المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌فضيلة مكة المكرمة

‌فضيلةُ مكة المكرمة

في وسْط الأرض، وعلى بعد متساوٍ من محيط قاراتها القديمة والجديدة، تقع زهرة المدائن، وعروس البسيطة، وينبوع الرحمة، في وادٍ غير ذي زرع.

مدينة لها حرمتها عند الله وفي قلوب المؤمنين، فهي ساحة للموحدين، وموئل للتائبين، وفضاء خاص بالمسلمين لا يقيم فيه أحدٌ من المشركين، ولايؤْذَن فيه لإطلاق نزوات العصاة والإباحيين، عندها تنتهي رغبات العقلاء، وتسمو نفوسُ الصُلحاء، وترتقي أخلاق الوافدين، وتتغذى أفئدة المغادرين، لاينفَّر فيها صيد، ولا يؤذى مخلوق ولو كان حيواناً ما لم يكن مؤذياً.

الأمان فيها عنوانُ السُّكنى، والسلام في أرضها مدرسة خِصبة. الثأر بين جنباتها ممنوع، والكفر عن وجهها مرفوع، وصور الفسق متآكلة محظورة. يدخل الناس إليها محرمين بطواف الترحاب والسلام والقدوم، ويغادرونها بطواف الوداع والشجون، وعيون قلوبهم تذرفُ بالدموع.

تلكم هي مكة المكرمة (1) أول بيت وضع في الأرض مطلقاً، بدليل ما جاء به بيان

(1) تقع مكة المكرمة في الجهة الغربية من المملكة العربية السعودية، بأرض الحجاز في بطن واد تشرف عليه الجبال من جميع النواحي، إحاطة الدائرة بالمركز النوراني (الكعبة المشرفة)، وقد كانت المناطق المنخفضة من ساحة مكة تسمى البطحاء، وما كان شرق المسجد الحرام يسمى المعلاة، وما كان إلى الغرب والجنوب يسمى المسفلة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المعلاة فيها ولد، وفيها سكن حتى هاجر، ومنها دخل يوم فتح مكة، وتعرف المعلاة أيضاً بالحَجون، وهو جبل تقع مقبرة المعلاة بسفحه من الجنوب الغربي، وبه عرفت المنطقة التي تليه ولمكة المكرمة ثلاثة مداخل رئيسية: المعلاة، المسفلة، الشبيكة. اُنظر تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً للدكتور محمد إلياس عبد الغني ص 9 ..

ص: 77

الحق في محكم التنزيل: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ (1) وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَبُرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} [آل عمران 96 و 97].

وفي معنى قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَقَدِ بِبَكَّةَ} يروي لنا البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ مسجدٍ وُضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلتُ ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: أربعون عاماً" (2).

وفي الآيات البيِّنات يقول الإمام النووي: هي المناسك، وأمن الخائف، وانمحاق الجمار مع كثرة الرامين في موضع الجمرات على تكرار الأعصار والسنين، وتعجيل العقوبة على مَن انتهك فيه حُرمته، وإهلاك أصحاب الفيل لمّا أرادوا تخريبه (3). وزاد الإمام ابن حجر الهيتمي: الحجر الأسود، وحفظه في المدة المتطاولة مع تطاول الأعداء له، ووقع هيبة البيت في القلوب وخشوعها عند لقائه وحنين النفوس إليه وإلى الإقامة عنده وإن كان في

(1) قال الإمام النووي: "قال أقضى القضاة الماوردي: أجمعوا على أنه أول بيتٍ وُضع للعبادة، وإنما اختلفوا هل هو أول بيت وضع لغيرها؟ قلت: والصحيح هو الأول، وهو قول الجمهور: إنه أول بيت وضع مطلقاً. والله أعلم". حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 468.

(2)

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه برقم (3186).

(3)

اُنظر شرح الإيضاح في مناسك الحج للإمام النووي، الباب الخامس في المقام بمكة وطواف الوداع.

ص: 78

ذلك ترك كثير من مألوفاتها (1).

مكة المكرمة هي المدينة المتقدمة على كل مدن الدنيا في الإثابة والحرمة والفضل؛ لأنها عند جمهور المسلمين أفضلُ بقاع الأرض؛ بسبب تحريم الله لها، فهي لم تحرّمْ من قِبَل بشر، بدليل قوله تعالى:{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91)} [النمل: 91].

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "فإنَّ هذا بلدٌ حرّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض وهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة"(2). وفي رواية لمسلم: "إنّ مكّة حرمها الله ولم يحرّمها الناس"(3).

أما الحديث الذي في الصحيحين عن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ إبراهيم حرم مكة، وإني حرمتُ المدينة"(4) فإنه يحمل على أنّ إبراهيم أظهرَ حرمتَها بعد أن كان مهجوراً، لا أنّه ابتدأه، وهو ما نصّ عليه الإمام النووي (5).

ومكة ذاتُ أسماء كثيرة، ومن المعلوم أن كثرة الأسماء تدلُّ على عظم المسمّى،

(1) حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي الباب الخامسصـ 469.

(2)

البخاري (1737) ومسلم (1353/ 445).

(3)

مسلم (1354/ 446) وكذلك الترمذي برقم (809).

(4)

أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (959) ولفظه: "قال علي: ما عهد إليَّ رسول الله شيئاً خاصة دون الناس، إلّا شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي. قال: فلم يزالوا حتى أخرج الصحيفة، قال فإذا فيها: من أحدث حدثاً .... قال: وإذا فيها: "إنّ إبراهيم حرّم مكة، وإني حرمت المدينة حرام ما بين حرّتَيْها وحماها كله

"، قال محققوا الموسوعة الحديثية على مسند أحمد ح 2 صـ 268: صحيح لغيره، رجاله ثقات

"، كما أخرجه الإمام أحمد برقم (1593) وفيه: "

اللهمّ إن إبراهيم عبدُك وخليلك وإني عبدُك، وإنّ إبراهيم سألك لأهل مكة وإني أسألك لأهل المدينة، كما سألك إبراهيم لأهل مكة ومثله معه، وإنّ المدينة مشبّكة بالملائكة

".

(5)

شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي الباب الخامس المسألة الرابعة والعشرون.

ص: 79

وهي تصلُ إلى ستة عشر اسماً من أبرزها: مكة، وبكّة، والبلد، والبلدة، وأُمُّ القرى، والبلدُ الأمين، وحرمٌ آمن، وواد غير ذي زرع، ومعاد، وقرية، والمسجد الحرام؛ وأُمُّ رُحم؛ لأنَّ الناس يتراحمون ويتواصلون فيها، وصَلاحُ سميت بذلك لأمنها، والمقدّسة والقادسة من التقديس وهو التطهير، وقد وردت بهذه الأسماء آياتٌ من كتاب الله العزيز، منها قوله تعالى في مكة:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24]، وفي معنى مكة يقول الإمام الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط:"ومَكّهُ أهْلَكهُ، ونَقَصَهُ، ومنه مكة للبلد الحرام أو للحرم كلّه؛ لأنها تَنْقُصُ الذنوب أو تُفنيها أو تُهلِكَ من ظلمَ فيها".

ومنها قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} [آل عمران: 96].

وفي معنى "بكه" قال الإمام الفيروزآبادي: "بكَّه أخَرَقه وفرَّقه، وفسخه

وعنقه دقَّها، ومنه بكَّه لمكَّة، أو لما بين جبلها أوْ للمطاف لدقها أعناق الجبابرة، أو لازدحام الناس بها .. وتباكَّ تراكم، والقوم ازدحموا

".

ومنها قوله تعالى في أم القرى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92]، والعرب تسمي كلَّ أمرٍ جامع أُمّا، لذلك فإنَّ مكة هي أم القرى؛ لأن غيرها تبع لها؛ ولأنها تتقدم على غيرها، ومنه تسمّى راية الحرب أمّاً لتقدمها واتباع الجيش لها.

ص: 80

ومنها قوله تعالى في البلد: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا} [إبراهيم: 35].

ومنها قوله تعالى في البلدة: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل: 91].

ومنها قوله تعالى في البلد الآمين: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الطِّينِ (3)} [التين: 1 ـ 3].

