الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحجة عليهم. وستكونان أنتما ومن اتبعكما من المؤمنين أصحاب الغلبة والسلطان على فرعون وجنده.
ونفذ موسى وهارون- عليهما السلام أمر ربهما- عز وجل فذهبا إلى فرعون ليبلغاه دعوة الحق، وليأمراه بإخلاص العبادة لله- تعالى-.
وتحكى الآيات الكريمة بعد ذلك ما دار بين موسى وبين فرعون وقومه من محاورات ومجادلات، انتهت بانتصار الحق، وهلاك الباطل.. تحكى الآيات كل ذلك فتقول:
[سورة القصص (28) : الآيات 36 الى 43]
فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
والمراد بالآيات في قوله- تعالى- فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ: العصا واليد.
وجمعهما تعظيم لشأنهما، ولاشتمال كل واحدة منهما على دلائل متعددة على صدق موسى- عليه السلام فيما جاء به من عند ربه- تعالى-.
والمعنى: ووصل موسى إلى فرعون وقومه، ليأمرهم بعبادة الله وحده، فلما جاءهم بالمعجزات التي أيدناه بها، والتي تدل على صدقه دلالة واضحة.
قالُوا له على سبيل التبجح والعناد ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً أى: قالوا له:
ما هذا الذي جئت به يا موسى إلا سحر أتيت به من عند نفسك.
ثم أكدوا قولهم الباطل هذا بآخر أشد منه بطلانا، فقالوا- كما حكى القرآن عنهم-:
وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ.
أى: وما سمعنا بهذا الذي جئتنا به يا موسى، من الدعوة إلى عبادة الله وحده ومن إخبارك لنا بأنك نبي.. ما سمعنا بشيء من هذا كائنا أو واقعا في عهد آبائنا الأولين وقولهم هذا يدل على إعراضهم عن الحق، وعكوفهم على ما ألفوه بدون تفكر أو تدبر وقد رد عليهم موسى ردا منطقيا حكيما، حكاه القرآن في قوله: وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ
…
أى: وقال موسى في رده على فرعون وملئه: ربي الذي خلقني وخلقكم، أعلم منى ومنكم بمن جاء بالهدى والحق من عنده، وسيحكم بيني وبينكم بحكمه العادل.
ولم يصرح موسى- عليه السلام بأنه يريد نفسه، بالإتيان بالهداية لهم من عند الله- تعالى- ليكفكف من عنادهم وغرورهم، وليرخى لهم حبل المناقشة، حتى يخرس ألسنتهم عن طريق المعجزات التي أيده الله- تعالى- بها.
وقوله: وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ معطوف على ما قبله.
أى: وربي- أيضا- أعلم منى ومنكم بمنى تكون له النهاية الحسنة، والعاقبة الحميدة.
قال الآلوسي: وقوله: وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ وهي الدنيا، وعاقبتها أن يختم للإنسان بها، بما يفضى به إلى الجنة بفضل الله- تعالى- وكرمه. «1»
(1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 79.
وقوله- سبحانه- إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ تذييل قصديه ببان سنة من سننه- تعالى- التي لا تتخلف أى إنه- سبحانه- قد اقتضت سنته أن لا يفوز الظالمون بمطلوب بل الذين يفوزون بالعاقبة الحميدة هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.
ولكن هذا الرد المهذب الحكيم من موسى- عليه السلام، لم يعجب فرعون المتطاول المغرور فأخذ في إلقاء الدعاوى الكاذبة، التي حكاها القرآن عنه في قوله: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي.
أى: وقال فرعون لقومه- على سبيل الكذب والفجور- يا أيها الأشراف من أتباعى.
إنى ما علمت لكم من إله سواي.
وقوله هذا يدل على ما بلغه من طغيان وغرور، فكأنه يقول لهم: إنى لم أعلم بأن هناك إلها لكم سواي، ومالا أعلمه فلا وجود له.
وقد قابل قومه هذا الهراء والهذيان، بالسكوت والتسليم، شأن الجهلاء الجبناء وصدق الله إذ يقول: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ «1» ثم تظاهر بعد ذلك بأنه جاد في دعواه أمام قومه بأنه لا إله لهم سواه، وأنه حريص على معرفة الحقيقة، فقال لوزيره هامان: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى.
والصرح: البناء الشاهق المرتفع. أى: فاصنع لي يا هامان من الطين آجرا قويا، ثم هيئ لي منه بناء عاليا مكشوفا. أصعد عليه، لعلى أرى إله موسى من فوقه. والمراد بالظن في قوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ اليقين. أى: وإنى لمتيقن أن موسى من الكاذبين في دعواه أن هناك إلها غيرى.. في هذا الكون.
