الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لعبادتك. وبسلامتها من كل شرك أو نفاق، وبصيانتها من الشهوات المرذولة. والأفعال القبيحة.
وهكذا نرى في قصة إبراهيم: الشجاعة في النطق بكلمة الحق، حيث جابه قومه وأباه ببطلان عبادتهم للأصنام.
ونرى الحجة الدامغة التي جعلت قومه لا يجدون عذرا يعتذرون به عن عبادة الأصنام سوى قولهم: وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
ونرى الثناء الحسن الجميل منه على ربه- عز وجل: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ.
ونرى الدعاء الخاشع الخالص الذي يتضرع به إلى خالقه- عز وجل، لكي يرزقه العلم والعمل، وبأن يحشره مع الصالحين، وأن يجعل له أثرا طيبا بعد وفاته بين الأمم الأخرى، وبأن يجعله من الوارثين لجنة النعيم، وبأن يستره بستره الجميل يوم القيامة، يوم لا ينفع الناس شيء سوى إخلاص قلوبهم وعملهم الصالح، وهي دعوات يرى المتأمل فيها شدة خوف إبراهيم- وهو الحليم الأواه المنيب- من أهوال يوم الحساب.
نسأل الله- تعالى- بفضله وكرمه، أن يجنبنا إياها، وأن يسترنا بستره الجميل.
ثم يبين- سبحانه- بعد ذلك مشهدا من مشاهد يوم القيامة، ويحكى أقوال الغاوين وحسراتهم.. فيقول:
[سورة الشعراء (26) : الآيات 90 الى 104]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94)
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَما أَضَلَّنا إِلَاّ الْمُجْرِمُونَ (99)
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)
وقوله- سبحانه-: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
…
من الإزلاف بمعنى القرب والدنو.
أى: وقربت الجنة يوم القيامة للمتقين، الذين صانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضاه الله- تعالى-، وصارت بحيث يشاهدونها ويتلذذون برؤيتها.
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ أى: أما الغاوون الذين استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغواية على الهداية، فقد برزت الجحيم لهم بأهوالها وسعيرها ثم قيل لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتأنيب: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أى: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا من دون الله- تعالى- وتزعمون أنها شفعاؤكم عنده؟! هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ الآن من هذا العذاب المعد لكم أَوْ يَنْتَصِرُونَ هم من العذاب الذي سيحل بهم معكم؟.
كلا ثم كلا، إنكم وهم حصب جهنم، وستدخلونها جميعا خاسئين.
وليس المقصود بالسؤال الاستفهام، وإنما المقصود به التقريع والتوبيخ، ولذا لا يحتاج إلى جواب.
ثم ذكر- سبحانه- ما حل بهؤلاء الأشقياء من عذاب في أعقاب هذا التأنيب فقال:
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ. وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ.
والكبكبة: تكرير الكب، وهو الإلقاء على الوجه مرة بعد أخرى، وضمير الجمع للآلهة التي عبدها الكافرون من دون الله- تعالى-: وجيء بضمير العقلاء على سبيل التهكم بهم، أى: فألقى المعبودون والعابدون في جهنم، ومعهم جنود إبليس كلهم سواء أكانوا من الشياطين أم من أتباعه من الجن والإنس.
وفي التعبير بكبكبوا تصوير صادق مؤثر لحالة هؤلاء الضالين، وهم يتساقطون- والعياذ بالله- في جهنم، بلا رحمة، ولا عناية، ولا نظام، بل بعضهم فوق بعض وقد تناثرت أشلاؤهم..
ثم بين- سبحانه- ما قاله الغاوون لآلهتهم فقال: قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ. تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ.
أى: قال العابدون لمعبوديهم على سبيل المخاصمة لهم، والتبرؤ منهم: تالله ما كنا إلا في ضلال مبين، وقت أن كنا في الدنيا نسويكم برب العالمين في العبادة مع أنكم خلق من خلقه لا تضرون ولا تنفعون.
وَما أَضَلَّنا عن اتباع طريق الحق إِلَّا الْمُجْرِمُونَ من شياطين الإنس والجن.
الذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان، وصدونا عن الإيمان والطاعة والهداية.
فَما لَنا اليوم مِنْ شافِعِينَ يشفعون لنا عند ربنا. وما لنا- أيضا- من صَدِيقٍ حَمِيمٍ أى: مخلص في صداقته، يدافع عنا عند ربنا، ويهتم بأمرنا في هذا الموقف العصيب.
قال الآلوسى، والمراد التلهف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه، أو صديق شفيق يهمه ذلك. وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم في التأسف، حيث نفوا- أولا- أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته، ونفوا- ثانيا- أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم، ويتوجع لهم، أو يخلصهم..
وفَلَوْ في قوله- تعالى- فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً
…
للتمني الدال على كمال التحسر.
والكرة: الرجعة إلى الدنيا مرة أخرى لتدارك ما فاتهم من الإيمان.
أى: فيا ليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى، فنستدرك ما فاتنا من طاعة الله- تعالى-.
فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الذين أزلفت الجنة لهم، وأبعدت عنهم النار التي نحن مخلدون فيها.
ثم ختم- سبحانه- قصة إبراهيم بما ختم به قصة موسى- عليهما السلام فقال:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
…
إن في ذلك الذي ذكرناه لك- أيها الرسول الكريم- عن حال إبراهيم مع قومه ومع أبيه، وعن أهوال يوم القيامة، إن ذلك كله لحجة وعظة لمن أراد أن يؤمن ويعتبر، ومع ذلك فإن أكثر قوم إبراهيم ما كانوا مؤمنين وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه، فقال- تعالى-: