صفة شعره صلى الله عليه وسلم، وشيبه، وخضابه، وما يتعلق بذلك]

- ‌[الفصل الرّابع في صفة عرقه صلى الله عليه وسلم ورائحته الطّبيعيّة]

- ‌[الفصل الخامس في صفة طيبه صلى الله عليه وسلم وتطيّبه]

- ‌[الفصل السّادس في صفة صوته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل السّابع في صفة غضبه صلى الله عليه وسلم وسروره]

- ‌[الفصل الثّامن في صفة ضحكه صلى الله عليه وسلم وبكائه]

- ‌[الفصل التّاسع في صفة كلامه صلى الله عليه وسلم وسكوته]

- ‌[الفصل العاشر في صفة قوّته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الباب الثّالث في صفة لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وفراشه وسلاحه]

- ‌[الفصل الأوّل في صفة لباسه صلى الله عليه وسلم من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ونحوها]

- ‌[الفصل الثّاني في صفة فراشه صلى الله عليه وسلم، وما يناسبه]

- ‌[الفصل الثّالث في صفة خاتمه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل الرّابع في صفة نعله صلى الله عليه وسلم وخفّه]

- ‌[الفصل الخامس في صفة سلاحه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل السّادس كان من خلقه صلى الله عليه وسلم أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه]

- ‌فهرسة الجزء الأول من كتاب منتهى السول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌[الفصل التاسع في صفة كلامه صلى الله عليه وسلم وسكوته]

[الفصل التّاسع في صفة كلامه صلى الله عليه وسلم وسكوته]

الفصل التّاسع في صفة كلامه صلى الله عليه وسلم وسكوته عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلّم بكلام بيّن فصل،

(الفصل التّاسع) من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة كلامه صلى الله عليه وسلم وسكوته) .

والكلام: اسم مصدر بمعنى التكلّم. أو بمعنى ما يتكلّم به، ويصحّ إرادة كلّ منهما هنا، إذ يلزم من بيان صفة المتكلّم صفة ما يتكلّم به؛ وبالعكس.

وقد كان صلى الله عليه وسلم أعذب خلق الله كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتّى كأنّ كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح.

ينظّم درّ الثّغر نثر مقوله

فيا حسنه في نثره ونظامه

يناجي فينجي من يناجي من الجوى

فكلّ كليم برؤه في كلامه

روى الترمذي في «الشمائل» بسنده؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد) - بضم الراء؛ من السرد- وهو: الإتيان بالكلام على الولاء، فمعنى «يسرد» : يأتي بالكلام على الولاء ويتابعه، ويستعجل فيه (كسردكم) وفي نسخة: سردكم-، بدون كاف، والمعنى عليها، فهو منصوب بنزع الخافض (هذا) الذي تفعلونه فإنه يورث لبسا على السامعين.

(ولكن كان يتكلّم بكلام بيّن) - بتشديد التحتية المكسورة- أي: ظاهر.

(فصل) - بالجر: تأكيد ل «بيّن» - أي: مفصول ممتاز بعضه من بعض،

ص: 413

يحفظه من جلس إليه.

وكان في كلامه صلى الله عليه وسلم ترتيل.

وكان كلامه صلى الله عليه وسلم يحفظه كلّ من سمعه.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا تكلّم بكلمة.. أعادها ثلاثا

بحيث يتبيّنه من يسمعه، ويمكنه عدّه، وهذا أدعى لحفظه ورسوخه في ذهن السامع؛ مع كونه يوضّح مراده، ويبيّنه بيانا تامّا، بحيث لا يبقى فيه شبهة.

(يحفظه) - أي: كلامه- (من جلس) عنده وأصغى (إليه) ؛ لظهوره وتفصيله، والجلوس ليس بقيد، فالمراد أصغى إليه؛ وإن لم يجلس، ولو من الكفار الذين لا رغبة لهم في سماعه.

وفي «سنن أبي داود» ؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان كلامه كلاما فصلا؛ يفهمه كلّ من سمعه. قال الزين العراقي: وإسناد حسن.

(و) أخرج أبو داود في «سننه» ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما؛ قال: (كان في كلامه صلى الله عليه وسلم - وفي رواية: كان في قراءته- (ترتيل) : تأنّ وتمهّل مع تبيين الحروف والحركات، بحيث يتمكن السّامع من عدّها.

