المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مقدمة الحجُّ إلى بيت الله الحرام هو الجامعة الكبرى التي ينطوي - الركن الخامس

[محمد محيي الدين حمادة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌ ‌مقدمة الحجُّ إلى بيت الله الحرام هو الجامعة الكبرى التي ينطوي

‌مقدمة

الحجُّ إلى بيت الله الحرام هو الجامعة الكبرى التي ينطوي تحت جناحها جميع كليات وجزئيّات المعاني الحضاريّة، التي أرساها الإسلام في قلب المجتمعات الإنسانيّة.

فالحجُّ وسيلةُ إيضاح تختزل لنا مقاصد الدِّين الإسلاميّ كلهّا؛ ذلك أنَّ العبادات في الإسلام هي منافذ يطل بها العبد على معرفة الخالق جلَّ وعلا، ويمد منها جسور التَّواصل مع ربه، ضمن خريطة عمل رسمت خطواتها المترابطة يد العناية الإلهية، لإبعاد شبح الغفلة والضياع عن قلب المسلم، والمحافظة على هويته الإيمانية؛ لذا فقد اتصفت عبادات المسلمين بالخصوصية والموسمية، وهما الوصفان اللذان يبدوان بقوة في قمة هرم العبادات الإسلامية المسمى فريضة الحج، التي تضم إليها سائر العبادات.

فالصَّلاة مفتاح العلاقة بين العبد وربه، وهي تحضر في الرّكن الخامس بصورة بارزة حتى لكأنَّ الذاهب إلى بيت الله الحرام ذاهب للصَّلاة، كما أنَّ الطَّواف حول البيت صلاةٌ إلَّا أنَّ الله أحلَّ فيه الكلام، فمن تكلّم فلا يليق به أنَّ يتكلم إلَّا بخير.

والصَّلاة في الإسلام ليست مجردَ أدعيةٍ وابتهالاتٍ، كما يظنُّ البعضُ، وكما هو الأمرُ عند أبناءِ الشَّرائع الأخرى، وإنما هي عملٌ حضاريٌّ متكامل له خصوصيته التي تضع بصمتها على الحياة الإسلاميّة للفرد والأمّة بوضوح وعمق.

فالصَّلاة لها شروطُ وجوبٍ من إسلامٍ وعقلٍ وبلوغٍ، وشروط صحّة تسبق أداءها من نحو طهارة، وستر للعورة، ودخولٍ للوقت

والصَّلاة لها أركانها وآدابها التي تقارن فعلها من نحو افتتاح بالتكبير، واختتام بالتَّسليم، واستقبال القبلة، وقراءة الفاتحة في القيام، ومن نحو الرّكوع والاعتدال

ص: 3

والسّجود والتّشهد، والدّعاء والتسبيح والأوراد وسائر الشُّروط التي تحدد خصوصيّة أول ركن في الإسلام، وأكثره شيوعاً وتكليفاً.

أمّا الزَّكاة التي يكثر حضورها في فريضة الرّكن الخامس ـ من خلال الكفارات التي تدفع إلى فقراء الحرم ـ ليست مجرد دعوة للتّصدق والإحسان باختيارِ المنفق كما هو عهد هذه العبادة في شرائع غيرنا، لكنّها عندنا حقٌّ معلومٌ لا يملكه المسلم؛ لذلك يدفعه بطواعية المؤمن لما افترضه الخالق عليه، فإن أبى أخذت منه عنوة، فإنْ كان الصّادُّ عنها ذا شوكة ومَنَعَةٍ قاتلتهم عليها الدَّولة المسلمة حتى يعطوها عن يد وهم صاغرون، غيرة على حكم الله، وحرصاً على حقوق الفقراء الذين لم يجدوا في تاريخهم دولة تقاتل من أجلهم بقوة السلاح دون تلبيس إلّا الدولة الإسلامية أيام الخليفة الراشدي أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وكذلك الصّيام الذي يصهر المسلمين في محراب العبودية بين يدي الخالق الكريم بما يوقظه في قلب المؤمن من مراقبة العلي المتعالي فإنه ينطوي تحت راية الحج الذي لا يغفل بين أيام ذي الحجة كفارة الصيام، كما أَن ربّنا يفيض في فريضة الحج على قلب الصادق في توجُّهه إلى تلك الديار أضعافاً مضاعفة من تلك الجرعات الإيمانية التي يفيضها في شهر الصيام والتي يعجز اللسان عن وصفها، والقلم عن تبيانها؛ حيث يدخل بها المسلم من جديد معترك الحياة في مواجهة الشهوات الدونية، بعد أن حج أرضاً تهب عليها النفحات الإبراهيمية من بعيد والمحمدية من قريب.

هذه العبادات الثلاث تمتاز كذلك بالموسميَّة، كل عبادة بحسبها:

فالصلاة ذات سمة ساعية؛ حيث تتكرر خمس مرات كل يوم بتكرر أوقات الصلاة، تعضدها ساعات السحر، وصلوات الرواتب والنوافل.

هذا التكرار يقيم بين العبد وربه ثقة متينة يستمد بها العبد الضعيف المدد من مالك

ص: 4

الملك، ذي الجلال والإكرام، فيغدو قويّاً لا يتزلزل ولو اجتمع عليه الثقلان (1).

وخلال كل سبعة أيام هناك موسم أسبوعي للخير تجسده صلاة الجمعة التي تمثل محاضرة الأسبوع، يلقيها الإسلام على أبنائه، يخاطب فيها حاضرهم وواقعهم، والتحديات التي تنتصب في طريق مستقبلهم.

وعلى مدار العام هناك موسم سنوي يتجلى في شهر رمضان ربيع الحياة الإسلامية، كما يتجلى في تجديده لجوهر الشخصية المسلمة على جميع الأصعدة، يرفده صيام النوافل والكفارات.

أمَّا الحج فهو أكثر العبادات خصوصية وموسمية:

فإذا كانت الصلاة والصيام عبادتان بدنيّتان، وإذا كانت الزكاة عبادة مالية فإنّ الحج هو عبادة بدنية ومالية معاً؛ لأن العبد يبذل فيه كثيراً من الراحة والجهد المتواصل، مرتحلاً في هجرة صادقة إلى بيت الله يضع عنه أوزار السنين، ويُلقي وراء ظهره أيام الغفلة والشرود عن الله، مستقبلاً نفحات مكة بقلب حاضر، وعهد صحيح.

والحج الذي يُقَدَّم فيه ذلك الجهد البدني الشاق هو عبادة يبذل فيها المال أيضاً الذي هو شقيق الروح؛ لأنّ الباذل لماله هو كمن يجود بروحه في سبيل بارئه الكريم (2).

(1). هذه هي الملاحظة التي أثارت فضول أحد اللوردات الإنجليز في أوائل القرن العشرين ويدعى "هيدلي" ودفعت به للدخول في الإسلام، توَّجَهُ بكتاب سماه:"إيقاف الغرب للإسلام" جاء فيه: "إنّ هذا الدين هو الذي يصل العبد بربه، بحيث لا ينقطع عنه أبداً، من خلال الصلوات الخمس التي عليه أن يصلِّيها كلَّ يوم". هذه الفكرة نقلاً عن محاضرة للدكتور يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة، في قناة الجزيرة بتاريخ 25/ 1/2004، أُخذت عن طريق موقع الجزيرة نت>.

(2)

الحق أنّ الذي يبذل هناك من أجرة الراحلة وهي الطائرة أو الباخرة غالباً، ومن نفقات إقامة وتنقلات وطعام وخيام، هي أرقام مرتفعة مقارنة بكل دول العالم.

ص: 5

إن من خصوصيّته ما يلازمه من غربة الأوطان، وما يصاحبه من ارتحال إلى الواجبات والسنن والأركان، وسائر عبادات الإسلام، حتى إنّ الحجاج ليشعرون منذ بدء الرحلة أنهم في عمل متواصل ساعةً بساعةٍ، لا انقطاع فيه، بينما يشعرون في المدينة المنورة بانتهاء عهد التعب، وابتداء زمن الراحة والاستجمام، وعهد الضيافة الكريمة على مائدة النّبيّ الأكرم.

ومن خصوصيته أنه استجابة لأمر الله الذي أوجب، ولنداء إبراهيم الذي بلَّغ، وهو ما ينال صدى واسعاً في القلوب المؤمنة التي تشعر بمزيد من الفخار فأيُّ فرحةٍ تغمر العبد المؤمن أبلغ من هذه؟

ومن خصوصيته أنه رحلة تواصل مع أمّة عظيمة تشكل رقعتها الجغرافية امتداداً لكل مسلم، لاسيما بالنسبة لمن لم تُتِح لهم ظروف العيش القاسية أن يتخطَّوا سور قريتهم أو مدينتهم فتقدّم لهم فريضة الحج فرصة سانحة ربما لن تتكرر في حياتهم، ولن تمحى من ذاكرتهم، للالتقاء والإطلاع على الثقافات المتنوعة، وعلى سر التنوع في أمة الإسلام العظيمة.

ومن خصوصيته أنه رحلة لتوحيد الله عز وجل، وإفرادِه بالعبادة، في أرض لا يقطنها إلّا الساجدون لله عز وجل.

ومن خصوصيته أنه يفتتح بطواف القدوم، ويختتم بطواف الوداع، وكل منهما تشترط فيه أمور، وتسنُّ فيه أُخرى، تزيد من تلك الخصوصية.

ومن خصوصيته أنّ الحجاج يدخلون مكة بعد طواف القدوم مرَّة أخرى؛ حيث يقفون خارجها على صعيد عرفات، فيسألون الله، ويُلحون عليه في الدعاء، ويناجونه ويبكون بين يديه حتى تبتلَّ منهم اللّحى، حتى إذا ما أُذن لهم اندفعوا نحو الأرض

ص: 6

المقدسة من بوابة مزدلفة ملبّين، ذاكرين الله عند المشعر الحرام الذي يبيتون عنده وما يحيط به، فإذا ما أُذن لهم من جديد تقدّموا خطوة أخرى صوب البيت الحرام بوصول منى، ورميّ جمرة العقبة الواقعة في رأس الطريق هناك باتجاه غايتهم، ومع الفراغ من هذا النُسك العظيم الذي يتقرب به الحجاج إلى الله، فإنهم يَجدُّوْن السير ـ سواء من تحلل بالحلق أو من لم يتحلل ـ على الطريق الذي سلكه محمد صلى الله عليه وسلم نحو المعبد الإسلامي الذي شيده إبراهيم عليه السلام لتوحيد الله وحده، وتلبيته، وسؤاله من جوامع الخير، وإنزال الأثقال من فوق كاهل العباد عنده؛ لذلك فإنّ الأبواب ما تلبث أن تفتح لهم إيذاناً بالدخول لطواف الزيارة، والسعي عقبه. ومع الفراغ من هذا المنسك الركن، يُؤذَنُ للحجيج بأن يعودوا أدراجهم للدخول في سلك الضيافة الإلهية في منى أيام العيد الأكبر، حيث يجلس الجميع على مائدة الرحمن العامرة؛ إذْ تذبح الذبائح وتقام أعراس الطاعة، التي تقدم فيها أطايب اللحوم، والحلوى، وألوان الشراب البارد والساخن، تكرمة من الله لضيوفه - الذين أتموا أركان فريضتهم ولم يبق أمامهم سوى بعض الواجبات - وتداركاً في هذه الأوقات لمن فات في حقه شيء من الأركان كالحلق أو طواف الإفاضة، فيستأذن من مضيفه وهو ربُّ العزة بالتوجه إلى الكعبة المشرفة لساعاتٍ لأداء ما تأخر عنه، ثم يعود تارة أخرى ليأخذ مكانه على تلك المائدة.

وكما ترى فالعيد هناك خصوصية من وراء خصوصية، وموسم خيرٍ تتداخل فيه مواسم من جنسه، لذلك تعد أيام منى مناسبة لإظهار طبيعة الأعياد عند المسلمين، التي لم تكن يوماً إطلاقاً لعنان الأهواء والشهوات، ولا استغراقاً في وحل المعاصي والآثام، ولا استثناءً يبيح ما كان محظوراً على عادة الغربيين في أعيادهم! ، لكنه طاعات

ص: 7

تمتزج فيها الأفراح، وسرور يعكس سعادة العباد بطاعة الله، ومباحات تتعانق بحرارة مع القربات.

الأعياد عندنا مظهرٌ من مظاهر تواصل المسلم مع ربه، وصورة صادقة لمراقبته لشهود الله على عمله، وتأكيدٌ على نفي الغفلة عنه في ذروة النشوة والفرحة، لذلك لا عجب أن تقترن بداياته بالتكبير بالنسبة للحاج ولغير الحاج كلٌ بحسبه، وسواءٌ في مكة أو في امتداداتها على كل بقاع الأرض، والذي يرافقه حتى السُّوَيْعات الأخيرة، كما يسبقه ويتصل به أهمُّ أركان الحج وهو الوقوف بعرفه، ويؤدّى فيه ركنا الحلق والطواف، وواجب المبيت والرمي في ذات الأرض التي تقام عليها أفراح العيد وهي أرض منى.

إنّ وقوع العيد في الأرض التي هي جزء من البلدة الحرام، ويؤدَّى فيها مايرتبط بتحلل الحاج من إحرامه التحلل الأول، كما تؤدَّى الواجبات الشرعية التي إنْ تركت لا سبيل لتكفيرها إلّا بإراقة دماء الكفارات ليتم ذلك في امتزاج كامل بمظاهر الأفراح التي تحيط بها هالة من المعاني الإنسانية كالتزاور والتراحم، وصلة الأرحام، وتفقد الأحباب، وتبادل الدعوات، وتقديم الطعام والشراب للغني والفقير سواء بسواء، لهو مما يضفي أثر الثقافة الإسلامية المستمدة من معين الشَّرع المطهر؛ حيث يدعونا الله في كتابه إلى الذكر في أيام منى المعدودات، أيام العيد:{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203].

هذه الدعوة تعضدها أخرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الوصف الإسلامي لتلك الأيام بقوله: "أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل (1) ".

(1) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1141/ 144) وفي رواية عنده: "أيام التشريق" كما رواه بهذا اللفظ البيهقي في السنن الكبرى برقم (6358) و (6357).

ص: 8

فالأعياد عند المسلمين تأكيد لوجه الصلة بالله عز وجل، ودعوة لأنْ تكون أفراحنا مهرجانات إسلامية وذات أبعاد إنسانية، لا تدعى لها طبقة متميزة في المجتمع تسمى المخملية، وتستثنى سائر الطبقات.

هذا المعنى هو امتداد لجوهر الركن الخامس الذي يدعو جميع المسلمين القادر منهم، دونما إبطاء أو استثناء لحضور المؤتمر السنوي، والدعوة مفتوحة، وعاجز اليوم قد يغدو قادراً في عام قادم، والباب مشرع على مصراعيه لكل أحد دون النظر إلى طبقته، أو ثقافته أو مهنته، أو إقليمه، وهو ما ندعوه بالموسمية، فالحج هو موسم سنوي بالنسبة لعموم الأُمة، لكنه موسمُ العمر بالنسبة لآحادها؛ لأنه العبادة التي فرضها ربنا سبحانه وتعالى مرّة واحدة في حياة كل مسلم ما لم يأت إلى مكة ناذراً أو على وجه القضاء، لذلك عرَّفه الإمام الغزالي في الإحياء بأنه عبادة العمر حين قال:"فإنَّ الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين (1) ".

فالحج موسم الخير والعطاء الدائم يحتضن بين ذراعيه كل مواسم الخير والعطاء الإسلامية فهل نعجب بعد ذلك ونحن نقرأ كلام ربنا في القرآن الكريم يقسم بالليالي العشر الأوائل من ذي الحجة (2)، وكلام نبينا الذي لا ينطق عن الهوى وهو ينادي بأيام العشر أفضل الأيام على الإطلاق (3). لا بل إنّ أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن صدر ذي الحجة

(1) إحياء علوم الدين لحجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي في كتاب أسرار الحج ج 1، صـ 240 ـ.

(2)

قال تعالى في صدر سورة الفجر: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)} .

(3)

قال صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام" يعني: أيام العشر. قال: "يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجعْ من ذلك بشيء" أخرجه الإمام أحمد في مسنده، واللفظ له برقم (1968) وقال محققوا الموسوعة الحديثية على مسند أحمد "إسناده صحيح على شرط الشيخين". اُنظر ج 3 ص 433 كما رواه البخاري برقم (969).

ص: 9

هو المعني به في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَمَانِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ} [الأعراف: 142] أما الثلاثون فهي شهر ذي العقدة.

وإذا كانت الأشهر الحرم أربعة فإن اثنين منها هي من أشهر الحج (1)، فهل بعد هذا من خصوصية وموسمية.

ومن تجليات الركن الخامس على المسلمين ذلك الرابط الذي عمد إليه الإسلام بين كلّ واجب يؤديه الحاج ومرجعه التاريخي الذي سجّل ميلاد الحادثة إلى حيّز الوجود، وهو ما يؤجج في قلوب الحجاج مشاعر إيمانية فياضة حين يؤدون بمتابعة دقيقة ما سبقهم إليه رجالات عظام أقامهم الله في موقع القدوة بعد أن صبروا في سبيل الله، وسموا فوق كل إغراء، وتفانوا في مرضاة ربهم وحده، فاستحقوا بذلك أن يتحولوا إلى مناراتٍ تضيء للبشرية درب الحياة مهما أحلولك الظلام في طريق الشعوب.

