الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3) وفي سنة 709 هـ كان موقفه المشهور من أهل الذمة، فألزموا باللباس المميز لهم، وكذلك ورد سنة 712 هـ خطاب إلى دمشق أن لا يولى أحد بمال ولا رشوة (1) .
4) بل المناصب الشرعية من الخطابة، وإدارة دور الحديث كان يعين أصحابها بإشارة من ابن تيمية، كما حدث سنة 703 هـ (2) .
سابعا: محنه وسجنه:
امتحن شيخ الإسلام ابن تيمية محنا عديدة، وما تكاد تنتهى عاصفة إحدى المحن حتى تبدأ محنة جديدة، حتى لقي ربه وهو في سجن القلعة بدمشق. ومما يحز في النفس أن هذا الإيذاء والعداء له لم يأت من أعداء الاسلام الذين ظهرت عداوتهم له من اليهود والنصارى والتتار والرافضة، وإنما جاء من علماء وفضلاء، قضاة ومفتين، أشربوا شبه بعض أهل الكلام والتصوف فانضاف إلى ذلك حسدهم لشيخ الإسلام وما له من مكانة في نفوس الناس، فقاموا عليه معتمدين على مناصبهم في الفتيا والقضاء وعلاقتهم بالسلاطين والأمراء، ومما يلفت الانتباه أن غالب محنه كانت مع الأشاعرة متمثلين في علماء ذلك الوقت، حتى محنته مع المتصوفة في مصر لم يكن الأشاعرة بعيدين عنها، ومعلوم أن التصوف دخل في المذهب الأشعري ضمن التطورات التي مر بها هذا المذهب، أما محنته بسبب فتياه في الطلاق فلم تكن القضية قضية خلاف اجتهد فيه ابن تيمية وخالف بعض فقهاء عصره، وإنما كانت مرتبطة بما جرى قبلها حول ردوده على الأشاعرة والمحن التي وقعت بسبب ذلك.
أما أسباب العداء له فلم تكن بعيدة عما سبق بيانه مما تبوأه ابن تيمية من مكانة ومنزلة غطت على مكانة أولئك العلماء- خاصة من كان منهم في منصب القضاء أو الافتاء أو الخطبة- فلم تكن لهم أو لبعضهم تلك المواقف العظيمة
(1) انظر: البداية والنهاية (14/66) .
(2)
المصدر السابق (14/28) .
في أيام المحن والشدائد حين كان التتار يثيرون الرعب في النفوس قبل قدومهم بوقت طويل إذا جاءت الإشاعة أنهم قادمون، وحين كان بعض هؤلاء القضاة والعلماء يحمل أولاده وأهل بيته وما يستطيع حمله من أثاث ومال مبتعدا بهم عن هذا الهول المرتقب القادم إلى دمشق، كان شيخ الإسلام ابن تيمية يلقي درسه في الجامع عن الجهاد في سبيل الله وفضله وفضل الانفاق فيه، بل ويصدر فتوى - يلزم بها الناس- بأنه لا يجوز لأحد الفرار من دمشق، بل يجب البقاء فيها لحمايتها من الأعداء، ويبقى أولئك العلماء في دمشق لكن أولادهم وأهليهم أرسلوهم إلى مصر وغيرها. وحين انتهت هذه المحن بطرد التتار وهزيمتهم برز ابن تيمية- كإمام من أئمة العلم والجهاد-، وصارت له الوجاهة والمنزلة عند الناس.
وهناك أسباب أخرى- لهذه المحن التي مر بها- تتعلق بمواقفه من أهل الكلام والتصوف والفلسفة، إذ لم تقتصر هذه المواقف على بيان مذهب السلف والسكوت عمن عداهم، أو بيان حرمة القول الفلاني أو خطئة فقط، أو غير ذلك من المواقف الباردة، بل كانت مواقفه قائمة على الرد على تلك الفرق والطوائف المختلفة، وذلك ببيان أصولها المنحرفة التي ترجع إليها ومناقضتها لأصول ومنهج السلف- رحمهم الله تعالى- فلما بدأ وهو الخبير بأصول الفرق ونشأتها وتطور المقالات الفلسفية والكلامية وكيف يؤثر بعضها على بعض ويتلقي بعضها من بعض؟ يشرح أصول أهل الكلام- وفيهم الأشاعرة- ويرجعها إلى أصول أهل الفلسفة والتجهم والاعتزال، ويوضح أصول مذهب السلف وتميزها عن منهج هؤلاء جميعا، وكل ذلك بأسلوب علمى قوي قائم على الأدلة والنصوص والنقول عن كتب ومصادر هذه الطوائف مما لا يقدر أحد على إنكاره أو ادعاء التحريف في نقله لما صار يتحدث ويكتب بهذا الأسلوب أفزع أولئك العلماء المقلدة الذين نشأوا وتلقوا عن شيوخهم مذاهبهم وعقائدهم، وهم لا يشكون انها هي مذهب أهل السنة والجماعة.
لذلك قاموا على ابن تيمية يتهمونه بالطعن على السلف، ويدافعون عن المذهب الأشعري، فكانت بينه وبينهم صولات وجولات استمرت زمنا طويلا.
ومن الأشياء التي تلفت الانتباه ني محن ابن تيمية دوره الإيجابي فيها، فلم تكن تلك الأحداث وما يصاحبها من التشهير والسجن وصنوف الإيذاء النفسي والجسدي تبعد به عن أهدافه الكبرى من تعليم الناس وبيان الحق لهم، ولذا تجده وهو في وسط المحنة إذا أحس بانفراج- ولو كان محدودا- لا يلتفت إلى ذاته ونفسه والدفاع عنها، والانتقام لها، وإنما يتوجه إلى أصل القضية التي يدافع عنها يبين الدليل عليها، ويؤلف الكتب والرسائل حولها ولعل تلك الكتب العظيمة التي قد يبلغ الواحد منها مجلدات والتي ألفت على أثر بعض تلك المحن من أعظم الجوانب الإيجابية فيها.
وسنعرض لجانبين اثنين حول محنه:
الجانب الأول: عرض مختصر لمحنه التي مر بها.
والجانب الآخر: أدوار ابن تيمية الإيجابية في هذه المحن.
أ- عرض مختصر للمحن التي مر بها:
1-
محنته بسبب " الحموية ":
وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة 698 هـ، في آخر سلطة المنصور حسام الدين لاجين-[696- 698 هـ] وذلك بين سلطة الناصر قلاوون الأولى والثانيةوكان نائب الشام سيف الدين قبج المنصورى، فلما كان في أول عام 698 هـ بلغ النائب والأمراء أن السلطان غاضب عليهم، فعزموا على الذهاب إلى بلاد التتر والنجاة بأنفسهم (1) ، فوقع اضطراب شديد، ففى هذه الأثناء وقعت محنة ابن تيمية حول الحموية، رلعل الفقهاء استغلوا هذه الفوضى فحملوا على عقيدة الشيخ، وملخص هذه المحنة أنه كتب جوابا سئل عنه من حماه (2) في الصفات
(1) انظر: البداية والنهاية (14/2) .
(2)
يقول ابن تيمية: (كنت سئلت من مدة طويلة بعيدة سنة تسعين وستمائة عن الآيات والأحاديث الواردة في صفات الله، في فتيا قدمت من حماه فأحلت السائل على غيرى فذكر أنهم يريدون الجواب مني، فكتبت الجواب في قعدة بين الظهر والعصر، نقض التأسيس المخطوط (1/3) .
فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين (1) ، واجتمع بسيف الدين جاغان (2) في ذلك في حمال نيابته بدمشق، وقيامه مقام نائب السلطة، وامتثل أمره، وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به، فحصل بسبب ذلك ضيق لجماعة، مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ، وتألمهم لظهوره وذكره الحسن، فانضاف شىء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغا إلى الكلام فيه لزهده وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه، وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم وجودة الفهم.
فعمدوا إلى الكلام في العقيدة لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات القرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب، فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقا في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء، واحدا واحدا، وأغروا خواطرهم، وحرفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش وجعلوه يقول بالتجسيم- حاشاه من ذلك- وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه، وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك، ولم يقع من ذلك شيء، والعياذ بالله، وسعوا في ذلك سعيا شديدا 00. (3) ، وقد وافقهم القاضي الحنفى جلال الدين بن حسام الدين (4) ، ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية (5) وطلب حضوره وأرسل إليه فلم يحضر، وإنما أجابه ابن تيمية بقوله: " إن العقائد
(1) انظر: مجموع الفتاوى (35/172) ، حين ناقش زعماءهم وبين فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها.
(2)
انظر في توليه النيابة أحيانا السلوك (1/828-829، 847،849) .
(3)
العقود الدرية (ص: 198- 0 0 2)، وانظر: الكواكب (ص: 13 1- هـ 1 1) .
(4)
وهو: أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن الرازى الحنفي، توفى قضاء الحنفية في الشام لما تولى أبوه القضاء بمصر. ولد سنة 651 هـ، وتوفي سنة 745هـ. انظر: البداية والنهاية (14/214) ، والسلوك (2/674) ، والجواهر المضية (1/ 154)، والفوائد الالبهية (ص: 16) .
(5)
بناها الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل سنة 628 هـ، وأول من تولى مشيختها ابن الصلاح. انظر الأطلال (ص: 24-25) وما بعدها. وخطط الشام (6/ 71) .
ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي "، فلما وصل إلى القاضي هذا الجواب غضب وأمر بأن ينادى في البلد ببطلان هذه العقيدة، ولكن الأمير سيف الدين جاغان أرسل طائفة إلى المنادي فضرب ومن كان معه، وأمر الأمير بطلب من سعى في ذلك فاختفوا، ثم إن شيخ الاسلام ابن تيمية لما هدأت الأمور جلس يوم الجمعة ثالث عشر هذا الشهر- شهر ربيع الأول- وكان تفسيره في درسه لقوله تعالى:{وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] وذكر الحلم وكان درسا عظيما (1) .
ثم بعد ذلك اجتمع ابن تيمية بعد ذلك بالقاضى الشافعي إمام الدين القزوينى (2) وواعده لقراءة جزئه الذي أجاب فيه وهو المعروف بالحموية، فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر- من الصباح إلى الثلث من الليل- ميعادا طويلا مستمرا، فقرئت جميع العقيدة وبين مراده من مواضع أشكلت، ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم ولا ممن حضر المجلس بحيث انفصل عنهم والقاضي يقول: كل من تكلم في الشيخ يعزر "، ورجع ابن تيمية إلى دار في ملأ كثير من الناس، وهم في فرح واستبشار به (3) ، وكان إمام الدين-كما يذكر ابن كثير- معتقده حسنا ومقصده صالحا- (4) .
وهكذا سكنت هذه الفتنة بالاعتراف للشيخ، في أنه على الحق في عقيدته
التي كتبها و! يت " الحموية " وتعتبر من أهم وأقوى رسائل ابن تيمية التأصيلية لمذهب السلف. ومن خلال هذا العرض لهذه المحنة التي نقلها صاحب العقود الدرية نلمح الظروف والأسباب التي دعت هؤلاء للقيام عليه.
(1) انظر: العقود (ص: 200- 202) .
(2)
هو: عمر بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد القزويني تولى قضاء القضاة بدل بدر الدين ابن جماعة، ثم لما جاء التتار انجفل إلى مصر سنة: 699 هـ ومات بعد وصوله بقليل. انظر: طبقات السبكي (8/ 310) ، والبداية والنهاية (13/14) .
(3)
1 نظر: العقود (ص: 202) .
(4)
انظر: البداية والنهاية (14/4) .
2-
- محنته ومناظرته حول " الواسطية ":
وبداية هذه المحنة في يوم الاثنين 8 رجب سنة 705 هـ حين ورد مرسوم من السلطان في مصر إلى نائب الشام أن يسأل الشيخ عن عقيدته، فجمع النائب القضاة والفقهاء وابن تيمية- وهم لا يدرون لماذا جمعوا- فقال النائب: هذا المجلس عقد لك لمساءلتك عن عقيدتك، يقول ابن تيمية:" فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني، ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم. وأما الكتب فما كتبت إلى أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكنني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم. وكان قد بلغني أنه زور على كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير (1) - أستاذ دار السلطان- يتضمن ذكر عقيدة محرفة، ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أن هذا مكذوب، وكان يرد علي من مصر وغرها من يسألني مسائل في الاعتقاد أو غيره، فأجبته بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة "(2) ثم طلبوا منه أن يملي عقيدته فأملاها، ثم قال للأمر والحاضرين: " أنا أعلم أن أقواما يكذبون علي كما قد كذبوا علي مرة (3) ،
وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون: كتم بعضه، أو داهن
(1) هو: بيبرس البرجي الجاشنكو، تسلطن سنة 708 هـ، كان يعتقد في نصر المنبجي ولذلك آذوا ابن تيمية زمن سلطنته. وقتل سنة 709 هـ لما رجع الناصر الى السلطنة، انظر البداية والنهاية (14/55) ، والدرر الكامنة (2/36) ، والنجوم الزاهرة (8/ 232) ، والمنهل الصافي (3/467) .
(2)
العقود (ص: 207-208) .
