الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثالث من الحزب السادس عشر
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حصة هذا اليوم هو الربع الثالث من الحزب السادس عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى:{وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} إلى قوله تعالى في نهاية الربع {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}
ــ
في أول هذا الربع، يتحدث كتاب الله عن أصحاب الجنة وأصحاب النار، وحديثه عن هذين الفريقين دون ثالث لهما هو المعهود المتعارف من بداية القرآن الكريم إلى نهايته، لكنه يضيف إليهما في هذه السورة بالخصوص " أصحاب الأعراف " الذين باسمهم سميت هذه السورة {سورة الأعراف} فمن هم أصحاب الأعراف هؤلاء؟ وما المراد بكلمة الأعراف؟.
عندما نستفسر معاجم اللغة العربية نجد أن كلمة " أعراف " هي جمع لكلمة " عُرْف " ومن معاني كلمة " عُرْف " المكان المرتفع، وظهر الجبل وأعلاه، ومن معانيه السور الذي يحيط بمدينة أو قصر.
وبقريب من هذا المعنى جاءت كلمة " عَرَفة " و " عَرفات "، الدالة على الجبل المقدس الذي يقف فيه حجاج بيت الله الحرام قرب مكة المكرمة يوم تاسع ذي الحجة من كل عام. قال ابن جرير الطبري:" والأعراف جمع عرف وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفا ".
" فالأعراف " يمكن حملها على أنها مواقع عالية في الدار الآخرة تشرف على الجنة والنار، وهي بمنزلة خط المرور المحروس الذي يمر عليه القادمون من سفر، لرقابتهم والتحقق من هويتهم، وتوزيعهم تبعا لما معهم من سمات وعلامات، ويظهر من سياق الآيات الواردة في هذا الربع أن مهمة أصحاب الأعراف هي القيام بفرز أهل الجنة من أهل النار عند وصولهم إلى الدار الآخرة، وتوجيه كل من الفريقين إلى مقره الأخير، جنة أو نار، بناء على معرفتهم الخاصة بكلا الفريقين، وتمييزهم لهما، بموجب السمات والعلامات التي يحملها كل فريق، بدليل قوله تعالى في نهاية الربع الماضي:{وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} فهذا يدل على معرفتهم بأصحاب الجنة، وبدليل قوله تعالى في هذا الربع {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} وهذا يدل على معرفتهم بأصحاب النار. وقال السدي:" إنما سمي الأعراف أعرافا، لأن أصحابه يعرفون الناس ".
وأصحاب الأعراف هم من أصحاب الجنة، لمكانتهم الخاصة
عند الله، تلك المكانة التي أهلتهم لرقابة الخلائق وفرزها وصرفها إلى مقرها الأخير، فهم يتقدمون إلى أصحاب الجنة بالتهنئة والتحية حينا {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} - {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} وهم يتقدمون إلى أصحاب النار بالتنكيت والتبكيت حينا {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} وهم عندما تقع أبصارهم على أصحاب النار يتبرءون منهم ويبتهلون إلى الله أن لا يجعلهم معهم {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
وقوله تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} يعود الضمير فيه على أصحاب الأعراف، وهو إشارة إلى ما يكونون عليه أثناء قيامهم برقابة الخلائق وفرزها، إذ يتأخر دخولهم إلى الجنة حتى ينتهوا من العمل الموكول إليهم، فتلك الفترة بالنسبة إليهم تكون فترة انتظار، وهم في حال فرزهم للناس وتوزيعهم لا يعرفون الوقت المحدد الذي يصل فيه دورهم لدخول الجنة، والنزول في دار القرار، فعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل قوله تعالى في شأنهم {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} كما حققه القاضي عبد الجبار في كتابه " تنزيه القرآن عن المطاعن ". وعن الحسن أنه تلا هذه الآية {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} ثم قال:" والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها لهم " وقال ابن عباس: " هم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء الله ". وجاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل
عن أصحاب الأعراف فقال: (هم آخر من يفصل بينهم من العبادة، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم) قال ابن كثير في تفسيره " وهذا مرسل حسن ".
ومن الآيات الكريمة التي تستلفت النظر في هذا الربع ما جاء فيه على لسان أصحاب الجنة في معرض ردهم على أصحاب النار الذين طلبوا منهم أن يفيضوا عليهم من الماء ومما رزقهم الله {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} فها هنا يحدد كتاب الله على لسان أصحاب الجنة تحديدا واضحا الصفات الحقيقية والمميزة للكافرين، ومن سلك مسلكهم من العصاة الضالين، وهذه الصفات لا تعدو الاستغراق في اللهو واللعب، والمبالغة في الغرور والزهو، إلى أقصى الحدود، فعقائد الدين في سلوكهم المنحرف عبارة عن طقوس وشكليات، وشرائع الدين في شريعتهم الباطلة عبارة عن جمود وقيود، وحياتهم القصيرة على وجه الأرض هي بداية الحياة ونهايتها، فلا حياة قبلها ولا حياة بعدها. وأناس سخفاء كهؤلاء يحملون هذه الأفكار البليدة، منحرفين عن فطرة الله، متمردين على نواميسه الخلقية بدءا ونهاية، لا جزاء لهم إلا الحرمان في الآخرة بعد الخسران في الدنيا {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} .
