المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: الحارث المحاسبي: - موقف ابن تيمية من الأشاعرة - جـ ١

[عبد الرحمن بن صالح المحمود]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد: السلف ومنهجهم لب العقيدة

- ‌المبحث الأول: التعريف بالسلف، وأهل السنة والجماعة وأهل الحديث

- ‌المبحث الثاني: من المقصود بالسلف؟ ونشأة التسمية بأهل السنة والجماعة

- ‌المبحث الثالث: منهج السلف في العقيدة

- ‌الباب الأول: ابن تيمية والأشاعرة

- ‌الفصل الأول: حياة ابن تيمية

- ‌تقدمة

- ‌المبحث الأول: عصر ابن تيمية

- ‌أولا: الصليبيون: [

- ‌ثانيا: ظهور التتار

- ‌ثالثا: المماليك:

- ‌ نظام المماليك الإداري:

- ‌رابعا: سقوط الخلافة العباسية في بغداد وإحياؤها في القاهرة:

- ‌خامسا: الباطنية والرافضة:

- ‌سادسا: بداية ظهور التحاكم إلى غير الشريعة:

- ‌سابعا: الجوانب العلمية والعقائدية:

- ‌المبحث الثاني: حياة ابن تيمية وآثاره

- ‌أولا: اسمه ونسبه ومولده:

- ‌ثانيا: حياته الأولى:

- ‌ثالثا: شيوخه:

- ‌رابعا: هل كان مقلدا لشيوخه

- ‌خامسا: جهاده وربطه بالعمل:

- ‌سادسا: مكانته ومنزلته:

- ‌سابعا: محنه وسجنه:

- ‌ثامنا: تلاميذه والمتأثرون به:

- ‌تاسعا: مؤلفاته ورسائله:

- ‌1- العقيدة الحموية:

- ‌2- جواب الاعتراضات المصرية على الفتاوى الحموية:

- ‌3- نقض أساس التقديس:

- ‌4- درء تعارض العقل والنقل:

- ‌5- القاعدة المراكشية:

- ‌6- الرسالة التدمرية:

- ‌7- شرح الأصفهانية:

- ‌8- المناظرة حول الواسطية:

- ‌9- الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات:

- ‌10- التسعينية:

- ‌11- النبوات:

- ‌12- الإيمان:

- ‌13- شرح أول المحصل للرازي:

- ‌14- مسائل من الأربعين للرازي:

- ‌عاشرا: عبادته وتوكله وذكره لربه:

- ‌حادي عشر: وفاته:

- ‌الفصل الثاني: منهج ابن تيمية في تقرير عقيدة السلف وفي رده على الخصوم

- ‌تمهيد

- ‌أولا: مقدمات في المنهج

- ‌ثانيا: منهجه في المعرفة والاستدلال:

- ‌ نقض أصول ومناهج الاستدلال الفلسفية والكلامية

- ‌ المنهج الصحيح للمعرفة والاستدلال

- ‌ثالثا: منهجه في بيان العقيدة وتوضيحها:

- ‌أ- منهجه في العقيدة عموما:

- ‌ب- منهجه في الأسماء والصفات:

- ‌رابعا: منهجه في الرد على الخصوم:

- ‌ا: بيان حال الخصوم

- ‌خامسا: الأمانة العلمية:

- ‌الفصل الثالث: أبو الحسن الأشعري

- ‌أولا: عصر الأشعري:

- ‌ثانيا: نسبه ومولده ووفاته:

- ‌ثالثا: ثناء العلماء عليه:

- ‌رابعا: شيوخه:

- ‌خامسا: تلاميذه:

- ‌سادسا: مؤلفاته:

- ‌1- مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين:

- ‌2- اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع:

- ‌3- رسالته إلى أهل الثغر:

- ‌4- الإبانة عن أصول الديانة:

- ‌5- رسالة استحسان الخوض في علم الكلام:

- ‌6- رسالة في الايمان

- ‌7- العمد في الرؤية:

- ‌8- كتاب تفسير القرآن:

- ‌سابعا: أطوار حياته العقدية:

- ‌أ- طور الأشعري الأول (مرحلة الاعتزال) :

- ‌ب- رجوعه عن الاعتزال وأسبابه:

- ‌ج- مذهب الأشعري بعد رجوعه [

- ‌ثامنا: عقيدته:

- ‌الفصل الرابع: نشأة الأشعرية وعقيدتهم

- ‌المبحث الأول: أسلاف الأشعرية "الكلابية" وموقف السلف منهم

- ‌أولا: ابن كلاب:

- ‌ثانيا: الحارث المحاسبي:

- ‌ثالثا: أبو العباس القلانسي:

- ‌موقف السلف من الكلابية:

الفصل: ‌ثانيا: الحارث المحاسبي:

والسبكي يريد أن لا يجعل ابن كلاب مخالفا لجمهور الأشعرية، وهناك فرق بين من يجعل الإيمان هو التصديق فقط ومن يضيف إليه الإقرار باللسان، كما أن هناك فرقا بين مذهب هؤلاء ومذهب السلف الذين يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان. ويرى ابن كلاب-كما يرى جمهور أهل السنة- صحة إيمان المقلد وأنه يحكم له بالإسلام (1) ، وكذلك مذهبه في مرتكب الكبيرة (2) .

هذه أهم آراء وأقوال ابن كلاب كان المصدر في عرضها الكتب الناقلة لمذهبه سوى بعض النصوص القليلة من كتبه في اثبات العلو والاستواء، وبها يتبين كيف كان ابن كلاب شيخا للأشعري، وأن المسائل الكبرى التي ميزت المذهب الأشعري- كمسألة الصفات الاختيارية والكلام- قد سبقهم إليها ابن كلاب، وهذا يفسر جانبا من جوانب نشأة المذهب الأشعري، تسبق وجود أبي الحسن نفسه.

وليس هذا في مذهب ابن كلاب نفسه، بل في مدرسته التى سار على طريقه فيها علماء آخرون، كالمحاسبي والقلانسي وغيرهما.

‌ثانيا: الحارث المحاسبي:

أ- ترجمته:

هو الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي (3) ، أبو عبد الله، ولد بالبصرة ولكنه انتقل إلى بغداد وعاش فيها، وكانت ولادته سنة 165 هـ تقرييا، أما وفاته فقد كانت سنة 243 هـ.

(1) انظر: أصول الدين (ص: 254) .

(2)

انظر: المقالات (ص: 298 مع ص: 293) .

(3)

انظر: في ترجمته: طبقات الصوفية (ص: 56) ، والحلية (10/73) ، وتاريخ بغداد (8/211) ، والرسالة القشيرية (1/78) ، والأنساب (12/103) ، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/8) ، والكامل (7/84) ، وميزان الاعتدال (1/430) ، والسير للذهبي (12/110) ، ووفيات الأعيان (2/57) ، والوافي (11/257) ، وطبقات السبكى (2/275) ، وتهذب الكمال للمزى (5/208) - المطبوعة- وتهذيب التهذيب (2/134) ، والبداية والنهاية (10/330- 331،345) ، والطبقات الكبرى للشعراني (1/64) وغيرها.

ص: 452

وقد حظى المحاسبي- نظرا لاشتهاره بالتصوف- بترجمات عديدة في كتب الرجال والتراجم والطبقات (1) ،كما أفردت عنه دراسات (2) ، وهذا ما لم يحظ به ابن كلاب والقلانسي وغيرهما من الكلابية.

ويمكن الإشارة إلى لمحات في حياته:

1-

كان أبوه رجلا موسرا، ولكنه لم يكن على وفاق مع ابنه في المذهب الكلابي، والمشهور أن أباه كان قدريا يقول بقول المعتزلة في القدر (3) ، وقيل بل كان واقفيا (4)، أي يتوقف في مسألة القرآن فلا يقول: هو مخلوق ولا غير مخلوق، وشذ السبكي فقال: إن أباه كان رافضيا (5) ، وكان من آثار ذلك ما ورد من قصة الحارث معه حين دعاه أمام الناس إلى أن يطلق أمه، وكذلك لما توفى لم يأخذ من تركته شيئا لهذا السبب، وقد كان مبعث هذا أنه يرى كفر المعتزلة.

2-

كان المحاسبي ذا صلة بأهل الحديث، وقد روى عن جماعة منهم (6) ، والظاهر أنه انصرف عن ذلك بانشغاله في التصوف والتأليف فيه، ومع ذلك فقد ترجم في كتب الرجال، وقال فيه الذهبي: " صدوق في نفسه

(1) كما سجل هو نفسه عرضا مختصرا لأحواله قبل سلوكه طريق التصرف، انظر الوصايا (ص: 59-64) .

(2)

منها دراسة لعبد الحليم محمود بعنوان: أستاذ السائرين، ولم تكن ترجمة بقدر ماكانت دعوة الى التصوف على طريقته في مؤلفاته، ومنها دراسة حسين القوتلي في مقدمته لتحقيق كتاب المحاسبي العقل وفهم القرآن، وهي دراسة جيدة وعميقة وان كانت لا تخلو من ملاحظات عليها.

