الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخذ عليهم صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به، فأنعموا بذلك- أى: قالوا نعم- فقام نبي الله صالح فصلى، ثم دعا ربه أن يجيبهم على سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها. عن ناقة عشراء. على الصفة التي وصفوها. فآمن بعضهم وكفر أكثرهم» «1» .
والمعنى: قال لهم صالح- عليه السلام بعد أن طلبوا منه معجزة تدل على صدقه: هذه ناقة لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ أى: لها نصيب معين من الماء، ولكم نصيب آخر منه، وليس لكم أن تشربوا منه في يوم شربها. وليس لها أن تشرب منه في يوم شربكم، واحذروا أن تمسوها بسوء- كضرب أو قتل- فيأخذكم عذاب يوم عظيم.
ووصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه من عذاب ينزل بهم إذا مسوها بسوء ولكن قومه لم يفوا بعهودهم فَعَقَرُوها أى: فعقروا الناقة التي هي معجزة نبيهم. وأسند العقر إليهم جميعا. مع أن الذي عقرها بعضهم، لأن العقر كان برضاهم جميعا، كما يرشد إليه قوله- تعالى- في آية أخرى: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ «2» .
وقوله فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ بيان لما ترتب على عقرهم لها. وندمهم إنما كان بسبب خوفهم من وقوع العذاب عليهم بسبب ذلك، ولم يكن بسبب إيمانهم وتوبتهم. أو أن ندمهم جاء في غير أوانه، كما يشعر بذلك قوله- تعالى: فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ أى أن العذاب نزل بهم في أعقاب عقرهم لها، بدون تراخ أو إمهال، وكان عذابهم أن أخذتهم الرجفة وتبعتها الصيحة التي صاحها بهم جبريل فأصبحوا في ديارهم جائمين، ثم يجيء التعقيب السابق:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
ثم جاءت بعد ذلك قصة لوط. مع قومه، فقال- تعالى-:
[سورة الشعراء (26) : الآيات 160 الى 175]
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164)
أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169)
فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)
(1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 166.
(2)
سورة القمر الآية 29.
قال ابن كثير- رحمه الله: ولوط هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخى إبراهيم، وكان قد آمن مع إبراهيم، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله- تعالى- وبأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم- وهي قرية بوادي الأردن- عليهم لعائن الله. «1» .
ولقد بدأ لوط- عليه السلام دعوته لقومه يأمرهم بتقوى الله، وبإخبارهم بأنه رسول أمين من الله- تعالى- إليهم، وبأنه لا يسألهم أجرا على دعوته لهم إلى الحق والفضيلة.
ثم نهاهم عن أبرز الرذائل التي، كانت متفشية فيهم فقال: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ.
والاستفهام للإنكار والتقريع والذكران: جمع ذكر وهو ضد الأنثى.
والعادون: جمع عاد. يقال: عدا فلان في الأمر يعدو، إذا تجاوز الحد في الظلم.
أى: قال لوط لقومه: أبلغ بكم انحطاط الفطرة، وانتكاس الطبيعة، أنكم تأتون الذكور الفاحشة، وتتركون نساءكم اللائي أحلهن الله- تعالى- لكم، وجعلهن الطريق الطبيعي للنسل وعمارة الكون.
(1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 230. [.....]
إنكم بهذا الفعل القبيح الذميم، تكونون قد تعديتم حدود الله- تعالى- وتجاوزتم ما أحله الله لكم، إلى ما حرمه عليكم.
وقد ردوا عليه بما يدل على شذوذهم وعلى انتكاس فطرتهم، فقد قالوا له على سبيل التهديد والوعيد: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ.
أى: قالوا له متوعدين: لئن لم تسكت يا لوط عن نهيك إيانا عما نحن فيه، لتكونن من المخرجين من قريتنا إخراجا تاما، ولنطردنك خارج ديارنا.
وهكذا النفوس عند ما تنحدر في الرذيلة وتنغمس في المنكر، تعادى من يدعوها إلى الفضيلة وإلى الطهر والعفاف.
وقد رد لوط- عليه السلام على سفاهتهم وسوء أدبهم قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ.
والقالين: جمع قال. يقال: قليت فلانا أقليه- كرميته أرميه- إذا كرهته كرها شديدا.
أى: قال لهم لوط موبخا ومؤنبا: إنى لعملكم القبيح الذي ترتكبونه مع الذكور، من المبغضين له أشد البغض، المنكرين له أشد الإنكار.
ثم توجه إلى ربه- تعالى- بقوله. رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ أى: نجنى يا رب، ونج أهلى المؤمنين معى، مما يعمل هؤلاء الأشرار من منكر لم يسبقهم إليه أحد فأجاب الله- تعالى- دعاءه فقال: فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ.
والمراد بهذه العجوز، امرأته وكانت كافرة وراضية عن فعل قومها.
والغابرين: جمع غابر وهو الباقي بعد غيره. يقال غبر الشيء يغبر غبورا. إذا بقي.
وقوله: إِلَّا عَجُوزاً استثناء من أهله.
أى: فاستجبنا للوط دعاءه، فأنجيناه وأهله المؤمنين جميعا، إلا امرأته العجوز فإننا لم ننجها بل بقيت مع المهلكين لخبثها وعدم إيمانها.
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ أى: ثم أهلكنا قوم لوط المصرين على كفرهم وعلى إتيانهم المنكر، تدميرا شديدا، فإنا جعلنا أعلى قريتهم سافلها، وأبدناهم عن آخرهم.
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ بعد ذلك الإهلاك مَطَراً عجيبا أمره فقد كان نوعا من الحجارة، كما جاء في آية أخرى في قوله: تعالى-: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ.