المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ج- مذهب الأشعري بعد رجوعه [ - موقف ابن تيمية من الأشاعرة - جـ ١

[عبد الرحمن بن صالح المحمود]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد: السلف ومنهجهم لب العقيدة

- ‌المبحث الأول: التعريف بالسلف، وأهل السنة والجماعة وأهل الحديث

- ‌المبحث الثاني: من المقصود بالسلف؟ ونشأة التسمية بأهل السنة والجماعة

- ‌المبحث الثالث: منهج السلف في العقيدة

- ‌الباب الأول: ابن تيمية والأشاعرة

- ‌الفصل الأول: حياة ابن تيمية

- ‌تقدمة

- ‌المبحث الأول: عصر ابن تيمية

- ‌أولا: الصليبيون: [

- ‌ثانيا: ظهور التتار

- ‌ثالثا: المماليك:

- ‌ نظام المماليك الإداري:

- ‌رابعا: سقوط الخلافة العباسية في بغداد وإحياؤها في القاهرة:

- ‌خامسا: الباطنية والرافضة:

- ‌سادسا: بداية ظهور التحاكم إلى غير الشريعة:

- ‌سابعا: الجوانب العلمية والعقائدية:

- ‌المبحث الثاني: حياة ابن تيمية وآثاره

- ‌أولا: اسمه ونسبه ومولده:

- ‌ثانيا: حياته الأولى:

- ‌ثالثا: شيوخه:

- ‌رابعا: هل كان مقلدا لشيوخه

- ‌خامسا: جهاده وربطه بالعمل:

- ‌سادسا: مكانته ومنزلته:

- ‌سابعا: محنه وسجنه:

- ‌ثامنا: تلاميذه والمتأثرون به:

- ‌تاسعا: مؤلفاته ورسائله:

- ‌1- العقيدة الحموية:

- ‌2- جواب الاعتراضات المصرية على الفتاوى الحموية:

- ‌3- نقض أساس التقديس:

- ‌4- درء تعارض العقل والنقل:

- ‌5- القاعدة المراكشية:

- ‌6- الرسالة التدمرية:

- ‌7- شرح الأصفهانية:

- ‌8- المناظرة حول الواسطية:

- ‌9- الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات:

- ‌10- التسعينية:

- ‌11- النبوات:

- ‌12- الإيمان:

- ‌13- شرح أول المحصل للرازي:

- ‌14- مسائل من الأربعين للرازي:

- ‌عاشرا: عبادته وتوكله وذكره لربه:

- ‌حادي عشر: وفاته:

- ‌الفصل الثاني: منهج ابن تيمية في تقرير عقيدة السلف وفي رده على الخصوم

- ‌تمهيد

- ‌أولا: مقدمات في المنهج

- ‌ثانيا: منهجه في المعرفة والاستدلال:

- ‌ نقض أصول ومناهج الاستدلال الفلسفية والكلامية

- ‌ المنهج الصحيح للمعرفة والاستدلال

- ‌ثالثا: منهجه في بيان العقيدة وتوضيحها:

- ‌أ- منهجه في العقيدة عموما:

- ‌ب- منهجه في الأسماء والصفات:

- ‌رابعا: منهجه في الرد على الخصوم:

- ‌ا: بيان حال الخصوم

- ‌خامسا: الأمانة العلمية:

- ‌الفصل الثالث: أبو الحسن الأشعري

- ‌أولا: عصر الأشعري:

- ‌ثانيا: نسبه ومولده ووفاته:

- ‌ثالثا: ثناء العلماء عليه:

- ‌رابعا: شيوخه:

- ‌خامسا: تلاميذه:

- ‌سادسا: مؤلفاته:

- ‌1- مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين:

- ‌2- اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع:

- ‌3- رسالته إلى أهل الثغر:

- ‌4- الإبانة عن أصول الديانة:

- ‌5- رسالة استحسان الخوض في علم الكلام:

- ‌6- رسالة في الايمان

- ‌7- العمد في الرؤية:

- ‌8- كتاب تفسير القرآن:

- ‌سابعا: أطوار حياته العقدية:

- ‌أ- طور الأشعري الأول (مرحلة الاعتزال) :

- ‌ب- رجوعه عن الاعتزال وأسبابه:

- ‌ج- مذهب الأشعري بعد رجوعه [

- ‌ثامنا: عقيدته:

- ‌الفصل الرابع: نشأة الأشعرية وعقيدتهم

- ‌المبحث الأول: أسلاف الأشعرية "الكلابية" وموقف السلف منهم

- ‌أولا: ابن كلاب:

- ‌ثانيا: الحارث المحاسبي:

- ‌ثالثا: أبو العباس القلانسي:

- ‌موقف السلف من الكلابية:

الفصل: ‌ج- مذهب الأشعري بعد رجوعه [

بطريق صحيح أو في أحد كتبه المعتمدة السبب المباشر لتحوله ورجوعه، لذلك لابد من التماس ذلك في أكثر من سبب، علما بأن الرجوع إلى الحق ونبذ الباطل إنما هو عودة إلى الهداية الموافقة للفطرة، وهو أمر يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، فليس الأمر غرييا أو مخالفا للمعقول حتي يتلمس له السبب، والله أعلم.

* * *

‌ج- مذهب الأشعري بعد رجوعه [

هل كان طورا أو طورين؟] :

اختلف العلماء والباحثون- بعد اتفاقهم علي العطور الأول الذي هو طور الاعتزال- هل مر الأشعري بعد تحوله بطور أو طورين؟، ويمكن تحديد الأقوال كما يلي:

الأول: أن الأشعري- بعد تحولهـ بقي على طور واحد، وأنه في هذه المرحلة تابع ابن كلاب، لكن كانت له آراء مستقلة توسط فيها بين المعتزلة والمثبتة، نشأ عنها ما يسمى بالمذهب الأشعري، وهذا قول الأشعرية، أما كتاب الإبانة فإما أن يتغافلوا عنه، أو يقولوا بإثباته، لكنهم يفسرون مافيه من الإثبات بأن ذلك جاء على طريقة "التفويض" وأن هذا لا يتعارض مع القول بتأويل بعض الصفات (1) .

وهذا القول يقول به أيضا بعض العلماء من غير الأشاعرة، وهؤلاء يقولون: إن الأشعري سار علي طريقة ابن كلاب، فبقيت عليه بقايا من مذهب الاعتزال، أما كتاب الإبانة فيرون أنه مع أنه يقرب فيه كثيرا من مذهب السلف ق الاستدلال بالنصوص، إلا أن ما أثبت فيه هو مذهبه قبل ذلك، ولذلك فليس فيه ما يعارض كتبه السابقة، والمباحث التي ركز عليها في كتاب " اللمع"

(1) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (1/93) ، ولسان الميزان لابن حجر (3/ 291) الذى يرى أن الأشعري مشى على طريقة ابن كلاب في كتابه الإبانة، وهذا رأي ابن فورك الذي يرى أن أصولهما واحدة، انظر: نص كلامه فيما جمعه من مقالات ابن كلاب، نقض التأسيس المخطوط (1/37-41) .

ص: 377

لم يركز عليها في كتاب الإبانة، فليس بينهما تعارض، وليس في الإبانة ما بدل على رجوعه عن مذهب ابن كلاب (1) .

فهذان رأيان يتفقان في أن الأشعري مر بعد الاعتزال بمرحلة واحدة، ويختلفان في التفسير والتحليل.

الثاني: أن الأشعري بعد تحوله مر بطورين:

أ- طور التوسط والسير علي طريقة ابن كلاب.

ب- وطور الإثبات والتخلي عن طريقة ابن كلاب والسير علي منهاج أهل السنة والجماعة كما في " الإبانة".

لكن أصحاب هذا القول اختلفوا علي قولين متعارضين:

أحدهما: أن الأشعري مر أولا بطور التوسط والسير علي طريقة ابن كلاب

وألف في ذلك كتبه المختلفة التي اشتهرت وتناقلها الناس، ثم رجع في الآخر إلى مذهب السلف من خلال تأليفه للإبانة وذلك في آخر عمره في بغداد (2) .

(1) ويرى الدكتور فاروق دسوقي أن الأشعري، رجع مرة واحدة الي مذهب السلف، ولم يتغير موقفه ولا منهجه، ولا فرق بين الإبانة واللمع، انظر: رأيه وحججه بالتفصيل في كتابه القضاء والقدر (2/286-304) ، وهو رأي الدكتورة فوقية محمود، الإبانة- الدراسة- (ص: 91) .

(2)

من الذين نصوا على أن الأشعري مر بثلانة أطوار آخرها الرجوع الي مذهب السلف ابن كثير كما نقل عنه الزبيدى في إتحاف السادة المتقين (2/4)، والشيخ محب الدين الخطيب في حواشيه عل الروض الباسم (ص: 174) ، ومعارج القبول (1/346)، والمنتقي (ص: 41، 43) ، والشيخ أحمد بن حجر أبو طامي في العقائد السلفية (1/143)، والشيخ محمد الصالح العثيمين في القواعد المثلى (ص: 80-81) ، ومصطفي حلمي في ابن تيمية والتصوف (ص: 16) وفي قواعد المنهج السلفي - ط الثانية (ص: 30) وغيرهم، ومن الباحثين: هادى طالبي في رسالته أبو الحسن الأشعري بين المعتزلة والسلف (ص: 39) ومابعدها، وخليل إبراهيم الموصلى في رسالته بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين اليه في العقيدة (ص: 39) ومابعدها، ومحمد باكريم باعبد الله في مقدمة تحقيقه لكتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي (ص: 8) من الدراسة ومابعدها.

ص: 378

الآخر: العكس: وهو أن الأشعري، انتقل أولا إلى مذهب السلف، - الذي يسمونه مذهب الحنابلة- فألف الابانة في حال الحماس والاندفاع، ثم بعد ذلك انتقل إلى الطور الأخير الذي توسط فيه، وألف فيه كتبه ومنها اللمع، فهؤلاء يبنون قولهم علي أن الإبانة قبل اللمع (1) .

