المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة القصص (28) : الآيات 76 الى 84] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ١٠

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد العاشر]

- ‌سورة المؤمنون

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 12 الى 16]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 17 الى 22]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 23 الى 30]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 31 الى 41]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 42 الى 52]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 53 الى 56]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى 62]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 63 الى 67]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 68 الى 74]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 75 الى 77]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 78 الى 80]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 81 الى 89]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 90 الى 92]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 93 الى 98]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 99 الى 111]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 112 الى 118]

- ‌تفسير سورة النّور

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النور (24) : آية 1]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 2 الى 3]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 4 الى 5]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 6 الى 10]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 11 الى 18]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 19 الى 22]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 23 الى 26]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 27 الى 29]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 30 الى 31]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 32 الى 34]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 35 الى 38]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 39 الى 40]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 41 الى 42]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 43 الى 45]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 46 الى 54]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 55 الى 57]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 58 الى 60]

- ‌[سورة النور (24) : آية 61]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 62 الى 64]

- ‌تفسير سورة الفرقان

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 4 الى 6]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 7 الى 11]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 12 الى 16]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 17 الى 19]

- ‌[سورة الفرقان (25) : آية 20]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 21 الى 29]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 30 الى 34]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 35 الى 40]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 41 الى 44]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 45 الى 54]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 55 الى 62]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 63 الى 76]

- ‌[سورة الفرقان (25) : آية 77]

- ‌تفسير سورة الشّعراء

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 10 الى 17]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 18 الى 33]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 34 الى 42]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 43 الى 51]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 52 الى 68]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 69 الى 89]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 90 الى 104]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 105 الى 122]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 123 الى 140]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 141 الى 159]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 160 الى 175]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 176 الى 191]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى 199]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 200 الى 212]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 213 الى 220]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 221 الى 227]

- ‌تفسير سورة النّمل

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 7 الى 14]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 15 الى 19]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 20 الى 26]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 27 الى 35]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 36 الى 37]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 38 الى 40]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 41 الى 44]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 45 الى 53]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 54 الى 58]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 59 الى 64]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 65 الى 75]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 76 الى 81]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 82 الى 88]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 89 الى 93]

- ‌تفسير سورة القصص

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 7 الى 13]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 14 الى 21]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 22 الى 28]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 29 الى 35]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 36 الى 43]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 44 الى 51]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 52 الى 55]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 56 الى 61]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 62 الى 70]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 75]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 76 الى 84]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 85 الى 88]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «المؤمنون»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «النور»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير «سورة الفرقان»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير «سورة الشعراء»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير «سورة النمل»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير «سورة القصص»

الفصل: ‌[سورة القصص (28) : الآيات 76 الى 84]

وقوله- تعالى-: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أى: أخرجنا بسرعة من كل أمة من الأمم شهيدا يشهد عليهم، والمراد به الرسول الذي أرسله- سبحانه- إلى تلك الأمة المشهود عليها. فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ أى: فقلنا لهؤلاء المشركين- بعد أن شهد عليهم أنبياؤهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله- قلنا لهم: هاتوا برهانكم وأدلتكم على صحة ما كنتم عليه من شرك وكفر في الدنيا: والأمر هنا للتعجيز والإفضاح.

ولذا عقب- سبحانه- عليهم بقوله: فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ أى: فعجزوا عن الإتيان بالبرهان، وعلموا أن العبادة الحق إنما هي لله- تعالى- وحده. وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أى: وغاب عنهم ما كانوا يفترونه في حياتهم، من أن معبوداتهم الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة.