(3)

انظر: الرسالة للقشيري (1/78) ، والوفيات (2/57)، والتعرف للكلاباذي (ص: 147) .

(4)

انظر: تاريخ بغداد (8/241) ، والوافي (11/257) ، والسير (12/1102) .

(5)

انظر: الطبقات (2/277) .

(6)

انظر: تهذيب المزى (5/218) ، وتهذيب التهذيب (2/134)، ومقدمة تحقيق العقل وفهم القرآن (ص: 13-18) .

ص: 453

وقد نقموا عليه بعض تصوفه وتصانيفه" (1) ،وقال فيه ابن حجر"مقبول" (2) وليست له رواية عن أحد من أصحاب الكتب الستة.

3-

كان معارضا للفرق المنحرفة في عصره وخاصة المعتزلة والرافضة، والجهمية، والخوارج والمرجئة (3) ، وأشد مواقفه ماكان مع المعتزلة، وقد رد عليها طويلا في كتابه (فهم القرآن) ، كما لم تخل كتبه الصوفية من فضح لأحوالهم وغرورهم، ومن ذلك قوله فيهم:" فرقة ضالة مضلة، لا تفطن لضلالتها، لاتساعها في الحجاج، ومعرفتها بدقائق مذاهب الكلام، وحسن العبارة بالرد على من خالفها، فهم عند أنفسهم من القائلين على الله عز وجل بالحق، والرادين لكل ضلالة، لا أحد أعلم منهم بالله، ولا أولى به منهم، وكل الأمم ضالة سواهم، وان الله عز وجل لا يعذب مثلهم، بل لاينجو أحد في زمانهم غيرهم، وغيرهم من المغترين يدعي ذلك وينتحله، ويشهد عليهم بالاكفار. فهم فرق كثيرة كفر بعضها بعضا، وكل فرقة منها مغترة، لاترى أن أحدا يقول عليه بالحق غيرها"(4) ، والمحاسبي الذى يقول هذا الكلام ممن عاصر محنة القول بخلق القرآن، من أولها الى نهايتها، فهو خبير بأحوالهم، ولذلك لم يوافق على القول بخلق القرآن، إن لم ينله فيها ما نال أئمة أهل السنة من المحنة (5) .

4-

ترك المحاسبي مجموعة من المؤلفات، وغالبها ذو صبغة صوفية، ولذلك عني بنشرها من لهم اهتمام بهذا الشأن، ومن كتبه:

(1) ميزان الإعتدال (1/130) .

(2)

التقريب (1/139) .

(3)

انظر: الرعاية للمحاسبي (ص: 97)، والمكاسب (ص:108-109) ، وفهم القرآن (ص: 333) .

(4)

الرعاية (ص: 358) .

(5)

وقد تساءل هذا التساؤل عبد القادر عطا. انظر مقدمة تحقيق آداب النفوس (ص: 13)، والمكاسب (ص: 13) ، وقد أجاب عن ذلك بأن العداء الذي وقع بينه وبين الإمام أحمد جعل السلطة ترى أنه لا خطر من المحاسبى، ويمكن أن يضاف الى هذا أن المحاسبي كان كلابيا يميل الى النفي لبعض الصفات وهذا قربه من المعتزلة.

ص: 454

- رسالة المسترشدين، حققها عبد الفتاح أبو غدة.

- الرعاية لحقوق الله عز وجل، طبع عدة مرات آخرها بتحقيق عبد القادر عطا

- المسائل في الزهد.

- المسائل في أعمال القلوب والجوارح.

- المكاسب [طبع بتحقيق محمد عثمان الخشت باسم الرزق الحلال] .

- العقل، وهذه الأربعة نشرها جميعا عبد القادر عطا، ثم طبع المكاسب مستقلا، كما طبع الزهد بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا.

- التوبة، تحقيق عبد القادر عطا.

- النفوس، طبع بتحقيق عبد القادر عطا.

- النصائح الدينية، طبع باسم الوصايا، تحقيق عبد القادر عطا.

- القصد والرجوع الى الله، طبع مع الكتاب السابق.

- من أناب إلى الله، طبع مع كتاب الوصايا.

- الصلاة- طبع مع كتاب الوصايا، كما طبع بتحقيق " محمد عثمان الخشت"

- التوهم، طبع عدة مرات، ومنها طبعة مكتبة النهضة الإسلامية طبعة دار الوعي بحلب، وبتحقيق عبد القادر عطا مع مجموع" الوصايا"

- فهم القرآن، طبع مع كتاب العقل بتحقيق شكرى القوتلي.

