المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 13 الى 17] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ٧

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد السابع]

- ‌سورة يونس

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد بين يدي السورة

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 2]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 3 الى 4]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 5 الى 6]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 7 الى 10]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 11 الى 12]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 13 الى 14]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 15 الى 17]

- ‌[سورة يونس (10) : آية 18]

- ‌[سورة يونس (10) : آية 19]

- ‌[سورة يونس (10) : آية 20]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 21 الى 23]

- ‌[سورة يونس (10) : آية 24]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 25 الى 27]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 28 الى 30]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 31 الى 33]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 34 الى 36]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 37 الى 44]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 45 الى 49]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 50 الى 54]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 55 الى 61]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 70]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 73]

- ‌[سورة يونس (10) : آية 74]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 75 الى 78]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 79 الى 82]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 83 الى 87]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 88 الى 89]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 90 الى 93]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 94 الى 97]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 98 الى 103]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 104 الى 109]

- ‌تفسير سورة هود عليه السلام

- ‌تعريف بسورة هود- عليه السلام

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 6 الى 7]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 8 الى 11]

- ‌[سورة هود (11) : آية 12]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 13 الى 14]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 15 الى 16]

- ‌[سورة هود (11) : آية 17]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 18 الى 24]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 25 الى 27]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 28 الى 31]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 32 الى 34]

- ‌[سورة هود (11) : آية 35]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 36 الى 39]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 40 الى 44]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 45 الى 49]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 50 الى 60]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 68]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 69 الى 76]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 77 الى 83]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 84 الى 95]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 96 الى 99]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 100 الى 102]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 103 الى 107]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 108 الى 115]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 116 الى 123]

- ‌تفسير سورة يوسف

- ‌تعريف بسورة يوسف- عليه السلام

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 7 الى 15]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 16 الى 18]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 19 الى 22]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 23 الى 29]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 34]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 35 الى 42]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 43 الى 49]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 50 الى 57]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 58 الى 62]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 63 الى 68]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 69 الى 82]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 83 الى 87]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 98]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 99 الى 101]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 102 الى 111]

- ‌تفسير سورة الرّعد

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد بين يدي سورة الرعد

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 5 الى 7]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 8 الى 11]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 12 الى 15]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 16 الى 18]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 19 الى 26]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 27 الى 31]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 32 الى 35]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 36 الى 43]

- ‌تفسير سورة إبراهيم

- ‌مقدّمة

- ‌تعريف بسورة إبراهيم- عليه السلام

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 5 الى 8]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 9 الى 12]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 13 الى 17]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 18 الى 23]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 27]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 28 الى 34]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 41]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 42 الى 52]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة يونس- عليه السلام

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة هود- عليه السلام

- ‌فهرس إجمالى لتفسير «سورة يوسف»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة الرعد

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة إبراهيم

الفصل: ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 13 الى 17]

فالجملة الكريمة تدل على اطمئنانهم إلى سلامة مواقفهم في تفويض أمورهم إلى الله، وإلى رعاية الله- تعالى- حيث هداهم إلى طريق النجاة والسعادة.

ثم أضافوا إلى ذلك تيئيس أعدائهم من التأثر بأذاهم، فقالوا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا.

أى: والله لنصبرن صبرا جميلا في حاضرنا ومستقبلنا- كما صبرنا في ماضينا- على إيذائكم لنا. والذي من مظاهره: عصيانكم لأقوالنا، ونفوركم من نصحنا، واستهزاؤكم بنا، ومحاربتكم لنا..

ثم ختموا أقوالهم بتأكيد تصميمهم على الثبات في وجه الباطل فقالوا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.

أى: وعلى الله وحده دون أحد سواه، فليثبت المتوكلون على توكلهم. وليفوضوا أمورهم إلى خالقهم، فهو القاهر فوق عباده، وهو الذي لا يعجزه شيء.

وتقديم الجار والمجرور في الجملة الكريمة وفيما يشبهها مؤذن بالحصر، وأن هؤلاء الرسل الكرام لا يرجون نصرا من غير الله- تعالى-.

وبهذا نرى أن الآيات الكريمة، قد حكت لنا بأسلوب مؤثر حكيم، جانبا من المحاورات التي دارت بين الرسل وبين مكذبيهم، وبينت لنا كيف دافع الرسل عن عقيدتهم، وكيف ردوا على الأقوال السيئة، والأفعال القبيحة، التي واجههم بها المكذبون، وكيف أعلنوا في قوة وعزم وإصرار ثباتهم في وجوه أعدائهم، ومقابلتهم الأذى بالصبر الذي لا جزع معه، مهما صنع الأعداء في طريقهم من عقبات، ومهما أثاروا من أباطيل وشبهات

ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا آخر من تلك المحاورات التي دارت بين الرسل وبين أعدائهم، وجانبا مما وعد الله به رسله- عليهم السلام وجانبا من العذاب الذي أعده للظالمين فقال- تعالى-:

[سورة إبراهيم (14) : الآيات 13 الى 17]

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (17)

ص: 532

فقوله- سبحانه-: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا

حكاية لما هدد به رءوس الكفر رسلهم، بعد أن أفحمهم الرسل بالحجة البالغة، وبالمنطق الحكيم.