(3)
قضية الكذب على ابن تيمية والتزوير عليه أمر مشهور حتى قبل: أنه رجع إلى عقيدة الأشاعرة وأنه كتب ذلك بخطه. وكل ذلك كذب- وليس العجب أن يقع الكذب عليه وإنما العجب أن يقوم مؤرخ ثقة فاضل- كابن حجر العسقلاني- فينقل ترجمته في الدرر الكامنة (1/154) ترجمة مطولة لابن تيمية وينقل عن غيره ويذكر هذه الأمور- التى هي في الحقيقة كذب عليهـ ثم يسكت عنها..ومن نماذج الكذب على ابن تيمية: أنه في سنة: 702 هـ وقع في يد نائب السلطنة كتاب مزور فيه أن ابن تيمية وجماعة يناصحون التتر ويكاتبوهم، ثم فضح المزورون ووجد معهم مسودة الكتاب وعوقبوا. البداية والنهاية (14/22) ، وكذلك وقع الكذب عليه أنه رجع عن عقيدته.=
أو دارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة من نحو سبع سنين، قبل مجيء التتر إلى الشام " (1)
فأحضرت العقيدة الواسطة، وقرئت وتناقشوا فيها. ثم أجلت بعض المباحث منها إلى المجلس الثاني الذي عقد يوم الجمعة بعد الصلاة ثالث عصر رجب، وفي هذه المرة أخذوا أهبتهم في الاستعداد للمناظرة وأحضروا معهم من يعتبرونه أكبر شيوخهم وهو صفي الدين الهندي (2) ، فلما اجتمعوا بدأ ابن تيمية الكلام وذكر أن الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف، ثم قال بأسلوب قوي: " وربنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف!، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت له الأسرار وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة،
(1) = انظر: العقود (ص: 204،207،209)، وحين احتالوا عليه أن يرجع عن عقيدتهـ بأن بكتب كتابا ثم يمزقوهـ فرفض ذلك. ترجمة بقلم خادمه (ص: 27-29) ، وكذلك الكذب عليه في الزعم بأنه أنكر تبديل التوراة، وأنه طعن في عمر وعلى. القول الجلى (ص: 57،66،67) ، وكذلك الكذب عليه في مسألة ضد الرحال العقود (ص: 328) ، والبداية والنهاية (14/123)، وكذلك الاخنائي كذب عليه. الرد على الاخنائي (ص:10) ط السلفية. وكذلك الكذب عليه لي مسألة النزول. الدرر الكامنة (1/164)، وابن بطوطة في رحلته (ص: 110) ط الرسالة.
(1)
العقود (ص: 209) .
(2)
هو: محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموى الهندى ولد سنة 644 هـ وتوفي سنة 715 هـ، وكان من الذين حضروا المجلس الثاني في مناظرة الواسطية، واستعان به العلماء لزعمهم أنه من محققي المذهب الأشعري لكن كا قال ابن كثير (البداية: 14/36) ساقيته لاطمت بحرا. ويذكر ابن تيمية أن الثقة حدثه بعد المناظرة أنه اجتمع به فقال: قلت لهم: مالك على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل، وقال أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها وفيها قول ترك التأويل. لكن ييدو أن الصفي رجع فإنه ألف " الرسالة التسعينية في الأصول الدينية نصر فيها مذهب الأشاعرة وقال في أولها " أما بعد فهذه رسالة مشتملة على تسعين مسألة من مسائل أصول الدين ألفها لما رأيت طلبة أهل الشام المحروس مقبلين على تحصيل هذا الفن بعد ما جرى من الفتنة المشهورة بين أهل السنة والجماعة، وبين بعض الحنابلة 00" (التسعينية للأرموى الهندى ورقة 2 مخطوطة) .
انظر في ترجمته: البداية والنهاية (14/ 65) ، وطبقات السبكي (9/ 62 1) ، والوافي (3/239) ، ونزهة الخواطر (2/ 135) ، وتاريخ الصالحية (11/67) ، وطبقات الأسنوى (2/ 534) ، والبدر الطالع (2/187) .
التى أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس فإن للسلم كلاما وللحرب كلاما " (1) . ثم جرى نقاش حول عدة قضايا حول الكلام، والتجسيم، والاشتراك والتواطؤ في الصفات، وحديث الأوعال، وكان ابن تيمية الشيخ والمرجع فإذا تكلم لم يستطعوا رد كلامه وأدلته. وانتهى هذا المجلس ورجع تقى الدين إلى بيته معززا مكرما (2) .
ثم عقد المجلس الثالث في سابع شعبان بالقصر، واجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة، وعزل القاضي ابن صصري (3) نفسه بسبب كلام سمعه من كمال الدين ابن الزملكاني (4)(4)، ثم جاء مرسوم السلطان بإعادته إلى منصبه وفي الكتاب:" إنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه "(5) .
وكان سبب هذه المناظرات- حول الواسطة- وأمر السلطان بذلك ما قام به ابن تيمية- أول هذا العام 705 هـ- من غزو الروافض والنصيرية في الكسروان، ثم بعد ما قام في جمادى الأولى من مناظرة الأحمدية المتصوفة وإنكاره عليهم،
(1) العقود (ص: 233- 234) .
(2)
انظر: البداية والنهاية (14/37) .
(3)
قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن سالم ابن صصرى الشافعي ولد سنة 655 هـ، وترفي ممنة 723 هـ، انظر: البداية والنهاية (14/106) ، وطبقات السبكي (9/ 0 2) .
(4)
هو: محمد بن على بن عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني، قاضى القضاة، ولد سنة 667 هـ وتوفي سنة 727 هـ، مدح ابن تيمية ثم رد عليه، وفي سنة 727 هـ- وهي قاضي قضاة حلب- فجاء الأمر بالذهاب إلى مصر ليتولى قضاء القضاة في الشام وكان من نيته أن يؤذي شيخ الاسلام إذا رجع- بسبب ما بينهما حول مسألة الزيارة- فدعا عليه شيخ الإسلام فمات ببلبيس قبل وصوله إلى القاهرة.
انظر: البداية والنهاية (4 1/ 131) ، والدرر الكامنة (4/192) ، والوافي (4/ 4 21) ، وفوات الوفيات (4/7) ، وطبقات السبكي (9/ 190) .
(5)
انظر: البداية والنهاية (14/37) .
وإلزامهم بالشرع وأن من خرج عليه ضربت عنقه، ثم ظهر الشيخ نصر المنبجي (1) - في مصر- وشاع أمره وميوله نحو المتصوفة، فأرسل إليه ابن تيمية بالانكار عليه، فأغرى الشيخ نصر القضاة والعلماء في مصر، وقال: إنه سىء العقيدة مبتدع معارض للفقراء وغيرهم، وطعنوا فيه عند السلطان، ولا يبعد أن يكون الروافض قد برطلوا- أي ارتشوا- عليه فورد مرسوم السلطان بمساءلته عن عقيدته فعقدت له تلك المجالس في رجب (2) .
ولكن المنبجي لم يرض بما انتهت إليه المجالس، فعمد بأسلوب آخر إلى السعي لدى السلطان لامتحان ابن تيمية مرة أخرى.
3-
محنته وذهابه إلى مصر:
لم يقتنع نصر المنبجي بما انتهى إليه المرسوم السلطاني الأول، فسعى إلى السلطان الجاشنكير- الذي كان يعتقد في نصر- فاجتمع به مع طائفة من علماء مصر " فأوهمه الشيخ نصر أن ابن تيمية يخرجهم من الملك ويقيم غيرهم، وأنه مبتدع، فورد مرسوم السلطان إلى دمشق بإحضار ابن تيمية إلى مصر (3) في خامس شهر رمضان سنة 705 هـ فلما طلب إلى الديار المصرية مانع نائب الشام وقال: قد عقد له مجلسان بحضرتي، وحضرة القضاة والفقهاء وما ظهر عليه شىء، فقال الرسول لنائب دمشق: أنا ناصح لك، وقد قيل: إنه يجمع الناس عليك، وعقد لهم بيعة، فجزع من ذلك وأرسله إلى القاهرة على البريد "(4) ،
(1) هو: نصر بن سليمان، أبو الفتح المنبجي، توفي سنة 719 هـ، وكان الجاشنكير- السلطان يعتقد فيهـ وكان يغالي في محبة ابن عربي الصوفي، أنشأ له زاوية خارج باب النصر وصار يتعبد فيها ويتردد عليه فيها الأكابر، ثم مات ودفن فيها. انظر: البداية والنهاية (14/95) ، والدرر الكامنة (5/165)، وطبقات الأولياء لابن الملقلن (ص: 477) ، والخطط للمقريزي (2/432)
(2)
. (2) انظر الكواكب (ص: 27 ا-128) .