وبعد هذا البيان المتنوع عن دعاوى المشركين والرد عليها، وعن أحوالهم يوم القيامة، وعن أحوال المؤمنين الصادقين.. بعد كل ذلك، ختم- سبحانه- قصة موسى- عليه السلام التي جاء الحديث عنها في كثير من آيات هذه السورة- ختمها بقصة قارون الذي كان من قوم موسى- عليه السلام فقال- تعالى-:

[سورة القصص (28) : الآيات 76 الى 84]

إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَاّ الصَّابِرُونَ (80)

فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84)

ص: 434

قال القرطبي: قوله- تعالى-: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى لما قال- تعالى-: وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها بين أن قارون أوتيها واغتر بها. ولم تعصمه من عذاب الله، كما لم تعصم فرعون ولستم- أيها المشركون- بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله، ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه.

قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان قارون ابن عم موسى.. وقيل كان ابن خالته.. «1» .

(1) تفسير القرطبي ج 3 ص 310.

ص: 435

وقوله فَبَغى عَلَيْهِمْ من البغي وهو مجاوزة الحد في كل شيء. يقال: بغى فلان على غيره بغيا، إذا ظلمه واعتدى عليه. وأصله من بغى الجرح، إذا ترامى إليه الفساد.

والمعنى: إن قارون كان من قوم موسى، أى: من بنى إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى كما أرسل إلى فرعون وقومه.

فَبَغى عَلَيْهِمْ أى: فتطاول عليهم، وتجاوز الحدود في ظلمهم وفي الاعتداء عليهم.

ولم يحدد القرآن كيفية بغيه أو الأشياء التي بغى عليهم فيها، للإشارة إلى أن بغيه قد شمل كل ما من شأنه أن يسمى بغيا من أقوال أو أفعال.

وقوله- تعالى-: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ بيان لما أعطى الله- تعالى- لقارون من نعم.

والكنوز: جمع كنز وهو المال الكثير المدخر، وما موصولة. وهي المفعول الثاني لآتينا.

وصلتها إِنَّ وما في حيزها. وقوله: مَفاتِحَهُ جمع مفتح- بكسر الميم وفتح التاء- وهو الآلة التي يفتح بها- أو جمع مفتح- بفتح الميم والتاء- بمعنى الخزائن التي تجمع فيها الأموال.

وهو- أى لفظ مفاتحه- اسم إن، والخبر: لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ.

وقوله لَتَنُوأُ. أى لتعجز أو لتثقل. يقال: ناء فلان بحمل هذا الشيء، إذا أثقله حمله وأتعبه: والباء في قوله بِالْعُصْبَةِ للتعدية والعصبة: الجماعة من الناس من غير تعيين بعدد معين، سموا بذلك لأنهم يتعصب بعضهم لبعض ومنهم من خصها في العرف، بالعشرة إلى الأربعين.

والمعنى: وآتينا قارون- بقدرتنا وفضلنا- من الأموال الكثيرة، ما يثقل حمل مفاتح خزائنها، العصبة من الرجال الأقوياء، بحيث تجعلهم شبه عاجزين عن حملها.

قال صاحب الكشاف: وقد بولغ في ذكر ذلك- أى في كثرة أمواله- بلفظ الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة «1» .

والمراد بالفرح في قوله- سبحانه-: إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ: البطر والأشر والتفاخر على الناس، والاستخفاف بهم واستعمال نعم الله- تعالى- في السيئات والمعاصي.

(1) تفسير الكاشف ج 3 ص 630.

ص: 436

وجملة: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ تعليل للنهى عن الفرح المذموم.

أى: لقد أعطى الله- تعالى- قارون نعما عظيمة، فلم يشكر الله عليها، بل طغى وبغى، فقال له العقلاء من قومه: لا تفرح بهذا المال الذي بين يديك فرح البطر الفخور، المستعمل لنعم الله في الفسوق والمعاصي، فإن الله- تعالى- لا يحب من كان كذلك.

ثم قالوا له- أيضا- على سبيل النصح والإرشاد: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ أى: واطلب فيما أعطاك الله- تعالى- من أموال عظيمة، ثواب الدار الآخرة، عن طريق إنفاق جزء من مالك في وجوه الخير، كالإحسان إلى الفقراء والمحتاجين.

وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أى: اجعل مالك زادا لآخرتك، ولا تترك التنعم بنعم الله في دنياك، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه.

وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أى: وأحسن إلى عباد الله بأن تترك البغي عليهم، وتعطيهم حقوقهم. مثل ما أحسن الله إليك بنعم كثيرة.

وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ أى: ولا تطلب الفساد في الأرض عن طريق البغي والظلم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ كما أنه- سبحانه- لا يحب الفرحين المختالين.

وهكذا ساق العقلاء من قوم قارون النصائح الحكيمة له، والتي من شأن من اتبعها أن ينال السعادة في دنياه وأخراه.

ولكن قارون قابل هذه النصائح، بالغرور وبالإصرار على الفساد والجحود فقال كما حكى القرآن عنه إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي.

أى: قال قارون في الرد على ناصحيه: إن هذا المال الكثير الذي تحت يدي، إنما أوتيته بسبب علمي وجدي واجتهادي.. فكيف تطلبون منى أن أتصرف بمقتضى نصائحكم؟ لا. لن أتبع تلك النصائح التي وجهتموها إلى، فإن هذا المال مالي ولا شأن لكم بتصرفى فيه، كما أنه لا شأن لكم بتصرفاتى الخاصة، ولا بسلوكى في حياتي التي أملكها.

وهذا القول يدل على أن قارون، كان قد بلغ الذروة في الغرور والطغيان وجحود النعمة.

ولذا جاءه التهديد المصحوب بالسخرية منه ومن كنوزه، في قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً.

والمقصود بهذا الاستفهام التعجيب من حاله، والتأنيب له على جهله وغروره.

أى: أبلغ الغرور والجهل بقارون أنه يزعم أن هذا المال الذي بين يديه جمعه بمعرفته

ص: 437

واجتهاده، مع أنه يعلم- حق العلم عن طريق التوراة وغيرها، أن الله- تعالى- قد أهلك من قبله. من أهل القرون السابقة عليه من هو أشد منه في القوة، وأكثر منه في جمع المال واكتنازه.

فالمقصود بالجملة الكريمة تهديده وتوبيخه على غروره وبطره.

وقوله- سبحانه-: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ جملة حالية. أى: والحال أنه لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون سؤال استعتاب واستعلام، لأن الله- تعالى- لا يخفى عليه شيء. وإنما يسألون- كما جاء في قوله- تعالى- فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ- سؤال توبيخ وإفضاح.

فالمراد بالنفي في قوله- سبحانه- وَلا يُسْئَلُ.. سؤال الاستعلام والاستعتاب، والمراد بالإثبات في قوله: فَلَنَسْئَلَنَّ أو في قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ سؤال التقريع والتوبيخ.

أو نقول: إن في يوم القيامة مواقف، فالمجرمون قد يسألون في موقف، ولا يسألون في موقف آخر، وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التي تنفى السؤال والآيات التي تثبته.

ثم حكى القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر غرور قارون وبطره فقال: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي وما بينهما اعتراض. والزينة: اسم ما يتزين به الإنسان من حلى أو ثياب أو ما يشبههما.

أى: قال ما قال قارون على سبيل الفخر والخيلاء، ولم يكتف بهذا القول بل خرج على قومه في زينة عظيمة. وأبهة فخمة، فيها ما فيها من ألوان الرياش والخدم.

وقد ذكر بعض المفسرين روايات متعددة، في زينته التي خرج فيها، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها، ويكفى أن نعلم أنها زينة فخمة، لأنه لم يرد نص في تفاصيلها.

وأمام هذه الزينة الفخمة التي خرج فيها قارون، انقسم الناس إلى فريقين، فريق استهوته هذه الزينة، وتمنى أن يكون له مثلها، وقد عبر القرآن عن هذا الفريق بقوله:

قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.