- كتاب العلم، طبع تحقيق محمد المعابد مزالي.

- البعث والنشور، طبع بتحقيق محمد عيسى رضوان.

- معاتبة النفس، طبع مع الكتاب السابق.

ص: 455

وكتاب فهم القرآن هو الذي يحوي بعض آراء المحاسبي الكلامية، وعليه اعتمد شيخ الإسلام ابن تيمية في نقل أقواله (1) .

5-

وأبرز قضية في حياة المحاسبي هجر الإمام أحمد له، وأمره الناس بهجره حتى انه لما مات لم يصل عليه إلا أربعة نفر، وقل من يترجم له إلا ويتعرض لهذه المسألة، ومن أهم أسباب ذلك دخوله في علم الكلام وموافقته لبعض أقوالهم وكلامه في التصوف.

مذهب الحارث وأقواله:

يعتبر الحارث من متقدمي أهل الكلام الذين عاصروا أئمة أهل السنة، ووقفوا معهم ضد كثير من أقوال المعتزلة وخاصة في مسائل القرآن وأنه غير مخلوق، والقدر والوعد والوعيد، كما وقفوا معهم ضد الطوائف الأخرى المنحرفة، ولذلك فالمحاسبي ومن في طبقته أكثر إثباتا وأحسن اتباعا ممن جاء بعدهم كالأشعري وطبقته.

ولكن مع موافقته لأهل السنة في ذلك إلا أن في أقواله ما يخالف منهجهم من جانبين، أحدهما: التصوف، والآخر: آراؤه في العقيدة، وفي كل من الجانبين كان المحاسبي شيخا للأشعرية كما يقول البغدادي (2) .

- التصوف عند المحاسبي:

أما الجانب الأول فقد كان المحاسبى أحد رواده الكبار، الذين كونوا مدرسة كبرى ربطت بين الكلام والتصوف فيما بعد. وهذا من أبرز ماطرأ على المذهب الأشعري من تطور-كما سيأتي إن شاء اللهـ.

(1) انظر: درء التعارض (2/45) ، فقد نقل منه نصوصا، كما أشار إليه في مجموع الفتاوي (5/557) .

(2)

يقول البغدادي في أصول الدين (ص: 208-209)" وعلى كتب الحارت ابن أسد في الكلام والفقه والحديث معول متكلمي أصحابنا وفقهائهم وصوفيتهم".

ص: 456

وحتى تتضح الصورة بالنسبة لتصوفه لابد من الإشارة إلى ما يلي:

1-

أن تصوف المحاسبي لم يكن كتصوف غيره في الغلو والانحراف، بل كان كثيرا ما يشير إلى وجوب الالتزام بالكتاب والسنة، ومتابعة الشرع، وإذا كان المحاسبي يركز على أعمال القلوب وخطرات النفوس، ومسائل تتعلق ببواطن الأعمال ومقاصد الإنسان فيها كالنية، والمراقبة، والتوكل، والتيقظ، والعجب، والرياء، والحسد وغيرها- ويطيل الكلام في كل واحدة منها بما ير اه من وسائل إصلاح النفس- الا أنه يأمر مع ذلك باتباع الشرع بفعل الأوامر واجتناب النواهي، يقول في آداب النفوس:"ثم اعلم يا أخي أن الله جل ذكره قد افترض فرائض ظاهرة وباطنة، وشرع لك شرائع، دلك عليها، وأمرك بها، ووعدك على حسن أدائها جزيل الثواب، وأوعدك على تضييعها أليم العقاب رحمة لك، وحذرك نفسه شفقة منه عليك، فقم يا أخي بفرائضه، والزم شرائعه، ووافق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واتبع آثار أصحاب نبيه والزم سيرتهم، وتأدب بآدابهم واسلك طريقهم

" (1) ويقول عن أول منزلة من الرعاية لحقوق الله عز وجل أنها: "الرعاية عند الخطرات، بعد اعتقاد جمل حقوق الله تعالى، فلا تخطر بقلبه خطرة من أعمال قلبه الا جعل الكتاب والسنة دليلين عليها، فلم يقبلها باعتقاد الضمير، ولا يتركها يسكن قلبه في مجال الفكر من التمني وغيره، الا أن يشهد له العلم أن الله تعالى قد أمر بها وندب إليها أو أذن فيها بأسبابها وعللها ووقتها وإرادته فيها؛ فإنه قد يقبل الخطرة يرى أنها داعية الى سنة وهي بدعة، وقد يرى أنها داعية إلى طاعة وهي معصية، وقد يرى أنها داعية إلى خير وهي شر

" (2) وكثيرا ما يذكر الأدلة على بعض الأمور التي يذكرها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة (3) .

