الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثالث من الحزب الحادي عشر
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم، ويبتدىء بقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} الآية. وينتهي بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .
ــ
يستوعب هذا الربع من كتاب الله موضوع الحلال والحرام
من المأكولات في الإسلام، كما يتحدث عن طعام أهل الكتاب بالنسبة لأهل للمسلمين، وطعام المسلمين بالنسبة لأهل الكتاب، ويشير إلى موضوع الزواج بالكتابيات، كما يشير إلى موضوع الطهارة المائية والطهارة الترابية عند القيام للصلاة، ويعين الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها، ويجدد الحديث عن العدل بالنسبة للصديق والعدو، ويذكر امتنان الله على المسلمين بنعمه التي لا تحصى، وعلى رأسها نعمة تمكين الدين وإكماله، ورضى الله عن أهله.
ونظرا لضيق الوقت نعالج في هذا الحديث الموضوع الأول، تاركين بقية الموضوعات لمناسبة قادمة، ففي موضوع الحلال والحرام
من المأكولات حرم كتاب الله على المسلمين أكل الميتة، وهي ما مات من الحيوانات ميتة طبيعية، من غير ذكاة ولا اصطياد، وحرم الدم المسفوح الجاري، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون منهما، وحرم أكل الخنزير، ما كان منه انسيا أو وحشيا، وتحريم لحم الخنزير يستلزم تحريم شحمه، إذ ما من لحم إلا فيه شحم، ومن جملة حكم الله في تحريم هذه الأشياء حمايته للمسلمين مما فيها من الميكروبات والجراثيم والمواد الضارة، التي لم يهتد الأطباء لمعرفتها إلا في عهد متأخر جدا.
قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): (اتفقت الأمة على أن لحم الخنزير حرام بجميع أجزائه، والفائدة في ذكر اللحم أن الخنزير حيوان يذبح للقصد إلى لحمه، وقد شغفت المبتدعة بأن تقول: فما بال شحمه، بأي شيء حرم؟ وهم أعاجم، لا يعلمون أن من قال لحما قال شحما، ومن قال شحما فلم يقل لحما، إذ كل شحم لحم، وليس كل لحم شحما من جهة اختصاص اللفظ، وهو لحم من جهة حقيقة اللحمية).
كما حرم الله على المسلمين أكل الذبائح التي ذبحت لغير الله، وذكر عليها عند الذبح اسم غيره من الأصنام والأوثان وما شابهها {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} والتحريم هنا لعلة اعتقادية، لها علاقة وثيقة بالشرك والوثنية.
ومن المحرمات من هذا النوع الذبائح التي كان المشركون يذبحونها وينضحون بدمائها الأحجار المنصوبة من حول الكعبة
{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} - {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ، ومن بين المحرمات التي لها نفس الحكم الميتة ما مات مخنوقا بحبل أو غيره، إما عمدا وإما صدفة {الْمُنْخَنِقَةُ} .
وما مات مضروبا بالحجر أو العصا أو الخشب أو غير ذلك، من كل شيء ثقيل غير محدد {الْمَوْقُوذَةُ} .
وما مات ساقطا من جبل أو سطح أو هوى في بئر، أو تردى من مكان شاهق {الْمُتَرَدِّيَةُ} ، ويلحق بها {الْمُتَنَدِّيَةُ} وهي الدابة التي انْفَلتت من وثاقها وَشَرَدَتْ، فوقعت مطاردتها لإرجاعها، ورميت بسيف أو رمح فماتت.
وما مات منطوحا بقرون بهيمة أخرى {النَّطِيحَةُ} .
وما وقع فريسة للوحوش المفترسة {مَا أَكَلَ السَّبُعُ} وكان أهل الجاهلية إذا أكل السبع شاة أكلوا بقيتها.
فهذه كلها محرمات ملحقة بالميتة، اللهم إلا إذا وقع تداركها بالذبح وهي تحرك يدا أو رجلا ولا تزال فيها الروح {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} .
قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): (اختلف قول مالك في هذه الأشياء، فروي عنه أنه لا يوكل إلا ما كان بذكاة صحيحة. والذي في (الموطأ) عنه أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري وهي تطرف فليأكلها. ثم عقب ابن العربي على ذلك قائلا: (وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد، عمره، فهو أولى من الروايات الغابرة).
ومما ورد تحريمه في هذا السياق اللحوم التي يتم الوصول إليها وتقع قسمتها بين المقامرين عن طريق الاستقسام بالأزلام، وهي القداح والقراطيس التي كان المشركون يستشيرونها بحضرة أصنامهم في الإقدام على الأمور أو الإحجام عنها، والتي كانوا يقامرون بها أحيانا أخرى في الميسر، فكل من خرج له قدح أو قرطاس نال من لحم الجزور بقدر ما خصص لذلك القدح أو القرطاس، فيمثلون ما يخرج لهم، ويعتقدون أن ذلك هداية من الصنم لمطلبهم {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} .