ومنها قوله تعالى في حرمٍ آمن: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا} [القصص: 57].

ومنها قوله تعالى في وادٍ غير ذي زرع: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37].

ومنها قوله تعالى في معاد: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85].

ومنها قوله تعالى في قرية: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} [محمد: 13].

ومنها قوله تعالى في المسجد الحرام: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144].

والمسجد الحرام يطلق ويراد به جميع مكة كما في قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} [الفتح: 27].

كما يطلق على جميع الحرم ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا

ص: 81

الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28].

كما يطلق على الكعبة وما حولها قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء: 1] ومن الثابت أنه أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد بيوتات مكة.

كما تظهر حرمة الحرم المكي بما رواه الإمام النَّسائي في سننه والترمذي في كتابه المناقب عن عبد الله بن عديِّ بن الحمراء رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقفٌ على راحلته يخاطب مكة: "واللهِ إنك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خرجت"(1).

ومن فضل البيت أن الصلاة تتضاعف في حدود الحرم بما لا مثيل له في أيِّ بقعة أُخرى على الإطلاق، فقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:"صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من مائة صلاةٍ في هذا" رواه أحمد وزاد ابنُ خزيمة: "يعني مسجد المدينة"، وفي لفظ البزّار "إلا المسجد الحرام فإنه يزيدُ عليه مائة"، وفي رواية:"صلاةٌ في مسجدي أفضلُ من ألف صلاة في غيره إلّا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدلُ مائة ألف صلاة" قال ابنُ عبد البر: حديث صحيح.

وروى أحمد والبزار وابنُ حبان في صحيحه من حديث حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاة من غيره من المساجد إلّا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف

(1) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، كما أخرجه الطبراني في سننه الكبرى، وابن حبان في صحيحه.

ص: 82

صلاة" قال الإمام العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي: "لا جرم صححه ابن عبد البر وقال: إنه الحجة عند التنازع وأنه نص في موضع الخلاف قاطع عند من ألهم رشده ولم تملْ به عصبية" (1).

هذه الأحاديث وإن كانت في المسجد الحرام إلّا أن مكة يطلق عليها جميعاً لفظ المسجد الحرام بدليل قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]، وقوله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]، ومن الثابت أنه أُسري برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من أحد بيوتات مكة.

لا بل إن ربنا جلَّ وعلا أطلق لفظ الكعبة وأراد مكة في قوله: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] ..

لذلك فإنّ مكة يتضاعف فيها ثواب الصلوات وسائر الطاعات، وهو الراجحُ كما نصّ عليه الإمام الماوردي من فقهاء الشافعية وتبعه الإمام النووي في أن مضاعفة الحسنات لا تخص المسجد الحرام وإنما تعمّ جميع الحرم وهو ما صرح به أيضاً الإمام ابن حجر الهيتمي الذي قال:"قد مرَّ لك أن هذا ظاهر في ترجيح القول بأنّ المضاعفة تعم جميع الحرم وهو ما أفهمه الزركشيّ"(2).

هذا القول هو الصحيح، والأدلة تعضده، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ

(1) حاشية العلامة الإمام ابن حجر الهيتمي ص 431.

(2)

حاشية العلامة الإمام ابن حجر الهيتمي ص 464.

ص: 83

وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} [آل عمران: 96]. قال الإمام القرطبي في الجزء الثاني من تفسيره ص 135: "جعله مباركاً لتضاعف العمل فيه".

وقال الإمام النووي: "تضعيف الأجر في الصلوات بمكة وكذا سائر أنواع الطاعات"(1) ثم قال: قال الحسن البصري: "صومُ يومٍ في مكة بمائة ألف، وصدقة درهم بمائة ألف، وكل حسنة بمائة ألف. فيستحب أن يكثر فيها من الصلاة والصوم والصدقة والقرآن وسائر أنواع الطاعات التي تمكنه"(2). قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "قد سبق أنّ الصلوات يتضاعف الأجرُ فيها في مكة وكذا سائر أنواع الطاعات. وقد ذهب جماعات من العلماء إلى أنه تتضاعف السيآت فيها أيضاً، وممن قال ذلك مجاهد وأحمد بن حنبل"(3).