(3)
وكان المرسوم بالكشف عما جرى في محنته الأولى أيام نيابة جاغان وولاية القاضي إمام الدين القزويني- حول الحموية- سنة 698 هـ، وموضوع المناظرة الأول والأخير واحد هر الصفات ولكن القصد إيهام الناس اختلاف الموضوع بالاحالة على ما كان قبل سنين رإلا فالمناظرات بسبب المرسوم الذي قبله انتهت قبل قليل من ورود هذا المرسوم.
(4)
1 لكو اكب (ص: 128) .
ويقال: إن النائب أشار على الشيخ بترك التوجه إلى مصر، وأنه يكاتب في ذلك فامتنع الشيخ من ذلك ولم يقبل، وذكر أن في توجهه إلى مصر مصالح كثيرة (1) . ولما توجه ابن تيمية إلى مصر- ازدحم الناس لوداعه وكان يوما مشهودا - فلما كان يوم الخميس 22 رمضان وصل مع القاضي ابن صصري إلى القاهرة، وفي ثاني يوم بعد صلاة الجمعة جمع القضاة وأكابر الدولة في القاعة لمحفل، وادعى عليه القاضي ابن مخلوف المالكي (2) أنه يقول بالاستواء وأن الله يتكلم بحرف وصوت، فأخذ ابن تيمية في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجب، ماجئنا بك لتخطب، فقال: ومن الحاكم فى، فقيل له القاضي المالكي، قال: كيف يحكم في وهو خصمي؟ وغضب غضبا شديدا وانزعج، فحبس في برج مرسما (3) عليه أياما، وفي ليلة عيد الفطر نقل إلى الحبس المعروف بالجب (4)
هو وأخواه شرف الدين عبد الله وزين الدين عبد الرحمن وبقى في السجن عاما كاملا وقرىء تقليد في الشام ومصر بالحط على ابن تيمية ونحالفته في العقيدة، في ليلة عيد الفطر سنة 706 هـ اجتمع نائب السلطنة سيف الدين سلار (5) بالقضاة والفقهاء وتكلم في إخراج الشيخ من السجن فاتفقوا على أن يشترط عليه أمور وأن يرجع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه فأبى أن يحضر، وتكرر إليه الرسول ست مرات وصمم على عدم الحضور فطال عليهم المجلس ثم انصرفوا من غير شىء.
(1) انظر: العقود الدرية (ص: 249) ، والبداية والنهاية (14/37-38) .
(2)
على بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النوووي المالكي قاضي القضاة- ولد صنة 634 هـ وتوفي سنة 718 هـ، انظر: توشيح الديباج للقراني (ص: 162) ، رو دار الغرب- والبداية والنهابة (14/ 90) ، والدرر الكامنة (3/202) .
(3)
الترسيم معناه تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، ويكون في السجن غالبا، والبرج - أحد السجون في القاهرة- وكان الذى سجن فيه ابن تيمية بحارة الديلم في القاهرة، انظر نظم دولة ملاطين المماليك- النظم السياسية (ص: 136) ، والسلوك (2/18) .
(4)
سجن الجب كان بالقلعة، وكان يحبس فيه الأمراء وكان مهولا مظلما، كريه الرائحة يقاسي المسجون فيه ما هو كالموت وأضد منه. انظر: الخطط (2/213) وو بولاق..
(5)
كان نائبا للسلطنة سنة 698 هـ، ئم قتل سنة 0 71 هـ، انظر: البداية والنهاية (14/ 58-59) .
ثم طلب أخوا الشيخ إلى نائب السلطة في ذي الحجة سنة 706 هـ وحضر ابن مخلوف وجرت مناقشات بين عبد الله شرف الدين وبين القاضي المالكي فظهر عليه وخطأه في مواضع (1) ، وفي صفر سنة 707 هـ اجتمع القاضي بدر الدين ابن جماعة (2) بالشيخ تقي الدين في دار الأوحدي بالقلعة وطال بينهما الكلام في غير نتيجة (3) .
فلما كان في ربيع الأول من سنة 707 هـ دخل الأمير حسام الدين: مهنا بن عيسى ملك العرب (4) الى مصر، وحضر بنفسه إلى الجب وأقسم على الشيخ تقى الدين ليخرجن، فلما خرج أقسم عليه ليأتين معه إلى دار سلار، فاجتمع بعض الفقهاء وجرت بحوث ثم بات الشيخ في دار نائب السلطنة سلار، ثم اجتمعوا بعد ذلك مرة أخرى بمرسوم من السلطان- ولم يحضر القضاة- ولما طلبوا للحضور اعتذروا بعضهم بالمرض وبعضهم بغيره، والحقيقة أنه كان هروبا من مناقشة ابن تيمية فقبل نائب السلطنة عذرهم ولم يكلفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم أو بفصل المجلس على خير. وبات الشيخ عند نائب السلطنة ثم جاء حسام الدين بن مهنا وريد أن يستصحب معه الشيخ تقي الدين إلى دمشق، فأشار سلار بأن يقيم الشيخ عنده بمصر ليرى الناس فضله.
(1) انظر: البداية والنهاية (14/ 43)، والعقود (ص: 252) .
(2)
محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، قاضي القضاة، ولد سنة 639 هـ وتوفي منة 733 هـ، انظر: طبقات السبكي (9/139) ، وطبقات المفسرين (2/48) ، والدرر الكامنة (3/367) ، والأنس الجليل (12/36) ، وطبقات ابن قاضي شهبة (12/369) ، والوافي (2/18) .
(3)
انظر: البداية والنهاية (14/45)، والعقود (ص: 252) .
(4)
في القرن السادس صارت منطقة الجزيرة وبادية الشام مكانا لكثير من البدو فنشأت إمارات متفرقة- يسمون أمراء العرب، ثم برزت أسرة آل مهنا بن عيسى، ابن آل فضل، يرجعون إلى ربيعة وصاروا في الأخير يتولون الامرة من سلاطين مصر، ولذلك لما برزت هذه الأمرة حمي أميرها ملك العرب، - كانت لمهنا علاقة قوية بالسلطان الناصر قلاوون الذي كان مشغوفا بالخيل وجمع النادر منها وكان مهنا يحضر له العدد الكثير، انظر: الخطط (2/255) . والذي يلفت الانتباه ويحتاج إلى بحث كيف توطدت الصلة بين آل مهنا وابن تيمية إلى حد أن يأتي إليه في السجن ويقسم عليه أن يخرج؟. انظر عن قبيلة آل مهنا ونسبها ودورها في الأحداث: مسالك الأبصار- قطعة عن قبائل العرب- (ص: 12 1-136) ، وصبح الأعشى (4/203) ، وتاريخ ابن خلدون (5/426) ط بولاق،-
وكتب ابن تيمية كتابا إلى الشام يتضمن ما وقع له، وكان مدة مقامه في الجب ثمانية عشر شهرا، وفرح الناس بخروجه فرحا شديدا. ثم تفرغ للتدريس والإفتاء (1) .