هذه أهم الأقوال الواردة في مسألة رجوع الأشعري-رحمه الله ويمكن تلخيصها كما يلي:

1-

إن الأشعري تحول عن الاعتزال إلى التوسط، أو ما يسمي بمذهب الأشعري، وان ما رجع إليه هو الحق.

2-

أنه رجع الى مذهب السلف والقول الحق- الذي هو مذهب الإمام أحمد -ولم تختلف أقواله ولا كتبه.

3-

أنه رجع الى المذهب الحق لكنه تابع ابن كلاب وبقيت عليه بقايا اعتزالية.

4-

أنه رجع أولا إلى التوسط ومتابعة ابن كلاب، ثم رجع إلى مذهب السلف رجوعا كاملا..

5-

أنه رجع أولا إلى مذهب السلف، ثم انتقل إلى التوسط واستقر عليه.

مناقشة هذه الأقوال:

أما بالنسبة للقول الأول والثاني فمبنيان علي أن ما سطره الأشعري في كتبه إنما هو المذهب الحق الذي يقولون به، فالأشاعرة المتأخرون الذين انحرفوا

(1) وهذا رأي الكوثري كما في تعليقه عل تبيين كذب المفترى (ص: 392)، وتعليقه على كتاب اللمعة (ص: 57) ، وحمودة غرابة في كتايه عن الأشعري (ص: 67-69) ، وفي مقدمة تحقيقه للمع (ص:6-9) ، وهو رأي عرفان عبد الحميد في دراسات في الفرق والعقائد (ص:148) ، وجلال موسى في نشأة الأشعرية (ص: 194-195) ، وأحمد صبحي في كتابه عن الأشاعرة (ص:45-46) ، وفوقية محمود في مقدمة الإبانة (ص 79-. 8، 90، 191)، والسقا في كتابه: الله وصفاته (ص:100-103) .

ص: 379

كثيرا عن مذهب السلف إذا نوقشوا في أقوالهم وانها مخالفة لأقوال السلف ولأقوال شيخهم الأشعري لا يقرون بذلك، وانما يقولون: ان السلف والأشعري قصدوا من الاثبات التفويض، ولا مانع من تفويض النصوص، أو تأويلها بما يوافق المعقول، وأن الأشعري ومن جاء بعده انما أرادوا دعم العقيدة بالحجج والقواعد الكلامية، لذلك تنتقل القضية مع هؤلاء من مسألة رجوع الأشعري الى مسألة أوسع الا وهي مذهب الأشعرية ومدى قربه أو بعده من مذهب السلف، وفصول الرسالة القادمة متضمنة لمناقشة ذلك.

أما رأى الدكتور فاروق دسوقي- ومن وافقهـ فبناه على أن الأشعري من المثبتة، وأنه قال بأقوال أهل السنة والإمام أحمد، وبنى ذلك على أنه ليس هناك تعارض بين اللمع والإبانة، وأن مباحثهما متقاربة، وإنما الاختلاف فقط في الأسلوب والطريقة، لأن الأشعري هدف من اللمع الرد على أهل الزيغ والبدع، وهدف من الابانة بيان الأدلة على أصول الديانة، فخلص من هذه الدراسة والمقارنة الى أن الأشعري رجع إلى مذهب الإمام أحمد، وهذا القول ربما يكون له وجاهة- مع بعض التحفظ أيضا- لو أن الأشعري ليس له الا هذان الكتابان، أما وقد ثبت أن للأشعري كتبا كثيرة نقل منها العلماء، وهي تدل علي أن للأشعري بعض الآراء الكلامية التي لا توافق مذهب السلف، فبصبح هذا الرأى ضعيفا جدا.

ثانيا: أما بالنسبة للقول الرابع والخامس، فالخلاف بينهما مبني على الإبانة واللمع أيهما أسبق، وبتحقيق الأمر في ذلك يتبين رجحان أحدهما.

وخلاصة أدلة من يرى أن كتاب الابانة ألفه الأشعري أولا ما يلي:

أ- قول ابن خلكان بعد ذكره لقصة رجوع الأشعري وانخلاعه من ثوب كان عليه:" ودفع للناس ما كتبه علي طريقة الجماعة من الفقهاء والمحدثين"(1) ، والإبانة هو الذى كتبه الأشعري على هذه الطريقة.

(1) انظر: دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية للدكتور عرفان عبد الحميد (ص: 148)، وانظر الإمام ابن تيمية وقضية التأويل (ص: 100) ، ونسبها الى طبعة عبد الحميد من الوفيات ولكن =

ص: 380

2-

أن العادة أن الإنسان إذا انتقل من عقيدة إلى عقيدة يكون متحمسا لعقيدته الجديدة، وأن الأشعري في أول فترة انتقاله كان متحمسا لعقيدة السلف، يعيش رد فعل لحياته الأولى، فمن الملائم- والحالة هذهـ أن الأشعري قد ألف كتابه الإبانة، التى يعلن فيها صراحة تمسكه بأقوال الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله (1) .

3-

أن المطلع على اللمع، يرى أنه يمثل فترة نضوج فكري، فهو يعرض فيه الأدلة والمناقشات بشكل جيد، فالأشعري في هذا الكتاب أقوي حجة وبيانا فلذلك من المفترض أن يكون ألفه في مرحلته الأخيرة (2) .

أما أدلة الذين يقولون إن الإبانة آخر كتب الأشعري فهي كما يلي:

1-

ما رواه ابن عساكر عن ابن عذرة في قصة رجوع الأشعري وفيها:

" فبعد ذلك خرج إلى الجامع فصعد المنبر وقال: يا معشر الناس: إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق علي باطل، ولا باطل على حق، فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني الى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ئوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس فمنها كتاب "اللمع" وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب " كشف الأسرار وهتك الأستار وغيرهما" (3) ، فهذا دليل على تقدم اللمع على الإبانة.

2-

أن الأشعري لما ذكر مؤلفاته في كتابه " العمد" لم يذكر منها الإبانة وقد ذكر ابن فورك أن هذه المؤلفات ألفها فى سنة عشرين وثلاثمائة، فلو كانت

= بعد الرجوع الى هذه الطبعة (2/446-447) لم أجده فيها، كما لم أجده في الطبعة الأولى (1/586-587) ، ولا في طبعة دار صادر (3/285) .

(1)

انظر: الأشعري: حمودة غرابة (ص: 67-68)، ومقدمة اللمع له (ص: 7-8) ، والقضاء والقدر: للدسوقي (2/298)، والأشاعرة: أحمد صبحي (ص: 45-46) .

(2)

انظر: نشأة الأشعربة وتطورها (ص: 194-195،210) ، والقضاء والقدر للدسوقي (2/298) .

(3)

التبيين (ص: 39) .

ص: 381

من ضمنها لذكرها، ولما أضاف ابن فورك ما ألفه بعد ذلك لم يذكر الابانة- وقد سبق عند الحديث عن الابانة ضمن مؤلفات الأشعري- التفصيل في ذلك، لكن ابن عساكر الناقل عن ابن فورك يذكر الإبانة وينقل منها نصوصا، فهذا يدل علي أن الإبانة من آخر ما ألفه الأشعري، مع أن الأشعري يذكر في قائمة كتبه كناب اللمع وهذا يدل علي تقدم اللمع علي الإبانة (1) .

3-

قصة الأشعري مع شيخ الحنابلة في بغداد البربهاري (2) ، فقد روي القاضي أبو يعلى أنه " لما دخل الأشعري الى بغداد جاء الى البربهاري، فجعل يقول: رددت علي الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلي اليهود والنصارى والمجوس، وقلت لهم، وقالوا واكثر الكلام في ذلك، فلما سكت قال البربهاري: ما أدرى مما قلت قليلا ولا كثيرا، ولا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل، قال: فخرج من عنده وصنف كتاب الإبانة فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها"(3) ، وقد ضعف ابن عساكر هذه الرواية فى قوله في آخرها "ولم يظهر ببغداد الى أن خرج منها" بأن الأشعري إذ صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها فإن بها منيته (4) ، وابن عساكر إنما ينكر هذه القصة لا تأخر الإبانة.

4-

دليل عقلي وهو أن الإنسان يغلب عليه التدرج شيئا فشيئا في تنقلاته، لأن الإنسان يتضح له الأمر شيئا فشيئا، فينتقل إليه خطوة خطوة، وهذا ما حدث للأشعري (5) .

(1) انظر: تبيين كذب المفتري (ص: 128-135) .

(2)

هو: الحسن بن على بن خلف أبو محمد البربهارى كان من المنكرين على أهل البدع، صحب جماعة من أصحاب الإمام أحمد، توفي سنة 328 هـ وقيل 329 هـ، طبقات الحنابلة (2/18) ، وسير أعلام النبلاء (15/90) .

(3)

طبقات الحنابلة (2/18) ، والوافي (12/246) ، والسير للذهبي (15/90)

(4)

انظر: التبيين (ص: 391) .

(5)

انظر: القضاء والقدر للدسوقي (2/295) .

ص: 382

5-

أن مجموعة من العلماء قالوا بأن الإبانة آخر مؤلفات الأشعري، ومنهم:

1-

إمام القراء أبو على الحسن بن على بن إبراهيم الفارسى ذكر انه صنف الإبانة في بغداد لما دخلها (1) .

2-

أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس المتوفي سنة 605 هـ، فإنه قال في رسالته في الذب عن الأشعري:" أما بعد: فاعلموا معاشر الإخوان وفقنا الله وإياكم للدين القويم وهدانا أجمعين للصراط المستقيم بأن كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي ألفه الإمام أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده "(2) .

3-

وشيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة من كتبه (3) .

4-

وابن قيم الجوزية، نقل منه في بعض كتبه وأشار إلى أنه آخر مؤلفاته (4) .

5-

وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ذكر أنه آخر مؤلفاته فقال:

"وهو آخر كتاب صنفه وعليه يعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه"(5) .