تعيش فيك هذه المعاني وأنت تطوف حول البيت، وذاكرتك يتردّد فيها صدى البيان الإلهي:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)} [البقرة: 127].

وتتأمل ذلك وأنت تصلي إلى مقام إبراهيم وفي أذنيك خطابُ الله للمكلفين: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، فتؤدي ركعتي الطواف وأنت

(1) قال الله عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، والأشهر الحرم هي ثلاثة سَرْد، وواحد فرد، أي: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم والآخر هو رجب مضر الذي بين جمادى الآخرة وشعبان، وقد سُمّي كذلك؛ لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجباً، وكانت مُضر تحرم رجباً نفسه. وكما ترى فإنّ الله نهانا عن الظلم خاصة في أشهر الحج بنص الآية تأكيداً على تلك الخصوصية. اُنظر:"تفسير الجامع لأحكام القرآن" للإمام القرطبي ج 8 ص 123.

ص: 10

تستحضر صورة رسل الله وأنبيائه قاطبة، وألسنتهم تلهج حول البيت العتيق بأدعية شفافة رقيقة، فتفوح من هذا السَّرد الذي يشبه آلة العرض السينمائي ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدخل مكة من ثنيَّة كَدَاء، ويغتسل من بئر ذي طُوى، ويطوف بالبيت في تواضع لله، وخشوع بين يديه وبكاء، وفي إظهار للقوة أمام أعداء الله مهرولاً في الأشواط الثلاثة الأول التي بدأها بتقبيل الحجر الأسود، والتي تلت هدم أصنام الشرك المزعومة في ختام رحلة الجهاد فداءً لدين الله؛ ليؤسس مع بداية الطواف بضوابطه الجديدة قيام مجتمع جديد أساسه التوحيد لله، وعنوان وحدته الكعبة المشرفة، وثمرة بنائه مجتمع سعيد رمزه الفضيلة والستر والروابط الإيجابية بلا كَبْتٍ أو سلبيّة.

إنّه المجتمع الذي يقوم فيه الولاء لله تعالى وحده، وليس لآلهة مزيَّفة من أصنام ومادة وشهوات.

وفي المسعى تحضر بقوة ذكرى الأم العظيمة هاجر، يوم استجابت لأمر ربها، ورضيت بالإقامة في وادٍ غير ذي زرع لا ساكن فيه ولا ماء، أو أيَّ شيء من مقوّمات الحياة حتى صارت مثلاً يُحتذى لكل من تسوِّل له نفسه أنّ في طاعة الله ضياعَ الأفراد والمجتمعات، فهاهي أُمنّا، وبسبب يقينها وثقتها بالله تعالى لم تنج من براثن موت مؤكد فحسب، وإنما صارت سيدة هذا الوادي الذي أخذ يعج بجموع السكان والزّوار، وصارت إحدى الخالدات اللائي حُفر اسمهنّ بجلاء في جدار التاريخ، وبالسيرة العطرة التي تشرئب لها أعناق روّاد الخلود في الدنيا.

وفي عرفة حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى في جموع المسلمين خطابه المودِّع الجامع يناشد فيه حاضرهم وأجيالهم أن تحمل الأمانة التي ألقيت على عاتق الأمة في تلك اللحظات المؤثرة من تاريخ الرسول والرسالة.

ص: 11

وفي مزدلفة حيث المشعر الحرام وصلاة الجمع، والتقاط الحصى، إقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي منى عند الجمرات يستشعر المسلم صورة صادقة من صور الصراع بين الحق والباطل الذي لا ينفك بين البشر حتى يقضي الله بين العباد، والذي يرمز لجانب الشرِّ فيه الشيطان، ولجانب الخير فيه المسلم الذي يُصرّ على توطين نفسه لنبذ دواعي الفتنة من خلال رمي الشاخص بما يعمق عقيدة التولي عن دعوات إبليس المتلاحقة، ومن خلال الإقتداء بمن هو أهلٌ لأن يقتدى به، إنه إبراهيم أبو الأنبياء خليل الرحمن، ومحلُّ إجماع أبناء المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان؛ حيث عارض الشيطان، وخالف أوامره، وانتصر عليه ورماه بالحصباء امتثالاً لأمر ربه.

وفي النَّحر عَوْد على أروع الأمثلة التي وضعت فيها العبودية لله تعالى موضع التنفيذ يوم لم يتردّد إبراهيم في الإقدام على ما أوحاه الله إليه من ذبح ولده الوحيد إسماعيل آنذاك (1)، في أرض غربة وتقشف وحرٍّ شديد، تسليماً لأمر ربه، فإذا بالولد البارِّ يجدّ السير على درب أبيه، يقدم الروح متبسماً في سبيل رضوان ربه، وهو يقول:{يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].

ومن تجليات الركن الخامس أنه يحقق في أمتنا ما عاشت البشرية أزمنة طويلة تنادي

(1) ليس في هذه القصة دعوة لذبح الأولاد، أو تبريرٌ لذلك، فهذا الفهم الساذج لم يقل به أحد من أمَّة الإسلام سواء في عهد نزول الآية المذكورة أو زمن حدوث القصة قبل أربعة آلاف عام؛ لوجود خصوصيتين في هذه الحكاية النبوية: الأولى أنّ الوالد نبي، والثانية أنّ الابن نبي، فالدعوة للذبح جاءت من طريق الوحي الذي لا سبيل لأحد إليه بعد انقطاعه مع وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك نهاية المشهد بالفداء بذبح عظيم طريقها الوحي أيضاً، والمقصود من أحداث القصة أن يتعلم المسلم أن طاعة ربه، والاستسلام لأوامره هي السمة الملازمة لكل لحظة من سيرة حياته، وأنّ لنا في خليل الرحمن إبراهيم أسوة حسنة الذي انقاد عن طواعية لأمر الذبح، وفي نبي الله إسماعيل الذي انقاد مثله عن طواعية؛ لأن الآمر اللهُ، أمّا الحكمة من أمر ربنا سبحانه وتعالى فهي أن يقدم هذا الأنموذج للبشرية، لتعلم كيف جاء الدين لحفظ الروح والنفس.

ص: 12

له، وتسعى إليه حتى رفعت به الصوت عالياً بالثورة الفرنسية من دعوتها لتحرير الإنسان من رقّ الإقطاعيين والمستغلين والمتنفذين، بينما قدّمته لنا هذه الفريضة بتواضع وسبق واضح، يوم حرّرت المسلم من عبودية أخيه الإنسان، وأخرجت منه خلقاً آخر لا يعرف الضيم، ولا ينام على الظلم من خلال ربطه بعبودية التشريف للإله الحق الذي يدفع الاعتماد على قوته العليا اللطيفة المحيطة بالخلق أجمع، إلى تكسير قيود الاستعباد للشهوات والأهواء، وأرباب النفوذ مهما بلغوا من السطوة والجبروت في صور يعجز عن فكِّ ألغازها الملاحدة ومنكروا الإيمان بالله عز وجل، ومن ورائهم طابور المنافقين الذين يُظهِرون غير ما يُبطنون، ويتفوَّهون بغير ما يعتقدون.

ومن تجلياته تحقيق مبدأ المساواة الذي يحلم به بنو الإنسان دون أن يلجوا إليه عادة من باب موصل صحيح لكن ها هو الحلم يغدو حقيقة ماثلة للعيان في موسم الحج الذي يدعو من خلاله رب العزة جميع المسلمين لدخول ساحة الآخرة في زمان واحد لا يستثنى منه أحد من حجاج بيت الله، ومكان واحد لا تفاضل في رحابه، وبثوب واحد يتقربون به إلى مولاهم الذي دعاهم، ويتقارب به المدعوون فيما بينهم؛ حيث تتجلّى مظاهر التساوي والتوحد والتواضع والصفاء؛ لأنّ الزيّ الخاص بكل إقليم وقطر ينحسر في هذا الحشد فلا يعود له وجود، بينما يتقدّم زيّ بسيط لا صلة له بعادات الناس، ولا بتقاليدهم، وليس له من معنى اللباس إلّا غايته وهو الإزار الذي يلف القسم السفلي ساتراً العورة، والرداء الذي يغطي الكتفين، وكلاهما بلون أبيض ناصع يجدد في الروح تطهير أرضها من مكدّرات النفس الإنسانية.

لباسٌ يستوي فيه السيد والمسود، والأمير والفقير، وتذوب معه سائر الفوارق الطبقية، في مشهد يُضَمُّ إليه التجاء الحجيج بعبودية وانكسارٍ، يذكر أوّل ما يذكر

ص: 13

بالبدايات الأُولى حين خرج النّاس من بطون أُمهاتهم حفاة عراة، وبالمعاد حين يقومون لا أحساب بينهم ولا أنساب، وبالانتقال فيما بين وادي الدنيا والآخرة من نافذة القبر المظلم الصغير، وجميعها صورٌ شاهدة على المساواة بين سائر البشر (1).

ومن تجليات هذا الركن العظيم أنه أعظم تظاهرة اقتصادية في التاريخ البشري، وفي الحياة المعاصرة؛ لأن الملايين من المسلمين يحزمون أمتعتهم كلَّ عام صوب المسجد الحرام لأداء مناسك الحج فرضاً أو نافلة، بشتى وسائل النقل البرية والبحرية والجوية، مفعّلين بذلك عجلة هذا المرفق الحيوي الهام، حاملين معهم المال إلى بلدة شهدت ولا تزال تدفق عصارات الأمم في شتى الصناعات، وثمرات الكرة الأرضية على كل المستويات، فإذا بأبناء الأقاليم والقارات يتبادلون في هذا اللقاء الحاشد السلع والحاجيات ضمن أضخم عملية تبادل اقتصادي في الدنيا تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد العالمي وتفعليه نحو الأرقى، في سبقٍ إسلامي لفكرة التجمعات الاقتصادية الكبرى، ومعارضها الإنتاجية، من خلال إعطاء الحج بعداً اقتصادياً، رُسخ فيه من خلال ربط هذه الفريضة بالاستطاعة المالية التي لا يتم نهوض اقتصاديٌّ ما حال

(1) من العبادات الإسلامية الأخرى ما يحقق بين المسلمين المساواة المنشودة، لكن ليس إلى درجة إذابة الفوارق تماماً بينهم، فالصلاة مثلاً وهي عماد الدين كله، تؤدي جانباً كبيراً من هذا المعنى لكنها لاتبلغه؛ لأن الناس وإن كانوا يقفون بين يدي الله في أوقات لا يختص بها بعضهم دون بعض، وفي أداء يستوون فيه جميعاً، وفي صفوف لا يحظى في مقدمتها أصحاب طبقة دون أخرى، ولا في مساجد يدخلها النخبة، وأخرى من نصيب العامة، وبسجود جماعي يضع فيه المسلم رأسه قريباً من قدمي أخيه، بينما تقع قدماه هو في مقابلة رأس مصلٍّ آخر بالخلف دون النظر إلى رئيس ومرؤوس، وكل هذا من مظاهر المساواة، إلّا أن الصلاة تتيح لشارات السيادة والغنى أن تحضر فيها، وتعكس الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمصلي من خلال الثياب واللباس الذي يصبغ صاحبه بصبغة الفوارق الإقليمية والطبقية؛ لأن اللباس يحكي جوهر لابسه الدنيوي، وبهذا فإن الحج مرتبة متقدمة في ترسيخ معاني التسوية بين البشر.

ص: 14

استبعادها.

كما أنه دُفع بالقضية برمتها إلى دائرة الضوء بجعل الحج ركناً من أركان الإسلام، وتسمية إحدى سور القرآن الكريم باسم هذا الركن العظيم ـ سورة الحج ـ والتي ضمّنها البيان الإلهي قوله تعالى:{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)} [الحج: 28، 29]، وبذلك قطع البيان القرآني دابر الشك أمام من يتردد من الحجاج في المتاجرة والانتفاع الدنيوي المشروع، في هيئة تظهر تعانق النُسك الشرعي مع البناء الحضاري في هذا الدين، وتثبت من جديد أنّ إسلامنا لم يكن يوماً رهبانية حبيسةَ دور العبادة، ولا صوفيةً لا تَفْقَهُ الدنيا، لكنه دائماً دينٌ سماوي لبناء مكتسبات أرضية، ودنيا لا تقطع صلتك بالله، وسماء تؤكد لك بالصوت والصورة اليومية أنّ الذي أبدع الإنسان في أحسن تقويم، وخلق سبع سماوات طباقاً لا ترى في خلقهن تفاوتاً، هو وحده الخبير بما يضمن سعادة هذا الكائن البشري الذي انطوى فيه العالم الأكبر، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}؟ [الملك: 14] {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} ؟ [التين: 8].

فأين من ينظر بموضوعية مجرّدة عن مؤثرات الأهواء والمصالح الضيّقة؟ ! .

الإسلام والدنيا في ميزان شريعتنا لا مقاطعة بينهما ولا هجران، وإنما تعاون على تذليل كل شيء لنيل رضوان الواحد الأحد المنّان، ولذلك وطدت الآية السابقة في كلماتها جانباً اقتصادياً آخر بتقديم كفارات على بعض مخالفات الحجاج، على هيئة ذبائح وصدقات لا يجوز أن تدفع لغير فقراء الحرم، وبهذا عالجت الحكمة الإلهية قدر الله على أهل مكة في واديهم الذي لا يخرج زرعاً، بالوصفة الاقتصادية التي تعوض محصول الأرض الذي لا وجود له بموسم الحج السنوي، والمواسم المتكررة للعمرة على مدار العام.

ص: 15

والحج كذلك تظاهرة رياضية كبرى، يمكنني أن أُطلق عليه:"ماراتون المسلمين"؛ لأن الحاج يقطع في حقيقة الأمر عشرات الكيلو مترات أو أكثر، دون أن يشعر بثقلها، وبأنه فعلاً قطع تلك المسافة، بسبب لواعج الشوق التي تتحرك بين جوانحه للقاء بيت الله، واستغراقه مع الله في العبادة في لقاء ملائكي مهيب، لا يجد فيه المسلم قدرة على منع دموعه من الانهمار بغزارة من عينين تكحلتا أخيراً برؤية البيت، وبمناجاة الله عنده، وفي ربا عرفات والمشاعر.

لو أردنا أن نلقي نظرة عابرة على المسيرة الفعلية التي يقطعها كل حاج أثناء هذه الرحلة، فإنها ستتجاوز مسافة الماراتون الفعلية، ففي مدينة الحجَّاج في جُدَّة يتحرك الحاج سيراً على قدميه من صالة الانتظار الأولى، إلى صالة الجوازات، ومنها إلى صالة الأمتعة، ومنها إلى صالة (شيك الخدمات) وأحياناً يكون موقعها في بداية المطار؛ حيث الصالة الأولى، ومنها إلى مركز البعثة التابعة لبلد الحاج، وأحياناً تقع بعد الصالة العاشرة، ومن ثم يتحرك سيراً على الأقدام من موقع البعثة إلى مكان تجمع الباصات، ومن هناك يتحرك إلى مكة بواسطتها.

البداية الثانية من ساحات الحرم المكي الخارجية التي لا بد منها للوصول إلى أسوار الحرم ولوجاً إلى الأبنية هناك، وصولاً إلى المطاف، الذي نقطعه من محيطه إلى مركز دائرته؛ حيث الكعبة المشرفة التي تُستقبل بطواف القدوم سبعة أشواط، قد تصل مدة الشوط الواحد من ربع إلى نصف ساعة وربما أكثر في أوقات الذروة والازدحام بسبب اتساع محيط الدائرة التي يسير في إطارها الطائفون.

ومن فراغ عبادة الطواف ينتصب الحاج لركعتيه خلف مقام إبراهيم، والمسافة بينهما ليست بالقصيرة وقد تبلغ مئات الأمتار عند الازدحام، ومن ثَمَّ انتقال من موقع

ص: 16

ركعتي الطواف، إلى حيث جبل الصفا لبدء السعي بين الصفا والمروة، وهي مسافة كسابقتها تقريباً.

وفي المسعى رياضة متجددة لقطع مسافة (395 م) للشوط الواحد يقيناً بين جبلي الصفا والمروة، فضلاً عن المسافة الاحتياطية والأخرى الإلزامية التي يفرضها ازدحام جموع الساعين هناك.

هذه المسافة يقطعها الحُجَّاج بين مشي على الأقدام، يبدأ بالنزول الخفيف إلى الوادي المتصل بجبل الصفا، وبين هرولة يؤديها الساعون عند استواء الأرض فيما يعرف بالميلين الأخضرين، ثم يعاودون المشي صعوداً إلى جبل المروة، وبالوصول الموفق يكون أحدهم قد أدّى شوطاً واحداً عليه أن يتبعه بستة أخرى هي على شاكلته، لكن عندما يكون سكن الحجاج في غير جهة المروة، فعليهم أن يعودوا أدراجهم من ذات الطريق، وهو ما يحصل معي دائماً حيث نضطر للتحرك على خطى المسعى من المروة إلى الصفا إلى باب الملك فهد إلى ساحات الحرم الخارجية إلى النفق تحت ساحات الحرم المكي، أو لقطع الشارع المقابل للحرم عرضياً لركوب الباصات، وأحياناً يضطر الحجيج للسير على الأقدام في أوقات الذروة حيث يُوقِف الازدحام بعد صلاة الجمعة والصلوات الخمس مباشرة خطوط المواصلات بصورة جزئية أو كلية تمتد مسيرة الحجاج على أقدامهم من (500 م) إلى (1000 م) إن لم يؤثر الانتظار في المسجد الحرام.

