الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الأخير من الحزب الثالث عشر
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم، ويبتدىء هذا الربع بقوله تعالى:{وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وينتهي بقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ}
ــ
في أول آية من هذا الربع، يثبت الله عبودية المخلوقات كلها للإله الواحد الأحد، فله ما سكن وله ما تحرك في الليل والنهار، من كافة العوالم وجميع الأفلاك، ما علا منها وما سفل، وما نطق وما لم ينطق {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} السميع لدبيب أضعف الجراثيم والحشرات، والعليم بأخفى الخفايا من الهواجس والخطرات.
وفي ثاني آية منه يلقن كتاب الله للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ما يفحم به المشركين المعاندين، فيتساءل في لهجة الاستنكار والاستغراب كيف يتخذ الإنسان وليا له غير الله، وكيف يستنصر بمن سواه، والله هو مبدع السماوات والأرض الذي يرزق
الخلق ويطعمهم، وهو مع ذلك وفوق ذلك غني عنهم جميعا، ثم يعلن إلى رسوله الأمين بشرى البشائر، بأنه المرشح الوحيد، لأن يكون المسلم الأول، وهو الرائد والقائد لقافلة المسلمين {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} .
وفي ثالث آية منه يضرب رسول الله المثل لغيره من المؤمنين، حيث يعبر عما يمتلئ به قلبه من الخوف الشديد من معصية الله، وما يرجوه بطاعته من رحمته ورضاه، وإذا كان الرسول - وهو من هو في القرب من ربه - متقلبا بين الخوف والرجاء، فما بالك بمن ينتسبون إلى الإسلام من العصاة الألداء، {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} .
وفي رابع آية منه يقرر كتاب الله مبدأ جوهريا في الإسلام، ألا وهو أن العبد في قبضة الله وبين يديه، بحيث لا يملك غيره له نفعا ولا ضرا، فلا يناله من الحظوظ - بعد اتخاذ الأساليب العادية - إلا ما سبق إليه قلم القدرة الإلهية، وقضت به الحكمة الربانية، {وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} .
ثم ينتقل كتاب الله إلى مجادلة المشركين وتحديهم، حثا لهم على الإيمان بالقرآن وبمنزل القرآن، فيسألهم هل هناك شاهد يشهد
بالحق وينطق بالصدق، أكبر وأحق من الحق سبحانه وتعالى الذي هو خير الشاهدين؟
ولا شك أن مجرد الفكر السليم والفطرة التي فطر الله الناس عليها يدفعان بالإنسان، مهما بلغ من الجحود والعناد، إلى الاعتراف والاقتناع بأن شهادة الخالق هي فوق شهادة كل مخلوق كيفما كان {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} .
وقوله تعالى: {وَمَنْ بَلَغَ} بعد قوله تعالى {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} معناه أن القرآن الكريم الذي أوحى الله به إلى رسوله لم ينزل لإنذار المشركين وحدهم، ثم تنتهي مهمته ويصبح بعد ذلك مهجورا، بل إنه نزل لإنذار المشركين العرب وكافة المشركين، ولإنذار الأولين والآخرين، السابقين واللاحقين، فهو نذير لكل من بلغه من الناس إلى يوم الدين. قال محمد ابن كعب:" من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه ". وروى قتادة في قوله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله).
وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى ما أعلنه أهل الكتاب من تجاهل القرآن وتظاهر بإنكاره، بالرغم من أنهم يعرفون حقيقته معرفة اليقين دون الشك، فقد نقلت إليهم بشارة الأنبياء والرسل السابقين أخبار ظهور خاتم الأنبياء والمرسلين، وأخبار نزول خاتم الكتب المنزلة. وبذلك صح القول فيهم بأنهم يعرفونه كما يعرفون
أبناءهم، وذلك مضرب المثل في المعرفة، فالآباء لا يجهلون صور أبنائهم الذين يعايشونهم، ولا يغيب عنهم شيء من ملامحهم وطباعهم، بل يعرفون أمرهم دون تردد ولا توقف، لكن ما استولى على " أهل الكتاب " من روح التعصب، وما سيطر عليهم من الأهواء والأغراض، وما أصابهم من الخيبة بانتقال الرسالة منهم إلى العرب من ذرية إسماعيل، أعمى أعينهم عن رؤية النور، فلم يهتدوا سبيلا، {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .
ثم يصف كتاب الله حال خصوم الإسلام، وما يضعونه في طريق انتشار دعوته من العراقيل والمعوقات، فهم لا ينتفعون بالدعوة الإسلامية في أنفسهم، وهم لا يتركون غيرهم يقبل عليها وينتفع بها، بل إنهم ليصدون الناس عنها صدا {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} الأمر الذي لا يتفق ولا ينسجم مع ادعائهم أن دعوة الإسلام مجرد أسطورة من الأساطير، فالأسطورة المختلقة والقصة المكذوبة خير للناس أن يسمعوها ويقفوا على ما فيها من اختلاق وكذب، ليعرضوا عنها إلى الأبد. أما أن يقول خصوم الإسلام: إن الإسلام أسطورة، ثم يتخذوا جميع الوسائل لضرب الحصار من حوله، ومنع الناس وإلهائهم عن سماع دعوته، فذلك دليل ضمني على أن دعوة الإسلام حق وصدق، وأنها تدخل الآذان من غير
استيذان، فتستولي على المشاعر والقلوب.
ويعقب كتاب الله على ما يضعه خصوم الدعوة الإسلامية من معوقات في طريقها، مبينا أن الخسارة كل الخسارة والهلاك كل الهلاك إنما هو لمن وقف في وجه دعوة الإسلام، فلم ينتفع بهدايتها، ولم يستنر بنورها، وإلا فالإسلام غني عنه {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} - {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} .
وما دام الحديث جاريا عن كفر الكافرين، وتكذيب المشركين، وتعويق المعوقين، وعناد المعاندين، فإن السياق مناسب كل المناسبة لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولتثبيت فؤاده على الحق، ولمواساته على ما يصيبه من أذى بالغ في سبيل الله، وهكذا يتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة فيقول {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} ويقول {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} .
وهكذا يكشف الحق سبحانه وتعالى عن حقيقة كبرى، ألا وهي أن خصوم الرسالة المحمدية لا يعتقدون أن الرسول كاذب غير صادق، ولا يعتقدون أن الرسالة كذب لا حق، بل إنهم ليؤمنون بصدق الرسالة في قرارة أنفسهم، ولكنهم يتظاهرون بتكذيبه وتكذيبها جحودا وعنادا {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} .
ويتحدث كتاب الله في سياق المواساة لرسوله عما لحق الرسل من قبله في سبيل الرسالات التي أرسلوا بها من العنت والأذى، وما انتهى إليه أمر الله معهم من نصر مؤزر وفتح مبين، وذلك قوله تعالى:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} .