6-

وابن كثير كما نقل عنه الزبيدي (6) .

(1) انظر: رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس (ص: 115) - ت الفقيهي.

(2)

المصدر السابق (ص:107) .

(3)

من ذلك الرسالة المدنية- مجموع الفتاوي (6/359) ، والحموية- مجموع الفتاوي (5/93) ، ونقض التأسيس المخطوط (1/83) ، وغيرها.

(4)

انظر: مختصر الصواعق (2/136) ، ففيه أشار الى أنه آخر مؤلفاته.

(5)

شذرات الذهب (2/303) .

(6)

انظر: اتحاف السادة المتقين (2/4) .

ص: 383

7-

والشيخ إبراهيم بن مصطفي الحلبي، المتوفي سنة 1190 هـ في كتابه " اللمعة في تحقيق مباحث الوجود والحدوث والقدر وأفعال العباد"(1) .

8-

والشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني، المتوفي سنة 1101 هـ كما في القول الجلى (2) .

9-

والشيخ خالد النقشبندى الشافعى شيخ مشايخ الألوسي كما في جلاء العينين (3) .

10-

والشيخ نعمان خير الدين الألوسى في كتابه جلاء العينين (4) .

11-

والشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على المنتقي من منهاج الإعتدال (5) .

وغيرهم (6) ، وهؤلاء هم الذين نصوا على أن " الابانة" آخر مؤلفات الأشعري أما الذين ذكروا الإبانة ونسبوها إلى الأشعري فكثيرون.

هذه خلاصة أدلة الذين يقولون بتأخر الإبانة عن اللمع، وهي كما يلاحظ أدلة علمية تعتمد على نقل العلماء وأقوالهم. أما أدلة القول الأول فليس في واحد منها ما ينص على تأخر اللمع وتقدم الإبانة؛ فعبارة ابن خلكان مجملة، وجميع

(1)(ص:57) .

(2)

(ص: 36) - ت سالم الدخيل، ضمن مجلة كلية أصول الدين العدد الثاني 1399- 1400 هـ وهو في (ص: 216) في ترقيم صفحات المجلة.

(3)

(ص: 157) - ط المدني.

(4)

(ص: 462) .

(5)

(ص:41،43) .

(6)

فقد رجحه مجموعة من الباحثين منهم: راجح الكردى في كتابه " علاقة صفات الله تعالى بذاته (ص: 142) ، ومحمد أحمد محمود في كتابه" الحنابلة في بغداد (ص: 186)، ورضا نعسان في علاقة الإثبات والتفويض (ص: 41-44) ، وقد ذكر (ص: 41) أن فوقية محمود في تحقيقها للإبانة أثبتت انه آخر مؤلفاته وهو وهم بل هي ترى العكس انظر مقدمتها للأبانة (ص: 79-.8،90، 191)، وممن رجحه من المستشرقين جولد تسهر في العقيدة والشريعة في الإسلام (ص: 122) ، ومكدونالد كما جاء في الحنابلة في بغداد (ص: 186) .

ص: 384

الذين يميلون إلى المذهب الأشعري يقولون ان كتبه كلها تسير على طريقة الفقهاء والمحدثين لا يفرقون بين الإبانة واللمع، أما الدليل النفسي وأن الإنسان عند انتقاله يكون متحمسا فيقابله دليل نفسي آخر وهو التدرج الذى ورد في أدلة القول الثاني، أما مسألة النضج ففى الإبانة مناقشات للمعتزلة لا تقل قوة عن مافي اللمع، فيتبين بذلك أن الإبانة آخر مؤلفات الأشعري، ويتبين أيضا ضعف هذا القول الذى يقول: ان الأشعري رجع أولا إلى مذهب السلف ثم استقر على التوسط.

ثالثا: من خلال المناقشة السابقة تبين أن القول الأول مع ظهور ضعفه فهو خارج محل النقاش فهو يقوم على دعوى أن الأشعري يتأول أحيانا الصفات الخبرية، وأنه قال بالتفويض، أو المجاملة للحنابلة حين ألف الإبانة والا فليس هذا معتقده، وكل هذا من أجل تبرير التطور الذى حدث للمذهب الأشعري حين انحرف الأشعرية عن كثير من آراء شيخهم أبو الحسن-رحمه الله تعالى-- كما تبين أن القول الثاني والقول الخامس ضعيفان.

وبقي من الأقوال:

ا- القول الثالث: أنه رجع الى الحق لكنه تابع ابن كلاب وبقيت عليه بقايا اعتزالية وكلامية.

2-

والقول الرابع: أنه رجع أولا إلى قول ابن كلاب ثم رجع أخيرا إلى مذهب السلف

وقبل المناقشة وبيان أدلة الفريقين ثم الترجيح نعرض لما يلي:

1-

أن نسبة الأقوال إلى شخص إنما تأتي من خلال كتبه وأقواله المروية عنه، وكثيرا ما يشهر عن أحد من العلماء أقوال فتنسب اليه هذه الأقوال ويتناقلها الناس خاصة اذا كانت مسطرة في كتاب أو كتب اشتهرت باسمه فإذا ما رجع هذا العالم عن أقواله هذه فربما لاتشتهر بحيث تستدرك ما عرف أولا عنه، وخاصة إذا تبني الأقوال الأولى أناس وشرحوها ودرسوها للناس على أنها القول الحق،

ص: 385

فالغالب أنها هي التي تنتشر وتشتهر وتبقى أقواله المتأخرة خافتة وضعيفة، ولا يحتج بها إلا عند الرد على الخصوم أو عند الحاجة، وهذا الكلام ينطبق على كثير من أعلام أهل الكلام، فالجويني مثلا اشتهرت كتبه الأشعرية كالشامل والإرشاد ولمع الأدلة، وتناقلها الناس، لكن رجوعه في آخر عمره إلى عقيدة السلف وما سطره في النظامية لا يكاد يعتمد على أنه قوله ومذهبه الذي يجب أن ينسب إليه، ومثله الرازى الذى ألف كتبا فلسفية وكلامية على مذهب الأشاعرة، انتشرت وتناقلها الناس ولكن رجوعه ووصيته في آخر عمره لا تكاد تذكر فيما ينسب إليه من العقائد.

وهذا نفسه ينطق على الأشعري فكتبه الكلامية انتشرت وتناقلها الناس، ومن يطالع مجرد مقالات أبو الحسن الأشعري الذى ألفه ابن فورك- على مافيه من ملاحظات- والذى اعتمد فيه على عدد كبير من مؤلفات الأشعري المفقودة يرى العجب من الآراء الكلامية والمنطقية، ومع ذلك فهي التي انتشرت ونسبت إلى الأشعري أما ما ذكره في المقالات من أقوال أهل الحديث وماسطره في الإبانة فلا تجد لهـ في الغالب- ذكرا لدى الأشعرية المتأخرين.

لذلك فحينما نناقش قضية رجوع الأشعري قد لا تكون هناك فائدة كبيرة لأولئك الذين أشربوا المذهب الأشعري في أطواره الأخيرة، وإنما هو منهج في بيان مذهب السلف والرد على متأخرى الأشعرية بأقوال شيخهم أبي الحسن وانهم لم يقولوا بما قاله في كتبه المتأخرة كالإبانة وغيره، وان أقواله إنما تدعم ما يقوله من يسير على مذهب السلف أهل السنة والجماعة.

2-

أن أهم ما يميز مذهب ابن كلاب- الذي تابعه الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال- قوله في مسألة الكلام والصفات الاختيارية لله تعالى، أما الصفات اللازمة لله تعالى فهو يثبتها مثل السمع والبصر والعلم والقدرة، ومثل اليدين والوجه والعينين والعلو والاستواء وغيرها لكنه قال بامتناع أن تقوم الصفات الاختيارية بذات الله مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك، وعلل ذلك بأنه يستلزم حلول الحوادث بذات الله تعالى وما لم يخل من الحوادث

ص: 386

فهو حادث واضطر لطرد هذا الأصل أن يقول في مسألة كلام الله: إنه ليس إلا مجرد المعنى وان الحروف ليست من كلام الله. كما أنه بناء على هذا الأصل لم يثبت لله صفة الرضي والغضب.

فهذه الطريقة لم تكن موجودة قبل ابن كلاب، بل كان الناس قبله على قولين فقط، قول المعتزلة والجهمية والنفاة، وقول السلف الذين يثبتون لله جميع الصفات سواء كانت لازمة لذاته أو تتعلق بمشيئته وقدرته، فلما جاء ابن كلاب أثبت الصفات لكنه نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته، واتبعه على ذلك جماعة منهم

الأشعري (1) .

3-

أما الأدلة على كون الأشعري قد تابع ابن كلاب فيتضح من خلال النصوص التالية:

أ- يقول الأشعري في اللمع في الدلالة على اثبات الصانع- بعد أن ذكر دليل خلق الإنسان-: "فإن قالوا: فما يؤمنكم أن تكون النطفة لم تزل قديمة؟ قيل لهم: لو كان ذلك كما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الإعتمال والتأثير، ولا الانقلاب والتغيير، لأن القديم لا يجوز انتقاله وتغيره، وأن يجري عليه صفات الحدث.."(2) ، والصفات الاختيارية التي تدل على أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، وأنه ينزل ويأتي كما يليق بجلاله وعظمته هى عند الأشعري من الحوادث التي لا يجوز أن تحل بذاته تعالى.

ب- ويقول في مسألة كلام الله وأنه قديم أزلي: "دليل آخر على أن الله لم يزل متكلما: ان الكلام لا يخلو أن يكون قديما أو حديثا، فإن كان محدثا لم يخل أن يحدثه في نفسه، أو قائما بنفسه، أو في غيره، فيستحيل أن يحدثه في نفسه لأنه ليس بمحل للحوادث

ثم يقول: وإذا فسدت الوجوه التي

(1) انظر: رسالة الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزى (ص: 87) ومابعدها ط على الآلة الكاتبة، وانظر: درء التعارض (2/6)، وانظر: أقوال ابن كلاب في مقالات الأشعري (ص:169،584) - ط ريتر.