واللام في «لنخرجنكم» هي الموطئة للقسم. و «أو» للتخيير بين الأمرين.

أى: وقال الذين عتوا في الكفر- على سبيل التهديد- لرسلهم، الذين جاءوا لهدايتهم، والله لنخرجنكم- أيها الرسل- من أرضنا، أو لتعودن في ديننا وملتنا.

قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- تعالى- لما حكى عن الأنبياء- عليهم السلام أنهم قد اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه، والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا للأنبياء والله لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا» .

والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا.

والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين. وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة «1» .

والتعبير بقوله- سبحانه- أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يفيد بظاهره أن الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها، فإن العود معناه: الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته. وهذا محال، فإن الأنبياء معصومون- حتى قبل النبوة- عن ارتكاب الكبائر، فضلا عن الشرك.

وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها:

أن الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل، إلا أن المقصود به أتباعهم المؤمنون، الذين

(1) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 99.

ص: 533

كانوا قبل الإيمان بالرسل على دين أقوامهم، فكأنهم يقولون لهؤلاء الأتباع: لقد كنتم على ملتنا ثم تركتموها، فإما أن تعودوا إليها وإما أن تخرجوا من ديارنا، إلا أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى الرسل من باب التغليب.

ومنها: أن العود هنا بمعنى الصيرورة، إذ كثيرا ما يرد «عاد» بمعنى صار، فيعمل عمل كان، ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل يستدعى الانتقال من حال سابقة إلى حال جديدة مستأنفة، فيكون المعنى: لنخرجنكم من أرضنا أو لتصيرن كفارا مثلنا.

ومنها: أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم وظنهم، أن الرسل كانت قبل دعوى النبوة على ملتهم، لسكوتهم قبل البعثة عن الإنكار عليهم، فلهذا التوهم قالوا ما قالوا، وهم كاذبون فيما قالوه.

وشبيه بهذه الآية قول قوم شعيب- عليه السلام له لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا

«1» .

وقول قوم لوط له أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ «2» .

وقوله- سبحانه-: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ

بشارة عظيمة من الله- تعالى- لرسله، ووعد لهم بالنصر على أعدائهم..

أى: فأوحى الله- تعالى- إلى الرسل- بعد أن قال لهم الكافرون- ما قالوا-:

أبشروا أيها الرسل لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ الذين هددوكم بالإخراج من الديار، أو بالعودة إلى ملتهم، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ- أيها الرسل- الْأَرْضَ أى أرضهم مِنْ بَعْدِهِمْ أى من بعد إهلاكهم واستئصال شأفتهم.

قال الآلوسى ما ملخصه: «وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإيحاء فلا مفعول له» .

وقوله لَنُهْلِكَنَّ على إضمار القول، أى: قائلا لنهلكن، ويحتمل أن يكون جاريا مجرى القول لكونه ضربا منه، وقوله لَنُهْلِكَنَّ مفعوله

وخص- سبحانه- الظالمين من الذين كفروا، لأنه من الجائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة أناس معينون، فالتوعد لإهلاك من خلص للظلم» «3» .

(1) سورة الأعراف الآية 88.

(2)

سورة النمل الآية 56.

(3)

تفسير الآلوسى ج 13 ص 179.

ص: 534

وأكد- سبحانه- إهلاك الظالمين وإسكان الرسل أرضهم، بلام القسم ونون التوكيد

زيادة في إدخال السرور على نفوس الرسل، وفي تثبيت قلوبهم على الحق، وردا على أولئك الظالمين الذين أقسموا بأن يخرجوا الرسل من ديارهم، أو يعودوا إلى ملتهم.

قال صاحب الكشاف: «والمراد بالأرض في قوله وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ أرض الظالمين وديارهم، ونحوه: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من آذى جاره ورثه الله داره» .

ثم قال: ولقد عاينت هذا في مدة قريبة، كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا منها ويؤذيني فيه، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته، فنظرت يوما إلى أبناء خالي يترددون فيها، ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثتهم به، وسجدنا شكرا لله» «1» .

واسم الإشارة في قوله- سبحانه- ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ يعود إلى ما قضى الله به من إهلاك الظالمين، وتمكين الرسل وأتباعهم من أرضهم.

أى: ذلك الذي قضيت به كائن لمن خاف قيامي عليه، ومراقبتى له، ومكان وقوفه بين يدي للحساب، وخاف وعيدي بالعذاب لمن عصاني.

قال الجمل: «ومقامي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقحم- وهو بعيد إذ الأسماء لا تقحم، أى ذلك لمن خافني- الثاني: أنه مصدر مضاف للفاعل.