أى: خرج قارون على قومه في زينته، فما كان من الذين يريدون الحياة الدنيا وزخارفها من قومه، إلا أن قالوا على سبيل التمني والانبهار.. يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون من مال وزينة ورياش، إنه لذو حظ عظيم، ونصيب ضخم، من متاع الدنيا وزينتها.

ص: 438

هكذا قال الذين يريدون الحياة الدنيا. وهم الفريق الأول من قوم قارون. أما الفريق الثاني المتمثل في أصحاب الإيمان القوى، والعلم النافع، فقد قابلوا أصحاب هذا القول بالزجر والتعنيف، وقد حكى القرآن ذلك عنهم فقال: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ، ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ.

وكلمة وَيْلَكُمْ أصلها الدعاء بالهلاك، وهي منصوبة بمقدر. أى: ألزمكم الله الويل.

ثم استعملت في الزجر والتعنيف والحض على ترك ما هو قبيح، وهذا الاستعمال هو المراد هنا.

أى: وقال الذين أوتوا العلم النافع من قوم قارون. لمن يريدون الحياة الدنيا: كفوا عن قولكم هذا، واتركوا الرغبة في أن تكونوا مثله، فإن ثَوابُ اللَّهِ في الآخرة خَيْرٌ مما تمنيتموه، وهذا الثواب إنما هو لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فلا تتمنوا عرض الدنيا الزائل.

وهذه المثوبة العظمى التي أعدها الله- تعالى- لمن آمن وعمل صالحا وَلا يُلَقَّاها أى: لا يظفر بها، ولا يوفق للعمل لها إِلَّا الصَّابِرُونَ على طاعة الله- تعالى- وعلى ترك المعاصي والشهوات.

قال صاحب الكشاف: والراجع في وَلا يُلَقَّاها للكلمة التي تكلم بها العلماء، أو للثواب، لأنه في معنى المثوبة أو الجنة، أو للسيرة والطريقة وهي الإيمان والعمل الصالح «1» .

ثم جاءت بعد ذلك العقوبة لقارون، بعد أن تجاوز الحدود في البغي والفخر والإفساد في الأرض. وقد حكى سبحانه- هذه العقوبة في قوله: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ.

وقوله- تعالى- فَخَسَفْنا من الخسف وهو النزول في الأرض، يقال: خسف المكان خسفا- من باب ضرب- إذا غار في الأرض. ويقال: خسف القمر، إذا ذهب ضوؤه، وخسف الله بفلان الأرض، إذا غيبه فيها.

قال ابن كثير لما ذكر الله- تعالى- اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح- عند البخاري من حديث الزهري عن سالم- أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» «2» .

(1) تفسير الكشاف ج 3 ص 432. [.....]

(2)

تفسير ابن كثير ج 6 ص 266.

ص: 439

أى. تمادى قارون في بغيه، ولم يستمع لنصح الناصحين، فغيبناه في الأرض هو وداره، وأذهبناهما فيها إذهابا تاما.

فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أى: فما كان لقارون من جماعة أو عصبة تنصره من عذاب الله، بأن تدفعه عنه، أو ترحمه منه.

وَما كانَ قارون مِنَ المُنْتَصِرِينَ بل كان من الأذلين الذين تلقوا عقوبة الله- تعالى- باستسلام وخضوع وخنوع، دون أن يستطيع هو أو قومه رد عقوبة الله- تعالى-.

ثم- بين- سبحانه- ما قاله الذين كانوا يتمنون أن يكونوا مثل قارون فقال- تعالى-: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ، لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ.

ولفظ «وى» اسم فعل بمعنى أعجب، ويكون- أيضا- للتحسر والتندم، وكان الرجل من العرب إذا أراد أن يظهر ندمه وحسرته على أمر فائت يقول: وى.

وقد يدخل هذا اللفظ على حرف «كأن» المشددة- كما في الآية- وعلى المخففة.