(2)

اللمع (ص: 19) غر ابة، و (ص: 7) - ط- مكارثي.

ص: 387

لا يخلو الكلام منها لو كان محدثا صح أنه قديم وأن الله تعالى لم يزل به متكلما" (1) . فنفى أن يحدثه في نفسه أى أن يتكلم به إذا شاء متى شاء، وعلل ذلك بأنه ليس محلا للحوادث ثم أثبت أن كلامه قديم وأن الله لم يزل به متكلما.

ج- وفي مسألة الارادة يقول بعد ذكره لدليل الكلام:"وهذا الدليل على قدم الكلام هو الدليل على قدم الإرادة لله تعالى لأنها لو كانت محدثة لكانت لا تخلو من أن يحدثها في نفسه أو في غيره أو قائمة بنفسها، فيستحيل أن يحدثها في نفسه لأنه ليس بمحل للحوادث، ويستحيل أن يحدثها قائمة بنفسها لأنها صفة والصفة لا تقوم بنفسها كما لا يجوز أن يحدث علما وقدرة قائمين بأنفسهما، ويستحيل أن يحدثها في غيره لأن هذا يوجب أن يكون ذلك الغير مريدا بإرادة الله تعالى، فلما استحالت هذه الوجوه التي لا تخلو الإرادة منها لو كانت محدثة، صح أنها قديمة، وأن الله لم يزل مريدا بها"(2) .

د- ويقول الأشعري في رسالته الى أهل الثغر في باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول: "وأجمعوا على إثبات حياة الله عز وجل لم يزل بها حيا، وعلما لم يزل به عالما، وقدرة لم يزل بها قادرا، وكلاما لم يزل به متكلما، وإرادة لم يزل بها مريدا، وسمعا وبصرا لم يزل به سميعا بصيرا، وعلى أن شيئا من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثا؛ إذ لو كان شيء منها محدثا لكان تعالى قبل حدثها موصوفا بضدها، ولو كان كذلك يخرج عن الأهلية وصار إلى حكم المحدثين (3) ، الذي يلحقهم النقص ويختلف عليهم صفات الذم والمدح، وهذا يستحيل على الله عز وجل، وإذا استحال ذلك عليه وجب أن يكون لم يزل بصفة الكمال، إذا كان لا يجوز عليه الانتقال من حال من الكمال"(4) . وهذا واضح في نفي الصفات الاختيارية له تعالى.

(1) اللمع (ص: 43- 44)، و (ص: 22) - ط- مكارثي

(2)

اللمع (ص: 45- 6،) - ط- غرابة، و (ص: 23) - مكارثي.

(3)

في الطبعة الأخيرة- ت عبد الله شاكر (ص: 215) -"ولو كان كذلك لخرج عن الإلهية وصار الى حكم المحدثين".

(4)

رسالة أهل الثغر (ص: 67-68) ت الجليند وفيه وسار بدل (وصار) وهو خطأ.

ص: 388

هـ- وقال في إثبات صفات الله وأنها صفات له على الحقيقة لا على المجاز، وذكر الحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، ثم قال: " واجب- إذا أثبتنا هذه الصفات له عز وجل على ما ذكرته العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها- أن لا تكون محدثة، لأنه تعالى لم يزل موصوفا بها، ولا يجب أن تكون أعراضا لأنه عز وجل ليس بجسم، وإنما توجد الأعراض في الأجساد، وتدل بأعراضها فيها وتعاقبها عليها على حدثها، ويجب أن لا تكون غيره عز وجل، لأن غير الشىء هو مفارقته له على وجه من الوجوه، والباريء عز وجل لا تجب مفارقة صفاته له من قبل أن مفارقتها له ما يوجب حدثه وخروجه عن الإلهية، وهذا يستحيل عليه كما لا يجب أن تكون نفس الباريء عز وجل جسما أو جوهرا أو محدودا، أو في مكان دون مكان، أو غير ذلك، مما لا يجوز عليه من صفاتنا لمفارقته لنا، فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا

" (1) ، وهذا واضح في أنه لا يرى مفارقة صفات الله له لأن هذا يوجب حدثه، كما نفى أن يكون تعالى في مكان دون مكان، ولذلك قال في صفة المجيء: " وأجمعوا على أنه يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا، لعرض الأم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن شاء من المذنبين، ويعذب منهم من يشاء كما قال، وليس مجيئه حركة ولا زوالا، وإنما يكون المجيء حركة وزوالا إذا كان الجائي جسما أو جوهرا، فإذا ثبت أنه عز وجل ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه نقلة أو حركة، ألا ترى أنهم لا يرون بقولهم: جاءت زيدا الحمي، أنها تنقلت إليه أو تحركت من مكان كانت فيه، إذ لم تكن جسما ولا جوهرا وإنما مجيئها إليه وجودها به " (2)

ثم قال عن صفة النزول: " وأنه عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس نزوله تعالى نقلة لأنه ليس بجسم ولا جوهر، وقد نزل الوحي على النبى صلى الله عليه وسلم عند من خالفنا"(3) ، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان.

(1) الرسالة إلى أهل الثغر (ص: 70)، وفى هذه الطبعة تحريف عدلته من ط عبد الله شاكر (ص:218-219) .

(2)

نفس المصدر (ص: 73-74) ..

(3)

الرسالة إلى أهل الثغر (ص: 74) .

ص: 389

و ويقول الأشعري في صفة الرضا والغضب: " وأجمعوا على أنه عز وجل يرضي عن الطائعين له (1) ، وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم وأن غضبه إرادته لعذابهم وأنه لا يقوم لغضبه شيء"(2) .

فهذا نص في تأويل الرضا والغضب.

هذه آراء الأشعري الدالة على أنه سلك طريق ابن كلاب في مسألة الصفات، فهل رجع عن هذا القول إلى مذهب السلف؟.

الذين يرون أته رجع رجوعا كاملا:

أ- تصريح الأشعري في الإبانة برجوعه واتباعه للإمام أحمد، فإنه قال:" قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن السادة، الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد ابن محمد ابن حنبل- نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبتهـ قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائفين، وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم"(3) ، فهذا تصرج منه برجوعه إلى مذهب السلف الذين يمثلهم الامام أحمد، وأنه قائل بأقواله، مخالف لما خالفها، والإمام أحمد- نفسهـ كان شديدا على الكلابية، ولذلك هجر الحارث المحاسبي لكونه كلابيا.

2-

قول الحافظ ابن عساكر معلقا على النص السابق للأشعري حين نقله ونقل ماذكره من اعتقاده، قال:"فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه

(1) في المطبوعة هنا زيادة "وإن له" ويبدو أنه خطأ مطبعي والتصويب من المخطوطة (ص: 12)

(2)

المصدر السابق (ص: 74- هـ 7) .

(3)

الإبانة (ص:20-21) - ت- فوقية، و (ص:6-7) - ط- هندية.

ص: 390

وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الامام العالم الذى شرحه وبينه، وانظروا سهولة لفظه فما أفصحه وأحسنه، وكونوا ممن قال الله فهم {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] وتبينوا فضل أبي الحسن واعرفوا إنصافه واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل، واعترافه، لتعلموا أنهما كانا في الإعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين" (1) .

3-

تتلمذ الأشعري على الحافظ زكريا الساجي، الذي توفي سنة 307 هـ يقول الذهبي:"وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها، وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الحديث ومقالات أهل السنة"(2) وقال أيضا عنه:"وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الأصولى تحرير مقالة أهل الحديث والسلف"(3) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " قلت: زكريا بن يحيى الساجي أخذ عنه أبو الحسن الأشعري ما أخذه من أصول أهل السنة والحديث وكثير مما نقل في كتاب: مقالات الإسلاميين من مذهب أهل السنة والحديث"(4) ، فهذا يدل على رجوع الأشعري الي مذهب أهل السنة والحديث.

4-

أن الأشعري في مقالات الإسلاميين الذي يعتبر من مؤلفاته المتأخرة فرق بين مقالة أهل السنة والحديث ومقالة ابن كلاب وأصحابه، ثم لما ذكر مقالة أهل الحديث قال:"وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول واليه نذهب"(5)، ولما ذكر مقالة ابن كلاب- في مواضع متفرقة- لم يقل: إنه يقول بقوله، وهذا دليل على أنهـ في تلك الفترة- لم يكن متابعا له.

5-

قول الإمام ابن كثير:"ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:

أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.

(1) التبيين (ص: 163) .

(2)

العلو (ص: 150) .

(3)

تذكرة الحفاظ (2/907) .

(4)

شرح حديث النزول، مجموع الفتاوي (5/386) .

(5)

المقالات (ص: 297) ، ريتر.

ص: 391

الحال الثاني: اثبات الصفات العقلية السبعة، وهي الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام، وتأويل الجزئية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك (1) .

الحال الثالث: أثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرا وشرحها الباقلاني، ونقلها ابن عساكر " (2) .

6-

وأهم المسائل في مذهب الأشعرية التي تميزهم مسألة كلام الله، ونصوصه في الإبانة تدل على أنه يقول بقول أهل السنة وأنه لا يقول بالكلام النفسي، يقول:"وقد قال الله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء:164] ، والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره، مخلوقا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم"(3)، ثم يقول عن القرآن " فإن قال قائل: حدثونا أتقولون ان كلام الله في اللوح المحفوظ؟ قيل له: كذلك نقول، لأن الله تعالى قال:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21- 22] ، فالقرآن في اللوح المحفوظ، وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال الله تعالى:{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] ، وهو متلو بالألسنة، قال الله تعالى:{لا تحرك لسانك لتعجل به} [القيامة: 16] ، والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، كما قال تعالى:{فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة:6] ، (4) ، فهو يصرح أنه محفوظ مسموع متلو مكتوب كل ذلك في الحقيقة.