أما أهل الشام فكانوا يتابعون ما يجري للشيخ ويتألمون لما وقع له، حتى إنه لما جاء خطاب من الشيخ وهو في الجب إلى دمشق أخبر نائب السلطنة في الشام فأرسل في طلبه فقرئ على الناس، وجعل النائب يشكر الشيخ ويثني على علمه (2) .
4-
محنته مع الصوفية في مصر:
بقي ابن تيمية في مصر- بعد خروجه من السجن- يعلم الناس ويفتيهم ويذكر اللة ويدعو إليه، ويتكلم في الجوامع بتفسير القرآن بعد صلاة الجمعة إلى العصر، ولما كان كثييرا ما يتطرق إلى جوانب عديدة في العقيدة منها ما له مساس بأحوال الصوفية وبدعهم، إضافة إلى أن خصمه نصرا المنبجي لم ينل- وهو المقدم عند الجاشنكير- ما أراد من إيذاء ابن تيمية، بل انعكس الأمر وصار ما جرى له سببا في شهرته وإكباب الناس على الاجتماع به والاستفادة من علومه ليلا ونهارا.
فجاء الأسلوب هذه المرة من نصر المنبجي وابن عطاء الله السكندرى (3) بإثارة أتباعهم من المتصوفة فاجتمع خلق كثير منهم من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا على أن يشكوا الشيخ إلى السلطان، فطلع منهم خلق محمير إلى القلعة وكانت لهم ضجة شديدة لفتت انتباه السلطان، فقيل له هؤلاء قد جاءوا من أجل ابن تيمية يشكونه ويقولون: إنه يسب مشايخهم، واستعانوا عليه بالأمراء وغيرهم.
(1) = وانظر عشائر الشام: أحمد وصفي زكريا (ص: 89) وما بعدها.
(1)
انظر: العقود (252-256)، و (ص: 131) ، والبداية والنهاية (12/45) .
(2)
انظر: البداية والنهاية (14/43)، والعقود (ص: 251) .
(3)
هو: أحمد بن محمد بن عطاء الله السكندرى الشاذلي، توفي سنة 709 هـ، انظر: الديباج المذهب (1/242) ، والدرر الكامنة (1/ 191) ، وطبقات السبكي (9/23) ، وشجرة النور (1/204) .
وكان ذلك في شوال سنة 707 هـ، فأمر بأن يعقد له مجلس فعقد له مجلس يوم الثلاثاء10 شوال 707 هـ، وظهر من علم الشيخ وشجاعته وقوة قلبه الشيء الكثير، فادعى عليه ابن عطاء بأشياء لم يثبت عليه منها شيء، ثم جاء الأمر من الدولة أن يخير بين ثلاثة أشياء، إما أن يسير إلى دمشق، أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، ثم دخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزما ما شرط فأجاب أصحابه إلى ما اختاروه جبرا لخواطرهم، ثم لما سافر ليلة 18 شوال، رد من الطريق وقيل: إن الدولة لا ترضى إلا الحبس، واستناب ابن جماعة بعض القضاة أن يحكموا فيه بالحبس فامتنع أحدهم وتحير الآخر، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال: أنا أمضى إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فأرسل إلى حبس القضاة وأذن له بأن يكون معه من يخدمه، فبقي الشيخ في السجن يستفتى في الأمور المعضلة ويجتمع الناس به ليلا ونهارا، وكان له دور عظيم في توجيه المحابيس وإصلاح أحوالهم حتى صار له منهم تلاميذ يختارون الإقامة عنده بعد خروجهم (1) ، ثم عقد له مجلس بالصالحية بعد ذلك كله ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير وأكب الناس على الاجتماع به ليلا ونهارا حتى دخلت سنة 708 هـ (2) .
5-
نقله إلى ثغر الاسكندرية:
لما كثر اجتماع الناس به وترددهم عليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم وصاحب ذلك تطور سياسي فقد تسلطن الجاشنكير- حين خرج الناصر إلى الكرك مكرها بسبب كف يده عمليا عن السلطة (3) - وكان بيعة الجاشنكير في 23 شوال 708 هـ- وكان ابن تيمية وهو يعلم خفايا الأحداث وقصة ذهاب الناصر إلى الكرك- ينال من الجاشنكير ومن شيخه نصر ويقول:
(1) انظر: البداية والنهاية (14/45)، والعقود (ص: 267) وما بعدها، والكواكب (133) .
(2)
انظر: البداية والنهاية (14/46) .
(3)
لقد زور علي السلطان كتاب يتضمن عزل نفسه فأثبت ذلك القضاة في مصر، وليس ذلك صحيحا، انظر: البداية والنهاية (14/48)، وانظر: تحقيقا علميا ودراسة للموضوع في: التاريخ السياسي لشرق الأردن في العصر المملوكي (ص: 154) وما بعدها.
" زالت أيامه وانتهت رياسته وقرب انقضاء أجله ويتكلم فيه وفي ابن عربي وأتباعه "(1) ، فقرروا أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفى لعل أحدا من أهلها- وفيهم بقايا المتفلسفة والمتصوفة والغلاة- أن يقتله، ومنعوا أن يذهب أحد من أصحابه معه، يقول خادمه: فلما كان بعد العصر- وقد جاء الأمر بنقله إلى الاسكندرية- وقفت أبكي، فقال لي الشيخ لا تبك، ما بقيت هذه المحنة تبطىء. وركب على باب الحبس؟ قال له إنسان: يا سيدي هذا مقام الصبر، فقال له: بل هذا مقام الحمد والشكر، واللة إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قسم على أهل الشام ومصر لففمل عنهم، ولو أن معي في هذا الموضع ذهبا وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة التي أنا فيها " (2) ، ولما ركب الشيخ- وقد منع أحد أن يصحبهـ قال ابن تيمية لخادمه إبراهيم: " يا إبراهيم انزل الشام وقل لأصحابنا، وحق القرآن- ثلاث مرات- ما بقيت هذه المحنة تبطيء وتنفرج قريبا فوق ما في النفوس، ويقلب اللة مملكة بيبرس أسفلها أعلاها، وليجعلن اللة أعز من فيها أذل من فيها " (3) . وكان ذهابه في نهاية شهر صفر سنة 709 هـ وأقام بثغر الاسكندرية في برج مليح واسع والناس يترددون عليه وقد لحق به بعض أصحابه، وفي رسالة كتبها أخو الشيخ شرف الدين إلى أخيه بدر الدين في الشام يقول فيها: " فنحن والجماعة في نعم اللة الكاملة ومننه الشاملة التي تفوق العد والإحصاء
…
فمنها: نزل الأخ الكريم بالثغر المحروس، فإن أعداء الله قصدوا بذلك أمورا يكيدون بها الإسلام وأهله، وظنوا أن ذلك يحصل عن قريب، فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة المعلومة، وانعكست من كل الوجوه، وأصبحوا وما زالوا عند اللة وعند العارفين من المؤمنين سود الوجوه يتقطعون حسرات وندما على ما فعلوه، وأقبل أهل الثغر أجمعون إلى الأخ، متقبلين لما يذكره وينشره من كتاب اللة وسنة رسوله والحط والوقيعة في أعدائهما من أهل البدع
(1) انظر: البداية والنهاية (14/49) ، وقد جرت في هذه الأئناء أحداث ووساطات من الشيخ الدباهى الذى جاء من دمشق، ومن المشايخ التدامرة، وفيها أحداث عجيبة. انظر ترجمته بقلم خادمه (ص: 24) وما بعدها.
