الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثاني من الحزب الثالث عشر
من المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حديث هذا اليوم يستوب الربع الثاني من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم، وأول آية فيه قوله تعالى:{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ} وآخر آية منه قوله تعالى: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} .
ــ
يبتدئ الحديث في هذا الربع، بذكر فضائل الكعبة وخصائص البيت الحرام، وما اقتضته الحكمة الإلهية من جعل هذه المنطقة منطقة أمن عام، وطمأنينة شاملة، بالنسبة للإنسان وبالنسبة للحيوان، فالإنسان في دائرتها لا يتعرض لأي انتقام من أخيه أو عدوان، والحيوان في محيطها يتمتع بعهد الأمان وبالحصانة التامة من طرف الإنسان، بحيث لا يسفك بها دم، ولا يتوقع فيها ثأر، ولا يروع فيها سرب، ولا يقتل فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، ويكون الحجاج إليها كلهم فارغي البال، اللهم إلا من عبادتهم التي يعكفون عليها، ومناسكهم التي يقومون بها وهم على أحسن حال، دون رفث ولا فسوق ولا جدال، وذلك قوله تعالى: {جَعَلَ
اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} أي آمنا لهم وصلاحا. وسميت الكعبة (كعبة) لنتوئها وبروزها، إذ يقال لكل ناتئ بارز (كعب)، مستديرا أو غير مستدير، على ما صححه المحققون.
ويتجه خطاب الله إلى نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم، آمرا له أن ينبه الناس إلى أن الخبيث والطيب لا يستويان عند الله في شيء، وأن يلفت نظر الإنسان أيا كان وحيثما كان، إلى أن مجرد الاستلذاذ بالخبيث والإعجاب به لا يقف في وجه هذه الحقيقة الناصعة، فقد يكون الخبيث جذابا وبراقا ومثيرا، ولكنه في جوهره خبيث، وفي أثره خبيث، ولن يقف الخبيث مع الطيب على قدم المساواة بأي وجه من الوجوه، وإذا كان الخبيث (أوزن) في الدنيا فالطيب أوزن منه في الآخرة، وإذا كان مآل الطيب إلى الجنة، فإن مآل الخبيث إلى النار، وإذا كان منفق المال الخبيث يعتبر إنفاقه هباء منثورا، فمنفق المال الطيب يظل إنفاقه ثابتا مذكورا، هذا إلى ما يترتب على تناول كل من الطيب والخبيث، وعلى ممارسة كل من الطيبات والخبائث، من الآثار النفسية والأخلاقية، الفردية والاجتماعية، مما يجعل سلوك الطيبين رحمة لهم وللناس، وسلوك الخبيثين نقمة عليهم قبل أن يكون على بقية الناس، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:{قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
ثم يتناول كتاب الله الحديث عن طائفة من الناس، مصابة بنوع غريب من حب الاستطلاع والهوس بلغ إلى حد الوسواس،
فهي تحاول أن تحيط علما بكل شيء، وهي تحشر أنفها في جميع المقامات والمجامع، وهي مولعة بالبحث عن أسرار الناس الخاصة ودخائل أمورهم دون أي موجب شرعي ولا مبرر أخلاقي، وهي حريصة على إثارة الأسئلة الفارغة أو الملتوية، التي لا جدوى من ورائها ولا نفع في الجواب عنها، بغية إيقاع المجيب عنها في ورطة يصعب عليه الخلاص منها، وهكذا فإلى هذه الطائفة ومثيلاتها يتجه الخطاب الإلهي قائلا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} .
ومما يندرج تحت هذه الآية ما جاء في الأثر: أن رجلا من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة كان يطعن فيه، فقال يا رسول الله من أبي؟ فقال أبوك حذافة، فدعاه لأبيه. قال الزهري، فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدا أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس) فقال (والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته).