(1) هذا النقل غير دقيق، إذ ليس للأشعري في الصفات الخبرية كالوجه والبدين قول بتأويلهما، والزبيدى ذكر في إتحاف السادة (2/3) أنه سينقل من كتاب الطبقات لابن كثير.

(2)

نقلا عن إتحاف السادة المتقين للزبيدي (2/4) .

(3)

الإبانة (ص: 72) - ت- فوقية، و (ص: 29) - ط- هندية.

(4)

الإبانة (ص:100-101) - ت - فوقية، و (ص: 29) - ط- هندية.

ص: 392

7-

يقول الشيخ حافظ الحكمي الذي رجح رجوعه الى مذهب السلف حتى في مسألة الكلام التى كان يقول فيها بقول ابن كلاب، وذلك حين شرح الأقوال فى مسألة الكلام نقلا عن الصواعق لابن القيم، فذكر المذهب الخامس - مذهب الأشعري- ومن وافقه أنه معنى واحد قائم بذات الرب، لأنه ليس بحرف ولا صوت ولا ينقسم، ثم ذكر أن هذا المذهب مبني على مسألة انكار قيام الأفعال والأمور الاختيارية بالرب تعالى، وهي مسألة حلول الحوادث (1) .

لكن الشيخ حافظ-رحمه الله عقب قائلا: " وأقول: والحق يقال، لا شك أن ابن القيم هذا وشيخه ابن تيمية- رحمهما الله تعالى- من أعلم من صنف في المقالات والملل والنحل وأدراهم بمواردها ومصادرها وأبصرهم برد الباطل منها وإدحاضه، وأوفاهم تقريرا لمذهب السلف أهل السنة والجماعة، وأشدهم تمسكا به ونصرة له، واكملهم تحريرا لبراهينه عقلا ونقلا، واكثرهم اشتغالا بهذا الباب وتنقيبا عن عامل البدع واجتثاثا لأصولها، ولكن هذا الذى ذكرهـ رحمه الله تعالى- عن الأشعري في مسألة القرآن هو الذي وجدناه عمن ينتسب إلى الأشعري، ويسمون أنفسهم أهل الحق، ويقررون ذلك ويكررونه في كتبهم، ويناظرون عليه، وأما أبو الحسن الأشعري نفسهـ رحمه الله تعالى- فالذى قرره في كتاب الإبانة، الذي هو من آخر ما صنف هو قول أهل الحديث ساقه بحروفه، وجاء به برمته، واحتج فيه ببراهينهم العقلية والنقلية، ثم نقل أقوال الأئمة في ذلك كأحمد بن حنبل، ومالك بن أنس، والشافعي، وأصحابه، والحمادين، والسفيانين، وعبد العزيز بن الماجشون، والليث بن سعد، وهشام وعيسى بن يونس، وحفص بن غياث، وسعد بن عامر، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي بكر بن عياش، ووكيع، وأبي عاصم النبيل، ويعلى بن عبيد، ومحمد بن يوسف، وبشر بن المفضل، وعبد الله ابن داود، وسلام بن أبي مطيع، وابن المبارك، وعلي بن عاصم، وأحمد بن يونس، وأبي نعيم، وقبيصة ابن عقبة، وسليمان بن داود، وأبي عبيد القاسم ابن سلام، وغيرهم، ولولا

(1) انظر: معارج القبول (1/343-344) - ط- السلفية.

ص: 393

خوف الإطالة لسقنا فصول كلامه بحروفه، فإنه وإن أخطأ في تأويل بعض الآيات، وأجمل في بعض المواضع، فكلامه يدل على أنه مخالف للمنتسبين إليه من المتكلمين في مسألة القرآن، كما هو مخالف لهم في إثباته الاستواء، والنزول، والرؤية، والوجه، واليدين، والغضب، والرضا، وغير ذلك، وقد صرح في مقالاته (1) ، بأنه قائل بما قال الإمام أحمد ابن حنبل وأئمة الحديث، معتقد ما هم عليه، مثبت لما أثبتوه، محرم ما أحدث المتكلمون من تحريف الكلم عن مواضعه وصرف اللفظ عن ظاهره، وإخراجه عن حقيقته، وبالجملة فبينه وبين المنتسبين اليه بون بعيد، بل هو برىء منهم، وهم منه براء، والموعد الله وكفي بالله حسيبا، وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله" (2) . هذه أدلة الذين يرون رجوع الأشعري رجوعا كاملا الى مذهب السلف.

الذين يرون أنه بقى كلابيا:

أما الذين يرون أنه بقى كلابيا ولم يكن رجوعه كاملا فأشهرهم ابن حزم (3) ، وعبد الجبار الهمذاني (4) ، وشارح الطحاوية ابن أبي العز (5) ، وهو قول ابن تيمية وابن القيم، وهذه بعض أقوالهما في ذلك- أما شارح الطحاوية فهو ناقل عنهما-:

1-

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال الى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الامام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها، كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها، وكان مختلطا بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم

(1) أى أقواله في الإبانة، لا كتاب المقالات.

(2)

معارج القبول (1/344-346) ، وقد علق محب الدين الخطيب هنا في الحاشية بما يؤيد قول المؤلف.

(3)

في الفصل (3/25) - المحققة، ونسب الى الأشعري أنه يقول: إن القرآن أزلي مع الله لم يفارقه، ولا أنزل إلينا ولا سمعناه قط!، لكنه قبل ذلك ذكر قول أتباع الأشعري فيه.

(4)

في شرح الأصول الخمسة، انظر:(ص: 528) .

(5)

في شرح الطحاوية (ص: 180) - ط- المكتب الإسلامي.

ص: 394

بهم" (1) ، فهو ينسبه إلى مقالة ابن كلاب، ومع ذلك لا يغفل انتسابه إلى الإمام أحمد ولا كتابه الابانة، بل ينسب كلابيته إليه والى المقالات والموجز، ثم بعد كلامه عن الأشعري واثباته الصفات الخبرية وأنه ليس له فيها قولان، وإنما لأتباعه فيها قولان يقول:"وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم الى البدعة، وبقايا بعض الاعتزال فيهم " (2) ، ولم يستثن الإبانة من هذا الحكم العام (3) .

2-

ولما ذكر أن متأخرى الأشعرية مالوا إلى نوع من التجهم بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه قال:"والذى كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريق الأعراض وتركيب الأجسام، وانكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة، كالحارث المحاسبي، وأبي علي الثقفي، وأبي بكر بن اسحاق الصبغي

" (4) .

3-

ولما ذكر قول من قال في كلام الله بأن حروف القرآن ليست من كلام الله وأن كلام الله معني قائم بذاته هو الأمر والنهي والخبر عقب بقوله:" وهذا القول أول من أحدثه ابن كلاب، ولكنه هو ومن أتبعه عليه كالأشعري وغيره يقولون مع ذلك: أن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة، متلو بالألسن حقيقة مكتوب في المصاحف حقيقة

" (5) ، وهذا نص مهم جدا في بيان رأى شيخ

(1) درء التعارض (2/16)، وقد نقل ابن القيم هذا الكلام في اجتماع الجيوش الاسلامية (ص: 181) مؤيدا له.

(2)

درء التعارض (2/18) .

(3)

بل لشيخ الإسلام نص آخر في منهاج السنة (2/227-229) - ط جامعة الامام- يذكر فيه أن الأشعري احتج في الإبانة بمقدمات سلمها للمعتزلة، وأنه لذلك نسب الى التناقض.

(4)

درء التعارض (7/97) .

(5)

مجموع الفتاوى (8/424) .

ص: 395

الإسلام في هذا النص الوارد في الإبانة، والذى هو أحد الأدلة للذين يقولون برجوع الأشعري عن مذهب ابن كلاب الى قول أهل السنة.

4-

وذكر ابن القيم الأقوال في كلام الله ومنها قول الأشعري فقال:" المذهب الخامس: مذهب الأشعري ومن وافقه: انه معنى واحد، قائم بذات الرب، وهو صفة قديمة أزلية، ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا له أبعاض، ولا له أجزاء..... (1) .

5-

وهناك كلام مهم لشيخ الإسلام ابن تيمية حول الابانة، ومن اعتقد مافيه، فإنه قال:"فأما من قال منهم بكتاب الابانة الذى صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب الى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر"(2) ، وقد قال ذلك لبيان أن الأشعرية حين يصفهم بعض علماء السنة بأنهم جهمية إنما يقصدون نفاة الصفات الخبرية، أما من قال بالإبانة ولم يظهر مقالة تناقض مافيها فليس بأشعري، ويلاحظ هنا ما يلي:

أ- أن كلام ابن تيمية هنا حول الصفات الخبرية التي أولها متأخرو الأشعرية وليس الكلام عن كلام الله الذي كرر شيخ الإسلام ان الاشعرى متبع فيه لابن كلاب.

ب- أنه قال هنا:"ولم يظهر مقالة تناقض ذلك"، ولا شك أن للأشعري أقوالا في مسألة الكلام تخالف مذهب السلف، فهل يرى شيخ الإسلام أن على الأشعري أن يعلن في الابانة- أو غيرهـ براءته من أقواله الأخري التي وافق فيها ابن كلاب؟.

ج- وشيخ الإسلام لا يجعل أقوال الأشعري كلها بمنزلة واحدة في قربه

(1) مختصر الصواعق (2/ 291) .

(2)

الرسالة المدنية، مجموع الفتاوى (9/6 35-360) .

ص: 396

من مذهب السلف، فهو يرى أنه لما قدم بغداد أخذ أمورا أخرى من مذهب أهل السنة غير التي أخذها في البصرة، يقول:"والأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال الى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلبة بغداد أمورا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم"(1) . فمنزلة الإبانة- عند شيخ الإسلام- ليست كمنزلة كتبه التي ألفها قبل قدومه إلى بغداد.

