الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الخامس: تفسير شبر:
ويبدو أن حركة التضليل والتشكيك كانت أقوى من الحركة المضادة، ذلك أن الكتب الضالة التي ظهرت في القرن الثالث منها كتاب ينتسب إلى إمام، وآخر لمفسر يوثقونه كل توثيق، أحد تلاميذه هو الكليني، صاحب كتاب (الحديث الأول) عند الجعفرية، وقد نقل عن شيخه القمي مئات الروايات في التحريف والتكفير وغير ذلك، والثالث للعياشي وهو في مكانة القمي عندهم، ولهذا ما وجدت أو قرأت من كتاب من كتب التفسير الجعفري يصل إلى كتاب (التبيان) للطوسي في اعتداله النسبي أو قلة غلوه (1). ولكن ظهر بعض التفاسير التي لم ترتفع إلى هذا المستوى، ولم تنزل إلى ذلك الدرك الأسفل. ومن هذه الكتب تفسير القرآن الكريم للسيد عبدالله شبر.
ولنتبين أهم آثار الإمامة في هذا التفسير ومدى غلوه نعرض ما يأتي:
(1) ربما ظهر شيء في السنوات الأخيرة لا علم لي به، وسيأتي الحديث عن ((التفسير الكاشف)) لمغنيه، و ((تفسير البيان)) لمرجعهم الحالي بالعراق.
أولا ً: بالنسبة للقول بتحريف القرآن الكريم أو عدم تحريفه لم أجد لشبر نصاً صريحاً، ولكن يبدو أنه يميل إلى القول بالتحريف، ويظهر هذا الترجيح مما يكثر منه على أنه من القراءات، ومن هذه القراءات. في سورة آل عمران الآيات:(102، 104، 110)، فالآية الأولى هي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] ولكن شبراً يذكر أنها قرئت " تقية " و " مسلّمون " وواضح أن تحريف التقوى بالتقية لتأييد مبدأ من مبادئ الجعفرية، وأما الكلمة الأخرى فيقول عنها شبر " وقرئ بالتشديد أي منقادون للرسول ثم للإمام من بعده " (1) والآية الثانية: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] يبدل كلمة " أمة " بأئمة (2) أي أئمة الجعفرية. وكذلك فعل في الآية الثالثة: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران:110] فيقول: " هم آل محمد عليهم السلام، وقرئ كنتم خير أئمة "(3). وفي سورة الحجر: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتقِيمٌ [الحجر:41] يبدل الجار والمجرور باسم الإمام علي فيقول: " صراط عَلِىٍّ بالإضافة (4). وفي سورة الحج: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52] يقول شبر: " وعنهم أي أئمته أو محدث بفتح الدال، هو الإمام يسمع الصوت ولا يرى الملك (5). وغير هذا كثير. ومما يرجح كذلك انضمام شبر إلى القائلين بالتحريف، موقفه من الآية التاسعة من سورة الحجر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] حيث أولها بقوله: " وإنا له لحافظون عند أهل الذكر واحداً بعد واحد إلى القائم أو في اللوح
…
وقيل الضمير للنبي " (6). ثانياً: نجد شبراً ممن يطعن في الصحابة الأبرار، وأمهات المؤمنين الطاهرات: فمثلاً آيات سورة النور التي تحدثت عن الإفك لتبرئة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، نرى شبراً يجعل فيها اتهاماً لمن برأها الله تعالى فيقول: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ تحمل معظمه مِنْهُمْ من الآفكين لَهُ عذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11] في الآخرة. أو في الدنيا بجلدهم، نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة من أنها حملت بإبراهيم من جريج القبطي، وقيل في عائشة"(7).
(1)((تفسير شبر)) (ص 96).
(2)
انظر ((تفسيره)) (ص 96).
(3)
(ص 97).
(4)
تفسيره (ص 264).
(5)
(ص 328)، ومعني هذا التحريف أن الإمام مرسل يوحى إليه!
(6)
قال الأستاذ محمد حسين الذهبي رحمه الله: " نجد شبراً يعتقد بأن القرآن بدل وحرف، ولما اصطدم بقوله تعالى في الآية التاسعة من سورة الحجر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * الحجر:9* نجده يتفادى هذا الاصطدام بالتأويل " ثم نقل تأويله للآية الكريمة. " انظر ((التفسير والمفسرون)) (2/ 191) ".
(7)
(ص 238).
وفي سورة التوبة " الآية 40 ": إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة:40] يعز على شبر أن ينزل من السماء تكريم لأبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه ولا يكتفي بنفي هذا التكريم، بل يفتري على الله تعالى مرة أخرى، ويجعل من الآية الكريمة اتهاماً لأفضل المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ولا مدح فيه إذ قد يصحب المؤمن الكافر كما: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:37] لَا تَحْزَنْ: فإنه خاف على نفسه، وقبض واضطرب حتى كاد أن يدل عليهما، فنهاه عن ذلك إِنَّ اللهَ مَعَنَا عالم بنا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ طمأنينة عَلَيْه ِ على الرسول، وفي إفراده صلى الله عليه وسلم بها ههنا مع اشتراك المؤمنين معه حيث ذكرت ما لايخفى. ثالثاً: نجد شبراً يغالي في أئمته، ويخضع القرآن الكريم لهذا الغلو، فيضيف إلى التحريف في النص تحريفاً في المعنى. انظر مثلاً تأويله لسورة القدر حيث يقول: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4]: جبرائيل أو خلق أعظم من الملائكة بِإِذْنِ رَبِّهِم يأمره كل سنة إلى النبي وبعده إلى أوصيائه، مِّن كُلِّ أَمْرٍ: بكل أمر قدر في تلك السنة أو من أجله، سَلَامٌ هِيَ [القدر:4 - 5]: قدم الخبر للحصر أي ما هي إلَاّ سلامة أو سلام؛ لكثرة سلام الملائكة فيها على ولي الأمر (1).
وفي سورة المعارج، بعد أن ذكر أنها مكية، يقول: سَأَلَ سَائِلٌ: دعا داع، بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج:1]: نزلت لما قال بعض المنافقين يوم الغدير: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فرماه الله بحجر فقتله (2).
وفي الآية الثامنة من سورة هود يقول: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ [هود:8]: أوقات قليلة، قال الصادق: هي أصحاب المهدي عدة أصحاب أهل بدر (3).
هذا بعض ما جاء في تفسير شبر، وأظنه يكفي لبيان أثر الإمامة فيه، وهو وإن كان في منزلة بين المنزلتين، إلَاّ أنه إلى الغلو أقرب، وعن الاعتدال أكثر بعداً.
المصدر:
مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص565
(1)(ص 562).
(2)
(ص 531).
(3)
(ص 228).