الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلى هذا المعنى يكون قوله مَسْؤُلًا بمعنى جديرا أن يسأل عنه المؤمنون لعظم شأنه.
ويجوز أن يكون السائلون عنه الملائكة، كما في قوله- تعالى-: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ.. «1» .
ويرى بعضهم أن المعنى. كان ذلك العطاء للمؤمنين وعدا منا لهم، ونحن بفضلنا وكرمنا سننفذ هذا الوعد، قال- تعالى-: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ.. «2» .
هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن المراد بلفظ «خير» في قوله- تعالى- قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ وقالوا: إن هذا اللفظ صيغة تفضيل، والمفضل عليه هنا وهو العذاب لا خير فيه البته، فكيف عبر- سبحانه- بلفظ خير؟
وقد أجابوا عن ذلك بأن المفاضلة هنا غير مقصودة، وإنما المقصود هو التهكم بهؤلاء الكافرين الذين آثروا الضلالة على الهداية، واستحبوا الكفر على الإيمان.
قال أبو حيان- رحمه الله: و «خير» هنا ليست تدل على الأفضلية، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء، وخصوصيته بالفضل دون مقابلة. كقول الشاعر: فشر كما لخير كما الفداء.. وكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة. وكقوله- تعالى- حكاية عن يوسف- عليه السلام: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ «3» .
ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن حالهم عند ما يعرضون هم وآلهتهم للحشر والحساب يوم القيامة، وقد وقفوا جميعا أمام ربهم للسؤال والجواب، قال- تعالى-:
[سورة الفرقان (25) : الآيات 17 الى 19]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (19)
(1) سورة غافر الآية 8.
(2)
سورة الروم الآية 6.
(3)
تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 6 ص 486. [.....]
وقوله- تعالى-: وَيَوْمَ منصوب على المفعولية بفعل مقدر، والمقصود من ذكر اليوم: تذكيرهم بما سيحدث فيه من أهوال حتى يعتبروا ويتعظوا، والضمير في «يحشرهم» للكافرين الذين عبدوا غير الله- تعالى-.
وقوله: وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ معطوف على مفعول «يحشرهم» والمراد بهؤلاء الذين عبدوهم من دون الله: الملائكة وعزير وعيسى وغيرهم من كل معبود سوى الله- تعالى-.
والمعنى: واذكر لهم- أيها الرسول الكريم- حالهم لعلهم أن يعتبروا يوم نحشرهم جميعا للحساب والجزاء يوم القيامة، ونحشر ونجمع معهم جميع الذين كانوا يعبدونهم غيرى.
ثم نوجه كلامنا لهؤلاء المعبودين من دوني فأقول لهم: أأنتم- أيها المعبودون- كنتم السبب في ضلال عبادي عن إخلاص العبادة لي، بسبب إغرائكم لهم بذلك أم هم الذين من تلقاء أنفسهم قد ضلوا السبيل، بسبب إيثارهم الغي على الرشد، والكفر على الإيمان؟.
والسؤال للمعبودين إنما هو من باب التقريع للعابدين، وإلزامهم الحجة وزيادة حسرتهم، وتبرئة ساحة المعبودين.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، قالَ سُبْحانَكَ «1» .
وقوله- عز وجل: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا: سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ.. «2» .
قال الإمام الرازي ما ملخصه: فإن قيل: إنه- سبحانه- عالم في الأزل بحال المسئول عنه فما فائدة السؤال؟.
(1) سورة آل المائدة الآية 116.
(2)
سورة سبأ الآيتان 40، 41.
والجواب: هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين، كما قال- سبحانه- لعيسى:
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ولأن أولئك المعبودين لما برءوا أنفسهم وأحالوا ذلك الضلال عليهم، صار تبرّؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم «1» .
وقال- سبحانه- أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ولم يقل. ضلوا عن السبيل، للإشعار بأنهم قد بلغوا في الضلال أقصاه ومنتهاه.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما أجاب به المعبودون فقال: قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً.
أى قال المعبودون لخالقهم- عز وجل: «سبحانك» أى: ننزهك تنزيها تاما عن الشركاء وعن كل ما لا يليق بجلالك وعظمتك، وليس للخلائق جميعا أن يعبدوا أحدا سواك. ولا يليق بنا نحن أو هم أن نعبد غيرك، وأنت يا مولانا الذي أسبغت عليهم وعلى آبائهم الكثير من نعمك. «حتى نسوا الذكر» أى: حتى تركوا ما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك «وكانوا» بسبب ذلك «قوما بورا» أى: هلكى، جمع بائر من البوار وهو الهلاك.
قال القرطبي: وقوله بُوراً أى: هلكى قاله ابن عباس.. وقال الحسن «بورا» أى: لا خير فيهم، مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها عن الزرع فلا يكون فيها خير.
وقال شهر بن حوشب: البوار: الفساد والكساد، من قولهم: بارت السلعة إذا كسدت كساد الفساد.. وهو اسم مصدر يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث «2» .
وهكذا، يتبرأ المعبودون من ضلال عابديهم، ويوبخونهم على جحودهم لنعم الله- تعالى- وعلى عبادتهم لغيره. ويعترفون لخالقهم- عز وجل بأنه لا معبود بحق سواه.
وهنا يوجه- سبحانه- خطابه إلى هؤلاء العابدين الجهلاء الكاذبين فيقول: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً
…
أى: قال الله- تعالى- لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتبكيت: والآن لقد رأيتم تكذيب من عبدتموهم لكم، وقد حق عليكم العذاب بسبب كفركم وكذبكم، وصرتم لا تملكون له «صرفا» أى: دفعا بأية صورة من الصور. وأصل الصرف: رد الشيء من حالة إلى حالة
(1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 325.
(2)
تفسير القرطبي ج 13 ص 11.