المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل الثاني ‌ ‌تمهيد الكتابة عن منهج ابن تيمية تحتاج إلى بحث مستقل، - موقف ابن تيمية من الأشاعرة - جـ ١

[عبد الرحمن بن صالح المحمود]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد: السلف ومنهجهم لب العقيدة

- ‌المبحث الأول: التعريف بالسلف، وأهل السنة والجماعة وأهل الحديث

- ‌المبحث الثاني: من المقصود بالسلف؟ ونشأة التسمية بأهل السنة والجماعة

- ‌المبحث الثالث: منهج السلف في العقيدة

- ‌الباب الأول: ابن تيمية والأشاعرة

- ‌الفصل الأول: حياة ابن تيمية

- ‌تقدمة

- ‌المبحث الأول: عصر ابن تيمية

- ‌أولا: الصليبيون: [

- ‌ثانيا: ظهور التتار

- ‌ثالثا: المماليك:

- ‌ نظام المماليك الإداري:

- ‌رابعا: سقوط الخلافة العباسية في بغداد وإحياؤها في القاهرة:

- ‌خامسا: الباطنية والرافضة:

- ‌سادسا: بداية ظهور التحاكم إلى غير الشريعة:

- ‌سابعا: الجوانب العلمية والعقائدية:

- ‌المبحث الثاني: حياة ابن تيمية وآثاره

- ‌أولا: اسمه ونسبه ومولده:

- ‌ثانيا: حياته الأولى:

- ‌ثالثا: شيوخه:

- ‌رابعا: هل كان مقلدا لشيوخه

- ‌خامسا: جهاده وربطه بالعمل:

- ‌سادسا: مكانته ومنزلته:

- ‌سابعا: محنه وسجنه:

- ‌ثامنا: تلاميذه والمتأثرون به:

- ‌تاسعا: مؤلفاته ورسائله:

- ‌1- العقيدة الحموية:

- ‌2- جواب الاعتراضات المصرية على الفتاوى الحموية:

- ‌3- نقض أساس التقديس:

- ‌4- درء تعارض العقل والنقل:

- ‌5- القاعدة المراكشية:

- ‌6- الرسالة التدمرية:

- ‌7- شرح الأصفهانية:

- ‌8- المناظرة حول الواسطية:

- ‌9- الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات:

- ‌10- التسعينية:

- ‌11- النبوات:

- ‌12- الإيمان:

- ‌13- شرح أول المحصل للرازي:

- ‌14- مسائل من الأربعين للرازي:

- ‌عاشرا: عبادته وتوكله وذكره لربه:

- ‌حادي عشر: وفاته:

- ‌الفصل الثاني: منهج ابن تيمية في تقرير عقيدة السلف وفي رده على الخصوم

- ‌تمهيد

- ‌أولا: مقدمات في المنهج

- ‌ثانيا: منهجه في المعرفة والاستدلال:

- ‌ نقض أصول ومناهج الاستدلال الفلسفية والكلامية

- ‌ المنهج الصحيح للمعرفة والاستدلال

- ‌ثالثا: منهجه في بيان العقيدة وتوضيحها:

- ‌أ- منهجه في العقيدة عموما:

- ‌ب- منهجه في الأسماء والصفات:

- ‌رابعا: منهجه في الرد على الخصوم:

- ‌ا: بيان حال الخصوم

- ‌خامسا: الأمانة العلمية:

- ‌الفصل الثالث: أبو الحسن الأشعري

- ‌أولا: عصر الأشعري:

- ‌ثانيا: نسبه ومولده ووفاته:

- ‌ثالثا: ثناء العلماء عليه:

- ‌رابعا: شيوخه:

- ‌خامسا: تلاميذه:

- ‌سادسا: مؤلفاته:

- ‌1- مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين:

- ‌2- اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع:

- ‌3- رسالته إلى أهل الثغر:

- ‌4- الإبانة عن أصول الديانة:

- ‌5- رسالة استحسان الخوض في علم الكلام:

- ‌6- رسالة في الايمان

- ‌7- العمد في الرؤية:

- ‌8- كتاب تفسير القرآن:

- ‌سابعا: أطوار حياته العقدية:

- ‌أ- طور الأشعري الأول (مرحلة الاعتزال) :

- ‌ب- رجوعه عن الاعتزال وأسبابه:

- ‌ج- مذهب الأشعري بعد رجوعه [

- ‌ثامنا: عقيدته:

- ‌الفصل الرابع: نشأة الأشعرية وعقيدتهم

- ‌المبحث الأول: أسلاف الأشعرية "الكلابية" وموقف السلف منهم

- ‌أولا: ابن كلاب:

- ‌ثانيا: الحارث المحاسبي:

- ‌ثالثا: أبو العباس القلانسي:

- ‌موقف السلف من الكلابية:

الفصل: الفصل الثاني ‌ ‌تمهيد الكتابة عن منهج ابن تيمية تحتاج إلى بحث مستقل،

الفصل الثاني

‌تمهيد

الكتابة عن منهج ابن تيمية تحتاج إلى بحث مستقل، لأن هناك قضايا في منهجه لابد من طرحها بوضوح وشمول حتى يتبين حقيقة مذهبه ومنهجه فيها. ومن ثم فمن الصعوبة أن يحصر الباحث الكلام في منهجه في العقيدة في فصل ضمن فصول أخرى يحتاج كل واحد منها إلى استقصاء المراجع حوله وأن يأخذ ما يستحقه ضمن فصول الرسالة من الدراسة والتحقيق.

وابن تيمية-رحمه الله لم يركز في كتاباته حول العقيدة على جانب معين فقط، بل تنوعت كتبه وردوده، ومناقشاته للمخالفين، فكتب في شرح عقيدة السلف، وأقوال أئمة الإسلام، كما رد وناقش الفلاسفة، والمعتزلة، وا لقد رية، والجهمية، والمر جئة، والمشبهة، والخوارج، والصوفية، والر افضة، والأشاعرة، وغرهم، وكان موقفه من هؤلاء، ومنهجه في الرد عليهم نابعا من المنهج السلفي القائم على الكتاب والسنة بموازين دقيقة.

وهذه الحقيقة تميز شيخ الإسلام عن غيره من العلماء، الذين كانت لهم جهود مشكورة ومساع محمودة في نصرة هذا الدين والذب عن حوزته، لكن الواحد منهم إنما يشتهر في قضية واحدة من قضايا العقيدة، أو الرد على طائفة واحدة فقط من هذه الطوائف المنحرفة، وقد يكون متلبسا بانحراف معين قالت به طائفة أخرى، والمقصود بهذا الكلام العلماء المتأخرون بعد القرون المفضلة، وذلك حين كانت هذه الفرق والطوائف المنحرفة موجودة في كل مكان في العالم الإسلامي. إن من نعم الله الكبرى- على شيخ الإسلام ابن تيمية- أنه ود على كل

طائفة وما وقع في انحراف الطائفة المقابلة لها، ولا شك أن من اعتصم بالله وبكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا تقصير فإن الله يوفقه إلى الوسطية، ودين الله وسط بين الأديان، وأهل السنة وسط بين الطوائف!.

ص: 219

لقد كان شيخ الإسلام صاحب منهج واضح، وقد وظف هذا المنهج في جميع ما كتب، فما تغيرت طريقته ولا وقع في التناقض كما حدث لغيره. ولا نريد أن نقارن بينه وبين الغزالي- مثلا- كما فعل بعضهم، لأن الغزالي وإن كان قد رد على الفلاسفة والباطنية، إلا أنه لم يكن مستمرا على منهج واحد ثابت، ولذلك تقلبت به الأحوال كثيرا.

ولكن نقارن بين شيخ الإسلام وعلم آخر، كان صاحب منهج، سطر منهجه في كتبه،؟ كان صاحب آراء اجتهادية وأصولية جدد فيها تجديدا جعله من أعلام هذا العلم، وهذا الإمام هو أبو إسحاق الشاطبى المتوفي سنة 790 هـ (1) أي بعد وفاة ابن تيمية بما يزيد قليلا عن ستين عاما، فهذا الإمام كانت له جهود مشكورة في مجالات متعددة، أهمها جانبان:

أحدها: التجديد في مجال " أصول الفقه "، والتركيز على مسائل المصالح المرسلة، وبيان كمال هذه الشريعة، وشرح الكليات المتضمنة لمقاصد الشارع في وضع الشريعة، كما طرق مباحث أصول الفقه وربطها بتلك الكليات والمقدمات فجاءت مباحث هذا الكتاب فريدة في منهجها وأسلوب عرضها.

