الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أى: وقال سليمان: يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التي أفضتها على وعلى والدي.
ووفقني كذلك لأن أَعْمَلَ عملا صالِحاً تَرْضاهُ عنى وتقبله منى وَأَدْخِلْنِي يا إلهى بِرَحْمَتِكَ وإحسانك فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ الذين رضيت عنهم ورضوا عنك.
وهكذا جمع سليمان- عليه السلام في هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى ألوان الخشية من الله- تعالى- والشكر له- سبحانه- على نعمه، والرجاء في رضاه وعطائه الجزيل.
ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين سليمان- عليه السلام وبين جندي من جنود مملكته وهو الهدهد، فقال- تعالى-:
[سورة النمل (27) : الآيات 20 الى 26]
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24)
أَلَاّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
والتفقد: تطلب الشيء ومعرفة أحواله، ومنه قولهم: تفقد القائد جنوده، أى: تطلب أحوالهم ليعرف حاضرهم من غائبهم.
والطير: اسم جنس لكل ما يطير، ومفردة طائر، والمراد بالهدهد هنا: طائر معين وليس الجنس.
وأَمْ منقطعة بمعنى بل.
أى: وأشرف سليمان- عليه السلام على أفراد مملكته ليعرف أحوالها، فقال بعد أن نظر في أحوال الطير: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أى: ما الذي حال بيني وبين رؤية الهدهد ثم تأكد من غيابه فقال بل هو من الغائبين.
قال الآلوسى: «والظاهر أن قوله- عليه السلام ذلك، مبنى على أنه ظن حضوره ومنع مانع له من رؤيته، أى: عدم رؤيتي إياه مع حضوره، لأى سبب؟ الساتر أم لغيره. ثم لاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. فأم هي المنقطعة، كما في قولهم: إنها لإبل أم شاء
…
«1» .
وقوله- تعالى-: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ بيان للحكم الذي أصدره سليمان- عليه السلام على الهدهد بسبب غيابه بدون إذن.
أى: لأعذبن الهدهد عذابا شديدا يؤلمه، أو لأذبحنه، أو ليأتينى بحجة قوية توضح سبب غيابه. وتقنعنى بالصفح عنه، وبترك تعذيبه، أو ذبحه.
فأنت ترى أن سليمان- عليه السلام وهو النبي الملك الحكيم العادل- يقيد تعذيب الهدهد أو ذبحه. بعدم إتيانه بالعذر المقبول عن سبب غيابه، أما إذا أتى بهذا العذر فإنه سيعفو عنه، ويترك عقابه.
فكأنه- عليه السلام يقول: هذا الهدهد الغائب إما أن أعذبه عذابا شديدا وإما أن أذبحه بعد حضوره، وإما أن يأتينى بعذر مقبول عن سبب غيابه، وفي هذه الحالة فأنا سأعفو عنه.
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما كان من الهدهد، فقال: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ أى فمكث الهدهد زمانا غير بعيد من تهديد سليمان له، ثم أتاه فقال له: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أى:
علمت أشياء أنت لم تعلمها. وابتدأ كلامه بهذه الجملة التي فيها ما فيها من المفاجآت لترغيبه في الإصغاء إليه، ولاستمالة قلبه لقبول عذره بعد ذلك.
قال صاحب الكشاف: «ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، على ما أوتى من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه،
(1) تفسير الآلوسى ج 19 ص 182.
وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحافر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء
…
» «1» .
وقوله: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ تفسير وتوضيح لقوله قبل ذلك: أحطت بما لم تحط به، وسبأ في الأصل: اسم لسبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم صار بعد ذلك اسما لحى من الناس سموا باسم أبيهم، أو صار اسما للقبيلة، أو لمدينة تعرف بمأرب باليمن. بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال.
وقد قرأ بعضهم هذا اللفظ بالتنوين باعتباره اسم رجل، وقرأه آخرون بغير تنوين لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.