د- والدليل على أن شيخ الإسلام قصد من قوله: من قال بالإبانة فليس بأشعرى- لأثبات الصفات الخبرية- أن في إلإبانة أقوالا في بعض المسائل، لا توافق مذهب السلف ومنها مسألة الإستطاعة فإن الأشعري قال:"وان أحدا لا يستطع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله"(2)، وكذلك مسألة القدرة فإنه ذكر أن الكافرين غير قادرين على الإيمان وقال:"ووجب أن يكون الله تعالى اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين"(3) وفي تفسير قوله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56] قال "إن الله تعالى إنما عنى المؤمنين دون الكافرين "(4) ، وهذا بناء على أصل قوله في القدرة والتعليل.

هـ- وأن تيمية كتب كتبه وقد اطلع على ما وصل اليه من كتب الأشعري ومنها المقالات، والإبانة، واللمع، ورسالته الى أهل الثغر، ولم يذكر في موضع أن الأشعري ترك طريقة ابن كلاب، بل كثيرا ما يمتدح ابن كلاب ويذكر أنه اكثر أثباتا واتباعا للسنة من الأشعري، وكتاب الإبانة نقل عنه كثيرا خاصة في كتبه التي رد فيها على أشاعرة عصره الذين خالفوا الأشعري في كثير من أقواله.

(1) مجموع الفتاوى (3/228) .

(2)

الإبانة (ص: 23) .

(3)

نفس المصدر (ص: 185) .

(4)

نفسه (ص: 192) .

ص: 397

ومما سبق يمكن أن نستخلص أدلة من يرى أنه بقى على كلابيته فيما يلي:

ا- أن الأشعري لم يذكر في الإبانة رجوعه عن مذهب ابن كلاب، وأن عباراته المتعلقة بمسألة القرآن وكلام الله ركزعلى الرد على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، ولو كان يعتقد بطلان مقالة ابن كلاب- التي اتبعها- لرد عليها، وأبطلها، فدل ذلك على أن عباراته الموافقة لمذهب أهل السنة لا تعارض ما يعتقده من مذهب ابن كلاب.

2-

أن الأشعري لو كان رجوعه كاملا إلى مذهب السلف لما شنع عليه بعض علماء أهل السنة وأنكروا بعض أقواله.

الترجيح:

قد يكون من الصعب على الإنسان الترجيح في هذه المسألة، خاصة وأن علماء أفاضل قالوا فيها بقولهم وأدلوا برأيهم، فالفصل بينهم- مع قصر الباع وضعف القدرة- أمر شديد على النفس، ولكن لما كان الأمر لا بد فيه من ترجيح رأيت أن أدلي بدلوي في ذلك، والله الموفق.

ومنهج الترجيح قائم على تتبع كلام الأشعري في الإبانة، ومقارنته ببعض كتبه التي صرح فيها بما يوافق قول ابن كلاب ومن خلال المقارنه يتبين هل بقى كلابيا أم أنه رجع عن ذلك الى مذهب السلف؟:

ومن المعلوم أن مذهب ابن كلاب القول بأن كلام الله أزلي، ومنع أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، فعندهم لا يجوز أن يقال: إن الله إذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم، كما أنه إذا شاء خلق، وإذا شاء لم يخلق لأن هذا يلزم منهـ على زعمهم- حلول الحوادث بذات الله تعالى، والله تعالى ليس محلا للحوادث، وحتى يفروا من هذا قالوا بأزلية الصفات، ولم يفرقوا بين صفات الذات كالعلم والحياة والقدرة، وصفات الفعل كالكلام والرضا والغضب، ومع هذا فهم يقولون إن القرآن كلام الله غر مخلوق، ويثبتون الصفات الواردة، وقد لا ينتبه الى حقيقة مذهبهم الا من استفصل في ذلك. ولذلك جرت

ص: 398

قصة ابن خزيمة- إمام الأئمة- مع جماعة من كبار أصحابه (1) لما نمى إلى علمه أنهم مع إثباتهم للصفات يقولون بقول ابن كلاب، فجرت لهم معه محنة طويلة استتيبوا ورجعوا، ولهذا قال ابن خزيمة عنهم:" من زعم هؤلاء الجهلة أن الله لا يكرر الكلام، فلاهم يفهمون كتاب الله، إن الله قد أخبر في مواضع أنه خلق آدم، وكرر ذكر موسى، وحمد نفسه في مواضع، وكرر {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن] ، ولم أتوهم أن مسلما يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين وهذا قول من زعم أن كلام الله مخلوق، ويتوهم أنه لا يجوز أن يقول: خلق الله شيئا واحدا مرتين"(2) . ولما اجتمعوا لمصالحة ابن خزيمة " فقال له أبو علي الثقفي: ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم الى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله ابن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق، فأخرجت إليه الطبق، فأخذه وما زال يتأمله وينظر فيه، ثم قال: لست أرى هاهنا شيئا لا أقول به، فسألته أن يكتب عليه خطه ان ذلك مذهبه، فكتب آخر تلك الأحرف، فقلت لأبي عمرو الجيري: احتفظ أنت بهذا الخط حتى ينقطع الكلام، ولا يتهم واحدا منا بالزيادة فيه، ثم تفرقنا، فما كان بأسرع من أن فصده أبو فلان وفلان وقالا: ان الأستاذ لم يتأمل ماكتب في ذلك الخط، وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال، فقبل منهم، فبعث إلى أبي عمرو الجيري لاسترجاع خطه منه، فامتنع عليه أبو عمرو، ولم يرده حتى مات ابن خزيمة، وقد أوصيت أن يدفن معي، فأحاجه بين يدي الله تعالى فيه"(3) .

وقد أورد الذهبي جزءا من هذا الاعتقاد الذى كتبوه وفيه: " القرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته، ليس شيء من كلامه مخلوقا،

(1) القصة كانت بنيسابور، وكانت قرابة سنة 309 هـ، أى بعد رجوع الأشعري واعتناقه مذهب ابن كلاب.

(2)

سير أعلام النبلاء (14/380) .

(3)

سير أعلام النبلاء (14/380-381) .

ص: 399

ولا مفعولا ولا محدثا (1) ، فمن زعم أن شيئا منه مخلوق أو محدث، أو زعم أن الكلام من صفة الفعل فهو جهمي ضال مبتدع، وأقول: لم يزل الله متكلما، والكلام له صفة ذات، ومن زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة، ولم يتكلم إلا ما تكلم به، ثم انقضى كلامه، كفر بالله...." (2) . وهذا الكلام موافق لمذهب الكلابية، فقد جعل الكلام صفة ذات، وليس صفة فعل، وجعله أزليا، ثم ذكر كفر من زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة ولم يتكلم إلا ما تكلم به وهذا حق، لكن قوله بعد ذلك ثم انقضى كلامه كفر بالله يدل على أنه يقصد أن كلام الله لازم لذاته كالعلم، وهذا قول الكلابية الذين يقولون لو قلنا إنه يتكلم بكلام بعد كلام لحلت فيه الحوادث والتغير وهذا محال على الله.

بعد هذا الاستطراد نذكر عبارات الأشعري وكلامه في الإبانة لننظر هل فيه ما يوافق مذهب ابن كلاب ام لا؟:

ا- يقول في باب: أن القرآن كلام الله غير مخلوق: " فلما كان الله عز وجل لم يزل عالما، إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفا، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا، لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة، كما أن خلاف العلم الذى لا يكون معه علم جهل أو شك أو آفة، ويستحيل أن يوصف ربنا جل وعلا بخلاف العلم، وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات، فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما، كما وجب أن يكون لم يزل عالما "(3) .

ويلاحظ في هذا النص أن الأشعري جعل كلام الله أزليا (4) كما أن علم الله أزلي، ثم ذكر أنه يستحيل أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا،

(1) في المطبوعة من السير "ليس شىء من كلامه مخلوق ولا محدث" بالرفع، وهو خطأ.

(2)

سير أعلام النبلاء (14/381)، ومما يدل على أن هذا الاعتقاد الذى كتبوه موافق لمذهب الكلابية أن بعض علماء الاشاعرة ذكروا أن ابن خزيمة رجع الى مذهب السلف- الذي هو مذهبهم- ومن هؤلاء البغدادي في أصول الدين (ص: 314) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص:69)

(3)

الإبانة (ص: 66-67) - ت فوقية-.

(4)

السلف يقولون إن الله متكلم في الأزل، لكنهم يقولون إنه يتكلم بمشيته وقدرته.

ص: 400

وخلاف الكلام يفسره بأنه سكوت أو آفة، وهذا واضح الدلالة أنه قصد أن الله لا يتكلم بكلام بعد كلام، بل كلامه كله قديم أزلى، ثم وضح ذلك بقوله:" فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما كما وجب أن يكون لم يزل عالما"، ويمكن أن يقارن بكلام له مشابه في كتابه اللمع- الذى سبق أن نقلنا منه نصوصا عديدة تدل على سيره على مذهب ابن كلاب- يقول في كتابه هذا:"ومما يدل من القياس على أن الله تعالى لم يزل متكلما انه لو كان لم يزل غير متكلم - وهو ممن لا يستحيل عليه الكلام- لكان موصوفا بضد من أضداد الكلام من السكوت أو الآفة"(1) .

2-

ويقول في الإبانة في الأدلة على كلام الله وأنه غير مخلوق: "دليل آخر: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} [الكهف:109] ، فلو كانت البحار مدادا لكتبه لنفذت البحار، وتكسرت الأقلام، ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله تعالى، ومن فني كلامه لحقته الآفات، وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما، لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات، تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا"(2) ، فقد ربط الكلام بالعلم في كونه صفة أزلية قائمة بذات الله أزلا وأبدا، وكلمات الله لا نهاية لها كما دلت على ذلك هذه الآية وغيرها، لكنها لا تدل على أن الله لا يتكلم بكلام بعد كلام اذا شاء متى شاء، وأنه كلم موسى بعد أن لم يكن مكلما له، والأشعري جعل ضد الكلام السكوت وهذا يوحي بأنه يمنع من ذلك.