قال الفراء: مقامي مصدر مضاف لفاعله: أى قيامي عليه بالحفظ. الثالث: أنه اسم مكان، قال الزجاج: مكان وقوفه بين يدي للحساب» «2» .

وقوله- سبحانه- وَاسْتَفْتَحُوا من الاستفتاح بمعنى الاستنصار، أى: طلب النصر من الله- تعالى- على الأعداء. والسين والتاء للطلب.

ومنه قوله- تعالى- إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ.. وقوله- تعالى- وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا....

أو يكون وَاسْتَفْتَحُوا من الفتاحة بمعنى الحكم والقضاء، أى: واستحكموا الله

(1) تفسير الكشاف ج 3 ص 371.

(2)

حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 518.

ص: 535

- تعالى- وطلبوا منه القضاء والحكم، ومنه قوله- تعالى- رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.

والجملة الكريمة معطوفة على فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ، والضمير يعود إلى الرسل.

والمعنى: والتمس الرسل من خالقهم- عز وجل أن ينصرهم على أعدائه وأعدائهم، وأن يحكم بحكمه العادل بينهم وبين هؤلاء المكذبين.

قالوا: ومما يؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وَاسْتَفْتَحُوا- بكسر التاء- أمرا للرسل.

ومنهم من يرى أن الضمير يعود للفريقين: الرسل ومكذبيهم. أى: أن كل فريق دعا الله أن ينصره على الفريق الآخر.

وقوله وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ بيان لنتيجة الاستفتاح. والجبار: الإنسان المتكبر المغرور المتعالي على غيره، المدعى لمنزلة أو لشيء ليس من حقه.

والعنيد: مأخوذ من العند- بفتح النون- بمعنى الميل. يقال: عند فلان عن الطريق- كنصر وضرب وكرم- عنودا، إذا مال عنها. وعند فلان عن الحق، إذا خالفه.

والجملة الكريمة معطوفة على محذوف، والتقدير: واستفتحوا فنصر الله- تعالى- رسله على أعدائهم، وخاب وخسر، كل متكبر متجبر معاند للحق.

قال ابن كثير: قوله: وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أى: متجبر في نفسه معاند للحق، كما قال- تعالى- أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ

«1» .

وفي الحديث: «يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادى الخلائق فتقول: إنى وكلت بكل جبار عنيد

» «2» .

وقال- سبحانه- وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ولم يقل وخاب الذين كفروا كما هو مقتضى الظاهر من السياق، للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة معاندين للحق، وأن كل من كان كذلك فلا بد من أن تكون عاقبته الخيبة والخسران.

وقوله مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ صفة لجبار عنيد.

(1) سورة ق الآيات من 24- 26.

(2)

تفسير ابن كثير ج 4 ص 403.

ص: 536

والمراد بقوله: مِنْ وَرائِهِ أى: من أمامه، أو من بعد هلاكه.

أى: من أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم، تنتظر ليحل بها، بسبب كفره وظلمه.

قال صاحب أضواء البيان: قوله مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ

الوراء هنا بمعنى الأمام كما هو ظاهر، ومنه قوله- تعالى- وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً أى: وكان أمامهم ملك.. ومنه قول الشاعر:

أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي

وقومي تميم والفلاة ورائيا

أى: والفلاة أماميا.

وقال بعضهم: قوله مِنْ وَرائِهِ أى من بعد هلاكه، ومنه قول النابغة:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

وليس وراء الله للمرء مذهب

أى: وليس بعد الله للمرء مذهب، والأول هو الظاهر وهو الحق «1» .

وعلى أية حال فإن الجملة الكريمة تدل على أن جهنم تنتظر هذا الجبار العنيد، وتترصد له، وتتبعه حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها، أو الهرب عنها.

وجملة «ويسقى من ماء صديد» معطوفة على مقدر، أى: من ورائه جهنم يلقى فيها مذءوما مدحورا، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة، هو الصديد، أى ما يسيل من أجساد أهل النار من دم مختلط بقيح، واشتقاقه من الصد، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته. وهو بدل أو عطف بيان من ماء.

وقوله يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ

بيان لحالة هذا الجبار العنيد عند تعاطيه الصديد.

والتجرع: تكلف الجرع وهو بلع الماء، وفعله- كسمع ومنع-.

ويسيغه: من السوغ وهو انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول. يقال: ساغ الشراب سوغا وسواغا، إذا كان سهل المدخل.

أى: يتكلف بلع هذا الصديد مرة بعد أخرى لمرارته وقبحه، ولا يقارب أن يسيغه فضلا عن الإساغة. بل يغص به فيشربه بعد عناء ومشقة جرعة عقب جرعة» .

وقوله وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ معطوف على قوله يَتَجَرَّعُهُ لبيان حالة أخرى من أحوال شقائه وعذابه.

(1) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 106 للشيخ محمد أمين الشنقيطى.

ص: 537