والآخر: التجديد في مجال تمحيص السنة ورد البدعة، وقد كانت له مواقف عملية في هذا الجانب، ولما رأى الناس في عصرهـ مالوا إلى ما أحدثه متصوفة عصره وغيرهم من البدع في الأذكار والعبادات وإقامة الموالد وغيرها- أيقن أنه لابد من الرجوع إلى الأصول الشرعية لتمييز ما هو من قبيل الشرع موافق لأصوله وأدلته، عن ما هو من قبيل البدع التى حرمها دين الاسلام ونهى عنها، فجاء كتاب " الاعتصام " فريدا في أسلوبه ومنهجه، فعرض بشكل مفصل لقضايا البدع

(1) هو: الامام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي، صاحب الموافقات والاعتصام والافادات والانشادات وغيرها، توفي سنة 790 هـ، انظر: برنامج المجارى (ص: 116)، ونيل الابتهاج بحاشية الديباج (ص: 46) ، وفهرس الفهارس (1/ 191) ، وشجرة النور الزكية (1/ 231) ، والفكر السامي (2/248)، وانظر أوفى ترجمة له في مقدمة تحقيق الفتاوى للشاطبي: لمحمد أبو الأجفان (ص:19 - 64)

ص: 220

ومنشئها وحكمها، فمن القضايا المنهجية في كتابه:

1-

مأخذ أهل البدع في الاستدلال (1) .

2-

أحكام البدع الحقيقية والاضافية والفرق بينهما (2) .

3-

الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والإستحسان (3) .

4-

أنواع دخول البدعة في الشرع أربعة: الجهل بأدوات المقاصد، والجهل بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى (4) .

فهذان الكتابان- الموافقات والاعتصام- بما فيهما من تجديد ومنهجية كانا سببا في شهرة مؤلفهما، وتبوئه لمكانة في النفوس بوصفه من المدافعين عن مذهب السلف الذين عملوا على تمحيصه مما شابه من بدع وضلالات.

ولكن هل هذا المنهج استمر مع الشاطبي في جميع مباحث العقيدة؟ وهل الأصول المنهجية التي وضعها في كتاب " الاعتصام " طبقها في جوانب العقيدة الأخرى؟.

الجواب عن ذلك (5) يتبين من خلال تتبع بعض أقواله في العقيدة وقضاياها التي يذكرها عرضا: وهذه أمثلة:

1-

يقول في معرض ذكره لانحراف المنحرفين الذين يتبعون المتشابه:

(1) انظر: الاعتصام (1/ 220) .

(2)

المصدر السابق (1/286) .

(3)

نفسه (2/111) .

(4)

نفسه (2/293) وما بعدها.

(5)

الشاطبي وكتبه لها مكانة في النفوس رما كنت أقصد زعزعة هذه المكانة بهذه المناقشات، والذي دعاني إلى ذلك أمران، أحدهما: انتشار كتاب الاعتصام بين عامة الناس وثقهم به، وقد يغتر من لا علم عنده بمثل هذه الزلات التى وقع فيها الشاطبى، أما الأمر الثاني: فهو أن بعض الناس ليس عنده إلا أبيض أو أسود، فأما أن يقبل هذا العالم أو هذا الكتاب بكل ما فيه أويرده بكل ما فيه لوجود ملاحظات عليه، والمنهج الصحيح الاعتراف لأهل الحق بما عندهم من حق وقبوله ولو كانت عليهم ملاحظات.

ص: 221

" ومثاله في ملة الاسلام مذهب الظاهرية (1) في إثبات الجوارح للرب- المنزه عن النقائص- من العين واليد والرجل والوجه - المحسوسات، والجهة، وغير ذلك من الثابت للمحدثات "(2) ، قد يتبادر إلى الذهن أنه يقصد الرد على المشبهة خاصة وأنه قال " المحسوسات "، ولكن ذكره للجهة- والسملف يثبتون لثة صفة العلو- وقوله " وغير ذلك من الثابت للمحدثات " يدل على أن إثبات هذه الصفات: العين، اليد، وغيرها لله تعالى على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته عنده لا تجوز لأنها من الصفات التى تثبت للمحدثات، ومن ثم فيجب تأويلها وهذا هو مذهب الأشاعرة، وإذا كان قد ذكر من مآخذ أهل البدع في الاستدلال " ردهم للأحاديث التى جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وغر جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية اللة عز وجل في الآخرة "(3) فكيف- وهذه عبارة الشاطبي نفسهـ نفرق بين الموقفين والمنهجين؟.