هذه المسيرة تتكرر على نفس الهيئة كلما أراد الحاج أن يؤدي عمرة، وبشاكلة أقلَّ منها كلما أراد أن يؤدي طواف نفل، كما يعود للمسيرة زخمها السابق عندما يتقدّم الحجاج لأداء طواف الإفاضة والسعي بعده.

كما تتجدد الصورة بدرجة أقل من سابقاتها عندما يتوجه الحاج لأداء إحدى

ص: 17

الصلوات الخمس في المسجد الحرام إذ عليه قطع مسافة الساحات الخارجية، ثم يتجاوز الأروقة المغطاة على قدميه، وصولاً إلى ساحة المطاف، وأحياناً بسبب الازدحام صعوداً إلى الطابق الثاني بامتدادته الواسعة وفي بعض الأوقات لا يجد في كل هذه المساحات الشاسعة ما يمكّنه من الجلوس فيضطر للبحث عن مكان مناسب على سطح الحرم وهو كبير واسع باتساع المسجد الحرام نفسه.

ومع انتهاء الصلاة تبدأ رحلة العودة من السطح المترامي الأطراف إلى المخارج الجانبية على محيط دائرته إلى الأبواب الأرضية، ومنها لتخطّي ساحات الحرم الخارجية من جديد إلى مواقع تجمع الحافلات، ومن ثَمَّ إلى موقع الإقامة، لتبدأ جولة أُخرى من الجهاد الرياضي مع صلاة قادمة ليتكرر ذلك خمس مرات بعدد أوقات الصلاة، بالنسبة لمن يحرص على فعلها جميعها في المسجد الحرام.

أما في أرض عرفه فالحركة ضمن المخيم الواحد لا تهدأ، وهي تؤدّى على الأقدام، وكذا بين مخيم وآخر بحثاً عن الأهل والأصحاب تواصلاً وصِلة للأرحام.

وفي دعاء عرفات يسن أن يناجي الحجيج ربهم واقفين، بارزين، ما لم تكن ثمة مشقة لا تحتمل. وفي طريق النَّفرة من عرفات إلى مزدلفة يتحرك مئات الآلاف من الحجاج سيراً على أقدامهم، ومنها ينفذون إلى منى، وصولاً إلى جمرة العقبة الكبرى، انتهاءً بمكة المكرمة، وأذكر أنّ الله أقدرني على قطع هذه المسافة كاملة في رحلة بدأت قبل غروب شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، وانتهت مع اشتداد شمس اليوم الثاني قبل الظهر بطواف الزيارة، والانتقال إلى محل إقامتي مشياً بفضل الله تعالى، وأذكر أنني كنت أرى عن يمينٍ وشمالٍ في الطريق جموع الزاحفين إلى بيت الله سيراً تملأ السهل والجبل.

فالحج رسالة متكاملة في وسائلها وأهدافها وغاياتها الجليلة، لم تتركْ معنى حضارياً

ص: 18

إلّا وأتت به، ومهدَّتْ له، وسعت إليه، من خلال ربطه بأحكام تشريعية ترسِّخُه في الذاكرة اليومية للفرد، والشعبية للمجتمع، والثقافية للأمة، لبناء صرح حضاري لا ينهار أمام عوامل الطغيان.

الحج محطة تأمُّليَّة يعود فيها الإنسان المسلم إلى حالة الشكر الحقيقي التي أُقصي عنها الكثيرون بسبب ما أغدق الله عليهم من نعم أنستهم فضل المنعم عليهم.

لكنَّ فريضة الحج ما تلبث أن توقظ في حجّاج بيت الله الحرام مراكز الحس لما يواكب الحج من شظفٍ للعيش كانوا في مأمن منه قبل شدّ الرحال إلى مكة، فالإحرام ومحظوراته، وضوابط الحج الزمانية والمكانية والتشريعية، وأعدادّ هائلة من البشر المستطيعة إلى بيت الله سبيلاً تتحرك كالبحر في اقتدائها بنبيِّها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه اللوحة المتكاملة يتخرّج من صفوفها جيلّ رحيم بالعباد بعد أن ذاق الحجاج من شظف العيش ألواناً لم يكن لهم بها دراية.

والحج حديقة تجد فيها كلَّ صنوف الثمار الطيّبة، تقطف الأمة من ورودها، وتتغذّى على فاكهتها، وتستظل بأشجارها، وتنعم بنصيب وافر من معاني الأمن والسلام اللذين تعمّقهما فريضة الركن الخامس، لذلك عرّفه فضيلة الدكتّور يوسف القرضاوي بقوله:"الحج هو رحلة سلام، في أرض السلام، في زمن السلام".

فالعنوان الرئيسي في قصد البيت الحرام هو السلام، لذلك يتخلّى الحاج عن ثياب الصنعة إلى ثيابٍ لا زُرَّ فيها ولا أكمام، مستحضراً معها صورةً لا بد آتية في يوم يلفُّ فيها المسلم بالأكفان، يعجز فيه عن فعلٍ يصدر منه لأحدٍ من خلق الله، ويصبح حينئذٍ فقيراً أكثر إلى إسدال نعمة السلام عليه بالعفو والصفح من الله السلام.

أمّا شعار التلبية فهو امتداد لتربية الإسلام؛ لأنه استسلام لتكاليف صاحب الخلق والأمر.

ص: 19

وأمّا تحريم الصيد البري في كل أرض يطؤها الحاج قبل الوصول إلى مكة، وبعده حيث يحرم في حدود الحرم الصيد والتنفير والترويع كذلك، كما يحرم فيه قطع الحشائش والأشجار التي نبتت وحدها دون زرع أو استنبات.

كما يحرم مع اللحظة الأولى للإحرام استخدام الآلات الحادة كتلك التي تستخدم في حلق الرأس، وقصّ الشعر، وتقليم الأظافر.

كل هذه التعليمات هي ترويض للحاج المسلم لينسجم في رحلة الحج مع عنوانها الرئيسي: "عنوان السَّلام" الذي رفعه الإسلام في حياة المسلمين واقعاً مستقراً لا سبيل للعدول عنه إلّا تحت وطأة ظروف تُفرض على الأمة، تضطرها للخروج عن جادة الموادعة والمسالمة إلى ساحة الجهاد والنزال لتذود عن ذاتها.

ثقافة السَّلام جسّدها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الأثر المروي عنه: "لو رأيت في الحج قاتل أبي لما امتدّتْ إليه يدي بسوء".

فالحج إلى بيت الله الحرام رحلة ذاتُ وجهين وضيئين:

الأول: مكتوب عليه السلام، والآخر: منقوش على صفحته الأمان.

ومن الخطوات الإلهية لتحقيق هذين المقصدين معاً محظورات الإحرام التي سبق ذكرها، ثم اجتماع حرمة الزمان إلى حرمة المكان (1)، تقوية للشعور بحرمة هذا الركن وجلاله، وتأييداً للشعور بالمراقبة والمسؤولية، لجعل المسلم مرهف الحس، حاضر الفكر،

(1) حرمة الزمان في جعل الحج أشهراً معلومات بعينها، وفي جعلها من الأشهر الحرم التي عظمها الله يوم خلق السموات والأرض، ففي الحديث الذي يرويه الشيخان عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلَق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو الحجة وذو القعدة والمحرّم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" البخاري برقم (3197)، ومسلم (1679) وأبو داود (1947).

ص: 20

منسجماً مع الجوّ الروحاني الذي أقامته العناية الإلهية فيه (1).

من هنا فإنَّ المسلم يقيم هناك علاقة مسالمة وأمان حقيقي يمتد إلى الكون من حوله بَشَرِهِ ونباتِهِ وحيوانه حتى الطير في الهواء، ثم يغادر الحاج أرض السَّلام وفي حقيبته المزيد من المعاني السامية التي تنبض بالحب والأمن والسلام، بما يرتد خيراً على البشرية قاطبة؛ لأن المسلم كالمطر أينما حلّ أينعت الأرض خضرة وثمراً، فإن لم يكن فيرتوي الناس بتوفير مصادر الحياة بها لخلق الله أجمعين.

والحج أحد العناصر الرئيسة في بقاء الأمة متماسكة مستعصية أمام كل محاولات التغريب والتبشير المزعوم.

والحج هو أحد العوامل القوية في تبديد مشروع التغريب في حق مَن وقعوا في شباكه تحت تأثير حملة المد الغربيّ الخطير.

آيةُ ذلك أن قصد بيت الله الحرام، أوَّل بيت وضع للناس، موئل الموحدين، وملاذ الحيارى التائهين، هو من العبادات الفريدة التي يسكب فيها ربُّ العزة على قلوب عباده هذا القدْر الهائل من الروحانيات، والطاقات الإيمانية، فتلمتع حقائق العبودية بين يدي الله عز وجل، في رحاب البيت العتيق، حين يعيش العبد حالة من الافتقار إلى رحمة الله، والتذلل إليه، والتقرُّب بشتّى ألوان الطاعة والتبرُّءِ بكل صيغ الانفكاك عن زمن المعصية الغابر، والاعتراف والإقرار بكل ما صدر عن العبد من تقصير، وطلب العفو والصفح في مقام المغفرة والتبييض لصحائف العباد في موسم العطاء الجزيل، والخير العميم، في عرين بيت الله، وعلى مائدة ضيافته.

(1) اُنظر "الكعبة مركز العالم" للدكتور سعد المرصفيص 245 ـ.

ص: 21

أجواء يتجسد فيها نداء كل مسلم إلى ربه بالدعاء المشهور:

"اللَّهم أنت ربي لا إله إلّا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء (أقُرُّ) لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنَّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت".

عند كعبة الله في مكة المكرّمة لا تحتاج - كما في كل مكان - إلى توسيط أحد بينك وبين الله عز وجل، فالذي عصيت أوامره، وأوْقَعتَ نفسك في قوس غضبه، هو من دعاكَ إليه، وفتح لك أبواب السور العظيم، لتدخل مدينة النور الحقيقي، وتقرَّ عنده دون وساطة سمسارٍ أو شفيع بما سبق به قضاؤه عليك، وتسأله بلغة الصدق والتواضع والدموع أن يتجاوز عما زلّ به القلم واللسان، وزلَّت به الجوارح والأقدام، لتبدأ مع مالك الأمر كله صفحة من عهدٍ جديد مع الله.

هذه العبارات التي سقتها هي وميض من ضياء كاشف، تعجز الكلمات عن رصده وتسطيره؛ لأن الذي يجوب ببصره في بيت الله الحرام يرى عصاة الأمس، وفساق الماضي استحالوا في حضرة ملك الملوك إلى عُبَّاد نادمين، يندفعون بين جموع الطائفين لا همَّ لأحدهم إلّا أن يملأ قلبه من حسراتٍ على ما فات، فتتسابق كلماتُ الإدانة والتوبة والمناجاة على شفتي لسانه، ودموع الندم على عيني رأسه، بعد أن بكى القلب مراراً من سنوات الشرود والضياع، وبعد أن بكى من فرحته وهو يرى ذاته في حضرة قيُّوْم الأرض والسموات. وكم رأيت من أصحاب الفن والمراكز، والشهرة وعامة الناس من يلصق بطنه بالبيت عند الملتزم أو في حجر إسماعيل ويضع خدّه عليه، ويتعلّق بأستاره، ويبسط عليه كفَّيه، ويقول ـ كلٌ بلغته ولهجته وطريقته ـ: "اللهم يا ربَّ البيت العتيق أعتِقْ رقبتي من النار، وأعذني من شر براثن الشيطان، اللهم إنَّ البيت بيتك، والحرمَ حرمك، والعبدَ

ص: 22

عبدُك، والأمنَ أمنُكَ، والعذاب عذابُك، وهذا مقامُ العائذ بكَ من النار، جئتكَ من بلادٍ بعيدة، بذنوب كثيرة، أسألك مسألة المضطرين إليكَ، المشفقين من عذابك، أن تدخلني برحمتك بمحض عفوك، وأن تجعلني من أكرمِ وفْدكَ عليك".

وكم من قاصدٍ بيتَ الله وحاله مع ربه تترجمه هذه الأبيات:

يااا رب:

حاسبت نفسي لم أجِدْ لي صالحاً

إلَاّ رجائي رحمةَ الرَّحمان

ووزنْتُ أعمالي عليَّ فلم أجدْ

في الأمرِ إلّا خِفَّة الميزان

وظلمْتُ نفسي في أموري كلّها

ويحي إذن من وقفة الديَّان

يا أيُّها الإخوانُ إنّي راحلٌ

مهما يطلْ عمري فإنيَ فَاني

مظاهر العبودية وحقائقها ترتسم هناك في ملامح وأعماق الشخصية المسلمة للحاج، لما في تلك البقاع من طاقات روحانية وإنسانية هائلة تفجر الإيمان في جنبات قلوب كانت إلى وقت قريبٍ غارقةً في ظلمات الغفلة عن الله، فإذا ببذورها تتجدّد شباباً، وإذا بها ترتقي بأصحابها في مدارج السالكين في زمن قياسي، لا يتجاوز في بعض النماذج اللحظات؛ حيث يشكل انقلاباً حقيقياً في واقع هؤلاء الناس: قلوبٌ حاضرة، ودموع شاهدة، ونحيب قويّ، ودعاء شجي، وعبارات صادقة، وتجليَّات متدفقة في مشهد ينتابك شعور للوهلة الأولى أنّ هذا الذي يمرغ الخد على أعتاب الملتزم هو أحدُ الواصلين إلى الله منذ زمن بعيد.

نعم، إنه الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي يتقدَّم مقاصده كلها تطهيرُ العباد من الذنوب والآثام التي لحقت بهم في سنيِّ عمرهم المنصرمة، بالاغتسال في بحر الله العظيم هذا الذي تُمِدُّ شواطئُه عصاةَ الإسلام بالطمأنينة والسَّلام، في خضم بيتٍ فسيحٍ آمنٍ يتقبل فيه المولى الكريم توبة العائدين، ولا يخيِّبُ أنَّات الحيارى النادمين (شرط أن يعزم المنيب إلى الله أن لا يعود إلى مقارفة المعصية من جديد عزماً أكيداً نظير أن لا يعود اللبن إلى

ص: 23

الضرع، وأن يردّ الحقوق إلى أصحابها إنْ كان ثمة حقوق)، وبهذا يُهيّئ مناخ الحج لولادة جديدة لحجَّاج بيت الله الحرام، يفتحون بها مع خالقهم صفحة بيضاء ناصعة مصداقاً لقول نبيِّ الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم:"مَن حجَّ فلمْ يرفُثْ ولم يفسقْ رجع كيوم ولدته أُمُّه"(1).

هذا المعنى النبوي هو عين ما يتردّد على ألسنة الناس اليوم صداه لما يعتقدونه في قرارة نفوسهم من أنّ الحج هو خاتمة اللهوِ والإسراف، وفاتحة العهد الجديد مع الله، لذلك وجدنا من عامة المسلمين من يربط بين المعصية والإقلاع عن مقارفتها بوشاج الحج وأداء مناسكه؛ لأنه يعتقد أنّ تتويج الحياة الحقيقي إنما يكون بفريضة الحج، لهذا لا غرابة أن يعرِّفه حُجة الإسلام الغزالي بعبادة العمر، وختام الأمر.

بهذا الذي وضعتُ خطوطه الرئيسية يعود الحجَّاج ـ مَن تُقبِّلَ منهم ـ بولادة جديدة، متواضعين لله، متعاونين على البر والتقوى، آمرين بالمعروف، معلنين انضمامهم إلى قافلة أُمتهم مرة أخرى بعد أن هجروها حيناً من الدهر، وبعد أن أنستهم الملذات الشخصية، والمصالح الآنية، وأيام الترف، والسَّرَف واجبهم نحو الأمة الأُم التي تنتظر من صحوتهم الراشدة الكثير.

إنَّ الحج بالنسبة لمن أخلص العمل لربه، وانسجم بصدق مع شعائره ومناسكه، هو نقلة نوعية رائدة من حضيض حياة المعصية والأنانية إلى سمو حياة الطاعة والإيثار.

هذا الشيء الجوهري في مسيرة الحج إلى بيت الله الحرام هو ما انتبهتْ له الحملة التبشيرية الضخمة التي اجتاحت الديار المصرية مطلع القرن العشرين بإمكانيات هائلة، جُنّدَتْ لها الجنود، وبُذلتْ فيها الجهود، وضوعف فيها إنفاق النقود، لكن ما لبثت أن أخفقت إخفاقاً شبه تام مُكلَّلة بالخيبة والخسران، بعد أن وجد قادتها في حصون الإسلام

(1) رواه البخاري في صحيحه باب: قول الله تعالى: {فَلَا رَفَثَ} [البقرة: 197] حديث برقم = (1723)، ومسلم في صحيحه برقم (1530) كما رواه بلفظ آخر: "من أتى هذا البيت

" في السنن الكبرى للبيهقي برقم (10520) وما بعده.