(1) آداب النفوس (ص: 38) .

(2)

الرعاية (ص: 96) .

(3)

انظر: رسالة المسترشدين (ص: 36) وما بعدها.

ص: 457

ولذلك شنع المحاسبي على بعض متصوفة عصره وانحرافاتهم، فذكر أنواعا من غرورهم بما عندهم وعدم مطابقة أقوالهم وقال بعد كلام طويل عنهم:"وإنما أطلت الوصف في هذه الفرقة لأنها عظيمة غرتها، قد غلب ذلك على كثير ممن يتعبد ويرى أنه من النساك العاملين لله عز وجل"(1) ،كما يرد على الذين يقعد بهم توكلهم الى التواكل وترك الكسب والعمل مثل شقيق البلخي الذي زعم أن الحركة في الكسب معصية (2) ، بل-رد على من زعم أن القعود وترك العمل أفضل من الحركة، ويفصل رده عليهم من وجوه (3) ، ثم يعرض لأقوال العلماء في مسائل عملية كثر الجدال حولها مثل الورع وحده، والعزلة عن الناس ومجانبتهم، والشبهة ومعناها، وجوائز السلطان، وغير ذلك (4) ، وقد عرض لهذه المسائل بشكل جيد، كما رد على بعض الصوفية الذين يبيحون لأنفسهم بعض المحرمات مثل النظر المحرم ويرد حججهم الباطلة (5) ،كمايرد على بعض الصوفية الذين يقولون بإيمان فرعون (6) .

2-

يركز المحاسبي على مسألة " العقل"، وله كتاب في ذلك، وهو

وإن كان يميل إلى أقوال أهل الكلام إلا أنه يركز في مسألة " العقل" على ربطه بأعمال القلوب وأن الذى عقل عن ربه هو الذى يخافه ويعظمه، ولذلك ذكر معاني العقل الواردة فيه وهي:

أ- انه " غريزة جعلها الله عز وجل في الممتحنين من عباده، أقام به على البالغين للحلم الحجة

" (7) .

(1) انظر: الرعاية (ص: 455) .

(2)

انظر: الكسب (ص: 61) .

(3)

انظر: المصدر السابق (ص: 64) .

(4)

انظر: الكسب (ص: 68) وما بعدها.

(5)

انظر: المسائل في أعمال القلوب والجوارح (ص: 163) .

(6)

انظر: فهم القرآن (ص: 336) .

(7)

العقل مطبوع مع فهم القرآن (ص: 203) .

ص: 458

ب- والمعنى الثاني: أنه "الفهم لإصابة المعنى، وهو البيان لكل ماسمع من الدنيا والدين أو مس أو ذاق أو شم، فسماه الخلق عقلا، وسموا فاعله عاقل"(1) .

ج- والمعنى الثالث: هو البصيرة والمعرفة بتعظيم قدر الأشياء النافعة والضارة في الدنيا والآخرة، ومنه العقل عن الله تعالى" (2) ويستمر في شرح ذلك مركزا على جوانب من أحوال النفس وخطراتها من الخوف واليقين، وحسن البصر بدين الله، وما يتعلق بذلك.

فالمحاسبي بهذا التركيز على هذه الجوانب دون غيرها مما يتعلق بأمور العقيدة والإيمان، ومعرفة سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأحكام الشريعة، انما يفتح الطريق لمنهج سلوكي صوفي قد لايقف عند حد معين.

3-

أدى التصوف بالمحاسبي الى أن تكون له مواقف من علماء عصره من أهل الحديث والفقه ينعي فيها اهتمامهم بهذه الأمور وتركيزهم عليها، يقول عنهم:"فأما المغترون بالعلم فهم فرق شتى على قدر منازلهم فيه، فمنهم: فرقة تغتر بكثرة الرواية وحسن الحفظ مع تضييع واجب حق الله عز وجل، وتخيل نفس أحدهم اليه وعدوه أن مثله لا يعذب لأنه من العلماء دائمة العباد الحافظين على المسلمين علمهم

والفرقة الثانية: يغتر أحدهم بالفقه في العلم بالحلال والحرام، وبالبصر في الفتيا والقضاء، فهو يغتر كغرة الحافظ للعلم وأعظم منه غرة حتي لا يرى أن أحدا أعلم بالله عز وجل منه لأنه قد علم الحلال والحرام والفتيا والقضاء000" (3) ، وإذا كان في عصر المحاسبي قد يوجد من تكون فيه مثل هذه الصفات التي ذكرها إلا أن ما يعترض عليه أسلوبه في العرض حين يقول بعد كلامه حول طرق نفي الاغترار عند أهل الحديث: "فإذا ألزم قلبه ذلك انتفت عنه الغرة بما حفظ من العلم، واهتم بطلب معانيه والتفكر فيه والقيام

(1) العقل مطبوع مع فهم القرآن (ص: 208) .