2-

ويقول أيضا في معرض رده على أهل البدع في استدلالهم بأحد الأحاديث: " والثاني أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع "(4) ، هذا كلام واضح وصريح في هذه المسألة الخطيرة، التي بسببها ردت أحاديث كثيرة في الصفات، ولكن الشاطبى نفسه - في موضع آخر لا يتبنى هذا القول بل يرد- في أثناء عرضه لمآخذ أهل البدع في الاستدلال على الذين لا يأخذون بأحايث الآحاد فيقول:" وذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة، والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن، حتى أباحوا الخمر بقوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية [المائدة: 93] ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا

(1) ما بعد هذه الكلمة يوضح المراد منها، وقد يقصد بعض علماء الظاهرية كداود وغيره فإنهم مثبتة في الصفات.

(2)

الاعتصام (1/ 240) .

(3)

المصدر السابق (1/ 231) .

(4)

الاعتصام (2/ 152) .

ص: 222

في كتاب الله اتبعناه " (1) وهذا وعيد شديد تضمنه النهي لاحق بمن ارتكب رد السنة (2) ، فهل الرد للحديث في الموضع الأول مختلف عنه في الموضع الثاني.

3-

ونضرب مثالا ثالثا- والتركيز في الأمثلة على ما فيها منهج ليس على الجزئيات- يقول الشاطبي في معرض ذكره لأنواع دخول البدع في الشرع وأسبابه وأن منها تحسين الظن بالعقل، يقول بعد كلام طويل:" فهو أصل اقتضى للعاقل أمرين: أحدهما: أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم- وهو الشرع- ويؤخر ما حقه التأخير- وهو نظير العقل- لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكما على الكامل، لأنه خلاف المعقول والمنقول، بل ضد القضية هو الموافق للأدلة ولا معدل عنه "(3) هذا الكلام منهجي وسليم- موافق لمذهب أهل السنة-، لكنه لما ذكر الأمثلة على ذلك مما قد يتوهم أن العقل يحيله وهو ثابت في الشرع ذكر هذا المثال:" والسابع: رؤية الله في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا، إذ يمكن أن تصح الرؤية على أوجه صحيحة ليس فيها اتصال أشعة، ولا مقابلة، ولا تصور جهة، ولا فضل جسم شفاف، ولا غير ذلك، والعقل لا يجزم بامتناع ذلك بديهة، وهو إلى القصور في النظر أميل، والشرع قد جاء بإثباتها فلا معدل عن التصديق "(4) . أراد الشاطبي أن يقول لا مانع من إثبات الرؤية ونفى صفة العلو دثة تعالى؟ وذلك حين تال: " ولا تصور جهة ولا نضل جسم "،

(1) رواه الامام أحمد (4/ 131، 6/ 8) ، والدارمي- باب السنة قاضية على الكتاب (1/144)

ط دهمان، وأبو داود في السنة- باب لزوم السنة ورقمه (4604-4605، 5/10-12) - ط الدعاس، والترمذى في العلم، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبى صلى الله عليه وسلم ورقمه (2663،3715) ، ط عطوة، وابن ماجه فى المقدمة، باب حديث رسول صلى الله عليه وسلم (12/13) . والحاكم (1/ 108-109) وصححه ووافقه الذهبى، كا قال فيه الترمذى: حديث حسن صحيح، رصححه الألباني في صحيح الجامع.

(2)

الاعتصام (1/132) .

(3)

الاعنصام (2/ 326) .

(4)

المصدر السابق (2/ 330) .

ص: 223

ولكن كيف يصنع بأدلة العلو التي هي أضعاف أضعاف أدلة الرؤية؟ وكيف يسلم لمن نفى العلو- الجهة- لشبهة التجسيم أو مخالفة العقل، وينعي على نفي الرؤية لنفس التعليل، وكلاهما وردت به النصوص؟ وهذا التناقض إنما ساير فيه الشاطبي الأشاعرة، وهو من المضايق الخانقة في مذهبهم، وقد فشلوا في الجواب عنه فشلا ذريعا- كا سيأتي إن شاء اللهـ.