وأشار كتاب الله في تعقيبه على هذا النوع من الناس الموسوسين وأسئلتهم الفجة، إلى أن المؤمنين لا يمنعهم أي مانع من توجيه أسئلتهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ما دام الغرض منها هو الاستفسار عن الدين والسؤال عن الشريعة، منبها إلى أن أحسن فرصة مناسبة لإلقاء هذا النوع المفيد من الأسئلة هي الوقت الذي ينزل فيه الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي تلك المناسبة يكون الرسول صلى الله عليه وسلم على أتم استعداد لإجابة المؤمنين وتفقيههم في الدين، بتوضيح ما فيه إشكال، وتفصيل ما فيه إجمال، وذلك قوله تعالى: {وَإِنْ تَسْأَلُوا
عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ}.
وقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} يمكن تفسيره بالجزء الأخير من الحديث الصحيح الذي ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمة منه فلا تسألوا عنها) فيكون معنى {عفا الله عنها} سكت عنها رحمة بالمؤمنين. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) ما خلاصته: قوله تعالى {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} أي أسقطها، والذي يسقط لعدم بيان الله فيه هو باب التكليف، فإنه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تختلف العلماء فيه
…
واختلاف العلماء رحمة للخلق، وفسحة في الحق، وطريق إلى الرفق).
ثم نادى كتاب الله بإبطال الشعائر الوثنية وإلغائها، وخاصة ما ابتدعه المشركون من اعتناق الإبل والغنم وتسييبها للأصنام والأوثان، فهذه ناقة تشق أذنها وتترك، وهي (البحيرة)، وتلك ناقة يخلى سبيلها مع أمها دون راع ولا قيد، وهي (السائبة) بحيث لا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها، وهناك شاة تلد ذكرا أو ذكرا وأنثى، وهي (الوصيلة) فتخلى للأوثان والأصنام، وهذا فحل من الإبل ينقضي ضرابه، فيجعل عليه من ريش الطواويس ويسيب، وهو (الحامي).
وهكذا ذم الله تعالى ما كان يفعله المشركون من هذه الشعائر الباطلة، وحذر المسلمين من الوقوع فيما وقعوا فيه، بعد أن عرفهم أن ذلك كله مجرد كذب على الله، ومحض افتراء عليه، وذلك قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ
وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}.
وفي هذا الربع آية كريمة يجب الوقوف عندها وقفة خاصة، فقد فهمها بعض الناس على غير وجهها منذ عهد مبكر، ألا وهي قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
وأقل نظر إلى هذه الآية بتعمق وإمعان يؤدي إلى فهم المقصود منها على أحسن وجه، إذ هي واردة في سياق الآية التي سبقتها، وهي قوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} فها هنا دعوة موجهة إلى المشركين من الرسول والمؤمنين، ليتركوا ما هم عليه من ضلال وخبال، لكنهم يصرون على تقليدهم الأعمى، ويأبون الاستجابة إلى الدعوة الإسلامية.
وما دام الأمر هكذا، وما دام الرسول والمؤمنون قد بذلوا كل ما في وسعهم للقيام بتوجيه الدعوة وتبليغ الرسالة، وحاولوا بكل الوسائل إقناع المشركين دون جدوى، فقد برئت ذمتهم ولم يبق أمامهم إلا العمل على نجاة أنفسهم وخلاصها، ولن يحاسبوا على ضلال من أصر على الضلال، بعد دعوتهم لهم باستمرار، ورفضه لدعوتهم بكامل الرفض ومزيد من الإنكار. وليس معنى هذه الآية الإذن للمسلم بالتخلي عن واجباته نحو المجتمع الإسلامي والدولة
الإسلامية، ولا الترخيص له بالوقوف منهما موقف المتفرج الذي لا يهمه من أمرهما شيء، فذلك فهم مقلوب للإسلام، وتأويل مضاد للمعنى المقصود من هذه الآية.
روى أصحاب السنن أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن الناس إذا أرادوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه).
ومما لا يسوغ للمسلم التخلي عنه ولا إهماله أبدا أمر أسرته وأولاده، امتثالا لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} وقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} .