(2)
ناحية من حياة شيخ الإسلام بقلم خادمه إبراهيم أحمد الغباشى (ص: 31،32) .
(3)
المصدر السابق (ص: 32-33) .
والضلالات والكفر والجهالات، خصوصا أخبث الملاحدة والاتحادية ثم الجهمية. واتفق أنه وجد بها إبليس إلحادهم قد باض وفرخ، ونصب بها عرشه ودوح، وأضل بها فريقى السبعينية والعربية (1) ، فمزق الله بها بقدومه المغر جوعهم شذر مذر، وهتك أستارهم وكشف رمز إلحادهم وأسرارهم وفضحهم، واستتاب جاعات منهم وتؤب رئيسا من رؤسائهم، وصنف هذا التائب كتابا في كشف كفرهم وإلحادهم " (2) .
وبقي الشيخ في الاسكندرية ثمانية أشهر، فلما رجع السلطان الناصر إلى الحكم وقدم إلى مصر يوم عيد الفطر سنة 709 هـ لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ ابن تيمية من الإسكندرية، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال فقدم الشيخ في ثامن هذا الشهر- وفي الإسكندرية خرج خلق يودعونهـ فاجتمع السلطان يوم الجمعة في مجلس فيه القضاة والفقهاء، وقد زالت دولة الجاشنكير وأتباعه، وعرض الناصر على ابن تيمية أن ينتقم له من أعدائه ولكنه رفض ذلك، وهنا يسجل للشيخ موقف عظيم ومعرفة بواقع الأمر، فالناصر لما عرض عليه أن يفتيه في قتل بعض الفقهاء والقضاة كان يريد أن ينتقم منهم بسبب موقفهم منه لما تسلطن الجاشنكير، ففطن ابن تيمية لمراده وأخذ يعظم القضاة والعلماء وينكر أن ينال أحدا منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارا فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح (3) ، وإنه لموقف عظيم ينبغي أن يتفكر فيه العلماء مرارا، إذ كثيرا ما تأتي بعض القضايا مما لها وجه في الشرع ولكن الحكام يحرصون عليها لا لأجل ذاتها واتباعا للشرع فيها، وإنما لأنها تخدم أغراضا أخرى لهم، والدليل على ذلك أنهم لا يرجعون إلى الشرع دائما وإنما عند الحاجة.
(1) نسبة إلى ابن سبعين وابن عربي.
(2)
العقود (ص: 273- 275) .
(3)
انظر: البداية والنهاية (14/53-54)، والعقود (ص: 278-282) .
ثم أقام ابن تيمية في القاهرة إلى سنة 712 هـ يفتي ويدرس ويؤلف والناس والأكابر يترددون عليه، وكتب إلى أقاربه بدمشق يقول: " والحق دائما في انتصار وعلو وازدياد، والباطل في انخفاض وسفال ونفاد، وقد أخضع الله رقاب الخصوم وأذلهم غاية الذل، وطلب أكابرهم من السلم والانقياد ما يطول وصفه. ونحن- ولله الحمد- قد اشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة، وانقماع الباطل والبدعة، وقد دخلوا في ذلك كله وأقنعنا حتى يظهر ذلك إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول ولا عهد ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولا والمذكور مفعولا، ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم، وقد أمد الله من الأسباب التى فيها عز الإسلام والسنة وقمع الكفر والبدعة بأمور يطول وصفها في كتاب!.
" وكذلك جرى من الأسباب التي هى عز الإسلام وقمع اليهود والنصارى بعد أن كانوا قد استطالوا وحصلت لهم شوكة، وأعانهم من أعانهم على أمر فيه ذل كبير من الناس، فلطف الله باستعمالنا في بعض ما أمر الله به ورسوله وجرى في ذلك مما فيه عز المسلمين وتأليف قلوبهم، وقيامهبم على اليهود والنصارى وذل المشركين وأهل الكتاب مما هو من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين، ووصف ذلك يطول، وقد أرسلت إليكم كتابا أطلب ما صنفته في أمر الكنائس وهي كراريس بخطي.."(1) .
وكتب الشيخ- إلى والدتهـ كنابا يمتلىء رقة وحنانا ويعتذر لها عن بقائه في مصر، وعدم عودته إلى الشام ومما قاله لها:" وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنخ لو اطلعغ على باطن الأمور، فإنكم ولله الحمد ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرا واحدا، بل كل يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخيرة 000"(2) .
(1) العقود (ص: 284- 285) .
(2)
العقود (ص: 257-258) ، ومجموع الفتاوى (28/49- 50) .
وجرت على الشيخ بعض الأحداث في مصر (1) ، ثم لما كانت سنة 712 هـ خرج لجهاد التتر صحبة الجيش المصري، فلما وصلوا إلى عسقلان توجه إلى بيت المقدس لأنه علم أن التتار رجعوا إلى بلادهم فتحقق من عدم الغزاة، وأقام في القدس أياما، ثم قدم إلى دمشق أول ذي القعدة سنة 712 هـ، ثم استقر في دمشق زمنا طويلا تفرغ فيه للتأليف وكتابة الرسائل، وكانت من أخصب فترات عمره التى ألف! فيها كثيرا من كتبه (2) .
6-
محنته بسبب " الطلاق ":
كان استقرار ابن تيمية في دمشق بعد عودته من مصر-؟ يشير مترحموه
- عاملا على تفرغه للبحث والتنقيب في مسائل العقيدة، والأحكام، وكان من نتيجة ذلك ترجيحه في بعض مسائل الأحكام ما يخالف فقهاء عصره، ومن هذه المسائل مسألة الحلف بالطلاق هل يكون طلاقا إذا حنث فيه؟ يرى الجمهور، أم يكون يمينا إذا كان القصد به ا! ين؟ رجحه ابن تيمية وصار يفتى فيه، ومسألة اعتبار الثلاث بكلمة واحدة طلاقا رجعيا، وكان لمنزلة الشيخ ومكانته عند الناس أبعد الأثر في ظهور وانتشار مثل هذه الفتاوى والاقتناع بها، بل ومناقشة من يعارضها ولو كان من العلماء.
فاجتمع جاعة من كبار العلماء إلى القاضى الحنبلي كمالدين بن مسلم
الحنبلي وكلموه في أن يكلم الشيخ وأن يشير عليه بترك الإفتاء في الحلف في الطلاق، فقبل الشيخ ابن تيمية إشارته ونصيحمه وترك الإفتاء بها وكان ذلك في منتصف ربيع الآخر سنة 718 هـ، فلما كان يوم السبت مستهل جمادى الأولى من هذه السنة
(1) منها قيام جماعة من الغوغاء عليه بجامع مصر في 4 رجب 711 هـ وانتصرت الحسينية له حتى كادوا أن يبطشوا بالذين آذوه ولم ينصرفوا إلا بعد مناقثة الشيخ لهم وأمرهم بالانصراف وأن الحق له وليس لهم، انظر: العقود (ص: 285) وما بعدها، وبعد أيام أوذى من فقيه يقال له المبدى، وحضر جماعة من الجند للانتصار للشيخ، ثم تراجع الفقيه وشفع فيه جماعة. العقود (ص: 289) .