هذه أمثلة توضح الفرق بين المنهجين: منهج الشاطبي، ومنهج شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي جاءت كتبه كلها- سائرة على نهج واحد- حتى أن الانسان ليحتار أي كتبه ألفه أولا، ليس هناك مراحل في منهجه وحياتهـ كماحدث لغيرهـ وإنما هو منهج وطريق واحد في جميع القضايا التي طرحها في كتبه.

لقد التزم شيخ الإسلام بمذهب ونهج السلف- في جميع ما كتب- حتى أن بعض عباراته لا يتبين لأول وهلة أهي عبارته أم عبارة غيره من السلف حين ينقل شيئا من كلامهم.

ومما يعجب له في هذا الباب أن أحد العلماء (1) - المعاصرين لابن تيمية- رد على ابن تيمية في مسألة العلو- أو الجهة كما يسميها- في كتاب ذكره السبكي بتمامه في طبقاته (2)، فكان مما قاله هذا العالم:" ولو تنازل (3) واكتفى بما نقل عن إمامه الإمام أحمد بن حنبل- رضي الله عنه حيث قال: " لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نتجاوز القرآن والحديث، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق، ليس فيه لغو ولا أحاج، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه

(1) هو: أحمد بن يحيى بن إسماعيل شهاب الدين، ابن جهبل الكلابي الحلبي الأصل، ولد سنة 0 67 هـ وتوفي سنة 733 هـ، طبقات السبكي (9/34) ، والبداية والنهاية (14/163) ، وشذرات الذهب (6/104) ، وطبقات الأسنوي (1/ 0 39) ، والدرر الكامنة (1/ 0 35) .

(2)

طبقات الشافعية الكبرى (ج- 9 ص: 35- 91) .

(3)

في الطبقات " ولا تنازل، والتصويب من تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدرايسى والحلبي، لأحمد ابن إبراهيم بن عيسى.

ص: 224

وهو مع ذلك ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة، المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله فكما نتيقن (1) أن الله سبحانه له ذات حقيقة (2) وأفعال حقيقة (2) فكذلك (3) له صفات حقيقة (2) وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله عز وجل منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم وافتقار المحدث إلى محدث ووجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى " [يقول ابن جهبل بعد هذا مباشرة:] هذا نص إمامه فهلا اكتفى به، ولقد أتى إمامه في هذا المكان بجوامع الكلم، وساق أدلة المتكلمين على ما يدعيه هذا المارق بأحسن رد وأوضح بيان " (4) .

يقول الشيخ أحمد ابن إبراهيم بن عيسى النجدي (5)

في رده على هذا الكتاب لما نقل النص السابق: " أقول: لله در هذا الحلبي ما أمد باعه وأشد جمعه للعلوم واطلاعه، حيث أدرج كلام الإمام أحمد بن تيمية مع كلام الإمام أحمد من غير تمييز، وكلام الامام أحمد انتهى إلى قوله " لا نتجاوز القرآن والحديث فظن الحلبي بجهله أن الجميع كلام الامام أحمد، فأخذ يحتج به على ابن تيمية

(1) في الطبقات (9/39) لا فكان ينبغي والتصويب من الفتوى الحموية، مجموع الفتاوى (5/ 26) ، والذي في تنبيه النبيه والغبى " فكما " فقط والمعنى صحيح.

(2)

في المواضع الثلاثة في طبقات السبكى " حقيقية" والتصويب من الحموية والتنبيه.

(3)

في طبقات السبكى " وكذلك" والتصويب من نفس المصدرين السابقين.

(4)

طبقات الشافعية للسبكي (9/39-. 4)، وتنبيه النبيه والغبى (ص: 244) .

(5)

ولد في شقراء سنة: 1253 هـ، تتلمذ على الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وعلى ابنه عبد اللطيف، كان يتردد على مكة وجده للتجارة " والتقى بعبد القادر التلمساني التاجر وجرت بيهما مناقشات اقتنع الشيخ عبد القادر هذا بمذهب السلف، وصار ينشر كتبهم في مصر، وهو الذى نشر على نفقته كتاب ابن عيسى هذا التنبيه مع مجموعة مها الرد الوافر وغيرهـ ط الكردى- من كتب أحمد ابن عيسى شرح النونية المطبوع، ولم يذكر طابعوه - المكتب الاسلامي- له ترجمة! توفي سنة 1327 هـ.