(و) أخرج النسائي في «اليوم والليلة» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان كلامه صلى الله عليه وسلم يحفظه كلّ من سمعه) من العرب وغيرهم، لظهوره وتفاصيل حروفه وكلماته، واقتداره لكمال فصاحته على إيضاح الكلام وتبيّنه، ولهذا تعجّب الفاروق من شأنه؛ وقال: مالك أفصحنا؛ ولم تخرج من بين أظهرنا؟!. قال: «كانت لغة إسماعيل قد درست- أي: متممات فصاحتها- فجاءني بها جبريل فحفظتها» . انتهى «مناوي» .

(و) أخرج الإمام أحمد والبخاريّ، والترمذيّ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:(كان) رسول الله «صلى الله عليه وسلم» - قال الكرماني: قال الأصوليون: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار- (إذا تكلّم بكلمة) ؛ أي: بجملة مفيدة (أعادها ثلاثا)

ص: 414

حتّى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم.. سلّم عليهم ثلاثا.

من المرّات. قال ملّا علي قاري في «شرح الشفاء» : ولعل الأوّل للسماع، والثاني للتنبيه، والثالث للفكر، والأظهر أنّ الثلاث باعتبار مراتب مدارك العقول من الأعلى والأوسط والأدنى. انتهى كلامه.

(حتّى تفهم) هذا بيان للمراد من تكرير الثلاث، وفي رواية البخاري:

«ليفهم» - بمثناة تحتية مضمومة وبكسر الهاء-، وفي رواية له بفتحها.

(عنه) ؛ أي: لتحفظ وتنقل عنه، وذلك إمّا لأنّ من الحاضرين من يقصر فهمه عن وعيه؛ فيكرره ليفهم ويرسخ في الذهن، وإمّا أن يكون المقول فيه بعض إشكال فيتظاهر بالبيان؛ دفعا للالتباس.

وفي «المستدرك» : «حتى تعقل عنه» بدل «حتى تفهم» ، وهذا من شفقته وحسن تعليمه وشدّة النّصح في تبليغه. قال ابن التين: وفيه أن الثلاث غاية ما يقع به الإقرار والبيان.

(وإذا أتى على قوم) ؛ أي: وكان إذا قدم على قوم (فسلّم عليهم) هو من تتميم الشرط (سلّم عليهم) - جواب الشرط- (ثلاثا) في سلام الاستئذان، بأن أراد الدخول على قوم في محلّهم؛ فيكرّر لهم السلام ثلاثا إذا لم يعلم سماعهم من مرّة أو مرّتين ليعلمهم أنّه يستأذنهم في الدخول.

قال في «الفتح» : وقد فهم البخاريّ هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقرونا بحديث أبي موسى في قصّة عمر، لكن يحتمل أن يكون ذلك كان يقع أيضا منه إذا خشي أن لا يسمع سلامه. انتهى.

وسبقه إليه جمع منهم ابن بطّال؛ فقال: يكرّره إذا خشي أنّه لا يفهم عنه أو لا يسمع، أو أراد الإبلاغ في التعليم، أو الزجر في الموعظة.

وقال النووي في «الأذكار» و «الرياض» : هذا محمول على ما لو كان الجمع

ص: 415

وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس يتحدّث.. يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء.

كثيرا. وجرى عليه ابن القيّم؛ فقال: هذا في السلام على جمع كثير لا يبلغهم سلام واحد، فيسلّم الثاني والثالث؛ إذا ظنّ أنّ الأول لم يحصل به إسماع، ولو كان هديه دوام التسليم ثلاثا؛ كان صحبه يسلّمون عليه كذلك، وكان يسلّم على كلّ من لقيه ثلاثا، وإذا دخل بيته سلّم ثلاثا، ومن تأمّل هديه علم أنّه ليس كذلك، وأن تكرار السلام كان أحيانا لعارض. إلى هنا كلامه.

قال الكرماني: والوجه أنّ معناه: كان إذا أتى قوما يسلّم تسليمة الاستئذان، ثم إذا قعد سلّم تسليم التحية، ثم إذا قام سلّم تسليمة الوداع، وهذه التسليمات كلّها مسنونة، وكان يواظب عليها.

انتهى؛ قاله المناويّ في «كبيره» مع شيء من العزيزي والحفني.

(و) أخرج أبو داود، والبيهقيّ في «دلائل النبوة» بإسناد حسن؛ عن عبد الله بن سلام- بالفتح والتخفيف- الإسرائيليّ الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه قال:(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يتحدّث يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء) ؛ انتظارا لما يوحى إليه وشوقا إلى الرفيق الأعلى؛ ذكره الطيبي.