3-

والأشعري يقول ان ارادة الله أزلية، ولا يجعلها من صفات الأفعال بأنه يريد في وقت دون وقت، ويقرن الإرادة بالكلام في هذا الباب كما يربطهما جميعا بالعلم، فكما أن علم الله صفة لذاته وأنه أزلي وأنه لا يجوز أن يقال علم

(1) اللمع (ص: 17) - ت- مكا رثي.

(2)

الإبانة (ص: 67) - ت- فوقية.

ص: 401

بعد أن لم يكن عالما لأنه يدل على وصف الله بالنقص، فكذلك الإرادة والكلام، يقول في الإبانة:"يقال لهم [أي للمعتزلة،: ألستم تزعمون أن الله تعالى لم يزل عالما؟ فمن قولهم: نعم، قيل لهم: فلم لا؟ قلتم: إن ما لم يزل عالما انه يكون في وقت من الأوقات لم يزل مريدا أن يكون في ذلك الوقت، وما لم يزل عالما انه لا يكون فلم يزل مريدا أن لا يكون، وانه لم يزل مريدا أن يكون ما علم كما علم؟ "(1) . ثم قال:"فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا، لأن من لم يكن عالما ثم علم لحقه النقصان، قيل لهم: ولا يجوز أن تكون ارادة الله محدثة مخلوقة، لأن من لم يكن مريدا ثم أراد لحقه النقصان، وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا"(2) ، وقد يتبادر إلى الذهن أنه قصد الرد على من قال بخلق القرآن - وهذا حق- لكنه قصد أيضا المنع من أن الله يتكلم بكلام بعد كلام بإرادته ومشيئته، وأن الله مريد إذا شاء، متي شاء وعلل ذلك بأنه يلزم منه أن يلحقه النقصان، وحتي يتضح كلامه هنا ننقل كلامه من رسالته إلى أهل الثغر- التي نص فيها في مواضع- بما يوافق ابن كلاب، فإنه بعد ذكره لقدم الصفات:

الحياة، والعلم، والإرادة، والكلام، والقدرة، والسمع، والبصر، قال:" [وأجمعوا] على أن شيئا من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثا؟ إذ لو كان شي منها محدثا لكان تعالى قبل حدوثها موصوفا بضدها ولو كان كذلك يخرج عن الأهلية وصار إلى حكم المحدثين الذين يلحقهم النقص، ويختلف عليهم صفات الذم والمدح، وهذا يستحيل على الله، وإذا استحال ذلك عليه وجب أن يكون لم يزل بصفة الكمال، إذ كان لا يجوز عليه الانتقال من حال من الكمال"(3) . والذى ينتقل من حال إلى حال ويفعل بمشيئته وقدرته، فيرضى عن هذا بعد أن لم يكن راضيا عنه، ويسخط على هذا بعد أن لم يكن ساخطا

(1) الإبانة (ص: 161) .

(2)

نفس المصدر (ص: 62 ا-63 1) .

(3)

الرسالة الى أهل الثغر (ص: 67-68) ت: الجلنيد، وفي طبعة مكتبة العلوم والحكم ت: عبد الله شاكر (ص: 215) . ومنها:"لخرج عن الإلهة". وفيها أيضا:" الانتفال من حال إلى حال" ولعلهما أصوب.

ص: 402

عليه، ويريد أمراً بعد أن لم يكن مريدا له، ويكلم أحدا من البشر بعد أن لم يكن مكلما له، هذهـ عندهم- حوادث وتغيرات لا يجوز أن يتصف بها الله، لأن الحوادث لا تحل في ذاته.

4-

والرضا والغضب- عند الكلابية أزليان- ولذلك التزموا بالقول بالموافاة. ومقتضاها: أن الله " لم يزل راضيا عمن يعلم أنه يموت مؤمنا وإن كان أكثر عمره كافرا، ساخطا على من يعلم أنه يموت كافرا وإن كان أكثر عمره مؤمنا"(1) ، ومعناه أن لم يزل راضيا عن الصحابة، حتى وهم قبل إسلامهم يقاتلون المسلمين ويشركون بالله، ورضاه عنهم أزلي، وكذلك العكس، وهذا حتى لا يقول بتجدد الحوادث في ذاته تعالى إذا قيل إنه كان ساخطا على هذا ثم رضي عنه، يقول الأشعري في الإبانة:"ثم يقال لهم: اذا كان غضب الله غير مخلوق وكذلك رضاه وسخطه فلم لا؟ قلتم: إن كلامه غير مخلوق، ومن زعم أن غضب الله مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، وأن رضاه عن الملائكة والنبيين يفني حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا على أعدائه، وهذا هو الخروج عن الإسلام"(2)، فقول الأشعري:" لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، هذا عنده خاص فيمن علم أنه يموت كافرا، أما الإنسان لو عاش سنين طويلة كافرا ثم أسلم ومات على إسلامه، فهذا- عند الأشعري- لا يجوز أن يقال إن الله كان ساخطا عليه في وقت كفره، ثم رضي عنه لما أسلم، وإنما يقال: ان الله لم يزل راضيا عنه حتى في حال كفره لأنه علم أنه يموت مؤمنا، وهذا بناء على أصله الكلابي.

5-

ولما كان من أدلة المعتزلة على قولهم أن القرآن مخلوق قوله تعالى:

{ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه هم يلعبون} [الأنبياء:2] أجاب الأشعري عن هذه الآية بقوله: " الذكر الذى عناه الله عز وجل ليس هو القرآن، بل هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ووعظه إياهم

" (3) ،

(1) المقالات (ص: 547) - ط- ريتر، ونسبه الأشعري إلى ابن كلاب.

(2)

الإبانة (ص: 80- 81) .

(3)

نفس المصدر (ص: 102) .

ص: 403

الذى دعاه إلى هذا التأويل البعيد خوفه من أن يوصف القرآن بأنه محدث، والحدوث: في اصطلاح أهل الكلام بمعنى الخلق، فالمحدث هو الخلوق، وهذا هو الذى فر منه الأشعري، لكن الحدوث في لغة العرب يكون بمعنى التجدد، فيسمون ما تجدد حادثا، وما تقدم على غيره قديما (1) ، فلماذا لم يفسر الأشعري هذه الآية بالمعنى الثاني وأن المقصود به القرآن؟ ولا يقتضي ذلك أن يكون مخلوقا، وقد بوب الإمام البخارى في صحيحه لذلك فقال:"باب قول الله تعالى: {كل يوم هو في شأن} [الرحمن: 29] ، {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} [الأنبياء:2] ، وقوله تعالى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: ا] ، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع العليم} [الشورى:11] ، وقال ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء، لان مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة"، ثم ذكر البخارى أثرين عن ابن عباس في هذا، أحدهما قوله:"كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله، تقرأونه محضا لم يشب (2)

" (3) ، وفي رواية أخرى لهذا الأثر "أحدث الأخبار بالله" (4)، وهذا بناء على قول أهل السنة: إن الله يتصف بالصفات الاختيارية، وأن كلامه متعلق بالمشيئة، وأن من صفات كمال تعالى أنه لم يزل متكلما اذا شاء، وهذا الذى قال به الامام أحمد والبخارى وغيرهما وردوا على الكلابية الذين ينكرون هذا (5) .

والظاهر أن تأويل الأشعري للآية {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث}

(1) انظر: معجم مقاييس اللغة (2/36) ، ودرء التعارض (1/374) ، وقد ذكر شيخ الإسلام أن هذه الآية تدل على نقيض قول المعتزلة " فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث، وبعضه ليس بمحدث، وهو ضد قولهم".

(2)

لم يشب أي لم يخالطه غيره، الفتح (13/499) .

(3)

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، ورقم الأثر (7522) 0 الفتح (13/ 396) .

(4)

انظر: فتح الباري (13/499) .

(5)

انظر: درء التعارض (2/291- ا 30) .

ص: 404

اشتهر عند الأشاعرة الذين التزموا هذا الأصل، ولذلك ذكره ابن حجر العسقلاني- في شرحه لباب البخارى هذا - وذكر تأويلات أخرى مشابهة، وكل ذلك فرارا مما يدل عليه ظاهر الآية، بل نقل ردود العلماء وأقوالهم في أن اقول بان المقصود بالآية القرآن"يلزم منه أن يكون الله متكلما بكلام حادث فتحل فيه الحوادث"(1) .

هذه أقوال الأشعري من كتابه الإبانة وهي بمجموعها دالة على أنه بقي على اتباعه لابن كلاب، وإن كان لم صرح بذلك كتصريحه في كتبه الأخرى، فهو في الإبانة- بلا شك- أكثر إثباتا واتباعا لأهل السنة، وبعدا عن كلام أهل البدع، خاصة وأنه رد على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، كما رد على الكرامية الذين يقولون: إن الله لم يكن متكلما ثم تكلم، لكنه لم يرد على أقوال الكلابية الذين اشتهر في عهده إنكار السلف عليهم.

وهذه الملحوظات التى ذكرناها- فيما نقلناه عن الإبانة- هي التي جعلت شيخ الإسلام يذكر أن الأشعري احتج في الإبانة وغيرها بمقدمات سلمها للمعتزلة. يقول شيخ الاسلام:" وهذا من الكلام الذي بقي على الأشعري من بقايا كلام المعتزلة، فإنه خالف المعتزلة لما رجع عن مذهبهم فى أصولهم التي اشهروا فيها بمخالفة أهل السنة كإثبات الصفات والرؤية، وأن القرآن غير مخلوق، وإثبات القدر، وغير ذلك من مقالات أهل السنة والحديث، وذكر في كتاب "المقالات" أنه يقول بما ذكره عن أهل السنة والحديث.

وذكر فى الإبانة أنه يأتم بقول الإمام أحمد، قال:"فإنه الإمام الكامل والرئيس الفاضل، الذى أبان الله به الحق، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائفين، وشك الشاكين"، وقال:"فإن قال قائل قد انكرتم قول الجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة"، واحتج فى ضمن ذلك بمقدمات سلمها للمعتزلة، مثل هذا الكلام، فصارت المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام يقولون: إنه متناقض فى ذلك، وكذلك سائر أهل السنة والحديث يقولون: إن هذا تناقض، وإن هذه بقية بقيت عليه من كلام المعتزلة" (2) .