وهذه المحرمات جميعا هي التي استوعبها قوله تعالى في هذا الربع: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ - إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ - وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} . وسبقت في سورة البقرة آية أخرى لها علاقة بهذا الموضوع، وهي قوله تعالى:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} .
غير أن الحق سبحانه وتعالى تخفيفا عن عباده، وحفظا لهم من خطر الهلاك في حالة الإضطرار - أباح لهم عند عدم وجود الحلال من المأكولات أن يأكلوا ما يدفعون به ألم الجوع وينقذهم من الخطر، ولو كان محرما، في انتظار وجود ما هو حلال، بشرط أن لا يتعمدوا أكل ذلك الحرام عن شهوة مقصودة، وإنما يتناولونه عن ضرورة ملحة لا خلاص لهم منها، وذلك قوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} على
غرار قوله تعالى في آية أخرى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} .
وفي نفس هذا المعنى سبقت آية أخرى في سورة البقرة، وهي قوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
ومعنى قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} . عند المحققين من المفسرين: غير طالب شرا ولا متجاوز حدا، فيدخل تحت لفظ الباغي كل خارج عن الإمام وقاطع للطريق ومن في معناهما، ويدخل تحت لفظ (العادي) كل من تجاوز حد الضرورة إلى حد الاختيار، ولأجل ذلك لا يستبيح العاصي بسفره رخص السفر، لأن الله تعالى إنما أباح ذلك عونا، والعاصي لا تحل إعانته، فإن أراد الانتفاع بالرخصة فليتب أولا، ثم ليترخص ثانيا.
ثم مضت الآيات الكريمة تشرح تساؤل المسلمين من جديد عن هذا الموضوع، وكأنهم أخذوا يتحرجون من أكل بعض الأشياء الأخرى التي اعتادوا أكلها قبل الإسلام، فهم يستفسرون الرسول صلى الله عليه وسلم عنها لمعرفة حكم الله فيها، وذلك قوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
ومعنى هذا الجواب أن الله تعالى لم يحرم على المؤمنين شيئا من {الطَّيِّبَاتُ} ، وإنما حرم عليهم {الْخَبَائِثَ} وحدها: الخبائث بطبعها،
والخبائث بالقصد منها، وأضاف إلى ما هو حلال نوعا آخر هو أكل ما وقع صيده بواسطة الكلاب المعلمة) والكلب المعلم (هو الذي إذا أشليته انشلى، وإذا زجرته انزجر، وإذن فصيد الكلب المعلم هو الحلال، لا نفس الكلب المعلم، وإنما يكون صيدا حلالا إذا أخذ الكلب الصيد وأمسكه حتى يجيء إليه صاحبه، وكان الصائد قد ذكر اسم الله عند إرساله للصيد، طبقا لقوله تعالى:{وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} ويلحق بالكلب المعلم الفهود وجوارح الطير، فقد روى أشهب وغيره عن الإمام مالك أن الباز والصقر والعقاب وما أشبه ذلك من الطير إذا كان معلما يفقه ما يفقه الكلب فإنه يجوز صيده، وبه قال عامة العلماء.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن طعام أهل الكتاب، مبينا أن ذبائح الكتابيين من اليهود والنصارى وأطعمتهم حلال للمسلمين، بخلاف المجوس فلا تؤكل ذبائحهم ولا أطعمتهم، وذلك قول الله تعالى:{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} .
قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): (فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس. فالجواب: إن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم، ومن طعامهم، وهو حرام علينا، فهذه أمثلة، والله أعلم).
ثم عاد فقال: (ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها، هل يأكل معه، أو تؤخذ طعاما منه؟ فقلت: تؤكل
لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا).
وذكر ابن كثير في تفسيره أن أصحاب مالك يحرمون على المسلمين أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم، إذ ليس من طعامهم، فلا يندرج تحت قوله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} .
وفصل ابن رشد في كتابه {بداية المجتهد} القول في هذا الموضوع فقال، (والحق أن ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم - يقصد أهل الكتاب - هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل، إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع، فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين، ولا اعتقاد شريعتهم، لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه، لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا، واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم.
وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به، فذبائحهم - والله أعلم - جائزة لنا على الإطلاق، وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة، فتأمل هذا فإنه بين، والله أعلم).
أما قوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} فمعناه أن الله تعالى أباح للمسلمين أن يطعموا من ذبائحهم أهل الكتاب، أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وقال ابن كثير: (وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة. فأما الحديث الذي فيه
(لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم).
وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} بعد قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} وارد على غرار قوله تعالى في آية أخرى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فالواجب على المسلم تفادي ذلك بكل الوسائل، حتى لا يندرج في عداد الفاسقين.