وهكذا. استخف فرعون بعقول قومه الجاهلين الجبناء، فأفهمهم أنه لا إله لهم سواه، وأن موسى كاذب فيما ادعاه.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ. وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ. «2»
قال ابن كثير: وذلك لأن فرعون، بنى هذا الصرح، الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه،
(1) سورة الزخرف الآية 54. [.....]
(2)
سورة غافر الآيتان 36، 37.
وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته، تكذيب موسى فيما قاله من أن هناك إلها غير فرعون. ولهذا قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ أى: في قوله إن ثم ربا غيرى. «1»
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي حملت فرعون على هذا القول الساقط الكاذب، فقال: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ.
والاستكبار: التعالي والتطاول على الغير بحمق وجهل. أى: وتعالى فرعون وجنوده في الأرض التي خلقناها لهم، دون أن يكون لهم أى حق في هذا التطاول والتعالي، وظنوا واعتقدوا أنهم إلينا لا يرجعون، لمحاسبتهم ومعاقبتهم يوم القيامة.
فماذا كانت نتيجة ذلك التطاول والغرور، والتكذيب بالبعث والحساب؟ لقد كانت نتيجته كما قال- تعالى- بعد ذلك: فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ.
والنبذ: الطرح والإهمال للشيء لحقارته وتفاهته.
أى: فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم أخذا سريعا حاسما فألقينا بهم في البحر، كما يلقى بالنواة أو الحصاة التي لا قيمة لها، ولا اعتداد بها.
فَانْظُرْ أيها العاقل نظر تدبر واعتبار كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ؟ لقد كانت عاقبتهم الإغراق الذي أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم.
وَجَعَلْناهُمْ أى: فرعون وجنوده، أَئِمَّةً في الكفر والفسوق والعصيان بسبب أنهم يَدْعُونَ، غيرهم إلى ما يوصل إِلَى النَّارِ وسعيرها والاحتراق بها.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ أى: ويوم القيامة لا يجدون من ينصرهم، بأن يدفع العذاب عنهم بأية صورة من الصور.
وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا التي قضوا حياتهم فيها في الكفر والضلال، أتبعناهم فيها لَعْنَةً أى: طردا وإبعادا عن رحمتنا.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ والشيء المقبوح: هو المطرود المبعد عن كل خير.
أى: وهم يوم القيامة- أيضا- من المبعدين عن رحمتنا، بسبب كفرهم وفسوقهم.
والتعبير بقوله- سبحانه-: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ يتناسب كل التناسب مع ما كانوا عليه في الدنيا من تطاول وغرور واستعلاء.
(1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 248.
فهؤلاء الذين كانوا في الدنيا كذلك، صاروا في الآخرة محل الازدراء وقبح الهيئة والاشمئزاز من كل عباد الله المخلصين.
ثم ختم- سبحانه- قصة موسى ببيان جانب مما منحه- عز وجل له من نعم فقال:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أى آتيناه التوراة لتكون هداية ونورا مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى أى: أنزلنا التوراة على موسى، من بعد إهلاكنا للقرون الأولى من الأقوام المكذبين، كقوم نوح وهود وصالح وغيرهم.
وقوله- تعالى- بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً منصوب على أنه مفعول لأجله أو حال أى: آتيناه التوراة من أجل أن تكون أنوارا لقلوبهم يبصرون بها الحقائق، كما يبصرون بأعينهم المرئيات، ومن أجل أن تكون هداية لهم إلى الصراط المستقيم، ورحمة لهم من العذاب.
وقوله- سبحانه- لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ تعليل لهذا الإيتاء، وحض لهم على الشكر.
أى آتيناهم الكتاب الذي عن طريقه يعرفون الحق من الباطل.. كي يكونوا دائما متذكرين لنعمنا، وشاكرين لنا على هدايتنا لهم ورحمتنا بهم.
وإلى هنا نرى السورة الكريمة، قد حدثتنا عن جوانب متعددة من حياة موسى- عليه السلام.
حدثتنا عن رعاية الله- تعالى- له حيث أراد له أن يعيش في بيت فرعون وأن يحظى برعاية امرأته، وأن يعود بعد ذلك إلى أمه كي تقر عينها به، دون أن يصيبه أذى من فرعون الذي كان يذبح الذكور من بنى إسرائيل ويستحيى نساءهم.
ثم حدثتنا عن رعاية الله- تعالى- له، بعد أن بلغ أشده واستوى، حيث نجاه من القوم الظالمين، بعد أن قتل واحدا منهم.
ثم حدثتنا عن رعاية الله- تعالى- له، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب متجها إلى
(1) تفسير الآلوسى ج 20 ص 84.