وقوله «جلس يتحدّث» ! خرج به حالة الصلاة، فإنّه كان يرفع بصره فيها إلى السماء أوّلا حتّى نزلت آية الخشوع في الصلاة فتركه.

فإن قلت: ينافيه أيضا ما ورد في عدّة أخبار: أن نظره إلى الأرض كان أكثر من نظره إلى السماء!!؟

قلت: يمكن الجواب بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فإذا كان مترقّبا لنزول الوحي عليه متوقعا هبوط الملك إليه؛ نظر إلى جهته شوقا إلى وصول كلام ربّه إليه، واستعجالا ومبادرة لتنفيذ أوامره، وكان في غير هذه الحالة نظره إلى الأرض أطول؛ ذكره المناوي في «كبيره» .

ص: 416

وكان صلى الله عليه وسلم يحدّث حديثا، لو عدّه العادّ.. لأحصاه.

(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما (كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث سردكم هذا! كان (يحدّث حديثا) ؛ ليس بمهذرم مسرع، ولا متقطّع يتخلّله السّكتات بين أفراد الكلم، بل يبالغ في إيضاحه وبيانه بحيث (لو عدّه العادّ)، أي: لو أراد المستمع عدّ كلماته أو حروفه (لأحصاه)، أي: أمكنه ذلك بسهولة، والمراد بذلك: المبالغة في التفهيم والترتيل، وهذا أتت به عائشة رضي الله تعالى عنها تعرّض بأبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

وصدر الحديث: عن عروة؛ عنها أنّها قالت: ألا يعجبك أبو فلان- ولفظ «مسلم» : أبو هريرة- جاء فجلس إلى جانب حجرتي؛ يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد، يسمعني ذلك؛ وفي رواية: فقال: ألا تسمعين يا ربّة الحجرة!! وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان

فذكرت الحديث.

قال الحافظ ابن حجر: واعتذر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ بأنّه كان واسع الرّواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكّن من التّرتيل عند إرادة التّحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم عليّ القوافي.

ومن حديث عائشة المذكور أخذ أنّ على المدرّس أن لا يسرد الكلام سردا، بل يرتّله ويزيّنه ويتمهل ليتفكّر فيه هو وسامعه، وإذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلا ليتكلّم من في نفسه شيء. انتهى «مناوي» .

وأخرج التّرمذيّ في «الجامع» ، و «الشّمائل» ، والحاكم؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثا حتى تعقل عنه» ؛ أي: ليتدبّرها السّامعون، ويرسّخ معناها في القوّة العاقلة.

وفيه أن الثّلاثة غاية الإعذار والبيان؛ كما قال ابن التين، فمن لم يفهم بها لا يفهم بما زيد عليها؛ ولو مرّات عديدة.

ص: 417

وكان صلى الله عليه وسلم طويل الصّمت.

وكان صلى الله عليه وسلم كثير السّكوت،

وقد ورد: أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يراجع بعد ثلاث؛ وفيه ردّ على من كره إعادة الحديث، وأنكر على الطّالب الاستعادة، وعدّه من البلادة.

قال ابن المنيّر: والحقّ أنّه يختلف باختلاف القرائح، فلا عيب على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد، ولا عذر للمفيد إذا لم يعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء، لأنّ الشّروع ملزم. انتهى «زرقاني» .

(و) أخرج الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد صحيح؛ من حديث سماك؛ عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما. قال سماك: قلت لجابر: أكنت تجالس النّبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، و (كان) ؛ أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصّمت) ، في غير أوقات الذّكر، فالمراد الصّمت عمّا لا ثواب فيه، وذلك لأنّ كثرة السّكوت من أقوى أسباب التوقير، وهو من الحكمة وداعية للسّلامة من اللّغط، ولهذا قيل: من قلّ كلامه قلّ لغطه. وهو أجمع للفكر. انتهى.

وتمام الحديث بعد قوله «طويل الصّمت» : قليل الضّحك. انتهى «مناوي» .

(و) في «الشّفاء» للقاضي عياض: (كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير السّكوت) لتفكّره في مشاهدة الملكوت وتذكّره مطالعة الجبروت.

وكان سكوته على أربع: على الحلم والحذر والتّقدير والتفكّر.

فأمّا تقديره ففي تسوية النّظر، والاستماع بين النّاس، وأمّا تفكّره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصّبر؛ فكان لا يغضبه شيء يستفزّه، وجمع له في الحذر أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاد الرأي بما أصلح أمّته، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدّنيا والآخرة؛ ذكره في «الشفاء» للقاضي عياض.