ص: 24

متاريس قوية استعصت على هجماتهم الشرسة المتلاحقة، رغم الدعم الغربي السخيِّ لها، فلم تُفلح بتاتاً في سلخ القطر العربي المصري عن جذوره وثقافته الإسلامية، حتى رفع قائد تلك الحملة الراية البيضاء من خلال تقريرٍ له إلى مسؤولية يشخص فيه المعضلة ختمه بالإفادة التالية:

"سيظلُّ الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها محاولات التبشير المسيحي ما دام للإسلام في مصر هذه الدعائم الأربع: القرآن ـ الأزهر ـ الاجتماع الأسبوعي ـ المؤتمر الإسلامي السنوي".

ولقد علَّق فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي على قول هذا القائد التبشيري بعد أن ساق الخبر: "أي ما دام هناك قرآن يتلى صباح مساء، وما دام هناك أزهر بعلمائه الصادقين يعلمون الناس إذا جهلوا، ويذكرونهم إذا نسوا، وينبهونهم إذا غفلوا، ويقوّونهم إذا ضعفوا، وما دام هناك اجتماعٌ أُسبوعي يربط بين المسلمين في البلد الواحد، وما دام هناك مؤتمر سنوي يذهب إليه المسلم فيعود خيراً مما كان"(1).

هذه الحقيقة الناصعة تلهبُ على الدوام عوامل الحقد في قلوب الأعداء التقليديين للأمة، الذي تكاد أكبادهم تتفطر غيظاً أمام عظمة هذه الفريضة الشامخة، والعتيقة المتجددة، التي تهزأ بسلطانهم الممتد، حين تفسد عليهم أحلام مشاريعهم الوردية، وهم الذين يشاهدون بأُمِّ أعينهم مَنْ بذلوا في سبيل غوايته أموالاً طائلة (2) حتى وقع في الشباك، وظنوا أنه خرج من دائرة الحق لصالح الباطل الذي غذّوْه، فإذا به اليوم بعد أن

(1) نقلاً عن الدكتور يوسف القرضاوي من موقع الجزيرة نت، عن برنامج الشريعة والحياة بتاريخ 6/ 4/1997 و 25/ 1/2004.

(2)

هذا تصديق وإعجاز ناطق بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)} [الأنفال: 36].

ص: 25

انغمس بجوارحه وعواطفه في أكبر المغتسلات الإسلامية تطهيراً (1) يركل بقدميه كل الإغراءات التي بُسطت بسخاء بين يديه، وهو الذي ذاق في رحلة الحج طعم الإيمان الحقيقي، فرضي بالله ربَّاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن الكريم إماماً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم قدوة ونبياً ورسولاً.

وبهذا أتاح الإسلام لأبنائه منافذ لتطهير أنفسهم مما علق بها من رواسب الذنوب، وفي مقدمة ذلك ما فتحه على المسلمين من أبواب الخير تحت سقف الرحمة الإلهية المسدلة عليهم فوق جنبات بيت الله الحرام بما يتجاوز التقصير، ويعفو عن الرذائل، إيذاناً بولادة جديدة لضيوف الرحمن، لا عهد لهم بها من قبل.

هذه النعمة تستبطن رحمةً أخرى تهدف إليها الحكمة الإلهية، من خلال جعل فريضة الحج، وسائر المغتسلات الإسلامية تقاوم رصيد السيئات في سجل العبد المؤمن، الذي ينزلق إليها بدافع الضعف الذي جبلت عليه بشريته، فتراه ينساق في بعض الظروف لحاجات مادة الطين التي منها خلق، والتي لا تخلو من كدر، فيلبي شهوات جسدية محرَّمة تدعوه إليها شهوتا الفرج والبطن على الخصوص، فيسيل لعاب جوارح هذا الكائن الإنساني الضعيف، التي تستجيب لصدى تلك الدعوات التي يشتهي القلب بريقها ويتمنى فتركن الأُذن لسماع ما لم يأذن به الله، وتمدّ العين بصرها إلى حق غيرها من زهرة

(1) لدينا في الإسلام مغتسلات إسلامية للتطهير لكنها ليست مادية كالأنهار والبحيرات، غير أنها أشدُّ تطهيراً منها، فهناك المغتسل اليومي وهو الصلوات الخمس مغتسل اليوم وميزانه، وهناك الجمعة مغتسل الأسبوع وميزانه، وهناك رمضان مغتسل العام وميزانه، وهناك الحج مغتسل العمر وميزانه، وهو أكثر المغتسلات نفعاً وحيوية في الإسلام؛ لأنه إلى جانب طاقاته الإيمانية المتفجرة فيه، تؤدّى فيه الصلوات الخمس في المسجد الحرام الذي تتضاعف فيه الحسنات إلى مائة ألف ضعف، كما تؤدّى فيه صلاة الجمعة، ويمر في حرمه الآمن في غير الحج رمضان بنفحاته الخاصة، وحضوره المتميز في قلوب الأمة.

ص: 26

الحياة الدنيا، وتتلمس اليد حرمات لم تُبَحْ لها، وتزلُّ القدم فتمشي يقودها قلبُ صاحبها الأسير إلى حيث يستغرق في التيه والغفلة، كل هذا يرفع رصيد السيئات عند هؤلاء الغافلين، لكنْ الله الرحيم بعباده يُنزل على العصاة سياطَ اليقظة، التي ظاهرها ابتلاء وباطنها فيه الرحمة، فيذكرهم بالمنبهات القوية إلى أن تحيي واحدةٌ منها جذوة الإيمان في القلب من جديد، ثم ما تلبث مواسم الإيمان أن تجدّد الصلة بين العبد وربه من خلال خصوصيتها وموسميتها وفيوضات الرحمة النازلة فيها، ثم يأتي تتويج تلك المواسم بما سميناه ميزان العمر فتملأ مناسك الركن الخامس الرَّحبَ بأنوارها كعروس تطلُّ على المدعوّين بأبهى حلة.

في قمة هرم العبادات في الإسلام يعوّض الله العصاة الذين كانوا إلى وقت قريب تائهين فيمحو عنهم آثامهم، ويزيد في رصيد حسناتهم، بعد أن اغتسل الجميع في بحر التطهير الإلهي هذا.

ومن هناك تبدأ رحلة العودة مع الله، فهل بعد الحج من ساحة تنتهز فيها فرص النجاة بعقد العزم على إبرام صلح صادق تزول فيه الجفوة بين العبد ومولاه؟

وهل يليق بالمسلم أن يتباطأ في الأخذ بنداء الله العلوي في أمثال هذه المواسم: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (1)[المائدة: 48].

والحج الذي تقف فريضته في المستوى الرابع في ترتيب شعائر الإسلام الكبرى هو رحلة جهاد حقيقي في سبيل الله عز وجل، يودّع فيها المسلم أحبابه في وطنه مهاجراً إلى ربه صوب وادٍ غير ذي زرع، شديد الحرارة، قليل الماء، كثير الجبال الجرداء، شديد

(1) انظر كذلك سورة البقرة، الآية:48.

ص: 27

الحياة على ساكنيه، شاق على أصحاب العيش المرفّه مهما استقدم إليه من وسائل الراحة والترفيه، ثم إنه يزداد صعوبة عندما تقترن هذه الأجواء بموسم الفريضة المباركة التي تمتاز بانتظام خطواتها، وبمحدودية زمانها ومكانها، وبالصبغة الجماعية التي تقارن أداءها، وبحرص الأمة الإسلامية على التحرك جماعاتٍ ووحداناً بعد دخول أشهر الحج، صوب الكعبة المشرّفة، مما يساعد في إضافة عاملٍ جديد يمضي إلى جانب سائر الصعوبات التي تعترض الحاج في طريق قيامه بأعمال هذه الفريضة في إطار مكة المكرمة، ألا وهو الازدحام الشديد بما لا مثيل له في أيّ عبادة أخرى في الإسلام.

ومما يضاعف معاناة الحجّاج ما تفرضه طبيعة الحج من اضطرار ضيوف الرحمن؛ لأن يقضوا أيام ذي الحجة من اليوم الثامن حتى الثالث عشر منه مجيئاً وذهاباً بين مكة والمشاعر، أو يقيموا في خيام بما يشبه حياة الكشافة في رحلاتهم، أو يعيشوا في طبيعة هي أصعب من حياة الكشافة نفسها كما في مزدلفة؛ حيث لا خيام (1).

(1) المشقة التي تلازم أعمال الركن الخامس غير مقصودة لذاتِها، لذلك فإنَّ هذه المشقة ليست عقوبة ولاقربة لذاتها لمجرَّد أنها مشقة، لهذا وجدنا الفقهاء ينصون على أن العبد ليس له أن يتقرب إلى ربه بما هو مشقة محضة، كمن نذر أن يبرز إلى الشمس واقفاً طيلة النهار فلا يلزمه ذلك، ولا يجوز منه. هذه المشقة المبتدعة في الشرع عن الذي نحن بصدده بمعزل؛ لأنّ الحديث هو في المشقة التي تسير جنباً إلى جنب مع سائر العبادات، والتي تدخل في دائرة طاقة الإنسان وقدرته على فعلها بحيث تعد شاهداً ناطقاً بصدق توجُّه العبد إلى مولاه، بتعظيم أمر خالقه على ترفيه نفسه عند التعارض فهذا ما ينسجم مع تعريف التكليف الإلهي للعبد، بأنه ما فيه كلفة، ومن البدهيّ أنّ الكلفة تعني ضمناً المشقة، لكنها كما قلت: ليست أيَّ مشقة؛ لأن ربنا جل جلاله ما أنزل التكاليف تعذيباً للعباد، ولا إرهاقاً لهم، وإنما كلَّفهم بما يربي نفوسهم على محبته، وعلى مكارم الأخلاق التي تزكيها تلك المحبة والتي تقيم فيما بينهم علاقات وديَّة وحضاريَّة تضمن لهم سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة. لقد كلّفهم ليكونوا حملة مشعل النور والهداية فوق هذه الأرض، لذلك لم يكلفهم عبثاً ولا شططاً بدليل قوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. هذه التربية هي ما يطلق عليه علماء السلوك علم التصوف أو علم السلوك: كما سماه ابن تيمية ـ وهو العلم الذي يروض النفس لتحمل المسؤوليات الجسام بإخراج ما في ساحتها =

ص: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= من أشواك وسموم تفسدها وتعطّل عجلتها .. بناءً على هذا فإنّ التعاليم الإسلامية لا تهدف إلى إنزال الضر بالنّاس، بل على عكس ذلك هي تعمل جاهدةً على كشف الضرّ النازل بهم، لذلك فإن المشقة المرافقة لتلك التعاليم هي من هذا القبيل، فلكل عبادة غايتها الخاصة بها، لكن جميعها يوحّدُ بينها قاسم مشترك، هو ترويض القلوب على محبة فاطرها وخالقها، وتوثيق عُرى معرفته، واستذكار حقيقة قيُّوميَّته وفضله ومدده دون شرود عنه أو غفلة، ثم تقديم البرهان الجازم على استقرار تلك المحبة في قلوب أصحابها من خلال تربية تمضي بالعبد إلى احتضان منهج السماء، والثقة بحكمه، واليقين بعدله، وتذويب المصالح الشخصية في سبيل إنفاذ أمره، والمناداة في العالمين بأن خالق الإنسان والأكوان في أدقّ ميزان لا يأمر إلا بما ينفع، ولا ينهى إلا عما يضر، وأنه وحده العالم بتفصيل ذلك حالاً ومآلاً، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} .

هذا كله يدخل في دائرة الابتلاء الذي امتحن الله به عباده، ويتناسب مع طبيعته، قال تعالى:{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} [الدهر: 2]. إنها الحقيقة التي تطّرد في سائر عبادات الدين الإسلامي:

فالصلاة فعل يقدر على أدائه كل الناس، وهي تهدف إلى فتح خط مباشر بين العباد ورب العزة خمس مرات يومياً، كما تهدف إلى تنظيم الأوقات، وتليين الأعضاء، وتوحيد الأمة على مستوى البلدة والأقطار والقارات من خلال التوجه إلى قبلة واحدة تشد الكلَّ إلى محورها الجامع، ناهيك عن جملة من المقاصد الحضارية المشروعة الأخرى، لكنّ الصلاة في ذات الوقت هي فعل فيه مشقة، خاصة عندما نتذكر بأن الشريعة توجب على المسلم فجر كل يوم أن ينفض عن عينيه سلطان النوم العميق، ويسبغ على وجهه ماء الوضوء على مكاره النعاس وهدأة الليل وثقل البرد القارس في الشتاء، وقلة النوم أحياناً، كما تدعوه على سبيل الكفاية أن يخرج من بيته قاصداً واحداً من بيوت الله لصلاة الفجر، كما تدعوه على سبيل السنة أن يقرأ أوراد الصباح ويستمر في ذلك حتى صلاة الضحى، فهذه التكاليف لا يتعاهدها إلا من خشع قلبه لله رب العالمين، فخشعت جوارحه حتى صار عنده ترك حلاوة النوم، وطيب المقام في أحضان الفراش الوثير قرباناً يتقدّم به لنيل رضوان الله تعالى، وهي التربية التي تولّد فيه الإرادة القوية، والصبر، وتنشئ منه خلقاً يتحمل المسؤولية، لذلك قال ربنا في محكم التنزيل:

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} [البقرة: 45].

وفي الصيام حبس للنفس عما تشتهي وتتمنى من الفجر إلى الغروب فهذه مشقة لكنها من الذي يطيقه الناس، وهي تعود عليهم بالفائدة الصحية والاجتماعية والإنسانية.

وفي الزكاة إنفاق المال عن طواعية فهذا يشق على البشر، لكنه ليس مما يعجزون عنه، لذلك هي خيرُ برهان على صدق إيمان الباذل، وأفضل مؤشر على رقيه الإنساني، وتخلصه من مرض الشح، وتخلص مجتمعه من مرض الحقد والكيد على من ابتلاه الله بحيازة المال.

فالباري عز وجل الذي وسعت رحمته كل شيء كلَّفنا بما تسمو به نفوسنا ويصقل جوهر حضارتنا، وليس في ذلك إحراج لنا وهو الذي نزّل على قلب نبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم بيانه القرآني في قوله تعالى: =

ص: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

ومن تمام رحمة الله ما ألزمنا به من وجوب مجاهدة الأهواء التي تتنازعنا حرصاً علينا لنتحرر من رِقِّها: قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69]، والمجاهدة والجهاد والاجتهاد، والتجاهد في القاموس: بذل الوسع وكلها مصادر من جاهد المشتق من الجَهْدِ وهو المشقة، أما الوُسع فهو ـ كما تعلم ـ ما كان بمقدور الإنسان أن يبذله.

إنّ دواعي المجاهدات الشرعية هي تلك الطبيعة التي خلق بها ربُّنا جلّ وعلا هذا الكائن العاقل المسمى: "الإنسان" وهي كما يقول فضيلة الشيخ القرضاوي: "طبيعة مزدوجة"، فهو ليس جسداً خالصاً، ولا روحاً خالصة، وإنما خَلْق جمع بين الروح والجسد، تصديقاً لقوله تعالى:{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)} [الحجر: 29]، فالتسوية حاصلة لطينته التي منها خلق، ونرمز لها بالعنصر الأرضي، والنفخ في ذلك الجسد حاصل من روح الله، ونرمز له بالعنصر السماوي، ومن هذا المزيج كوّن ربنا الإنسان الأول آدم، ومنه خلقت أمنا حوّاء، ومنهما بثّ الخالق في الأرض رجالاً كثيراً ونساءً، وهو الخلق الذي ما يزال يتنازعه عاملا الجسد والروح، هذا يشده إليه ليهبط ويخلد إلى الأرض، وذاك يجذبه إليه لينحاز به إلى فريق الملائكة، وكلاهما إذا ما تغلب بالضربة القاضية أورث صاحبه حالة تتنافى مع سنة الله في هذا المخلوق الإنساني؛ لأن إنسانية البشر لا تتحقق إلا بإحداث توازن يلبي حاجات العنصرين معاً، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، كما أن إهمال تلك الحاجات يتولد عنه تضادّ يحتدم في كيان كل إنسان لا يحسم نتيجته لصالح الإنسان إلا الدين الذي أنزله مَن صنع الكائن الإنساني بيده، وبثّ فيه من روحه، وأوْدع فيه عجائب صنعه.

إنّ انتصار عامل الطين ينحدر بصاحبه إلى دركات الحيوانات، لا بل إلى درجة هي أقل بكثير من رتبتها، وبوسعنا أن نلقي نظرة سريعة إلى حال الغربيين في أوروبا والأمريكتين لندرك المآل الذي صار إليه هؤلاء، فالجنس لم يعد لإرواء الغرائز بالوسائل المباحة، وإنما غدا استثارة لها، وتوظيفاً لبريقها في هدم الأسرة، وتفكيك المجتمع، وخنق صوت الفضيلة والاستيلاء على قطيع لا ينتهي من الرقيق الأبيض من نساء تُعامَلنَ كالبهائم التي تسرح في المرعى! كما أن الرجل الأبيض هناك يقتل بدم بارد بني جنسه وهو ما نشاهده يومياً من خلال الجريمة المنظمة، ومسرح العراق وفلسطين مما لا يتوقف فصوله عن مادة الأقنية الفضائية، وصدق الله حين يقول:{أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] ولا يتنافى هذا مع النجاح الكبير على الصعيد المادي الذي يتحقق على يد الغربيين فإنهم أمعنوا من خلاله بإفساد البر والبحر والفضاء والبيئة وإهلاك الحرث والنسل، وإفساد الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

أما انتصار العنصر السماوي مع سحق العنصر المادي أو يكاد فهو تجريد للإنسان من بشريته، وهو دفع له نحو فئة ليست من جنسه، وليس من جنسها! ولا يصلح من هذا حاله لإقامة حضارة الله في الأرض؛ لأنه سيغدو سلبياً متواكلاً لا حول ولا قوة له، مقطوعاً عن عالم الأسباب الذي أقامه الله فيه، وسنّه لبني البشر.