قال الجمل ما ملخصه قوله: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ في هذا اللفظ مذاهب: أحدها: أن وى كلمة برأسها، وهي اسم فعل معناها أعجب، أى: أنا، والكاف للتعليل، وأن وما في حيزها مجرورة بها، أى: أعجب لأن الله- تعالى- يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.. وقياس هذا القول أن يوقف على «وى» وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي.

الثاني: أن كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب معناه وصارت للخبر واليقين، وهذا- أيضا يناسبه الوقف على وى.

الثالث: أن «ويك» كلمة برأسها، والكاف حرف خطاب، و «أن» معمولة لمحذوف.

أى: أعلم أن الله يبسط.. وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو.

الرابع: أن أصل الكلمة ويلك، فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف- أيضا- كما فعل أبو عمرو.

الخامس: أن وَيْكَأَنَّ كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها: ألم تر.. ولم يرسم في القرآن إلا وَيْكَأَنَّ ويكأنه متصلة في الموضعين.. ووصل هذه الكلمة عند القراءة لا خلاف بينهم فيه.

والمعنى: وبعد أن خسف الله- تعالى- الأرض بقارون ومعه داره، أصبح الذين تمنوا أن يكونوا مثله بِالْأَمْسِ أى: منذ زمان قريب، عند ما خرج عليهم في زينته، أصبحوا

ص: 440

يقولون بعد أن رأوا هلاكه: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أى: صاروا يقولون ما أعجب قدرة الله- تعالى- في إعطائه الرزق لمن يشاء من عباده وفي منعه عمن يشاء منهم، وما أحكمها في تصريف الأمور، وما أشد غفلتنا عند ما تمنينا أن نكون مثل قارون، وما أكثر ندمنا على ذلك.

لولا أن الله- تعالى- قد منّ علينا، بفضله وكرمه لخسف بنا الأرض كما خسفها بقارون وبداره.

وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ أى: ما أعظم حكمة الله- تعالى- في إهلاكه للقوم الكافرين، وفي إمهاله لهم ثم يأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر.

ثم ختم- سبحانه- قصة قارون ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً.

واسم الإشارة تِلْكَ مبتدأ، والدار الآخرة صفة له، ونجعلها.. خبره، وجاءت الإشارة بهذه الصيغة المفيدة للبعد، للإشعار بعظم هذه الدار وعلو شأنها.

أى: تلك الدار الآخرة وما فيها من جنات ونعيم، نجعلها خالصة لعبادنا الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأفعالهم عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ أى: تطاولا وتعاليا فيها وَلا فَساداً أى: ظلما أو بغيا أو عدوانا على أحد.

وَالْعاقِبَةُ الطيبة الحسنة، إنما هي لِلْمُتَّقِينَ الذين صانوا أنفسهم عن كل سوء وقبيح.

مَنْ جاءَ في دنياه بِالْحَسَنَةِ أى بالأعمال الحسنة فَلَهُ في مقابلها عندنا بفضلنا وإحساننا خَيْرٌ مِنْها أى: فله عندنا خير مما جاء به من حسنات، بأن نضاعفها، وتثيبه عليها ثوابا عظيما لا يعلم مقداره أحد.

وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ، فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا الأعمال السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أى: فلا يجزون إلا الجزاء الذي يناسب أعمالهم في القبح والسوء.

وهكذا يسوق لنا القرآن في قصصه العبر والعظات، لقوم يتذكرون، فمن قصة قارون نرى أن كفران النعم يؤدى إلى زوالها، وأن الغرور والبغي والتفاخر كل ذلك يؤدى إلى الهلاك، وأن خير الناس من يبتغى فيما آتاه الله من نعم ثواب الآخرة، دون أن يهمل نصيبه من الدنيا، وأن العاقل هو من يستجيب لنصح الناصحين، وأن الناس في كل زمان ومكان، منهم الذين يريدون زينة الحياة الدنيا، ومنهم الأخيار الأبرار الذين يفضلون ثواب الآخرة، على

ص: 441