الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لفت الأنظار إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من مخلوقات شاهدة محسوسة، تدل على وحدانية الله، وقدرته النافذة، ورحمته السابغة بعباده.
ثم بينت السورة الكريمة ما أعده الله من عذاب للكافرين، وما أعده من ثواب للطائعين، فقال- تعالى-:
[سورة يونس (10) : الآيات 7 الى 10]
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (7) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (10)
قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- تعالى- لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها وفي شرح أحوال من يؤمن بها» «1» .
والمراد بلقائه- سبحانه- الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم في الدنيا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا رضاء جعلهم لا يفكرون إلا في التشبع من زينتها ومتعها، واطمأنوا بها، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا غافِلُونَ بحيث لا يخطر على بالهم شيء مما يدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات.
(1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 38.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة.
وصفهم- أولا- بعدم الرجاء في لقاء الله- تعالى- بأن صاروا لا يطمعون في ثواب، ولا يخافون من عقاب، لإنكار الدار الآخرة.
ووصفهم- ثانيا- بأنهم رضوا بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفي لذائذها وشهواتها.
قال الإمام الرازي: واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى من استغرقه الله في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه في طلبها» «1» .
ووصفهم- ثالثا- بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى الشيء الذي لا ملاذ له سواه، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا.
ووصفهم- رابعا- بالغفلة عن آيات الله التي توقظ القلب، وتهدى العقل، ونحفز النفس إلى التفكير والتدبير.
وبالجملة فهذه الصفات الأربع تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
فماذا كان مصيرهم كما بينه- سبحانه- في قوله: أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجؤهم الذي يلجئون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات.
هذه هي صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل، أما السعداء فقد بين الله- تعالى- بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.
أى: آمنوا بما يجب الإيمان به، وعملوا في دنياهم الأعمال الصالحة التي ترفع درجاتهم عند ربهم.
يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهي الجنة.
(1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 39.
وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار..
قال الإمام ابن كثير: يحتمل أن تكون الباء في قوله بِإِيمانِهِمْ للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ:
أى: يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج في الآية: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله- تعالى- يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ. والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة. وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه في النار..» «1» .
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أى: تجرى من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون في الجنات، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أى: دعاؤهم في هذه الجنات يكون بقولهم:
سبحانك اللهم. فالدعوى هاهنا بمعنى الدعاء. يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى. كما يقال:
شكا يشكو شكاية وشكوى.
ولفظ سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه.
ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلت هذه الميم المشددة في آخره عوضا عن حرف النداء.
قال الإمام الرازي: «ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء، أنهم قالوا: اللهم.
وهذا نداء الله- تعالى- ومعنى قولهم: سبحانك اللهم. إنا نسبحك. كقول القانت في دعاء القنوت «اللهم إياك نعبد» .
ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله- تعالى-: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أى: وما تعبدون، فيكون معنى الآية: أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 408.
الابتهاج بذكر الله- تعالى-» «1» .
وقوله وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه.
أى: دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التي يحيون بها هي السلامة من كل مكروه.
وهذه التحية تكون من الله- تعالى- لهم كما في قوله- سبحانه- تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ «2» .
وتكون من الملائكة كما في قوله- تعالى-: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ «3» .
وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله- تعالى- لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً.. «4» .
وقوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أى: وختام دعائهم يكون بقولهم:
الحمد لله رب العالمين.
قال الإمام القرطبي ما ملخصه: «ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء» .
روى الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض، ورب العرش الكريم» . قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب.
والذي يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء، وإنما هو تعظيم لله- تعالى- وثناء عليه، ما رواه النسائي عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له» .
(1) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 43.
(2)
سورة الأحزاب الآية 44.
(3)
سورة الرعد الآيتان 24، 25.
(4)
سورة مريم الآية 61.