إنّ الترياق الشافي هو نهج الكتاب والسنة الذي حمل لنا التكاليف الإسلامية، التي حققت لنا التوازن المطلوب بين هذين العنصرين المتنازعين على قيادة هذا الكائن؛ لأنّ تلك التكاليف لا تنتزع العبد من أرضه التي منها =

ص: 30

الهدف المنشود من جهاد الحجاج في مسيرة الحج كل عام، هو ترويض جيلٍ من المسلمين على الخشونة وركوب الصعاب والصبر على المكاره، وألوان المشاق، في دورة تدريبية من نوع خاص تسمى الركن الخامس، لها خصوصيتها الزمانية والمكانية والتنفيذية؛ لاكتساب قدرات جديدة تمكّن المسلم المتدرّب هناك من مواجهة التحديات التي تعترض مستقبل دينه وأمته، يوم يقبل بوجهه على أهله في أرض الوطن، وقد نال حظاً من الانتماء لأُمة التوحيد، ونصيباً من الجرعات الإيمانية، وثقةً بالله، ويقيناً بوعده واطمئناناً إلى سلامة الطريق الذي بدأه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغاً عن ربه، والذي ما يزال يشق طريقه إلى اليوم، رغم التحديات، ورغم الجبال الاصطناعية التي تنتصب عند مفترق

= خُلق وإليها يعود، كما لا تقطعه عن سمائه التي منها يستمد العون والوجود، ومن موضوعية الإسلام في هذا الجانب أنه أعلن بالنص الإلهي أنّ الله خلق الإنسان بيديه، ونفخ فيه من روحه وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وفتح له باب التوبة إذا عصى، فهذا كله يدخل في باب تشريف الله للإنسان حتى إنه إذا عصاه لا يبادره بالعقوبة والانتقام، وإنما يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويمده بالمغتسلات الإسلامية التي منها الصلاة والصيام والحج في مراعاة لتلك الطبيعة المزدوجة أما الوسيلة الناجحة في التعامل مع تلك الطبيعة فهو ما تقترن به تلك العبادات من مشقة تروّضه على القيادة الصحيحة ليملك القدرة على التحكم بنوازع الهوى داخل كيانه، بما يحقق تلبية حاجاته على الوجه المباح، ولجم تسلطها الذي ينذر بَشَرٍّ بِنَهَمِ المعاصي، وبما يقوي حالة التوازن والاستقرار في النفس البشرية، وكذا بالإيمان الراسخ بوعد الله مما يهون على المسلم كل مصائب الدنيا. بيد أن رحلة الحج إلى بيت الله الحرام لها نصيب وافر من المشقة المقدور عليها، بما لا تجده في أيّ عبادة إسلامية أخرى، ولها طريقتها الخاصة في ترويض نفوس طالما اشرأبت إلى المعصية ومارستها وطالما أخلدت إلى الأرض وغفلت عن وظيفتها في هذا الوجود، وفي بناء شخصيات طالما تملكتها دواعي الدّعة والأنانية، وفي تأسيس فكر إسلامي يرتقي إلى مستوى هذا المؤتمر السنوي الجامع، وعلى ترسيخ عقيدة هي قوام الأمر كله، لذلك فإنّ تكاليف الشريعة في الحج تشترط الاستطاعة البدنية والمالية؛ لأنه ليس بمقدور كل إنسان أن يمارس هذه المشقة الخاصة، من هنا فإنّ ربط فريضة الحج بالعمر، وربطه بالأقدم سناً هو خروج عن جادة الصواب، وجهل بحقيقة هذا الركن الذي تختلف تكاليفه الشرعية عن سائر التكاليف الإسلامية من حيث بذل الجهد والمشقة؛ لأن ما هو منتظر منها كبير جداً، وهل رأيت أمة ترسل شيوخها إلى مراكز التدريب وتتأمل منهم أن يعودوا، بل ترسل هي شبابها لتلك المهمة، وتبني عليهم الآمال.

ص: 31

كل واد، فهل بعد الركن الخامس من جامعة (1) تخرّج رجالاً يلدُ على أيديهم مستقبل الأمة المشرق بعد أنْ وُلدوا هم من رحم الفريضة الطاهر.

وهل مثل الحج مركز تدريب لترويض النفوس على التواضع والتراحم وحسن البذل، والتضحية في سبيل الله؟

وهل مثل الحج مرآة للحياة الإسلامية، والدعوة الإسلامية، والأهداف الإسلامية الكبرى (2)؟

لذلك كان الحج اختزالاً لمقاصد الإسلام وأحكامه.

ولذلك ارتقى ركنه إلى مؤتمر سنوي لتدارس قضايا الأمة الكبرى.

ولذلك تطلَّب أن يعمل المخلصون والمختصون في رحاب هذه الرحلة، وأن لا يترك الأمر لأولئك اللاهثين وراء الربح السريع والوفير، الذين لايدغدغ أحلامهم إلّا بريق الدرهم والدينار، دون أن تطرق معاني الحج السامية أبوابهم، أو أن يكون لهم أدنى صلة بها (3).

(1) سميته جامعة ولم أُسمّه مدرسة؛ لأنه يقع في قمة هرم العبادات الإسلامية كما قلت فهو مؤتمر سنوي ورحلة جهاد، وتكليف إسلامي من نوع خاص، ولفئة قادرة على بلوغه بالجسد والمال؛ لذلك كانت فرائض الإسلام الأخرى وعباداته أشبه بمدارس لكل وظيفتها، أما الحج فهو الجامعة التي تعد مرحلة متقدمة على ذلك كله.

(2)

الحج صاحب دور فعال في إحياء ثقافة الأمة وتوطيد وحدتها، وتجاوز خلافاتها، لذلك فإن من مسؤوليات الدول الإسلامية إقامة حلقات توصية للحجاج تسبق موسم هذه الفريضة يتم بها تعريفهم على جوهرها، ومقاصدها، والصعوبات التي تعترض أداءها، والوسائل التي تذلل بها تلك الصعوبات، ولا يجوز أن يبقى الأمر لاجتهادات شخصية ضمن النظرة المبتدعة للحج من أنه سفر كسائر الأسفار إلى أرض المملكة لا تزيد حاجة الحاج فيه عن حجز تذكرة الطائرة، وتأمين السكن اللائق به! فهذه النظرة السطحية تنطلق من جهل تام بحقيقة الحج، وإنني ولله الحمد أجد تطوراً في هذا الجانب من خلال بعثات الحج المختلفة وتطوير عملها هناك، لكنني أدعو من خلال كلامي هذا إلى تفعيل دورها أكثر فأكثر تماشياً مع مقام هذا الركن الجليل.

(3)

لا أقف حجر عثرة في وجه من يبحث عن الربح في هذا المضمار إذْ ليس لي تحريم ما أحل الله للمسلمين بالضوابط المعهودة، لكنني أبرأ إلى الله تعالى من تقزيم هذه الفريضة الشامخة شموخ الجبال لتصبح في أعين أولئك المستعبدين للمال حصى صغيرة تداس بالأقدام، ثم لا ينظر إليها إلا على أنها قطعُ آثار من عبق التاريخ البعيد.

ص: 32

من هنا فإنَّ فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي يشير إلى أن استثمار الحج، وتوظيفه في خدمة قضايا الأمة التي من أجلها شُرعت هذه الفريضة، هو رهنٌ بوعي المسلمين بعظمة الإسلام، ورفعة مقاصده.

إنّ الحج بعد ما سبق به البيان هو السهم الأخير في جعبة أمتنا لتعود من حيث أحبّ الله متماسكة، بعد أن تمزق جسدها، وتفتّت كلمتها، وصارت دولتها القوية أقطاراً يقاتل بعضها بعضاً، يستعدي فيها الصديق أخاه ويستنصر بالعدوّ عليه.

فماذا عسانا أن نفعل في حَمْأَة هذا الليل المُدْلَهِمِّ، ووطأة الصراع المستشري في الجسد الإسلامي الكبير؟

ليس لنا بعد الله إلّا ما أقامه المولى فينا من فرائض الإسلام الهادفة التي يتربع هذا الركن فوق قمة هرمها بما يحييه بيننا من أُخوة إسلاميّة فوق جنبات البلدة الآمنة مكة، وحول محور الوحدة الثابتة للمسلمين الكعبة المشرّفة، وتحت ظلال العقيدة الراسخة التي يسوّرها الحج من خلال مناسكه الجماعية التي تمارسها وفود الحجاج الذي يمثلون كل موقع في قارات الدنيا، وكلًّ مهنة عرفها البشر، وكلًّ لغة نُطق بها بينهم، وكلّ لون ميَّز البعض منهم عن الآخر.

فالحج ضمن أجواء راقية ينقل المسلم من القطرية إلى العالمية ليقام للمسلم عرس مع أُمته الممتدة فوق كل هضبة وسهل ووادٍ، يذوب فيه ما نسجه الاستعمار من حدود كاذبة، وخطوط فاصلة مصطنعة، وما ضخّه فينا من دعاوى عريضة قُدّمت فيها

ص: 33

الدوائر الصغرى على الدائرة الكبرى دائرة الانتماء للأمة المسلمة، فصارت تلك الدوائر عوامل هدم ونقض، وهي التي سنّها الله في المجتمعات عوامل تنوّع وتكامل.

كل هذا ينصهر في وجدان وعقل المسلم فتتبخر تحت أشعة الحج الرّبّانية كل الفوارق والحواجز في جسد إسلامي واحد يلهج بذكر الله، وبنداء العبودية، ونداء التوحيد الخالد: لبَّيك اللهم لبَّيْك. جاء في كتاب "الكعبة مركز العالم": "والحج انتصار للقومية الإسلامية على القوميات الوطنية والعنصرية واللسانية التي قد يصبح بعض الشعوب الإسلامية فريستها تحت ضغط عوامل كثيرة.

وهو إظهار لشعار هذه القومية الإسلامية، فتتجرد جميع الشعوب الإسلامية عن جميع ملابسها وأزيائها الأقليمية التي تميز بعضها عن بعض، ويتعصّب لها أقوام، وتظهر كلّها في مظهر واحد هو الإحرام، في لغة الدين والفقه، وفي مصطلح الحج والعمرة، حاسرة رؤوسها، ما بين رئيس ومرؤوس، وصغير وكبير، وغني وفقير، وتهتف كلها في لغة واحدة تلبيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

وهكذا تتجلى القومية الإسلامية في اللباس والهتاف وهما من أوضح ماتجلّتْ فيه قومية، وفي وحدة المناسك والغايات التي يقوم بها جميع الأفراد والشعوب، ويسعى إليها العرب والعجم، ويلتقي عليها القاصي والداني، فكلهم يطوفون حول بيت واحد، ويسعون بين غايتين مشتركتين:"الصفا والمروة" وكلهم يقصدون مِنى، وكلهم يؤمون عرفات، ويقفون في موقف واحد، وكلهم يبيتون في مبيت واحد، ويفيضون إفاضة واحدة: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ

ص: 34

وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198](1) ".

"وما دام الحج فريضة باقية إلى يوم القيامة، وركناً خالداً خلود هذه الأمة، فالمسلمون لا تبتلعهم القوميّات كما ابتلعت غيرهم من أمم كثيرة، ولا يصبحون ضحيتها، ولا تكون بلادُهم التي يحبونها بالفطرة والعاطفة، والعصبية قبلة يتوجهون إليها، وكعبة يحجون إليها، إنما هي قبلة واحدة يتوجه إليها الشرقيُّ والغربيّ والعربي والعجمي"(2).

إنَّ هذه المعاني الحضارية الراقية يعيشها المسلمون كل عام في مواسم الحج المتكررة، يصطبغ بها كل مسلمي الأرض من أفارقةٍ وغربيين وآسيويين، بسحناتهم السوداء والبيضاء والصفراء، وتعدد الأقطار وتباعد البلدان، فينغمسون في هذا اللقاء الحاشد بالوحدة الإسلامية التي طالما تاقت لها قلوبهم، ومُنعوا منها في واقعهم لكنها هنا، في بيت الله الحرام حقيقةٌ ماثلةٌ للعِيان، يكرسونها في عملٍ مشترك يؤدونه في زمانه ومكانه وأهدافه وكأنَّ الجميع رجلٌ واحدٌ وقلبٌ واحد، يتروَّضون بهذا على أن يتميزوا بالوحدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على خلفية الوحدة الدينية في عمل مشترك تنال به أُمتنا من جديد سدّة الريادة في عالمٍ فاضت فيه المظالم على كل البشر يوم تراجع المسلمون عن واجبهم الحضاري واجب الأمانة التي حمَّلها الرسول عليه السلام للأجيال المعاصرة واللاحقة من أُمّته في خطبة الوداع.

وحدة العقيدة، ووحدة المناسك، ووحدة القبلة، في اصطباغ كامل بوحدة العبودية لله ربِّ العالمين تقدم لنا مشهداً إنسانياً لا تضعه إلّا ريشةُ الخالق العظيم جلَّ

(1) اُنظر "الكعبة مركز العالم" للدكتور سعد المرصفي: ص 238 ـ 239.

(2)

اُنظر نفس المرجعص 243 ـ.

ص: 35

جلاله، فبوسع من ينظر إليهم وهم طائفون حول البيت في ساحات الحرم المكيِّ الشريف يلهجون بالتلبية والدعاء بصوتٍ واحد يَتراجع به اختلاف الألسنة، وتبدل الألوان والثقافات، أن يدرك دقة ما أرمي إليه. إنهم يتحركون في ساحة الطواف وكأنَّ الجميع يقفون على قُرْصٍ متحرك يطوف بهم جميعاً طواف جسدٍ واحد، وكم مرة أخذتني النشوةُ فتفاءلتُ بالمستقبل من وقع جمالية هذا المشهد العجيب بما يحمله من بذور الوحدة والسلام والحرية والمساواة وسائر المعاني التي تنادي بها النخبة المتحضرة من بني البشر.

إلى هنا الصورة مضيئة، والهيئة العامة للحج والحجاج تمهدُ لقادمٍ مشرقٍ ننتظره من رحلة السلام هذه، وتنتظره البشرية من أُمة الإسلام، لكنَّ الذي يتم بعد ذلك هو نقيض ما حدَّثتك عنه، حيث لا تثبت على مرآة واقع الكثير تلك الصور التي انعكست لك أثناء أداء المناسك عن حجاج بيت الله الحرام، ذلك أنه ما إن ينفضَّ الحجيج عن تلك الديار، بتتابع قوافلهم إلى شتى البلاد حتى ترى العديد ممن شهد تلك الوقائع معرِضاً عن دواعي الكتاب والسنة، مقبلاً على شياطين الإنس والجن، يستلهم من إيحاءاتهم ثقافته وأُسلوب حياته، ينحط معهم إلى حضيض الحرام الذي يتنافى مع شعار"لبيك" ومضمون "لبيك"! متجاهلاً أفعال الحج التي تهذبُ المسلم ليكون عبداً خالصاً لوجه ربه المتعال! . يتناسى هذا المسلم معاني البيت وعرفة والجمع ورمزية الجمرات في منى، والأجواء الروحانية في مكة والحرم في سبيل تحقيق شهوة شخصية كان من الضروري أنه تحرر من قيدها الأسود الغليظ في رحلة الحرية رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، فتراه يقيم لحساب نزواته وأنانياته أحلافاً محرَّمة مع أعداء الله والعقيدة والبيت في وجه مَن كان يقف معهم صفاً متراصَّاً خلف إمام الحرم متوجهاً إلى كعبة الله الماثلة أمامه رمز العبودية والتوحيد والوحدة

ص: 36

الإسلامية! يصافحُ من اغتصب القدس والأقصى وما حَوْلهما من أرضٍ مباركة، وهو الذي لبى وطاف وبكى في أرض الحرم مكة الذي انطلقت منه رحلة الإسراء إلى أُوْلى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين دون أن يهتز له قلب وهو يبتسم للقتلة الذين يستهدفون الدين والعِرْض بعد الأرض وليس لمطامعهم حدود، ولا لشهيَّتهم مدى محدود! ومن يدري فلعلهم يقصدون الحرم المكيّ والمدني بعد أن يستتبَّ لهم الأمر ـ لا سمح الله ـ في المسجد القدسي، لا بل هو عين ما صرَّحوا به قديماً وحديثاً.

إنه يفعل هذا يصافح يبتسم يضم إلى صدره القتلة من أعداء أُمته في الوقت الذي يُكشِّرُ لإخوته من أبناء الوطن والدين والعروبة والقبيلة والتاريخ والمستقبل المشترك عن أنيابه! ! ! .