(2)

المصدر نفسه (ص:210) .

(3)

الرعاية (ص:441-445) .

ص: 459

به، فلم يغتر بما حفظ، وعد نفسه جاهلا بالعلم بعد حفظه له، وأسوأ حالا ممن لم يحفظه ولم يدرسه ولم يروه" (1) .

فالمحاسبي بهذا الكلام إنما يرسم منهجا ارتضاه وينتقد من خالفه، ولو كان من أهل الحديث والسنة، ولاشك أن هؤلاء هم الذين حفظوا للأمة الحديث النبوى وميزوا صحيحه من ضعيفه، وفي هذا من الجهاد والطاعة والعمل الصالح والتقرب إلى الله عز وجل والمنزلة عنده مالا يبلغه زهد الزاهدين وعزلتهم.

وقد عاب المحاسبي في كتاب العلم من يهتم بالفقه ومعرفة الحلال والحرام فيما يتنازع الناس فيه فقال:"أما ما تولد من ذلك [أى من أحكام الحلال والحرام] لتنازع الناس وتجاذبهم للدنيا فقد يستغنى عنه بعض الناس إذا قام به الغير، وقد يكون الرجل في جميع عمره لا تنوبه مسألة من بعض تلك المسائل"(2)، ثم بعرضه منهجه ونقده لهم بقوله:"فلو أن رجلا تبحر في نحو هذه المسائل وغاص في فنونها فقيل له: ما النية؟ وما عزيمتها؟ وأى شيء محلها من القلب؟ وماذا يدخل عليها من الفساد من قبل النفس ومن قبل العدو؟ أو قيل له: ما الورع؟ عجز عن جوابه، فللورع منازل يحتاج إلى معرفتها، فهذه أصول من أصول الدين التي يحدث فيها عند منازعة النفس وادخالها فها ماليس ينبغي أن يدخل فيها بتفرع القول فيها أكثر من تفرعه في الحلال والحرام، وهو أولى في التعليم والحفظ على الأمة من ذلك 000"(3)، ويقول في موضع آخر:"فاتق الله ياعبد الله ولا تدع العلم بمعرفة الفتيا فإن العلم هو العلم بالله عز وجل"(4) ، ويدعو الى أتباع آثار الصوفية الذين هم الخاصة ويأمر بسلوك طريقهم (5) .

(1) الرعاية (ص: 444- 445) .

(2)

العلم (ص: 86) .

(3)

المصدر السايق (ص: 86-87) .

(4)

المصدر نفسه (ص: 92) .

(5)

انظر: فهم القرآن (ص: 267-. 27) .

ص: 460

وقد فسر محقق كتاب العلم هذا الهجوم بأنه موجه من المحاسبي الى الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه (1) ، وسواء قصد المحاسبى الإمام أحمد أو لم يقصده فواضح من أقواله أنه يقصد طائفة من أهل الحديث الذين عنوا بالروايات ونقلها وتمحيصها وإفتاء الناس على ضوئها.

وبذلك يتضح أن تصوف المحاسبي ومنهجه مائل عن منهج أهل السنة الذي يقوم على الوسطية والتوازن والجمع بين العلم والعمل.

أقواله في العقيدة:

ترد أقوال المحاسبى في الغالب مقرونة برأي ابن كلاب، ولذلك فهما متقاربان في كثير من مسائل العقيدة، ولذا سيقتصر الكلام هنا على بعض أقواله التي ذكرها في كتابه (فهم القرآن) .

ا- إثباته للصفات:

يصف المحاسبي من يمتدحهم من الخاصة بأنهم "وصفوه بصفاته الكاملة ونزهوه من كل مالا يليق"(2) ، فهو يثبت الصفات بإجمال، وسيتضح أنه ينفي منها مايتعلق بمشيئة الله من الصفات الاختيارية.

كما يثبت أن القرآن كلام الله " إذ تكلم الله عز وجل به تكليما من نفسه من فوق عرشه، من فوق سماواته"(3) .