(1) فتح الباري (13/498)، وانظر: شرح ابن حجر في (13/971)

(2)

منهاج السنة (12/227-229) ط جامعة الامام 0

ص: 405

بقي في أدلة الذين قالوا بوجوعه رجوعا كاملا إلى مذهب السلف دليلان

- لابد من التعليق عليهما- أما بقية الأدلة فهي مجملة ومحتملة:

الأول: تصريح الأشعري في الإبانة بأن كلام اللة مكتوب في اللوح المحفوظ في الحقيقة، متلو بالألسن في الحقيقة، محفوظ في الصدور في الحقيقة، وأن موسى- عليه الصلاة والسلام سمع كلام الله، فهل هذا يدل على أنه لا يقول بقول ابن كلاب؟، لقد سبق في عرض أقوال ابن تيمية أنه يقول عن الكلابية: إنهم مع ذلك يقولون: القرآن محفوظ في القلوب حقيقة، متلو بالألسن حقيقة، مكتوب في المصاحف حقيقة. وشاهد ذلك أن أحد أعلام الأشاعرة- الباقلاني - صرح بأن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأنه أزلي أبدي متكلم به في الأزل، كما هو متكلم به فيما لا يزال، لا أول لوجوده ولا آخر له، وأنه ليس بحرف ولا صوت (1) - ومع ذلك صرح بأن " كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة"(2) ، و " مسموع لنا على الحقيقة، لكن بواسطة القارىء"(3)، وقال:" إن كلام الله مسموع بحاسة الآذان على الحقيقة"(4)، وهو يقول: إن موسى سمع كلام الله بلا واسطة لكنه يقول أيضا في قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة:6] ، بأن المسموع كلام الله القديم، صفة لله تعالى قديمة موجودة بوجود قبل سماع السامع لها، وإنما الموجود بعد أن لم يكن هو سمع السامع وفهم الفاهم لكلام الله تعالى، يحدث الله تعالى له سمعا اذا أراد أن يسمعه كلامه، وفهما إذا أراد أن يفهمه كلامه" (5) .فلم يدل قوله: أن موسى سمع كلام الله أنه لا يقول بقول ابن كلاب.

(1) رسالة الحرة، المطبوعة باسم الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص:89،99،109-110) .

(2)

المصدر السابق (ص: 93) .

(3)

نفسه (ص: 94) .

(4)

رسالة الحرة (ص: 136)، ويلاحظ أن السجزي- الذي شنع على الأشعرية- قال في رسالته الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: 136) إنهم يقولون:"كلام الله مكتوب في المصاحف على الحقيقة، وليس بحروف".

(5)

رسالة الحرة (ص: 94- هـ 9) .

ص: 406

الثاني: أن الأشعري فرق في كتابه "المقالات" بين أهل الحديث، والكلابية، وهذا دليل مهم، ويلقي ظلالا من الشك في تبعيته لابن كلاب، ومع ذلك فيلاحظ ما يلي:

1-

ان هذا الكتاب في مقالات أهل الإسلام، يحكي فيه الأقوال دون أن يذكر معتقده في كل مسألة يعرض لها، ولذلك لم يرد على المعتزلة أو الرافضة أو الخوارج أو المرجئة أو الجهمية أو غيرهم، بل حكى أقوالهم وسكت إلا نادرا. ومن غير المعقول- وهو الخبير بمقالات أهل الكلام- أن لا يفرد مقالات ابن كلاب أو الكلابية، وهم المتميزون عن كل من المعتزلة وأهل الحديث.

2-

أن الأشعري لم يكن خبيرا بأقوال أهل الحديث، ولذلك نسب إليهم قولين ليسا من أقوال أهل الحديث- وقد سبق ذكرهما عند الحديث عن مؤلفات الأشعري ومنهجه في كتاب المقالات- ولما ذكر مقالتهم بإجمال ذكر انتسابه إليهم وقوله بقولهم، فلما ذكر مقالة ابن كلاب قال:" فأما أصحاب عبد الله ابن سعيد القطان فإنهم يقولون بأكثر ما ذكرناه عن أهل السنة"(1) ، ثم ذكر بعض أقوالهم، إذا هو لا يجعل الكلابية بعيدين عن أهل السنة والحديث.

3-

إن المسألة التي تميز أهل السنة عن الكلابية وهي مسألة كلام الله والقرآن لم يذكرها الأشعري في عرضه لمقالة أهل الحديث، بل قال كلاما مجملا قصيرا، وهذا نصه:"ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ: من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهبم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق"(2) ، لكنه لما ذكر مسألة القرآن ذكر قول ابن كلاب فيها تفصيلا (3) ، ثم ذكر أقوال غيره من المعتزلة وغيرهم، وذكر مسائل كثيرة متفرعة، ولم يذكر لنفسه أو لمن يقول بقولهم- كما يعبر أحيانا بقوله: قال أهل الحق، أو الإثبات، أو أهل الإسلام، أو أهل السنة،

(1) المقا لات (ص: 298) .

(2)

المقا لات (ص: 292) .

(3)

نفسه (ص: 584) .

ص: 407

أو الاستقامه

- قولا في ذلك، فإذا لم يكن شرح قول أهل الحديث عند ذكره لمقالتهم، ولا ذكر مقالتهم عند تفصيل القول في ذلك، فما هو قول الأشعري في هذه المسألة؟، علما بأن الأشعري ذكر قوله صراحة في بعض المسائل مثل مسألة " الكسب"(1) ، وهل الله موصوف بالقدرة على أن يضطر عباده الى إيمان وكفر؟ (2) .

4-

ثم إن الأشعري ذكر في ثنايا عرضه للأقوال في كتابه المقالات ما يدل على كلابيته، فمثلا: ذكر في مسألة القول بأن الله قادر اختلاف المتكلمين في: هل يوصف البارىء بأنه قادر على الأعراض، فقال: " قال المسلمون كلهم أجمعون- إلا معمرا-: إن الله قادر على الأعراض والحركات والسكون والألوان والحياة والموت والصحة والمرض والقدرة والعجز وسائر الأعراض، وقال معمر: بالتعجيز لله، وأنه لا يوصف القديم بأنه قادر إلا على الجواهر، وأما الأعراض فلا يجوز أن يوصف بالقدرة عليها

وأن من قدر على الحركة قدر أن يتحرك

"، فرد عليه الأشعري بقوله: " فيقال له إذا قلت: إن البارىء قادر على التحريك والتسكين، فقل قادر على أن يتحرك ويسكن، فإن كان من قدر على تحريك غيره وتسكينه لا يوصف بالقدرة أن يتحرك، فكذلك من وصف بالقدرة على حركة غيره لا يوصف بالقدرة على أن يتحرك"- ثم قال الأشعري-:"وخالف أهل الحق أهل القدر ومعمرا في ذلك فقالوا: قد يوصف القديم بالقدرة على إنشاء الحركة ولا يوصف بالقدرة على التحرك"(3) . والحركة من الحوادث التي لا يجوز أن تحل بالله عند الكلابية، ولهذا قال الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر في صفة المجيء لله:"ليس مجيئه حركة ولا زوالا"(4) . فرد الأشعري على معمر المعتزلي ثم نسبته إلى أهل الحق هذا القول يدل ميله إلى هذا الأصل الكلابي، علما بأن لفظ الحركة أطلقه

(1) المقا لات (ص: 539- 542) .

(2)

نفسه (ص:552) .

(3)

نفسه (ص: 548-545) .

(4)

الرسالة الى أهل الثغر (ص: 73) .

ص: 408

بعض السلف ومنعه البعض لأنه لم يرد، ويذكر العلماء هذا الكلام في مبحث الصفات الفعلية الاختيارية لله تعالى مثل المجيء والنزول.

مثال آخر: ذكر الأشعري الأقوال في أن البارى متكلم، فذكر أقوال المعتزلة ثم قال:" وقالت شرذمة: إن الله لم يزل متكلما، بمعني أنه لم يزل مقتدرا على الكلام، وأن كلام الله محدث، وافترقوا فرقتين: فقال بعضهم مخلوق، وقال بعضهم غير مخلوق " ثم قال: " وقال ابن كلاب: إن الله لم يزل متكلما، والكلام من صفات النفس كالعلم والقدرة "(1) . ولا أدري من يقصد بهذه الشرذمة، خاصة وأن منهم من يقول: إن كلام الله غير مخلوق، وقد ذكر فيما بعد قول داود الأصبهاني فقال:"وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول: إن الله لم يزل متكلما بمعني أنه لم يزل قادرا على الكلام، ويقول: إن كلام الله محدث غير مخلوق وهذا قول داود الأصبهاني (2) ، وقول داود مبني على أن كلام الله من صفات الفعل، فهو أزلي، ويتكلم إذا شاء متى شاء، وعرض الأشعري للقضية يدل على ميل عنده عن هذا القول.

وقال الأشعري في معرض الإنكار على المعتزلة: " وأنكروا أن يكون الباري سبحانه لم يزل مريدا متكلما، راضيا، ساخطا، مواليا معاديا، جوادا، حكيما، عادلا محسنا، صادقا، خالقا، رازقا، وزعموا أن هذا أجمع من صفات الأفعال"(3) ، فما معني الإنكار منه أن تكون أو بعضها صفات أفعال الله؟.

فهذه الأدلة تدل على مارجحه شيخ الاسلام ابن تيمية من أن الأشعري وإن كان في الإبانة قد قرب كثيرا من مذهب أهل السنة إلا أنه قد بقيت عليه بقايا من مذهب ابن كلاب، والله أعلم.

(1) المقالات (ص 517) - ريتر-

(2)

نفس المصدر (ص: 583) .

(3)

نفس المصدر (ص: 505) .

ص: 409