فأين تبخرت الوحدة التي أرساها الحج في أبناء الأمة الواحدة من الحجاج والعمَّار؟

وأين هي التلبية التي ضاعت بين أصوات المتخاصمين؟

وأين هي الأمانة التي أشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمته في خطبة جامعة مانعة حاشدة؟

أين تقف هذه الصور المؤلمة من الحج المبرور الذي ليس له جزاءٌ إلّا الجنة؟

قبل أن أنفتل للإجابة عن هذه التساؤلات أودُّ أنْ أضع بين يَدَيْ القارئ الكريم نقلاً موثقاً لأُستاذنا الكبير العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي يزيد المسألة جلاءً، حيث جاء عنه:

"أُريدُ أن نلتقي معاً على سؤالٍ نطرحه، هو: هل يحقق حج المسلمين اليوم إلى بيت الله الحرام جزءاً من الحكمة التي شرع اللهُ الحجَّ من أجلها؟ ".

لو كانت العبرةُ في العبادة رسمها ومظهرها، لكان في هذا اللقاء الحاشد كل عام

ص: 37

عند بيت الله تعالى ما يحلُّ مشكلات المسلمين كلّها، ويحقق لهم الخير أجمع. ولكنْ مشكلات المسلمين لا تزال قائمة، وإنها لتزدادُ تعقداً كل يوم. وبلاؤهم ببعضهم لا يزال مستحكماً، وإنه ليستشري مع كل حين. وأعداؤهم لا يزالون يتربصون بهم الدوائر، وإنهم ليزدادون مع الأيام كثرة ولا ينقصون.

إذن ينبغي أن نتجاوز المظاهر والرسوم إلى مضموناتها التي هي مناط الحكمة، ومعين الفائدة للمسلمين كلهم أفراداً وجماعات. وإذا تأملنا في هذه المضمونات وجدنا أكثر المسلمين في غفلةٍ عنها، قد شغلوا عنها بالمظاهر والأشكال، ومن ثمَّ فإنك قلما تجد شيئاً من حِكَمِ الحج وآثاره ينعكسُ بالإصلاح على أيِّ مشكلة من مشكلات المسلمين، وما أكثرها اليوم.

إنَّ من أُوْلى الفوائد التي شرع اللهُ لها الحج، أن يتلاقى المسلمون من شتات، ويتعارفوا بعد جهالة، ثم يحققوا في ظلال بيت الله معنى قوله عز وجل:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا مِنْكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، فإذا عادوا إلى بيوتهم جعلوا من أرض الله الواسعة موئلاً لوحدتهم، ودفنوا في باطنها كل حاجز أو سبب للفرقة والشقاق.

أجل، فإنَّ الله تعالى قد جعل ـ وهو الحكيم الخبير ـ من شريعة الحج إلى بيته الحرام قمة ثلاثة اجتماعات للمسلمين تتدرج في الأهمية والاتساع. أما أوّلها فاجتماعٌ على مستوى أهل الحيِّ الواحد من البلد، يتكرر في اليوم خمس مرات، وقد شرع اللهُ له صلاة الجماعة، أما ثانيها فاجتماعٌ على مستوى أهل البلدة الواحدة، يتوالى مع كل أُسبوع، وقد شرع له صلاة الجمعة، وأما ثالثها فاجتماع على مستوى العالم الإسلامي أجمع، ويتوالى في كل عام، وقد

ص: 38

شرع له الحجُّ إلى بيت الله الحرام. وحسبُك من أهمية الوحدة في حياة المسلمين أن ترى كيف أقامَ الله تعالى ثلاث عبادات من أهم العبادات الإسلامية، سبيلاً لوحدتهم، ومرقاةً إلى تعاطفهم وتضامنهم. ولكن أفحقق المسلمون من وراء الحج إلى بيت الله الحرام هذا الهدف الأقدس؟ إذا تلاقى المسلمون في هذه الرِّحاب أيامَ الحج، رأيتَ فيهم بحراً لا يمكن أن تنفصل قطراته، وسمعت لهم هديراً لا يمكن ـ على اختلاف اللغات ـ أنْ تتخالف نبراته، وهزَّتك منهم عواطف تذيب مما بينهم كل حاجز، وتجمع كل بعيد! .. حتى إذا انتهت المناسك وانفضَّ الحجيج، رأيت أكثر هؤلاء المسلمين قد عادوا شيعاً وأحزاباً، يُعرضون عن الكليات الجامعة من قواعد الإسلام وهديه، ويعكفون على الجزئيات الخلافية من أحكامه وآدابه، يقطعون ذلك المعتصم العريض من طريقهم، ويثيرون سبلاً ضيقة متخالفة أمام أهوائهم. أو رأيتهم يُعرضون عن الاعتصام بالحبل الإلهيِّ الجامع، ليتنازعوا على مغانم الدنيا المفرقة الفانية، يُنيمون نبضات التعلق بالله في قلوبهم؛ ليوقظوا لواعج الحقد والحسد والتهاريج في نفوسهم! .. وتبحث عن البحر المائج حول بيت الله، فإذا هو قد تبخر رذاذاً، وتبحث عن الهدير الجامع والعواطف الحرى، وإذا هو قد استحال إلى صيحات خلاف ودخان بغي وشقاق! .

وإنَّ من أهمِّ حكم الحج إلى بيت الله الحرام أن تنسكب حقائق العبودية لله في نفوس المسلمين من أقرب سبيل فتفيض منها على كياناتهم انصباغاً وسلوكاً. يدور المسلم حول بيتٍ أُقيم من حجارةِ الأرض وترابها، لا يبحث في طوافه حوله عن شيءٍ سوى مرضاة الله تعالى، وهو القائل:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الأنبياء: 29] يناديه ملء قلبه ولسانه: لبيك اللهم حقاً وصدقاً، لبيك اللهم تعبداً ورِقّاً. قد تجرد عن كل شارة تميزه، وعن كل ثوبٍ يجمله، ليعلن لله تعالى بكل كيانه أنه ليس إلّا عبداً فقيراً لله عز وجل، لا يعلو

ص: 39

عن سائر عباد الله في شيء، ولا يميزه عنهم ولا يرفعه عليهم قدر. حتى إذا ما انفضَّ الحجيج وطُوي الموسم، رأيتَ عبيد الله قد استحالوا ـ إلّا من رحم ربك ـ إلى عبيدٍ للدنيا

عبيدٍ للمناصب

عبيدٍ للمغانم

عبيدٍ للذةِ ساعة

عبيدٍ لخدعة كافر

عبيدٍ لتهديد فاجر

! وتعثو هذه الآلة الصغيرة في قلوب المسلمين وحياتهم مسخاً وتمزيقاً، وإنّ أصداء ندائهم لا تزال تتماوج حول بيت الله: لبيك اللهم حقاً وصدقاً، لبيك تعبُّداً ورِقَّاً! ! ..

وإنّ من أهم آثار الحج إلى بيت الله الحرام أن تستيقظ مشاعر المسلم لكل مَعْلَمَةٍ من معالم الفتح الإسلامي على يد سيد المجاهدين محمد عليه الصلاة والسلام وعلى آله وأصحابه البررة الكرام. هذه مكة، وادٍ غير ذي زرع، حقق الله فيه دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام. منه انطلقت إلى العالم حضارة قضت على حضارة الفرس واليونان والرومان، وانبسطت في الأرض تجمع إلى القوة العدل، وإلى المادة الروح.

وتلك هي البطحاء، تحت شمسها كان يشوى جسدُ بلال؛ ليكفر بالله وبمحمد رسول الله، فما كان ليفتر عن أُنشودته التي يرددها معه السهلُ والجبل: أحدٌ، أحد، لقد ارتفع لواء هذا النشيد فوق ذرى الأرض، وانحسر الطغيان أمام مد الإسلام الصادق والتضحية الخالصة لوجه الله. وذلك هو عُرَنَة، حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مُنْصَرَفه من عرفات، فألقى في جموع المسلمين ـ وقد ملؤوا من حوله كل ما تمتد إليه العين ـ خطابه المودع الجامع، يناجي فيه تاريخ المسلمين وأجيالهم، بعد أن أدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيل إقامة شرع الله ثلاثة وعشرين عاماً لا يكلُّ ولا يملُّ. إنه اليوم يودع، ويلقي الأمانة في عنق الأجيال: أمانةَ كتاب الله

أمانةَ الدفاع عن دينِ الله

ص: 40

إنَّ هذا الوادي ليشهدُ أنه صلى الله عليه وسلم أدى أمانة هذا الدين إلى المسلمين: شريعة بيضاء نقية ظاهرها كباطنها، لا يحيدُ عنها إلّا فاجر.

حتى إذا انفض الحجيج، وخلت عرفةُ من جموع الداعين والباكين والمبتهلين، رأيتَ الكثير من أولئك الذين شهدوا تلك المعالم، وورثوا أمانة الحق عملاً به، ودعوةً إليه، معرضين عن كتاب الله وشرعه، يلهثون وراء نظم الشيطان، يُحلُّوْن ما حرَّم الله، ويغيّرون أحكام الله، قد انحط كل منهم في شؤون دنياه ومصالحها، يرى غربة الإسلام بين أهله، وكيد الأعداء لأحكامه، وللمخلصين من دعاته، فلا تهزه الحميَّةُ لِاتّباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الجهد الذي بذل، أو الإيذاء الذي تحمل، ولا يحسّ أن في عنقه أمانةً وأنَّ في ذمته بيعةً، ولم يعد يذكر أنَّ عرفة شهدت على هذه الأمانة، وأنّ العقبة أخضعته لأحكام تلك البيعة. وماتت ألفاظ التلبية لله عز وجل على الشفاه

وعادت مجرد صيحات في تجاويف الأفواه! ! .

ألا يا عباد الله! أين هذا الواقع المرير من الحج المبرور الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

يا قارئي الكريم. أما الحديث والكلام فقد أُنفق منه لعلاج هذا البلاء الذي وصفته لك، ما لو كان للكلام نهاية لانتهى الكلام منذ حين. لم يبقَ من علاج إلّا صدق الالتجاء إلى رحاب الله. قد لا نملك إصلاح هذا السوء في حياتنا، ولكننا نملك الذلَّ لله عز وجل في نفوسنا.

أقْبِلْ إلى الله وأنت أشعث أغبر ـ فإنما الحاج أشعث أغبر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وتعلّقْ في كل مشهد من مشاهد الحج بأذيال كرمه ورحمته، ذليلاً متبتلاً. فإن لم تستشعر في نفسك ضراعةَ الذل، فابحث حول بيت الله أو في ربا عرفات عن ذي طمرين باليين،

ص: 41

غارق في بحر العبودية، يناجي ربه بلغة الدموع، فتضاءلْ خلف أطماره، وأمِّنْ من وراء دعائه، واستنشق من ظلال بكائه، ثم ابتهل إلى الله أن يصلح المسلمين جماعةً وأفراداً وأن يُذيقهم لذة الرجوع الصادق إليه، ونشوة الاعتزاز بدينه وسعادة الاتحاد تحت ظلال حكمه" (1).

هذه كلمات عطرة، في كشف اللثام عن خفايا الأمراض المتغلغلة في فريضةٍ كتب لها في زماننا أن تُقصى عن أداء وظيفتها الحضارية بيننا في وقتٍ نحن بأمسِّ الحاجة فيه إلى ترياق الحج الشافي، لذلك تقصدت أن أتلو الكلمة من غير حذفٍ ولو لحرفٍ واحدٍ منها لما فيها من تسليط الضوء على واقعنا المتردي ونحن نؤدي أجلَّ فرائض الإسلام على طريقة: مكانك راوح! .

المعضلة اليوم أنَّ الركن الخامس تسللَّ إليه من الفساد ما أخرج قنواته النظيفة عن جادة الوصول إلى الغايات الشريفة! فصار لا بد من تشخيص المرض، قبل وصف العلاج.

إن الخلل الذي يرصده الباحث في الركن الخامس الذي هو عبادة العمر، وختامُ الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين، يستشعره كذلك في باقي الأركان الإسلامية، فالتوحيد الذي هو أساس البناء الإسلامي كله يلزمُ منه ولاءُ المسلم لله ربِّ العالمين، والسمو فوق آلهة مزيفة من المادة والأهواء والشهوات ومصالح الأنا الدونية، وطواغيت الإنس والجن من ظلمة وكفرة ومارقين، بينما نجد المسلم اليوم ـ إلّا من رحم الله ـ يكاد يتمزق بين آلهة متناقضة متكاثرة في سكّة وعرة تتجاذبه الواحدة تلو الأُخرى في ذات الزمان والمكان فكيف يمكننا أن نتصور المصير الذي يؤول إليه حال هذا الإنسان! ؟ .

(1) كلمة قدم بها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي لكتاب "مناسك الحج والعمرة" لفضيلة نجله الدكتور محمد توفيق رمضان حفظهما الله تعالى.

ص: 42

والصلاة التي هي أول ركن من أركان ديننا الحنيف، وأول ما يسألُ عنه المسلم يوم القيامة فإن صلحت فقد فاز وأفلح، وإنْ فسدت فقد خاب وخسر، كيف لا وهي عماد الدين، والحبل المتين، والهاتف الواصل مع رب العالمين، هي الأُخرى غَدَت عادةً عند الكثير من أبناءِ أُمتنا لا تحلُّ في صاحبها الحلال، ولا تحجزه عن الحرام، يزدادُ بها العبد عن ربه بُعداً، حيث يجتمع أداؤها مع المعاصي والمخالفات في مشاهد تدعوا إلى الغرابة والاستنكار، وتبرز حجم التناقض الذي نعيشه في زماننا المعاصر.

والصيام الذي يمسك به العبد المسلم عن المحرمات في تربية إسلامية متطورة يحيا بها المسلمون في ظل وحدة العقيدة وصفاء العبودية، والمظاهر الحضارية النادرة حيث تجتمع الأُمة كل الأُمة على اختلاف ثقافات وأعمار أبنائها على مائدة الفطور والسَّحر في مشهد يحملُ بصمات القدرة الإلهية حين نجد مئات الملايين يتناولون الطعام في وقتٍ واحد، ويمتنعون عنه خلال زمن واحد، فيتعلمون منه كيف ينظمُ المرء المتحضرُ أوقاته ومواعيده، هو أيضاً تم إخراج فريضته عن جادة الصراط المستقيم من خلال الانفتاح على ألوان الآثام التي تسوَّق إلينا بواسطة أقنية تنتمي إلينا، وتهتم برمضانياتنا فتلقي في حياتنا أكثر ما يتنافى مع الشهر الفضيل الذي جعله الله زماناً لفيوضات وروحانيات تكفي لعامٍ كامل، تماماً كالأمطار التي تهطل على الأرض لترويها بما يكفي سنةً كاملة! .

أما الزكاة فإنها فقدت مؤسساتها الفاعلة، وتحوَّلت إلى وسيلةٍ لتكريس الفقر في بلاد المسلمين، وهي التي فُرضت على القادرين علاجاً لظاهرة البطالة والعوز في الأمة! .

هذا حالُ أركان الإسلام الخمسة التي تنبثق منها ثمراته الأخرى وأحكامه، فماذا عساها أن تفعل أغصان متفرعة عن شجرة يبست جذورها؟ إنها لا تعدو أن تكون

ص: 43

أشبه بشكل صناعي يقدّم لك مظهراً جميلاً يسرُّ الناظرين دون أن يعطيك نفعاً في رائحةٍ أو مأكل، وما تبديه أغصانه من ثمار، فقد انعدمت فيه الحياة، فأُلصق فيه إلصاقاً، بعد أن انقطعت الروافد الإروائية بين الجذور والفروع! إنَّ الحدائق الاصطناعية مهما زينا بها منازلنا فهي أعجز من أن تزوِّدنا بمادة الأُكسجين الأساسية في قيام الحياة، وهكذا هي عباداتُ الإسلام في المسلمين اليوم، وكمثالٍ توضيحي على ما أقول فإنني أُزوِّدك بما نقله لي أحد المقدسيين الثقات في حديثه عن حال المسلمين في فلسطين حين ذكر لي أنَّ البدو الفلسطينيين ينضمون إلى جيش العدو الصهيوني، ويعملون في صفوفه، فإذا ما أدركتهم صلاة العصر مثلاً وهم منتشرون في مناطق المواجهة في الضفة أو القطاع، تنحَّوْا جانباً وأدَّوْا ما افترضه الله عليهم، حتى إذا ما تجاوزوها حملوا سلاحهم من جديد وصوَّبوه إلى صدور إخوتهم الفلسطينيين مطلقين النار عليهم! أيُّ صلاة هذه التي تعقبها أخطر جريمةٍ في تاريخ البشرية، وأكثر جريمة ندَّد بها الإسلام، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من حقوق العباد! ؟

خروج هذه العبادات عن جادتها المرسومة لها من قبل الحكمة الإلهية، حوَّلها إلى طقوس ورسوم هي أشبهُ بالجسد الذي خرجت منه الروح! وأكثر مسلمي اليوم قد حبسوا أنفسهم عند تلك الرسوم والأشكال فوقعوا في غفلةٍ كاملة عن مضمون الأحكام الإلهية، وما لم يُخرجوا أنفسهم من جديد من أُطُرها الخادعة إلى مضموناتها التي هي مناط الفائدة، فإننا لن نشهد بروزاً لثمرات تلك العبادات الجليلة في حياة هذه الأمة وسنبقى واقفين في أمكنتنا، مهما بدا لك من بعيد أن جهداً يبذل، وأنَّ خيراً مقبلاً سيأتي.