(2)
انظر: البداية والنهاية (14/ 67)، والعقود (ص: 1 32) . فقد ذكر أن الشيخ بعد عودته إلى دمشق لم يزل ملازما لنشر العلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطولة وغيرها.
جاء الأمر من السلطان بالمنع من الفتوى فيها، وأمر بعقد مجلس في ذلك فعقد يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور، والفصل على ما أمر به السلطان ونودي بذلك في البلد من الغد.
ثم إن ابن تيمية عاد إلى الإفتاء بذلك وقال لا يسعني كتمان العلم، فلما كان يوم الثلاثاء 29 رمضان سنة 719 هـ جمع القضاة وقرئ كتاب السلطان وفيه فصل يتعلق بالشيخ ابن تيمية بسبب الفتوى وأحضر وعوتب على فتياه، واكد عليه في المنع من ذلك، ولكن الشيخ لم يمتنع بل عاد إلى الإفتاء بذلك. فلما كان يوم 22 رجب سنة 720 هـ عقد مجلس بدار السعادة حضره النائب والقضاة وجماعة من المفتين وحضر الشيخ وعاودوه في الافتاء وعاتبوه، وحكموا بحبسه في القلعة فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يوما، ثم ورد مرسوم السلطان بإخراجه فأخرج منها يوم الاثنين- يوم عاشوراء- سنة 721 هـ (1) . ثم تفرغ للعلم والتدريس والإفتاء.
7-
محنته بسبب فتواه في " شد الرحال إلى القبور ":
وهذه المحنة من أعظم المحن التى مرت على الشيخ وعلى أتباعه والذي يبدو أن أعداء الشيخ والحاقدين عليه والحاسدين له لم يجدوا في مسألة الطلاق- كل ما يأملونهـ وإن كان قد سجن بسببها الشيخ ابن تيمية، فصاروا يبحثون وسيلة وقضية أخرى يدخلون من خلالها على إيذاء شيخ الاسلام وأتباعه، فعثروا على فتوى لهـ منذ سبع عشرة سنة- حول شد الرحال وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين، ومنها قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت الفتوى تتضمن ذكر القولين الواردين وترجيح أحدهما- وهو التحريم- مع الأدلة على ذلك. ففرحوا بذلك وكثر الكلام حولها، واشتد الأمر، يقول ابن عبد الهادى:
" وكان للشيخ في هذه المسألة كلام متقدم أقدم من الجواب المذكور بكثير ذكره
(1) انظر: العقود (ص:325-327) ، والبداية والنهاية (14/87، 97-98) ، والكو اكب (146-147) .
في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم "(1) وغيره، وفيه ما هو أبلغ من هذا الجواب الذي ظفروا به، وكثر الكلام، والقيل والقال بسبب العثور على الجواب المذكور، وعظم التشنيع على الشيخ، وحرف عليه، ونقل عنه ما لم يقله، وحصل فتنة طار شررها في الآفاق واشتد الأمر، وخيف! على الشيخ من كيد القائمين في هذه القضية بالديار المصرية والشامية وكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى اللة تعالى، وضعف من أصحاب الشيخ من كان عنده قوة، وجبن نهم من كانت له همة. وأما الشيخ-رحمه الله فكان ثابت الجأش قوي القلب، وظهر صدق توكله واعتماده على ربه " (2) .
وفي يوم الاثنين 6 شعبان سنة 726 هـ جاء مرسوم السلطان بإقامته في القلعة (3) فأحضر له مركوب وسار إليها، وأخليت له فيها قاعة حسنة أجرى عليها الماء، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ويلاحظ مايلي:
أ- سرور شيخ الإسلام العظيم بذلك، وقال: أنا كنت منتظرا ذلك، وهذا فيه خير عظيم.
ب- مع أن الأمر السلطاني جاء بحبس شيخ الإسلام فقط، إلا أن نائب السلطنة وقاضى القضاة أصدروا أمرهم بحبس جماعة من أصحاب الشيخ والتضييق عليهم، بل عزر جماعة منهم على دواب ونودي عليهم، ثم أطلقوا سوى ابن القيم الذي بقى في حبس القلعة (4)(4) ، فما الداعى لذلك وقد حبس شيخ الإسلام.
(1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/665) ، إلى آخر الكتاب كله حول القبور والشركيات فيها
(2)
العقود (ص: 328) .
(3)
هي قلعة دمشق، وتسمى الأسد الرابضي، وهي قلعة حصينة، يمر من عند النهر، بناها تاج الدولة تتشى سنة 471 هـ. وبنيت فيها دار الامارة وصارت مدينة كاملة لكنها محصنة. وفي سنة 691 هـ أكمل بناء قاعاتها ودورها. انظر نزهة الأنام في محاسن الشام للبدري (ص: 0 6) ، وخطط الشام (5/276)، ومنادمة الأطلال (ص: 397) .
(4)
انظر: البداية والنهاية (14/123)، والعقود (ص: 330) .
ج-- أخذ ابن تيمية يؤلف ويكتب وتنتشر رسائله ومنها رده على الاخنائي المسماة " الاخنائية ". ولذلك صدر أمر السلطان قبل وفاة شيخ الاسلام بأشهر باخراج ما عنده من الكتب، فكان ذلك من أعظم المصائب عليه وصار يكتب رسائله بالفحم (1) .
د- أما علامة الاستفهام هنا فهي: لماذا تغير السلطان الناصر على ابن تيمية بعد تلك العلاقات الكبيرة بينهما في مصر؟ ومن خلال تتبع الأحداث تتبين أمور لعلها تفي بالجواب:
ا- الكذب والتحريف على الشيخ وعلى فتواه، حتى حملت عباراته ما لم تحتمل، يقول ابن عبد الهادى بعد ذكره لنص فتوى شيخ الإسلام:" ولما ظفروا في دمشق بهذا الجواب كتبوه، وبعثوا به إلى الديار المصرية، وكتب عليه قاضى الشافعية: " قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية فصح- إلى أن قال- وإنما الخزى (2) جعله زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصية بالاجماع متطوعا بها " يقول ابن عبد الهادى: هذا كلامه فانظر إلى هذا التحريف على شيخ الاسلام والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما ذكر فيه قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور.."(3)
2-
دور القضاة والمفتين في مصر والشام، الذين بادروا بأن كتبوا وشنعوا على ابن تيمية تشنيعا شديدا حتى كتب السلطان بحبسه وكذلك قد يكون للرافضة أو الصوفية دور في ذلك.
3-
بعد السلطان عن ابن تيمية، ولو كان عنده لعرف حقيقة الأمر ولسمع من رأيه وأدلته مباشرة، ولكنه وهو في مصر إنما يسمع ما يقوله من حوله
(1) انظر: العقود (ص: 363- 364) ، والبداية والنهاية (4 1/ 34 1)، والكواكب (ص: 173) .
(2)
في العقود: المحرف والتصويب من الكواكب. وفي البداية والنهاية (14/124) كتبت: المحز.