أى: قال الهدهد لسليمان بادئا حديثه بما يشير إلى قبول عذره: علمت شيئا أنت لم تعلمه، وجئتك من جهة قبيلة سبأ بنبإ عظيم خطير، أنا متيقن من صدقه.
ثم قص عليه ما رآه فقال: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ والمراد بهذه المرأة: بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان
…
ورثت الملك عن أبيها.
أى: إنى وجدت قبيلة سبأ تحكمها امرأة، وتتصرف في أمورهم دون أن يعترض عليها معترض، أو ينافسها منافس.
وقوله وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ معطوف على ما قبله. أى: وبين يديها جميع الأشياء التي تحتاجها لتصريف شئون مملكتها، والمحافظة على قوتها واستقرارها
…
وفضلا عن كل ذلك لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ أى: لها سرير ملك فخم ضخم يدل على غناها وترفها، ورقى مملكتها في الصناعة وغيرها.
والمراد أن لها عرشا عظيما بالنسبة إلى أمثالها من الدنيا.
ثم أضاف إلى ذلك قوله: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ....
أى: والأهم من كل ذلك أنى وجدت هذه المرأة ومعها قومها يتركون عبادة الله- تعالى-، ويعبدون الشمس التي هي من مخلوقاته- عز وجل.
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ التي هي عبادتهم للشمس، وما يشبهها من ألوان الكفر والفسوق عن أمر الله- تعالى-.
فَصَدَّهُمْ أى فمنعهم الشيطان عَنِ السَّبِيلِ الحق فَهُمْ بسبب ذلك
(1) تفسير الكشاف ج 3 ص 359.
لا يَهْتَدُونَ إلى عبادة الله- تعالى- الذي لا معبود بحق سواه.
وقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بيان لما ترتب على إغواء الشيطان لهم. وقد قرأ عامة القراء أَلَّا- بتشديد اللام- ويَسْجُدُوا فعل مضارع منصوب بأن المدغمة في لفظه لا، وهو مع ناصبه في تأويل مصدر، في محل نصب على أنه مفعول لأجله.
والمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم من أجل أن يتركوا السجود لله- تعالى- الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ أى: الذي يظهر الشيء المخبوء في السموات والأرض، كائنا ما كان هذا الشيء، لأنه- سبحانه- لا يخفى عليه شيء فيهما.
قال الآلوسى: وقوله- تعالى-: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ أى: لئلا يسجدوا لله واللام للتعليل، وهو متعلق بصدهم أو بزين. والفاء في فَصَدَّهُمْ لا يلزم أن تكون سببية لجواز كونها تفريعية أو تفصيلية، أى: فصدهم عن ذلك لأجل أن لا يسجدوا لله- عز وجل.
أو زين لهم ذلك لأجل أن لا يسجدوا له- تعالى-.
ثم قال: وقرأ الكسائي: أَلَّا- بتخفيف اللام- على أنها حرف استفتاح وتنبيه «1» .
وقوله- تعالى-: وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ معطوف على ما قبله.
والمعنى: زين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله الذي يعلم المخبوء والمستور في السموات والأرض، ويعلم ما تخفون من أسرار، وما تعلنون من أقوال.
قال بعض العلماء: «واعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه، محل سجدة على كلتا القراءتين، لأن قراءة الكسائي فيها الأمر بالسجود، وقراءة الجمهور فيها ذم تارك السجود وتوبيخه» «2» .
وقوله- تعالى- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ في معنى التعليل لحقيقة السجود لله- تعالى- وحده.
أى: اجعلوا سجودكم لله- تعالى- وحده، واتركوا السجود لغيره، لأنه- سبحانه- لا إله بحق سواه، وهو- سبحانه- صاحب العرش العظيم، الذي لا يدانيه ولا يشبهه شيء مما يطلق عليه هذا اللفظ.
(1) تفسير الآلوسى ج 19، ص 190.
(2)
تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطى ج 6 ص 405.