لقد ذكرتُ لك من خلال كلمة أُستاذنا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أنّ أُوْلى حكم الحج أن يجسد فيه المسلمون قوله تعالى: {شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات:

ص: 44

13] فيفعِّلوا انتماءهم الإسلامي من خلال التقاء وفودهم من شتات، وتبادل ما بينهم من ثقافات، مما يوثق معرفة أبناء المسلمين بعضهم مع بعض في أنحاء الأرض، وفي ذلك ترويضٌ لنا لنحيا وحدة الأمة في أرضِ الله الواسعة، بعد أن دفنَّا في مكة ما ورثناه عن عهود المعصية من خلافات.

هذه الغاية الجليلة هي ما يجب على المسلمين جميعاً من حجاج ومنظمي أفواج، وهيآت ومنظمات عاملة في حقل الحج أن تتشرَّف في العمل لتحقيقه، أما الدوافع الأُخرى وفي مقدمتها الاقتصادية فهي معتبرة شرعاً كما أسلفنا لكنها تتضاءل صغاراً وانكساراً أمام هذا الهدف السامي.

المشكلة أن الهدف من وراء رحلة الحج تنظيماً وأداءً لم يعد يقصد به وجه الله تعالى، وغدا في جانب الكثير منا عملاً له دوافع شتى، بينما ما ذكرناه من معانٍ سامية لا يطرقُ سمع هؤلاء إلى درجة أنّ بعض القائمين على هذا الركن العظيم يؤدون عملهم دون أن يقفوا بين يدي الله ركعة واحدة افترضها الله عليهم، والبعضُ منهم إذا وصل إلى حرم مكة الشريف انشغل بجمع المال وترتيب أسباب الرفاهية للحجاج، دون أن يهتم بمعاني العبودية التي من أجلها شرع ربنا الحج إلى بيته الحرام، فلا الوحدة التي ترمز إلى انتماء المسلم إلى أُمة الإسلام، ولا الحرية والمساواة التي وضع ربنا من خلالها مقاييس أخرى للتفاضل بين العباد محلّ انتباه واهتمام! لا بل إنَّ بعضهم لا يخطر في باله أن يدخل المسجد الآمن، ليغترف من ينابيع الرحمة ويجدد العهد مع ربه في جوٍّ تسكب فيه العبرات، وتقال العثرات، وتستجاب الدعوات! فأيُّ انحدارٍ هذا الذي وصل إليه حجُّ المسلمين في هذا الزمان، حتى بلغ الأمر بآخرين إلى تسميته سياحة دينية إشارةً منهم إلى العمل السياحي المجرَّد من حجز لطائرة، أو إسكانٍ في فندق، أو إطعام لحاج،

ص: 45

أما غيرُ ذلك فلا شيء معتبر، فالأمرُ لا يعدو أن يكون وسيلةً لجمع المال ولا فرق عند بعض الناس أن يكون السبيل رحلةً مباركة إلى مكة المكرمة أو حملة مشبوهةً إلى شاطئ موبوء! فالمال هو المسيِّر وهو الإمام الذي يسبحون بحمده! ويلهجون بذكره!

هذا المعنى المناقض لحكمة الله في الحج عرض له حديث شريف قد يكون في سنده مقالة، لكنه يغوص في عمق المسألة بتوصيف دقيق، وكأنه يحكي واقعنا لحظة بلحظة. رُويَ عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا كان آخرُ الزمان خرج الناس إلى الحج أربعة أصناف: سلاطينهم للنزهة، وأغنياؤهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة، وقراؤهم للسمعة"(1)، فالعملُ مهما كان جليلاً حين يأتي مطيَّة لأهدافٍ أُخرى تقدَّم عليه وهي تعارضه، ويتراجعُ عنها وهي سخرت له، فحينئذ يفقدُ هذا الأمرُ هيبته، وتُهانُ كرامته بالوسائل الدونية التي انحدرت به عن جادة الحق إلى أوْدية الهلاك، فلا الوسيلة أُبقي عليها، ولا الغاية حفظ ماءُ الوجه فيها.

المتنفذون من عباد الله عندما يقصدون مكة لأجل الانغماس بمزيدٍ من الترفيه والنزهة ضمن حملة إعلامية صاخبة تصرفُ وجوهَ الناس إليهم، وتستجدي لهم مدح الخلق، وتثبتُ في قلوب العامة تقديسهم لحرمات الإسلام، بينما على الجانب الآخر يتساهل هؤلاء في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو قلب العقيدة الإسلامية، ومحطة الإسراء، ومنطلَق المعراج، ومسرح الصلاة بالأنبياء اقتداء منهم بخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم في

(1) ذكره الخطيب في تخريجه على أحاديث الإحياء من حديث أنسٍ بإسناد مجهول، وليس فيه ذكر السلاطين، وذكر أنه رواه أبو عثمان الصابوني في كتاب المائتين بلفظ:"تحج أغنياء أُمتي للنزهة، وأوساطهم للتجارة". انظر: "إحياء علوم الدين" لحجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي كتاب أسرار الحج، الباب الثالث في الآداب الدقيقة والأعمال الباطنة، ج 1 ص 263.

ص: 46

مراسيم قُلِّدَ فيها نبيُّنا صلوات الله وسلامه عليه أمانة الرسالة ـ وهم الذين كانوا يطوفون بالبيت تعظيماً له ومنه انطلقت تلك الرحلة الآسرة، فأيُّ ازدواجية يعيش فيها هؤلاء؟ ! .

والأغنياء يقعون في ذات المأساة لدى حرصهم على أن لا يصيبَ أحدَهم غبارُ الفريضة المباركة متجاهلين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحاجُّ أشعثُ أغبر"(1)، يؤكدون على نجومية الفنادق أكثر من تأكيدهم على الترقي في نجوم جنات الله الخالدة، ويفتشون في فرْش أرض عرفات بالسجاد والمروج الخضراء دون أن يشرئبوا بأعناقهم لما يرتقي بقلوبهم بحالةٍ إيمانية فريدة تصل العبد بمولاه، تقوِّي ثقته، وتشدُّ عزيمته، وتجدد له العهد من جديد! يغضبون إذا تأخرت وجبة الطعام، أو جاءت خدمات الرفاهية دون ما يأملون ولا يهتز لهم قلبٌ إذا قيل لهم: اتركوا منى والرمي فيها والتأسي بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الأيام وهلمَّ بنا إلى جُدّة عروس البحر الأحمر لنقضي فيها ساعات قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيّامُ منى أيام أكل وشرب وذكرٍ لله تعالى "! أو ينادى بهم إلى إحياء مولدٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعويضاً عن إقامتهم في أرض منى! (2) هذا حال طائفة منهم عايناها وعانينا من تأوّهاتها الدنيوية، مع مراعاة أنَّ طائفة من أولئك الأغنياء لا تحجبهم أموالهم عن الله، ويتجلى فيهم قول الله عز وجل:{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرُ اللَّهِ} [النور: 37].

(1) أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عمر وقال غريب.

(2)

نعلم جميعاً أنه بالإمكان إقامة حفلات المديح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعميق معاني العقيدة الإسلامية من خلال الكلمة الموزونة، واللحن الجميل، في أرض منى، فنجمع بين العبادة التي سافرنا من أجلها، والذكر الذي يزين أيام منى؟

ص: 47

وتأتي الطبقة الأُخرى، طبقةُ الفقراء ـ وهي الشريحة الأوسع ـ لتزيد الطين بلة، فالإقبال على الحج لم يعد خالصاً لوجه الله بالنسبة لفئاتٍ من حجاج بيت الله الحرام، وصارت له دوافعُ غيرُ مرئية ربما شجعت العديد من أبناء هذه الطائفة لتقديم الرشوة إلى شياطين الإنس المتاجرين بالحج وفريضته من منتسبين لطائفتي المتنفذين والأغنياء. وما إنْ يصلوا إلى تلك الديار حتى يتعرضوا بصورة أو بأُخرى لما يقدمه الأغنياء من صدقاتٍ وكفاراتٍ، ولما يؤدونه من أضاحٍ وذبائح.

هذا وإن كان عملهم ليس محظوراً شرعاً لكنه كسابقَيْه يخرج بالحج عن حيّز حج الخصوص الذي منه الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة إلى دائرةٍ أخرى أقلَّ شأناً، وأدْنى أجراً. قال الإمام الغزالي بعد أنْ ساق حديث: "إذا كان آخرُ الزمان

"، "وفي الخبر إشارة إلى جملة أغراض الدنيا التي يتصور أن تتصل بالحج فكل ذلك مما يمنعُ فضيلة الحج ويخرجه عن حيز حج الخصوص لاسيما إذا كان متجرداً بنفس الحج بأنْ يحجَّ لغيره بأُجرة فيطلب الدنيا بعمل الآخرة وقد كره الورِعون وأرباب القلوب ذلك إلّا أن يكون قصدهُ المقام بمكة ولم يكن له ما يبلغه فلا بأس أن يأخذ ذلك على هذا القصد لا ليتوصَّلَ بالدين إلى الدنيا بل بالدنيا إلى الدين فعند ذلك ينبغي أن يكون قصدُهُ زيارة بيت الله عز وجل ومعاونة أخيه المسلم بإسقاط الفرض عنه وفي مثله ينزلُ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدخل الله سبحانه بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة: الموصي بها والمنفذ لها ومن حج بها عن أخيه"(1) ولست أقول لا تحل الأجرة أو يحرم ذلك بعد أن أسقط فرض الإسلام عن نفسه ولكنّ الأوْلى أن لا يفعل ولا يتخذ ذلك مكسبه ومتجره فإن

(1) أخرجه البيهقي من حديث جابر بسند ضعيف كذا جاء في تخريج أحاديث الإحياء.

ص: 48

الله يعطي الدنيا بالدين ولا يعطي الدين بالدنيا وفي الخبر "مثل الذي يغزو في سبيل الله عز وجل ويأخذ أجراً مثل أم موسى عليه السلام ترضع ولدها وتأخذ أجرها"(1) فمن كان مثاله في أخذ الأجرة على الحج مثال أم موسى فلا بأس بأخذه فإنه يأخذ ليتمكن من الحج والزيارة فيه وليس يحج ليأخذ الأجرة بل يأخذ الأجرة ليحج كما كانت تأخذ أم موسى ليتيسر لها الإرضاع بتلبيس حالها عليهم.

الثاني: أن لا يُعاون أعداءَ الله سبحانه بتسليم المكس وهم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكة والأعراب المترصدين في الطريق فإن تسليم المال إليهم إعانة على الظلم وتيسير لأسبابه عليهم فهو كالإعانة بالنفس فليتلطف في حيلة الخلاص فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء ولا بأس بما قاله: إنَّ ترْكَ التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضل من إعانة الظلمة فإن هذه بدعة أحدثت وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطرودة وفيه ذل وصغار على المسلمين ببذل جزية. ولا معنى لقول القائل: إن ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر فإنه لو قعد في البيت أو رجع من الطريق لم يؤخذ منه شيء بل ربما يُظهر أسبابَ الترفه فتكثر مطالبته فلو كان في زي الفقراء لم يطالب فهو الذي ساق نفسه إلى حالة الاضطرار.

الثالث التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف بل على الاقتصاد وأعني بالإسراف التنعم بأطايب الأطعمة والترفه بشرب أنواعها على عادة المترفين فأما كثرة البذل فلا سرف فيه إذ لا خير في السَّرف ولا سرف في الخير كما قيل، وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله عز وجل والدرهم بسبعمائة درهم. قال ابنُ عمر:

(1) أخرجه ابن عدي من حديث معاذ وقال: مستقيم الإسناد منكر المتن كذا جاء في أحاديث الإحياء.

ص: 49

من كرم الرجل طيب زاده في سفره. وكان يقول: أفضل الحجاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة وأحسنهم يقيناً. وقال صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة فقيل له يا رسول الله: ما بر الحج؟ فقال: طيبُ الكلام وإطعام الطعام (1) "(2).

الفئة الرابعة هي أخطر الأصناف الأربعة على الإطلاق، فأتباعها هم النخبة من العلماء والفقهاء والمفتين وطلاب العلم وعموم الدعاة إلى الله عز وجل من واعظين وخطباء ومنشدين وقرّاء، فهؤلاء إذا خرجوا رياء وسمعة وابتغاء صرف وجوه الناس إلى مقاماتهم الرفيعة دون إخلاص القصد لله عز وجل فقد وقعوا في الضلال المبين! وصاروا قدوة فاسدة لسائر الأصناف الثلاثة من المسلمين، فإن ضلّوا فضلال الناس بهم أولى وإثمهم عند مولاهم عز وجل مضاعفٌ؛ لأنهم خير من ينبغي أن يعرف الله عز وجل ويدلَّ الخلق عليه، وإلَّا فكما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم:"أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه"(3) ولخطورة هذه الغفلة استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من علمٍ يمتطيه صاحبه لدنيا فانية مدبرة تضيع بها آخرة باقية مقبلة، وذلك في قوله:"نعوذ بالله من علمٍ لا ينفع"(4).

ورحم الله إمامنا الغزالي الذي صرَّح باستفحال هذا الداء الخطير في مقدمته على كتاب الإحياء حين قال: "ولعمري إنه لا سبب لإصرارك على التكبر إلّا الداء الذي عم

(1) أخرجه أحمد من حديث جابر بإسناد لين ورواه الحاكم مختصراً وقال صحيح الإسناد وعند محققي الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد برقم (14482) جاء: إسناده ضعيف من أجل محمد بن ثابت، ثم جاء بعد كلام طويل:"ويشهد للحديث دون زيادة إطعام الطعام إلخ" حديث أبي هريرة السالف برقم (7354) وهو صحيح.

(2)

إحياء علوم الدين للغزالي ج 1، ص 263 - 264 باب بيان دقائق الآداب.

(3)

جاء في كشف الخفاء للمحدث المفسر الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي برقم (376): "رواه الطبراني وابن عدي وابن ماجة عن أبي هريرة".

(4)

أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بإسناد حسن.

ص: 50

الجمّ الغفير بل شمل الجماهير من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل بأن الأمر إد والخطب جد والآخرة مقبلة والدنيا مدبرة والأجل قريب والسفر بعيد والزاد طفيف والخطر عظيم والطريق سد وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد، وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد، فأدلةُ الطريق هم العلماء الذي هم ورثة الأنبياء وقد شغر منهم الزمان ولم يبقَ إلّا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفاً فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً، حتى ظلّ علم الدين مندرساً ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمساً ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلّا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام إذْ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام.

فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقهاً وحكمة وعلماً وضياء ونوراً وهداية ورشداً فقد أصبح من بين الخلق مطويّاً وصار نسياً منسياً" (1).

فالمنعطف الأول في تراجع الحج اليوم عن موقعه الريادي في قمة العبادات الجماعية الفاعلة يعود إلى تسخيره لخدمة دنيانا التي خسرناها على مستوى الأمة مجتمعة بعد أن ضحينا بآخرتنا في سبيل عرضٍ زائل لا يدوم.

بيد أنّ أسباباً أُخرى في رأيي عملت مجتمعة مع هذا الذي سبق ذكره على إفساد ما

(1)"إحياء علوم الدين" للعلامة حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي ج 1 ص 3.

ص: 51

سعى الشرع المطهر إلى تقعيده في مجتمعاتنا من خلال فريضة الحج وأخواتها في أُسرة فرائض الإسلام.

من تلك الأسباب بروز مشاعر جاهلية عند بعض أبناء المسلمين على خلفية قيمٍ جديدة وافدة تعارضُ قيماً إسلامية ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك تصور التفضيل وفق مقاييس دنيوية تعود إلى رقعة جغرافية أو نفوذ مادي أو اجتماعي، وهو ما ترتب عليه أحياناً احتقار ما يجب إجلاله، وتهميش ما ينبغي وقاره، وكل هذا معارضٌ لقول الله عز وجل:{شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] إذ لم يقل "لتباينوا فلكل بلدٍ تميزه الذي يسهم من خلاله في إغناء ثقافة الآخر"، ولقوله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات 13] ولم يقل أغناكم ولا المنتسب منكم إلى مكان كذا أو فئة كذا، ولقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11] ويا لله للمسلمين وهم يعودون القهقرى إلى الجاهلية الأُوْلى التي أبغضها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لأبي ذر رضي الله عنه: "إنك أمرءٌ فيك جاهلية".

ومنها اجتهاداتٌ في الأساليب الناجحة لخدمة حجاج بيت الله الحرام حرص أصحابها على تقديم وسائل تجريبية ترتقي بكل من الحاج والفريضة إلى حيث المكان اللائق بهما لكنها بسبب أنها تجريبية لم تؤت ثمرتها المنشودة وصارت محل انتقاد من قبل الغيورين في سائر بقاع المسلمين في نصائح أعتقدُ أنها ستسهم لاحقاً بشكل فعالٍ في تطوير ما يقدم لهذا الركن الجليل من خبراتٍ وافدة.