بينما المؤمنون الصادقون الذين أسلموا وجوههم لله، فآمنوا
بدينه، وقاموا بممارسة شعائره، وتطبيق شرائعه، واستعدوا للآخرة بالعمل الصالح، دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا جزاهم الحق سبحانه وتعالى خير الجزاء، وخصهم دون غيرهم في الآخرة بالسعادة والهناء، مصداقا لما سبق في الربع الماضي {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، والمراد أن الطيبات من الرزق يتمتع بها المؤمنون في الحال والمآل، أما من نال شهوته عاجلا، وعاقبة النار آجلا، فما ظنه " نعمة " ينقلب عليه " نقمة ".
ثم عقب الحق سبحانه وتعالى على جواب أصحاب الجنة لأصحاب النار بما يؤيده ويؤكده، قائلا في شأن أصحاب النار، {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} ومعنى هذه الآية الكريمة أن الكافرين جحدوا آيات الله من جميع الوجوه، وتجاهلوا لقاء يوم القيامة تجاهلا تاما، حتى كأنهم أصيبوا بالذهول والنسيان، فلم يستعدوا ليوم القيامة لا بإيمان ولا بإسلام ولا بإحسان، فعاملهم الله بالمثل، جزاء وفاقا، إذ حرمهم من إحسانه وثوابه، وأعد لهم شديد عقابه، وهذا هو المراد من لفظ النسيان، المسند مجازا إلى الرحمان، في قوله تعالى هنا:{فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا} وفي قوله تعالى في آية ثانية {الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} وفي قوله تعالى في آية ثالثة {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} فهو من باب المقابلة، وعلى طريق المشاكلة، وإلا فالحق سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء علما، بحيث لا يشذ عن علمه شيء، {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}. قال القاضي عبد الجبار: " ربما قيل في قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} كيف
يصح؟ والنسيان على الله تعالى لا يصح. وجوابنا أن المراد: فاليوم لا نجازيهم بالحسنى كما لم يحسنوا بالطاعة، وأهل اللغة يستعملون النسيان بمعنى الترك، وحقيقته ما ذكرناه ".
وانتقلت الآيات الكريمة إلى وصف ما يكون عليه حال الكافرين ومن لف لفهم من المنحرفين الضالين، من استهتار بالتعاليم السماوية، رغما عن شدة وضوحها، وخروج التوجيهات الإلهية، رغما عن دقة تفصيلها - نظرا لما يداخلهم من تردد في صدق محتوياتها، ومن شك في فعالية توصياتها - حتى إذا ظهرت آثار انحرافهم عنها في الوجود، وأصبحت على مرأى منهم ومسمع، في حيز الواقع وعالم الشهود، فوجئوا مفاجأة كبرى بأن ما كان مجرد " غيب " موعود به في القرآن، قد أصبح حقيقة قائمة ماثلة للعيان، وعندما يأتي ذلك اليوم لا يسعهم إلا أن يعودوا على أنفسهم باللوم، وذلك قوله تعالى في هذا الربع:{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} أي يوم يقع عيانا ومشاهدة ما أنذروا به من العقاب والعذاب {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} ثم يعلق كتاب الله على موقف أولئك المترددين الشاكين بالأمس، والمبهوتين المبلسين اليوم؟، قائلا:{قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} .
وها هنا آيتان كريمتان لا بد من لفت النظر إليهما لتعلقهما بأدب الدعاء والذكر، وهما قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، وقوله تعالى {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .
ففي الآية الأولى يبين كتاب الله للمؤمنين كيف ينبغي أن يدعوا ربهم ويذكروا اسمه، وفي الآية الثانية يبين كتاب الله للمؤمنين كيف ينبغي أن يجمعوا في الدعاء بين الخوف والرجاء، قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ":" الأصل في الأعمال الفرضية الجهر، والأصل في الأعمال النفلية السر، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرياء والتظاهر والتفاخر، وقد جعل الباري سبحانه في العبادات ذكرا جهرا، وذكرا سرا، لحكمة بالغة أنشأها بها، ورتبها عليها، وذلك لما عليه قلوب الخلق من الاختلاف بين الحالين ". ثم زاد قائلا " أما الذكر بالقراءة في الصلاة فانقسم حاله إلى سر وجهر، وأما الدعاء فلم يشرع منه شيء جهرا، لا في حالة القيام، ولا في حالة الركوع ولا في حالة السجود، لكن اختلف العلماء في قول قارئ الفاتحة {آمين} هل يسر بها أم يجهر ". وقال ابن كثير في تفسيره " قوله تعالى: {تَضَرُّعًا} معناه تذللا واستكانة، وقوله {وَخُفْيَةً} كقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} الآية ". وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول اله صلى الله عليه وسلم:(أيها الناس اربعوا على أنفسكم - أي ارفقوا بها- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذين تدعون سميع قريب) الحديث.
ثم نقل ابن كثير عن عبد الله ابن مبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: " إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به
الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور - أي الزوار وما يشعرون به، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، وإن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} .
وفي القسم الأخير من هذا الربع تناولت الآيات الكريمة قصة نوح عليه السلام وما وصفه به قومه من الضلالة، وقصة هود عليه السلام وما وصفه به قومه من السفاهة، وذكرت الرد المهذب الجميل الذي رد به كل منهما على ما وجه إليه من قدح وتجريح، إذ قال نوح لقومه {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. وقال هود لقومه:{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} .
قال القاضي عبد الجبار: " وهذه الجملة يعرف بها رفق الأنبياء وحسن دعائهم إلى الدين، وفيها إذا تأملها المرء ما يعتبر به ويعرف آداب الأنبياء صلى الله عليهم وسلم في الدعاء إلى الدين، وصبرهم على ما نالهم من الأمم، فيقتدي بهم ".