وهذا الحديث رواه التّرمذي في «الشمائل» ؛ من حديث هند بن أبي هالة

ص: 418

لا يتكلّم في غير حاجة، ويعرض عمّن تكلّم بغير جميل.

وكان صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه.

وكان صلى الله عليه وسلم نزر الكلام، سمح المقالة،

رضي الله تعالى عنه بلفظ: طويل السّكوت (لا يتكلّم في غير حاجة) ؛ أي: من قضيّة ضروريّة دينيّة، أو دنيويّة، أو مسألة عملية أو علميّة، لقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)(3)[المؤمنون]، ولحديث:«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .

(ويعرض عمّن تكلّم بغير جميل) ؛ بما لا يستحسن ذكره ولا يباح أمره، إذا صدر عمّن تكلّم بناء على جهله، لقوله تعالى (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)(199)[الأعراف] . والظّاهر أنّ المراد بالإعراض هو الصّفح وعدم الاعتراض، فيختصّ بالمكروهات التّنزيهيّة على مقتضى القواعد الشرعيّة.

وأمّا المحرّمات القطعيّة؛ وكذا المكروهات التحريميّة!! فلا بدّ للشّارع من أن يأمر ويزجر قياما بحقّ النّبوّة والرّسالة. انتهى «ملّا علي قاري» .

(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز ابن ماجه:

(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن) - بالخاء وضمّ الزّاي المعجمتين والنون آخره- أي: يصون (لسانه) ، ومنه الخزانة، لأنّه لا يحبّ كثرة الكلام، قال:

إذا المرء لم يخزن عليه لسانه

فليس على شيء سواه بخازن

(إلّا فيما يعنيه) - بفتح المثنّاة التحتية وكسر النون- أي: يهمّه وينفعه من جواهر كلمه وزواجر حكمه صلى الله عليه وسلم.

وفي «كشف الغمّة» للعارف الشّعراني رحمه الله تعالى:

(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم نزر الكلام) ؛ أي: قليله عند الحاجة إليه، (سمح المقالة) ؛ أي: سهل الكلام يواتيه بلا تكلف.

ص: 419

يعيد الكلام مرّتين ليفهم.

وكان صلى الله عليه وسلم كلامه كخرزات النّظم.

وكان يعرض عن كلّ كلام قبيح، ويكني عن الأمور المستقبحة في العرف إذا اضطرّه الكلام إلى ذكرها.

وكان صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى بين كلّ خطوتين.

(يعيد الكلام مرّتين) ؛ أو أكثر، كثلاث، وهي غاية ما يقع به الإيضاح والبيان، وذلك (ليفهم) عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يراجع بعد ثلاث.

(و) في «كشف الغمّة» أيضا: (كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه كخرزات النّظم) الخرزات: جمع خرزة محركة، وهي: اسم لما ينظم من جواهر وغيرها، والنّظم المنظوم باللّؤلؤ والخرز، وهو في الأصل مصدر؛ يقال: نظم من لؤلؤ، ونظم اللّؤلؤ ينظمه نظما ونظاما- بالكسر-، ونظّمه تنظيما، ألّفه وجمعه في سلك فانتظم وتنظّم. والمعنى: إنّ كلامه مفصّل ممتاز بعضه من بعض، ظاهر الكلمات والحروف، مع حلاوة في منطقه، وذلك لكمال فصاحته.

روى الطّبراني من حديث أمّ معبد: وكأن منطقه خرزات النّظم ينحدرن، حلو المنطق؛ لا نزر ولا هذر.

(وكان يعرض عن كلّ كلام قبيح) لا يرضاه، فيعلم بإعراضه عنه أنّه غير مرضيّ له صلى الله عليه وسلم، وهذا من وقاره، وليس المراد به أن يكون حراما، لأنّه صلى الله عليه وسلم لا يقرّ على مثله.

(ويكني عن الأمور المستقبحة في العرف إذا اضطرّه الكلام إلى ذكرها) كقوله:

«خذي فرصة ممسّكة فتطهّري بها» . فإن اقتضى الحال التّصريح صرّح بذلك، كقوله للرّجل:«أنكتها» ، بعد قوله له:«لعلّك قبّلت!! لعلّك فاخذت!!» وذلك لأن الحكم الشّرعيّ هنا يترتّب على التّصريح بالجماع.

(وكان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى بين كلّ خطوتين) .

ص: 420