انظر: فهرس الفهارس (1/25) ، ومعجم المؤلفين (1/141)، ومشاهير علماء نجد (ص:85) .

ص: 225

وهو نفس كلامه

ونظير هذا أن بعض معاصري (1) شيخ الإسلام ممن رد عليه في مسألة الاستغاثة صار يرد على الشيخ من كتابه " الصارم المسلول على منتقص الرسول "، فانظر إلى هذه السذاجة يرد عليه من كتابه " (2) .

يقول ابن تيمية- في المسألة الثانية قضية البكري- بعد أن نقل كلامه في حرص السلف على حمايته صلى الله عليه وسلم من السب أو التنقص: " هذا كله منقول من كلام المجيب من كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول، لكنه أزال بهجته وحذف من محاسنه ما ييين حقيقته، فالمجيب هو المنافح عن الله ورسوله، وهذا كلام المتشبع بما لم يعط، ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور (3) "(4) .

هناك ملاحظة أخرى حول منهج ابن تيمية وهي أنه أطال النفس في مناقشة الخصوم من أهل الكلام والفلسفة، ونقل نصوصا طويلة من كتبهم وناقشها، حتى أن القارىء- وقد يكون من المهتمين بمثل هذه القضايا- يجد صعوبة بالغة في ملاحقة الأفكار التي يناقشها، وهذا جزء من منهجه الذي ارتآه، لأنه لا يمكن قطع دابر بعض الشبه إلا بملاحقة أصولها، ومناقشة تلك الأصول التى قد تكون من المسائل الفلسفية التي لابد لردها من عرضها بوضوح ليغ نقضها بوضوح أيضا، وهذه بعض الأسباب نتلمسها من منهجه في هذا:

(1) هو البكرى: واسمه علي بن يعقوب بن جبريل البكري الشافعى المصري، أبو الحسن، نور الدين، فقيه أهل القاهرة، هاجم القبط في كنائسهم، وكانت له مواقف من السلطان، رد عليه ابن تيمية في مسألة الاستغاثة، ولد سنة 673 هـ، وتوفي سنة 724 هـ، انظر: البداية والنهاية (14/114) ، والدرر الكامنة (4/3 1 2) ، وطبقات ابن قاضي شهبة (2/ 0 36) ، والأسنوى (1/288) ، وشذرات الذهب (6/64)، وذيول العبر (ص: 69) .

(2)

تنبيه النبيه والغبى (ص: 244- هـ 24) .

(3)

متفق عليه لكن بلفظ " المتشبع "، البخاري كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم ينل، رقمه (5219) ، الفتح (9/317) ، رمسلم في اللباس، باب النهي عن التزوير في اللباس ورقمه (2129- 2130)، وانظر: المقاصد الحسنة (ض: 639) تحقيق الخشت.

(4)

1 لاستغاثة (2/360) ..

ص: 226

أ- فقد سأله البزار- أحد تلاميذهـ عن سبب اهتمامه بالأصول، فأجابه، يقول البزار: " ولقد أكثر- رضى الله عنهـ التصنيف في الأصول، فضلا عن غيره من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته، ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، فإذا قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين، جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول: فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة، والباطنية، والملاحدة، والقائلين بوحدة الو جود، وا لد هرية، وا لقد رية ة، والنصيرية، والجهمية، والحلولية، وا لمعطلة، والمجسمة، والمشبهة، والراوندية (1) ،

والكلابية، والسليمية (2) ، وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال، وبان لي أن كثيرا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية، الظاهرة العلية على كل دين، وإن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قل أن حمعت أو رأيت معرضأ عن الكتاب والسنة مقبلا على مقالاتهم إلا وقد تزندق أوصار على غير يقين في دينه وا عتقا ده ".

" فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم، أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويزيف دلائلهم، ذبا عن الملة الحنيفية والسنة الصحيحة الجليلة ".

(1) الراوندية أو الريوندية أتباع ابن الريوندى، وهي إحدى فرق الكيسانية، يزعمون أن الامامة كانت أولا حقا للعباس، انظر: إعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص: 63)، ت النشار. وابن الريوندي هو: أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسن، فيلسوف مجاهر بالالحاد، توفي سنة 298 هـ، انظر وفيات الأعيان (1/94) ، والمنتظم (6/96) ، ولسان الميزان (1/323) .