ومنها الإعراض عن الكليات الجامعة من قواعد الإسلام وهديه، عكوفاً على

ص: 52

جزئيات ثانوية في فقهياته وآدابه تكريساً لحال التجزئة التي يحياها المسلمون اليوم، واكتفاءً منّا بالقشور عن اللب، وبالشكل عن المضمون، وبالخلاف عن الوفاق، بينما رسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع طريق السلامة حين كان يقول يوم النحر لكل من استفتاه:"افعل ولا حرج".

ومنها أن بعض المسلمين لم يعودوا يتورَّعون عن الحج بمالٍ حرام (1)، وصدق الشاعر إذ يقول:

إذا حججت بمالٍ أصلهُ دَنِسٌ

فما حججت ولكن حجَّت الإبلُ

لا بل إنَّ من المسلمين اليوم من يشد الرحال إلى تلك البلاد ليجمع هناك المال الحرام وهو يعلم أن الله يضاعفُ السيئة بمكة كما يضاعف الحسنة.

ومنها أن من المسلمين مَن لم يعد يستشعر ذلك المعنى اللطيف من انتمائه إلى أُمة إسلامية واسعة الانتشار فوق هذه البسيطة خاصة إذا كان قدومه عن طريق البر، فكم بلدٍ سيقطعه الحاج من خلال طريق تصل إلى آلاف الكيلومترات يقضي منها على المنافذ الحدودية للبلاد الإسلامية أكثر مما يقضيه في جد السير الحثيث إلى مكة.

ومنها أن الحج أصبح مشروعاً مادياً بحتاً تظلم فيه الطبقات المتوسطة القادرة أو تقدَّم على أنها من درجات متأخرة، فلم يعد الحاج يشعر بالرحمة التي ربَّانا عليها الإسلام، ورسخها فينا الحج إلى بيت الله الحرام، وإنْ هي إلّا أرقامٌ هائلة تحدد مستوى

(1) قال إمامنا النووي: "ليحرص على أن تكون نفقته حلالاً خالصة من الشبهة، فإن خالف وحجّ بما فيه شبهة أو بمال مغصوب صح حجه في ظاهر الحكم لكنه ليس حجاً مبروراً، ويَبْعد قبوله". هذا هو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة رحمهم الله، وجماهير العلماء من السلف والخلف، وقال أحمد بن حنبل:"لا يجزيه الحج بمالٍ حرام". اُنظر الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 30.

ص: 53

التعامل مع الآخر وليس الأخوة الإسلامية.

ومنها أن الحاج في أكثر بلاد الإسلام لا تتم تهيئته لهذه الرحلة العامرة في أركانها وواجباتها وآدابها وغاياتها، ولما سيعترضه من مصاعب في سبيل تحقيقها، وما يحتاجه من زادٍ مادي وديني في سبيل تحصيلها على أتم وجهٍ يرضى به الله عنه، وهو ما أفسح المجال لتسلل الخفافيش التي تعمل في الظلام فإذا بها تتصدّى للدعوة إلى الله! وقيادة ضيوف الله في بيوت الله! وكم رأيت أثناء تجربتي المتواضعة مَنْ لا يجيد القراءة والكتابة، ولا يحمل أدنى شهادة تحصيل علمي لا في مجال الشريعة ولا على المستوى المدرسي ثم يتصدى للعمل في هذه المؤسسة الإسلامية الكبرى مؤسسة الحج مفتياً وواعظاً ومربياً! فكيف استطاع أمثال هذا خداع الناس وفيهم المثقفون في شتى المجالات؟ وأين هم الرقباء الغيورون على مصلحة أُمتنا؟ وكم أحدثت أمثال هذه الثغرات من فتنٍ زلزالية بين الحجاج دفعت بالحجيج إلى نقيض ما دعانا ربنا إليه! .

هذا هو الداء في وصف أمين دقيق، وهذه هي المعضلة المستشرية في جسد الأمة المريض، أسطر فيها الكلمات وقلبي يعتصره الأسى على ما وصلنا إليه، وهنا لا بد لك أن تسأل: ما هو العلاج؟

في الجواب المختصر أقول: أعتقد أنّ كل كلمة سطرتها في هذه المقدمة هي خطوة صحيحة في تحديد العلاج النافع، الذي يمكنني أن أختصره في كلمة واحدة عنوانها "عَوْدٌ على بدء": أن نعود من حيث بدأ سلفنا الصالح، أن نعرف الله رغبة ورهبة كما عرفوه، أن نضع الدنيا في موقعها الصحيح فلا نضيّع ديننا في سبيلها فنخسر الآخرة والدنيا، ولا نعرض عنها فنعطل حكمَ الله فيها، وأن نكون في الدنيا كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عابري سبيل، وهل من العقل أن يقف عابر السبيل عند استراحةٍ ما لأجل حاجيات ضرورية له

ص: 54

فيعجب من فن صناعتها، وتنوع تصاميمها، وينشغل بذلك عن رحلته البعيدة؟ هل من المنطق أن يتعامل معها تعامل المقيم وهو يعلم أنه مهما بقي في ظلها فإنها ليست أرضه الباقية، بل محطته العابرة، وأنه لا بد في يومٍ ما مرتحلٌ عنها؟ هكذا هي الدنيا نصيبنا الشرعيُّ منها بمقدار ما نقيم فوق أرضها من حضاراتٍ لحاضرنا وأجيالنا، وهي محطات مهما طالت سنوليها الدُّبر، فهل نبيعُ العين الصحيحة بالعَوَر؟

بيد أنَّ هذا الكلام ذاته هو محضُ مشكلة تتطلبُ منَّا حلاً، إذ كيف نعود بالأُمة إلى الله عز وجل وهي التي مزقت إرباً إرْباً، ثم استفرد بكل قطعة لحم منها أكلةٌ شرهون، في الوقت الذي فتحت فيه أبوابُ الشهوات على مصراعيها في ظل عَوْلمة الرذائل، وأمركة الثقافات، وتراجع أصحاب القدوةِ عن تحمل المسؤوليات! لذلك أعود أدراجي مرة أُخرى إلى كلام أُستاذنا الجليل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حين قال: "يا قارئي الكريم. أما الحديث والكلام فقد أُنفق منه لعلاج هذا البلاء الذي وصفته لك، ما لو كان للكلام نهاية لانتهى الكلام منذ حين. لم يبقَ من علاج إلّا صدق الالتجاء إلى رحاب الله. قد لا نملك إصلاح هذا السوء في حياتنا، ولكننا نملك الذلَّ لله عز وجل في نفوسنا

".

ونِعْمَ ما قلتَه يا شيخنا الجليل: فما لم ندخل إلى الله عز وجل من باب التضرع والعبودية، وما لم نستشعر بين يدي مولانا شرف التذلل بين يديه، وصِدْق الالتجاء إليه، فإنَّ شيئاً مما نصبوا إليه لن يتحقق، وإننا ومع ابتهالاتنا المتكررة في الأزمنة والأمكنة المباركة وخلف رجالٍ خصهم الله بصفاء المعرفة لا نملك أكثر من أَن نعذر أنفسنا أمام الله بالبكاء والتبتل إليه والالتجاء، بعد أن أخذنا بأسباب النهوض، واعتمدنا على العلي المتعال علام الغيوب، فإليه وحده يرجع الأمرُ كله، وهو القادرُ على ذلك في موعدٍ قدره الله وقضاه، ولقد بلغت هذه الأمة قبل نبيِّنا محمد صلوات الله وسلامه عليه كل

ص: 55

مبلغ من السوء، فتحولت مكة أرض التوحيد إلى معبد للأوثان، وصار الطواف حول البيت تلازمه صفة العُري بسبب جهل استشرى كانوا معه يقولون: كيف نطوف بثياب عصينا الله فيها، حتى ضاعت معالم الحج الإبراهيمي في مستنقعات الجهل والضلال، ثم ما لبث الفجر أن انبلج، وما لبثت الغيوم أن انقشعت في تجديدٍ لصرح هذا الركن العظيم على يدِ محمد الأمين، عليه أفضلُ الصلاة وأتم التسليم. وإذا كانت الرِّسالات قد ختمت بالإسلام، فإن في رجالات الإسلام المخلصين من ينهض في كل عصرٍ لتجديد هذا الدين من خلال ربط القلوب بالله رب العالمين، وربط المسلمين بنهج السلف الصالح أصحاب الخيرية في هذه الأُمة، وما جهدي المقل، إلّا على خطا هؤلاء الذين لا نشك أن الله سيصلح بأحدهم أو بهم جميعاً صرحَ هذه الفريضة الشامخة شموخ الكعبة في كل حين.

وأخيراً فإنني في هذا البحث المتواضع لم أعتمد أسلوب من سبقني في تأليف كتبٍ عن مناسك العمرة والحج، وإلّا لأغنى ما كتبوه عن بذل جهد فيه، وهو ما يجعل عملي سفراً لا طائل منه، لذلك تعمدت التميز في هذه الكتابة بهدف إضافة جديد في مكتبتنا الإسلامية التي نباهي الدنيا بعليائها.

التميز بدأ في عنونة الكتاب إذ سميته: "الركن الخامس"، ثم في طريقة الكتابة، فلم أُقسمه على غرار الآخرين إلى أركان للحج وواجبات وسنن، وإنما شرعتُ في تدوينه من خلال حجة الوداع، حسب التسلسل المعروف لحجته صلى الله عليه وسلم أخذاً من رواية جابر التي أخرجها مسلم في صحيحه، وهي أدق وأوسع رواية على الإطلاق، حرصاً مني على تعريف المسلمين بأهم تفصيلات تلك الحجة المباركة التي يجهلها ـ للأسف ـ الكثير من المسلمين، وبهذا يسهل الاقتداءُ بإمام الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعم الفائدة.

لكنني في حقيقة الأمر لم أكتف برواية جابر، ولم أحبس دراستي عندها، فثمة

ص: 56

نصوص أخرى في جزئيات من الحج رويت بزيادات عن جابر سواء عند مسلم أو غيره فأتيت بها واستفدت منها، كما استفدت من الأحاديث الأخرى في فريضة الركن الخامس عن علي وعائشة وسائر الصحابة اقتبست منها ما يعود بالخير على البحث وقرائه. ومع كل خطوة أخطوها أقف مليّاً باحثاً في قضايا تاريخية ودينية أغوص فيها لاستخراج فوائد في شتى الفنون تكسو الكتاب حلة جديدة تعطيه مزيداً من التفرد والخصوصية، فمثلاً عندما أتحدث عن مقام إبراهيم فإنني لا أقتصر على ذكر الأحكام الإسلامية الخاصة بهذا الموضع وإنما أتناول تاريخه وأبرز المعالم التي مرت به منذ عهد إبراهيم عليه السلام، وما تميز به والحجر الأسود عن سائر حجارة مكة من أنه لم يعبد مثلاً رغم تعظيم قريش والعرب للحجارة آنذاك، وفوائد أخرى أُعرّج عليها من هذا القبيل.

وعندما أتحدّث عن الصفا لا أنظر إليه من خلال الأوراد والأذكار التي تواكب السعي بين الصفا والمروة فحسب، وإنما أتعدى ذلك إلى أبرز الأحداث التاريخية التي جرت عنده في عهد النبوة، وكذا عندما تناولت ميقات الحديبية في الحج، والتنعيمَ في العمرة.

وفي الكلام حول البيت موضوعات ثمينة من نحو ضرورة رسم خرائط جديدة للقارات الخمس تُمسح فيها الكرة الأرضية من جديد على أن الخط الرئيسي الذي يشكل محور تلك الخرائط هو الذي يمر من الكعبة المشرّفة وليس من قرية غرينتش قرب لندن.

أما الحديث عن ماء زمزم ففيه من الأبحاث العلمية ما يفي بغرض هذه المعجزة الخالدة التي يجهل الكثير من المسلمين قدرها، كما يجهلون العظمة الحقيقية لكثير من كليات وجزئيات هذا الدين السماوي المتجدد في معجزته وعطائه.

ومع كل مَعْلَم نزوره في "الركن الخامس" أرقام صحيحة عن الأبعاد الرئيسية

ص: 57

ضمن ذلك المعلم كما في بناء الكعبة المشرّفة، ومقام إبراهيم، أو بالنسبة إلى مدينة مكة، مع ذكر أبرز التحولات التي جرت هناك كما في ميقات قرن المنازل، وسائر المواقيت.

فالكتاب نقلة رائدة ـ بإذن الله وتوفيقه ـ في الخروج عن الأسلوب التقليدي في أبحاث هذه الفريضة الجامعة المانعة، مع الحفاظ على المضمون الفقهي بدقة وأمانة، والعودة إلى مصادر تلك الأحكام المباركة وهي الكتاب الكريم، ثم السنة المشرّفة التي فصَّلت أحاديثها النبوية كليات وجزئيات رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، وإنها لمتعة وعبادة وفائدة وتربية في آنٍ واحدٍ أن تستقي من جديد تفصيلات حياتك اليومية من ينابيع النبوة، وهي تتلى عليك من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعيداً عن الحكم الفقهي المجرد عن الرابط المشاهد الذي يضفي على أقوال الفقهاء نوراً وضياءً يستقر في قلوب المؤمنين على أنّ تلك الأحكام الفقهية هي في واقع الحال مقتبسة من ذلك الضياء الخالد.

في هذه الدراسة أُثبتُ بين قوسين كلام جابر، ومن ثَمَّ أبدأ بالنظر والبحث على ضوء كتب جهابذة علماء المسلمين، وفي مقدمتهم الإمام النووي في كتابه الجامع المانع:"شرح صحيح مسلم" وكتابه: "الإيضاح في مناسك الحج"، والإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح، وحاشيته الأخرى على "المقدمة الحضرمية" المعروفة باسم:"المنهاج القويم"، والإمام حجة الإسلام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" وغيرهما من الفقهاء المعتمدين، ضمن منهج الإكثار من النقول الموثقة عنهم ترويضاً مني للقارئ على الإبحار في أمثال هذه الكتب التي لا يقرؤها عادة إلّا المتخصصون، وتبركاً مني بعباراتهم وهم نجومُ هذه الأمة، وتوثيقاً لما أُسطره في كتابي من أحكام.

إذن تحت كل فقرة من كلام جابر بيانٌ وتفصيلٌ لما جرى في حجته صلى الله عليه وسلم من أحكام وأحداث، وإبراز لأشهر أقوال الأئمة الأربعة، مع مراعاة أنني إذا لم أنسب القول إلى

ص: 58

مذهب معين، فالقولُ يصرف إلى السادة الشافعية الذين جعلت ما ذهبوا إليه محور كتابي بسبب تتلمذي على مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي الغزِّي المكي؛ ولأن الذين صدَّرت الحديث عنهم: النووي ـ الهيتمي ـ الغزالي ـ كلهم شافعية.

الأقوال المشتهرة عن الأئمة الأعلام يحتاج إليها علماء الأمة وطلاب العلم وعامة الحجاج على حد سواء دفعاً منهم لحرج يصيبهم إن أحاطوا بها علماً؛ لذلك أثبتُّها، وأكثرتُ منها، لكنني دوَّنت العديد من نصوصها في الحاشية، كي يبقى متن الكتاب صالحاً لجميع شرائح المجتمع أما حاشيته فيمكن لمعظم ما كتب فيها أن يخص طائفة العلماء فيهم.

وفي كل مناسبة من ركن أو واجب أو أدبٍ نبوي لا أنسى التعريج على الحكمة المرجوة منه ما سنحت إلى ذلك فرصة، ضمن دراسة فكرية تقتنص الفائدة، وتغوص في العمق لإدراكها، ولا تتجمد عند حدودها.

ومع كل ذريعة أو مفسدة أو فكرة هدامة وافدة يصنعها لأبنائنا محترفوا الغزو الفكري لي وقفة تأمل ونظر ورد علمي مفحم، بما يلهمني مولاي من رشاد وسداد.

فالكتاب يحتوي على اللغة ومدلولاتها، وعلى الفقه المقارن، وعلى الاستدلالات الفقهية، وعلى العلة والحكمة لكثير من الأحكام الفقهية، وكذلك على تخريج ودراسة وافية للأحاديث النبوية التي تحتاج ذلك، ثم على الأبحاث الفكرية، وعلى مسائل العقيدة، وعلى ما يدخل في إطار التنوع والفائدة بما تقتضيه المناسبة، يردفني في ذلك خبرتي المتواضعة في إدارة الأفواج، ومتابعة شؤون الحجاج.

قمت بهذا مستعيناً بالله، معتمداً على هديه وتوفيقه، متبرئاً من كل حولٍ مني وقوة إلى حول الله وقوته المطلقة التي أولتني من العناية والرعاية ما قدرتُ به على تنفيذ ما

ص: 59

شرفني الله به من خدمة ضيوف الرحمن بكتابٍ يطلّون منه على حجة نبيِّهم محمد صلى الله عليه وسلم .

واللهَ أسأل أن يتقبلني في الصالحين، وأن يمن عليَّ بالثواب والأجر العميم، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز بجنات النعيم آمين آمين آمين، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.

كتبه:

محمد محيي الدّين حمادة الغنيمي الميداني

خادم القرآن والسنة

وأمين فوج اليمان لخدمة ضيوف الرحمن

في حيّ الميدان من دمشق الشام

في 19 صفر 1425 هـ الموافق 9 نيسان 2004 م.

* * *

ص: 60