(3)
العقود (340- 341)، والكواكب (ص: 157) .
من القضاة فإذا انضاف إلى ذلك ما في المسألة من تحريف على الشيخ، فلا يبعد أن يأمر السلطان بما أمر، والدليل على ذلك أن ابن تيمية لما مرض- مرض الوفاة- دخل عليه شمس الدين الوزير بدمشق فاعتذر له واقس منه أن يحلله فأجابه الشيخ:" إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق، وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حب! سه إياي، كونه فعل ذلك مقلدا غيره، معذور، أو لم يفعله بحظ نفسه بل لما بلغه، مما ظنه حقا من مبلغه واللة يعلم أنه بخلافه "(1) .
4-
انتصر لشيخ الإسلام علماء بغداد وكتبوا بما يوافق قوله في مسألة شد الرحال وسجلوا ذلك بخطوطهم- نقل بعضها ابن عبد الهادي (2) - بل وكتب علماء بغداد للملك الناصر- مع نفس الأجوبة- كتابا يثنون فيه على ابن تيمية ويستنكرون ما جرى له وكان مما قالوه في خطابهم هذا " أحمد ابن تيمية درة يتيمة يتنافس فيها، تشترى ولا تباع، ليس في خزائن الملوك درة تماثلها وتؤاخيها
…
وليس يقع من مثله أمر ينقم منه عليه إلا أن يكون أمرا قد لبس عليه، ونسب إلى ما لا ينسب مثله إليه " (3) كما كتب إلى السلطان كتاب آخر، ويعلق صاحب الكواكب الدرية بقوله: " قلت والظاهر أن هذه الكتب لم تصل للسلطان الملك الناصر، إما لعدم من يوصلها أو لموت الشيخ قبل وصولها، وإلا لظهر لها نتيجة " (4)
ب- دور ابن تيمية الإيجايى في هذه المحن:
الذين يتعرضون لمثل هذه الابتلاءات والمحن كثيرون، والرجال الأشداء ذوو الإيمان الصادق هم الذين لا يضعفون أمامها، وثباتهم وعدم ضعفهم يعتبر نصرا لهم أمام هذه الابتلاءات التي قد تكون مما أجراه اللة على يد بعض الظالمين
(1) الأعلام العلية ص: 82) ، والكواكب (ص: 174- هـ 17) .
(2)
انظر: العقود (ص: 342- 360)، والكواكب (ص: 159) وما بعدها
(3)
العقود (ص: 357)، وا لكو اكب (ص: 169) .
(4)
1 لكو اكب (ص: 171) .
ليبتلى بهم عباده المؤمنين. فإذا ما تحولت المحنة والابتلاء إلى زيادة في الايمان وإيجابية في العمل في العلم وثقة تامة بهذه العقيدة التي أوذي من أجلها، وانطلاقة صادقة في الدعوة إليها، وتحويل جو المحنة- وما فيها من أذى شخصي ونفسي- إلى خدمة المبدأ الذى يدعو إليه، إذا ما أصبحت آثار وإيجابية المحنة بهذا المستوى فتلك قمة السموق التى لا يصل إليها إلا القليل من الرجال.
وقد كان شيخ الإسلام من هؤلاء، فالمحن التى مر بها تحولت بفضل الله وعونه له إلى مواقف إيجابية كان فيها الخير للإسلام والمسلمين والعزة لعقيدة أهل السنة والجماعة التى يدعو إليها: وهذه نماذج من إيجابياته فيها:
1-
اختياره الذهاب إلى مصر- لما جاء طلب السلطان بإشخاصه إلى مصر- وأراد النائب أن يعتذر عنه وأن يبقى في الشام، ولكن شيخ الإسلام اختار الذهاب وقال: إن فيه مصلحة، وفعلا كان من الخير والمصلحة في ذهابه إلى هناك ومناقشاته لنفاة الصفات وللصوفية الذين كان خطرهم قد عم وطم.
2-
ثم وهو ذاهب إلى مصر- ويعلم أن أمامه قضاة يريدون محاكمتهـ يمر في الطريق على مدينة غزة ثم يعقد في جامعها مجلسا علميا عظيما، فهل كان وهو يعقد مجلسه هذا لتعليم الناس وتدريسهم لا يفكر فيما أمامه من سجن وإيذاء؟.
3-
دوره التربوي داخل السجون- إذا كان مع بقية السجناء- كما حدث له في سجنه في مصر بسبب الصوفية، فإنه لما دخل وجد السجناء مشغولين باللهو واللعب كالنرد والشطرنج مع تضييع الصلوات، فأنكر عليهم الشيخ ذلك وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه ورغبهم في أعمال الخير، حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرا من كثير من المدارس والخوانق والربط والزوايا. ومثل ذلك ما حدث له في سجن الاسكندرية.
4-
اختياره الذهاب إلى الحبس لما اختلف! فيه القضاة وتمنعوا في الحكم عليه والدولة تريد حبسه، فاختار أن يذهب بنفسه إلى الحبس دون أن يصدر في ذلك حكم قاض.
5-
اختياره للبقاء في مصر بعد الإفراج عنه ومجيء الملك الناصر، وكان ذلك؟ يقول في خطابه لوالدته لأمور ضرورية في الدين والدنيا، وكان لبقائه في مصر هذه المدة خير كثير في نصر السنة وقمع البدعة، وإيقاف أهل الذمة من اليهود والنصارى عند حد الشرع وقد تطاولوا قبل ذلك كثيرا.
6-
أما التأليف والكتابة في أثناء سجنه، وكذلك ما يضاف إلى ذلك من التدريس والتعليم بعد سجنه كل مرة، فتلك كانت من أعظم إيجابياته فيها، ففي سجنه في الإسكندرية وكذلك في سجنه الأخير في القلعة كان مكبا على التأليف والردود، خاصة في القضايا المطروحة التي سجن من أجلها، وكذلك كان لا يخرج من سجن إلا ويتجه مباشرة إلى التدريس والتعليم، لا يأخذ فترة راحة ولا استجمام.
7-
ولما أراد الذهاب إلى الشام- موطنه، وفيه والدته الحنون- لم يذهب إلا مع الجيش للجهاد في سبيل الله، ثم لما علم أن الجيش! لن يلقى قتالا توجه في طريقه إلى القدس وعجلون وبلاد السواد وزرع- ولا تذكر الكتب ماذا فعل هناك- ولكنه لن يترك التعجل إلى دمشق إلا لأمر من أمور الخير مما اعتادهـ رحمه الله.
8-
عفوه عمن ظلمه، ومسامحته لأعدائه حتى بعد القدرة عليهم وتلك سجية فريدة شهد له بها أعداؤه، حتى قال ابن ت لوف قاضي المالكية وخصمه - بعد مجادلته للملك الناصر حتى حلم عنهم وصفح-: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا " (1) وقال أيضا:" ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نبق ممكنات في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا"(2) .
9-
وأخيرا فقد كانت المحنة بحد ذاتها سببا في ذيوع وانتشار كتب ورسائل ابن تيمية حتى قال في سجنه الأخير- في ورقة مكتوبة بالفحم- " وكانوا قد سعوا
(1) البداية والنهاية (14/54) .
(2)
العقود (ص: 283) .