(2)

هكذا، وفي طبعة المنجد (ص: 34) ! السلمية، والمشهور " السليمانية " إحدى فرق الزيدية، أتباع سليمان بن جرير الزيدي، يزعمون الامامة شورى، ويقول بصحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ولذا يقرون بإمامة الشيخين، لكنهم يكفرون عثمان وطلحة والزبير.

انظر: مقالات الإسلاميين (ص: 68) - ت ريتر- الفرق بين الفرق (32)، التبصير بالدين (ص: 33) ، الملل والنحل للشهرستاني (1/159) .

ص: 227

" ولا والله ما رأيت منهم أحدأ ممن صنف في هذا الشأن وادعى علو المقام إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام، وسبب ذلك إعراضه عن الحق الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي حموها بزعمهم: حكميات، وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضا عن غيرها أصلا، فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم، فتخبط حتى خبط فيهاخبط عشواء، ولم يفرق بين الحق والباطل وإلا فالله أعظم لطفا بعباده أن لا يجعل لهم عقلا يقبل الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه، لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال، وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانا يزن به العبد الواردات فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، فكيف يقال: إنه مخالف لبعفما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟

هذا باطل قطعا، يشهد له كل عقل سليم لكن {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور:40] .

" قال الشيخ الإمام قدس الله روحه: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جل همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية "(1) .

فابن تيمية يرى أن سبب تركيزه على هذه الجوانب وإطالة النفس فيها ما رأى عند هذه الطوائف من ضلالات ترمى إفى زعزعة العقيدة ثم الشريعة، وأن الذين ردوا عليها من أهل الكلإم- اتبعوا طرق واصطلاحات الفلاسفة- فساعدوا بمضمون كلامهم في هدم قواعد دين الاسلام، فرأى أنه لابد من بيان الحق للناس صافيأ والرد على هذه المقالات بالأدلة النقلية والعقلية.

2-

وفي مناسبة يعلل ابن تيمية السبب في ذكر حجج الفلاسفة والرد عليها طويلا، ويبين أن كل من كان بفساد الباطل أعرف كان بصحة الحق أعرف

(1) الأعلام العلية (ص: 33- هـ 3) .

ص: 228

يقول: " ونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة، وبالأدلة التى يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان؛ وذلك لأنا في مقام المخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق، ولكن قد يعارض ما جاء منه عقليات يجب تقديمها عليه، وإذا كنا في مقام بيان فساد ما يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل، فذلك- ولله الحمد- هو علينا من أيسر الأمور ".

" ونحن- وللهالحمد- قد تبين لنا بيانا لا يحتمل النقيض فساد الحجج المعروفة للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم، التي يعارضون بها كتاب الله، علمنا بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك، وهذا- ولله الحمد- مما زادنا الله به هدى وإيمانا، فإن فساد مما يؤيد معرفة الحق ويقويه، وكل من كان أعرف بفساد الباطل، كان أعرف بصحة الحق

" (1) .

والمقصود هنا أن معرفة ما يعارض الكتاب والمرسلين كنبوة مسيلمة ونحوه

من الكذابين، وأقاويل أهل الالحاد الذين يعارضون بعقولهم وذوقهم ما جاء به الرسول كلما ازداد العارف معرفة بها بما جاء به الرسول، تبين له صدق ما جاء به الرسول وبيانه وبرهانه، وبطلان هذه وفسادها وكذبها " (2) .

3-

ويقول- في موضع آخر- معللا كثرة ردوده على ملاحدة الصوفية والجهمية، بأن هؤلاء ظهروا وانتشروا، وكثير من الناس يثق فيهم بل ويجعلهم أهل التحقيق، ويقول: " ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا، وظهروا وانتشروا، وهم عند كثير من الناس سادات الأنام، ومشايخ الاسلام، وأهل التوحيد والتحقيق، وأفضل أهل الطريق، حتى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين واكابر مشايخ الدين، لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال، وإيضاح هذا الضلال، ولكن يعلم أن الضلال لا حد له، وأن العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول، فسبحان من فرق بين نوع الإنسان فجعل منه من هو أفضل العالمين،

(1) الدرء (5/258) .

(2)

نفس المصدر (5/260) .