ويقرر أن الصفات لا يجوز نسخها فيقول:" لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله جل ثناؤه ولا صفاته ولا أسماءه يحوز أن ينسخ جل وعز وصف نفسه بصفاته الكاملة ومدح نفسه بمدحه الطاهرة وبأسمائه الحسنى، فمن أجاز النسخ بها أجاز أن يبدل أسماءه الحسنى فيبدلها قبيحة سوى وصفاته الكاملة

(1) انظر: العلم، المقدمة (ص: 59- 61) .

(2)

فهم القرآن (ص: 267) .

(3)

المصدر السايق (ص: 302)، وانظر:(ص: 309) .

ص: 461

العلية فيكون دنية ناقصة سفلى، ومدحه الطاهرة فيكون مذمومة دنية، جل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا" (1) .

ويحتج لبعض الصفات بالعقل مع دليل السمع مثل صفة العلم (2) .

2-

إثباته للعلو والاستواء:

ذكر أدلة ذلك من نصوص القرآن ورد على الذين يقولون:"إن الله في كل مكان (3) ، ثم قال:" وأما قوله {على العرش استوى} [طه: 5] .. {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18] و {أأمنتم من في السماء} [الملك: 16] و {إذا لابتغوا إلى ذي العرش} بالإسراء: 42] فهذه وغيرها مثل قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] وقوله: {ثم يعرج إليه} [السجدة: 5] ، فهذا مقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء، منزه عن الدخول في خلقه لا يخفي عليه منهم خافية، لأنه أبان في هذه الآيات أن ذاته بنفسه فوق عباده لأنه قال:{أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك: 16] ،يعني فوق العرش، والعرش على السماء لأن من كان فوق شيء على السماء فهو في السماء، وقد قال مثل ذلك {فسيحوا في الأرض} [التوبة: 2] ، يعني على الأرض، لايريد الدخول في جوفها

" (4) ويستمر في عرض الأدلة، ويناقش أدلة الحلولية في مسألة المعية وان آية {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} [المجادلة: 7] مبدوءة بالعلم ومختومة به، ويناقش ذلك بشكل موسع وقوي (5) .

(1) فهم القرآن (ص: 332) .

(2)

نفسه (ص: 338) .

(3)

انظر: فهم القرآن (ص: 6،3-349) .

(4)

المصدر السابق (ص: 349- 350) .

(5)

انظر: نفس المصدر (ص: 352-356) .

ص: 462

3-

كما يذكر أن القرآن غير مخلوق ويرد على المعتزلة الذين يسميهم الضلال، ويذكر أدلتهم وينااقشها بالتفصيل (1) .

4-

كما يذكر مسألة الوعد والوعيد ويرد على المعتزلة ويذكر مذهب أهل السنة في ذلك ويورد أقوالهم وأقوال الخوارج في مذهبهم في مرتكب الكبيرة (2) ، ويناقش على ضوء ذلك مسألة الشفاعة وكيف أنكرها المعتزلة لقولهم بالوعيد على أهل الكبائر (3) .

5-

مذهبه في الصفات الاختيارية:

يوافق المحاسبي ابن كلاب في نفي هذه الصفات، بناء على نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، ونصوص المحاسبي في ذلك واضحة جدا:

أ- يقول عن القرآن وعظمته:"ومن عقل عن الله جل ذكره ما قال فقد استغني به عن كل شيء، وعز به من كل ذل، لا تتغير حلاوته، ولا تخلق جدته في قلوب المؤمنين به على كثرة الترداد والتكرار لتلاوته، لأن قائله دائم لا يتغير، ولا ينقص، ولا يحدث به الحوادث (4) ، وهذا منطلق الكلابية في نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته.

ب- ويقول في مسألة علم الله:"والله جل ذكره لا تحدث فيه الحوادث، لأنا لم نجهل موت من مات أنه سيكون، وكذلك علمنا أن النهار سيكون صبيحة ليلتنا، ثم يكون فنعلم أنه قد كان من غير جهل منا تقدم أنه سيكون، فكيف بالقديم الأزلي الذي لا يكون موت ولا نهار ولا شيء من الأشياء إلا وهو يخلقه ونحن لا نخلق شيئا، وكذلك قوله:{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين} [الفتح: 27] وقوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا

(1) انظر: فهم القرآن (ص: 363) وما بعدها.

(2)

انظر: نفس المصدر (ص: 370) وما بعدها.

(3)

انظر: نفس المصدر (ص:390) .

(4)

انظر: فهم القرآن (ص:307) .