إنَّ مذهب الإمام أحمد، ومن وافقه هو ما أميل إليه، وأُرجحه، إن جاز لمن بضاعته في العلم مزجاة مثلي أن يفعل ذلك. مناط الترجيح عندي أن مكة حرم الله الذي ثبتت خصوصيته بالأدلة الصحيحة، وما كان كذلك فالمعصية فيه مزدوجة، فهي منكر ومعصية من حيث هي منهيّ عنها، وهي كذلك ومن حيث إنّها استهتار بقدسية البيت، وبربِّ البيت الذي نهى عنها، وهذا أشبه ـ ولله المثل الأعلى ـ بمعارضة أمرِ السلطان في عرينه الخاص به، فأن يخالف أمر السلطان الذي صدر عنه فهذه جريمة، أما أن يستهين العاصي بأمرِ سيده في بيته الآمن، فهذه جريمة مضاعفة لما فيها من

(1) الإيضاح في مناسك الحج للإمام الحافظ محيي الدين النووي الباب الخامس في المقام بمكة وطواف الوداع، المسألة الخامسة والعشرون، الفقرة الرابعة عشرة. اُنظر حاشية العلامة الإمام ابن حجر الهيتمي ص 464.

(2)

حاشية العلامة الإمام ابن حجر الهيتمي ص 482.

ص: 84

الاستهزاء والتحدي وكذا يقال في المسجد الحرام الذي حدّ حدوده جبريل عليه السلام بأمر من ربّ العزة. وفي اعتقادي أصرح آية في كتاب الله عز وجل في بيان المراد: هي قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدِ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25]، فمجرد الميل إلى الظلم في حرم مكة، ونية المعصية فيه، يترتب عليه العذاب الأليم، لذلك قال الإمام القرطبي:"وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي في الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة هذا المكان توعّد الله على نية السيئة فيه. ومن نوى السيئة ولم يعملها لم يحاسبْ عليها إلّا في مكة. هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم"(1).

ومما يؤيد هذا أنّ ابن عمر كان يقول: "كنا نتحدث أنّ الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا والله! وبلى والله! وكلا والله! لذلك كان له فسطاطان، أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلّى في الحرم، فقيل له ذلك فقال: "إن كنّا لنتحدث أنّ من الإلحاد في الحرم، أن يقول: كلا والله، وبلى والله". قال الإمام القرطبي بعد أن ساق كلام ابن عمر:"والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة، والثانية بإسقاط البلد الحرام، وهكذا الأشهر الحرم سواء"(2).

(1)"الجامع لأحكام القرآن" لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج 12 ص 36.

(2)

نفس المرجع والجزء ص 34. أما قوله "وهكذا الأشهر الحرم" أي في تضاعف السيآت، ولذلك فسّر الإمام القرطبي بهذا قوله تعالى في الأشهر الحرام: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] أي بارتكاب الذنوب ج 8 ص 124.

ص: 85

قال سعيد بن المسيب: بلغني أنّ أهل مكة لن يهلكوا حتى يكون الحرم عندهم بمنزلة الحلّ (1).

حرم مكة بحدوده التي يعرف ما يجاورها بأدنى الحل له أحكام تسمو به فوق سائر البلاد أُوجزها لك وأخصُّ منها ما يلي:

أولاً: لا يدخل إليها أحدٌ إلّا بإحرام على خلاف في وجوبِ ذلك واستحبابهِ في حق من لم ينو حجاً أو عمرة، ما لم يكن من أصحاب المهن الذين يعملون من وإلى مكة ذاهبين آيبين كالحطابين والحشاشين والسائقين فلا يلزمهم الإحرام لا وجوباً ولا استحباباً. ومن الأدلة التي ذهب إليها إمامنا الشافعي في جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم ينو النسك ما رواه لنا مسلمٌ في صحيحه ـ 1357 ـ وفيه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر، وهو ما عنون له مسلمٌ بقوله: باب جواز دخول مكة بغير إحرام، كما عنون الإمام البخاري بقوله:"دخول الحرم ومكة بغير إحرام"(1749).