ص: 229

وجعل منه من هو شر من الشياطين، ولكن تشبيه هؤلاء بالأنبياء والأولياء كتشبيه مسيلمة الكذاب بسيد أولي الألباب هو الذي يوجب جهاد هؤلاء الملحدين، الذين يفسدون الدنيا والدين " (1) .

4-

ويعلل- في موضع آخر- كثرة نقوله وردوده أن بعض الناس كلما كان طريق الاستدلال أدق وأخفى وأطول كان أنفع له، يقول:" وقد بسطنا الكلام على ما قاله الناس في هذا المقام من " الحدوث والإمكان " وعلة الافتقار إلى المؤثر، وذكرنا عامة طرائق أهل الأرض في " إثبات الصانع " من المتكلمين والفلاسفة وطرق الأنبياء- صلوات الله عليهم- وما سلكه عامة نظار الإسلام من معتزلي، وكرامى، وكلابي، وأشعري، وفيلسوف، وغيرهم، في غير موضع مثل كتاب درء تعارض العقل والنقل، وغير ذلك، وكذلك بينا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في " شرح الأصبهانية "، وكتاب " الرد على النصارى " وغيرهما (2) . وبينا أن كثيرا من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول: لا يوصل إلى المطلوب إلا بهذا الطريق، ولا يكون الأمر كما قاله في النفي، وإن كان مصيبا في صحة ذلك الطريق، فإن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله على عقول الناس معرفة أدلته، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا، وطرق الناس في معرفتها كثيرة وكثير من الطرق لا يحتاج إليه اكثر الناس، وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره، أو من أعرض عن غيره ".

" وبعض الناس يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى واكثر مقدمات وأطول كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات، أو كانت جلية، لم تفرح نفسه به، ومثل هذا قد يستعمل معه الطريق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته، لا لكون العلم المطلوب

(1) الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الاسلام من بدع الجهمية والصوفية، مجموع الفتاوى (2/357-358) .

(2)

انظر أيضا في ذكره لتدرج ردوده على الخالفين، النبوات (ص: 226-227) ط دار الكتب

ص: 230

متوقفا عليها مطلقا، فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات، وهذا يسلك معه هذه الطريق)) (1) .

" وأيضا فإن النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدربه ويقويه على العلم، فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل، تعين على قوة الرمى والركوب وإن لم يكن ذلك وقت قتال، وهذا مقصد حسن، ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة، كالجبر والمقابلة، وعويص الفرائض، والوصايا، والدور (2) ، لشحذ الذهن، فإنه علم صحيح في نفسه، ولهذا يسمى " الرياضى " فإن لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: في رياضة الأبدان بالحركة والمشي،؟ يذكر ذلك الأطباء وغيرهم، وفي رياضة النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة، والآداب المحمودة، وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة، ويروى عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه أنه قال: " إذا لهوتم فالهوا بالرمى، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض " (3) ، أراد: إذا لهوا بعمل أن يلهوا بعمل ينفعهم في دينهم وهو الرمي، وإذا لهوا بكلام، لهوا بكلام ينفعهم أيضا في عقلهم ودينهم وهو الفرائض "(4) .

(1) الرد على المنطقيين (ص: 253-255)، وانظر (ص: 328) وما بعدها، وانظر درء التعارض (5/97، 105، 197) .

(2)

لابن تيمية كتاب في الدور، والدور أنواع: الدور الكوني: وهو نوعان: دور قبلي ودور معي، والنوع الثاني: الدور الحكمي الفقهى، والنوع الثالث: الدور الحسابي. انظر الرد على المنطقيين (ص: 257) .

(3)

روى موقوفا، رواه الحاكم في المستدرك (4/333) ، والبيهقى في السنن الكبرى (6/209) ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى، لكن قال ابن حجر في تلخيص الحبير (3/85) ، " ورواته ثقات إلا أنه منقطع "، كا ضعفه الألبانيي في إرواء الغليل برقم (1666) الارواء (6/107) . وفيه أبو هلال الراسبى: محمد بن سليم، صدوق فيه لين، التقريب، وقال ابن عدى في الكامل (6/ 2220) عامة أحاديثه عن قتادة غير محفوظة ". قلت: وهذا منها فقد رواه عن قتادة.

(4)

الرد على المنطقيين (ص: 255-256) .

ص: 231