ص: 463

مترفيها} [الإسراء: 16] وقوله: {إنما قولنا (1) لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] ، ليس ذلك ببدء منه لحدوث إرادة حدثت له ولا أن يستأنف مشيئة لم تكن له، وذلك فعل الجاهل بالعواقب الذى يريد الشيء وهو لايعلم العواقب، فلم يزل تعالى يريد ما يعلم أنه يكون، لم يستحدث إرادة لم تكن، لأن الارادات إنما تحدث على قدر مالم يعلم المريد، فأما من لم يزل ما يكون ومالا يكون من خير وشر فقد أراد على علم لا يحدث له بداء إذا كان لا يحدث فيه علم به" (2) ، والمحاسبي يقرر مسألة أزلية صفات الله تعالى لينفي ما يتعلق بمشيئة الله تعالى من صفات الأفعال، ولذلك يقول معلقا على الآية: {إذا اردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل:40] ، وقوله: {وإذا أدرنا أن نهلك قرية..} [الإسراء:16] : "فإنه لم يزل يريد، قبل أن يحدث الشيء أن يحدثه في وقت إحداثه، فلم يزل يريد احداثه في الوقت المؤخر، فإذا جاء الوقت فهو أيضا يريد أن يحدثه فيه، فبإرادته أحدثه في ذلك الوقت الذى فيه أحدثه، فإرادة الله جل وعز دائمة لأنه مريد قبل الوقت الذى يحدث فيه المخلوقات، وفي الوقت الذى أحدثه فيه

" (3) ، ولا يحتاج هذا الى تعليق سوى التناقض الذى يفيده قوله " فإذا جاء الوقت فهو أيضا يريد أن يحدثه فيه" لأن هذه الإرادة إن كانت هي الإرادة الأزلية فلا فائدة من قوله هذا، وإن كانت إرادة حادثة نقض قوله.

ج- ومما يدل على كلابيته ونفيه الصفات الاختيارية أن تقوم بالله قوله في صفتي السمع والبصر:" وكذلك قوله عز وجل: {إنا معكم مستمعون} [الشعراء:15] ليس معناه احداث سمع، ولا تكلف لسمع مايكون من المتكلم في وقت كلامه، وانما معنى (انا معكم مستمعون)، {فسيرى الله عملكم} [التوية:94] أي المسموع والمبصر لن يخفي على سمعي ولا على بصرى أن أدركه

(1) في المطبوعة: أمزنا، وهو خطأ.

(2)

فهم القرآن (ص:340- ا 34) .

(3)

المصدر نفسه (ص: 342-343) .

ص: 464

سمعا وبصرا لا بالحوادث في الله جل وعز وتعالى عن ذلك، وكذلك قوله:{اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله} [التوبة:105] لا يستحدث بصرا ولحظا محدثا في ذاته تعالى عن ذلك" (1) ، ثم يرد المحاسبي على من خالفه في هذا ممن يثبت لله الصفات الاختيارية فيقول:" وقد ذهب قوم (2) أن لله جل وعز اسماعا حادثا في ذاته، فذهب الى ما يعقل من الخلق أنه يحدث فيهم علة لسمع ما يكون من قول عند سمعه للقول، لأن المخلوق اذا سمع الشيء حدث له عنه فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك ذهب الى أن رؤية تحدث له، قال أبو عبد الله: وهذا خطأ، وانما معنى (سيرى) و (إنا معكم مستمعون) أن المسموع والمبصر لم يخف على عيني ولا على سمعي أن أد ركه سمعا وبصرا لا بالحوادث في الله جل وعز، ومن ذهب الى أنه يحدث له استماع مع حدوث المسموع، وإبصار مع حدوث المبصر فقد أدعى على الله عز وجل مالم يقل ولإنما على العباد التسليم كما قال، وانه عالم سميع بصير ولا يريد مالم يكن، وإنما معني (حتى يعلم) حتى يكون المعلوم، وكذلك حتى يكون المبصر والمسموع، ولا يخفى على الله عز وجل أن يعلمه موجودا ويراه موجودا ويسمعه موجودا بغير حدوث علم في الله جل وعز، ولا سمع ولا بصر، ولا يعني حدوثا في ذات الله، جل الله عن الحوادث في نفسه وتعالى عن البداوات في علمه وإرادته علوا كبيرا" (3) .

ثم يذكر نصوص العلو والاستواء وأن ذلك لا يدل على حلول الحوادث (4) .

وهذه النصوص- وهي من المصادر القليلة التي بقيت من كتب الكلابية - تبين إلى أي حد كان رسوخ هذه المسألة عندهم، حتى ان المحاسبي يجزم

(1) فهم القرآن (ص: 344- هـ 34) .

(2)

يقصد الكرامية.

(3)

فهم القرآن (ص: 345-346) .

(4)

انظر: المصدر نفسه (ص: 346-349) .

ص: 465