ويلحق بهذه الفقرة وجود مواقيت لمكة خارج مكة لمن أراد حجاً أو عمرة، وكان آفاقياً، فلا يتجاوز أحد تلك المواقيت بنية النسك إلّا محرماً، وسنعرض لهذا لاحقاً بعون الله.

ثانياً: يحرم الصيد فيه على جميع الناس سواء أهلُ الحرم أو المحرمين أو المحلين، ما لم يكن إنسياً مأكولاً كالنَّعَمِ والدجاج وإن استوحش، كما يحرم تنفير الصيد أي إزعاجه وتنحيته عن موضعه، فإن فعل فقد عصى ولو لم يتلفه.

ثالثاً: يحرم قطع شجره وحشيشه إلّا الإذْخِرْ (2).

رابعاً: لا يدخل بيتَ الله مُشرك لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا

(1) نقله صاحب تاريخ مكة المكرمة د. محمد إلياس عبد الغني عن أخبار مكة للفاكهاني برقم (1501) بإسناد حسن.

(2)

الإذْخِرْ: الحشيش الأخضر، وهو عشبٌ طيب الريح، ذكره صاحب القاموس المحيط. وقال الإمام النووي هو نبت معروف طيب الرائحة وهو بكسر الهمزة والخاء (النووي على صحيح مسلم) ج 9 ص 484.

ص: 86

الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة 28] والنجاسة هنا للعقيدة وليس للإنسان بدليل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [الإسراء 70]، وبدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط ثُمامة في مسجده الشريف وهو مشرك فلو كان نجس العين لما فعله، فالمشركون حين اعتدوا على صفاء التوحيد وأمانة العقيدة بالهبوط بهما إلى أوحال الوثنية ودجلها كان ذلك تنجيساً معنوياً لهما تماماً كما ينجسُ الثوب الرفيع إذا ما دُنِّس بوحل الطريق وروثه. لكن هل يلحق اليهود والنصارى بالمشركين في هذا المنع؟ كلام الشافعية صريح في ذلك فقد قال الإمام النووي في الأحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلاد:" (الرابع) أنه يمنعُ جميعُ من خالف دين الإسلام من دخوله مقيماً كان أو مارّاً. هذا مذهبُ الشافعي وجماهير الفقهاء، وجوّزه أبو حنيفة مالم يستوطنوه"(1). وقال الإمام ابن حجر في تعليقه على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان: "أي للذمِّي لا للحربي"(2). وبهذا المعنى جاءت عبارة الإمام القرطبي: "وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يمنع من دخول المسجد الحرام إلّا المشركون وأهلُ الأوثان"(3).

ثم قال القرطبي: "قال الكِيَا الطبريّ: ويجوز للذميِّ دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة. وقال الشافعي: تعتبر الحاجة، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد

(1) اُنظر متن شرح الإيضاح في مناسك الحج للعلامة يحيى بن شرف النووي في كتاب "حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي" في الشرح عليه، الباب الخامس في المقام بمكة المسألة الخامسة والعشرون ص 461.

(2)

حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي ص 461.

(3)

الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الشهير بتفسير القرطبي ج 8 ص 97.

ص: 87

الحرام" (1).

ثم قال: "وقال عطاء بن أبي رباح: الحرم كله قبلة ومسجد، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم، لقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء 1] وإنما رُفع من بيت أُمِّ هانئ".

لكنَّ الإمام القرطبي الذي ساق مذهب أبي حنيفة لم يأخذ به بدليل تعليقه عليه بالعبارة التالية: "وهذا قولٌ يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها"(1).

هذه هي خلاصة أبرز أقوال الفقهاء في المسألة، فالجمهور ألحقوا أهل الكتاب بالمشركين فمنعوهم من دخول مكة ولو لحاجة، واستدلوا على ذلك بالآية:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة 28]، فقال الشافعيُّ رحمه الله: الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام، فلا يمنعون من دخول غيره؛ فأباح دخول اليهودي والنصراني سائر المساجد (2)، بينما قال أهل المدينة المنورة: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد، وبهذا كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمّاله ونزع في كتابه بهذه الآية، وقد أيده من أيده بقوله تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور 36] فقالوا: دخول الكفار مناقض لترفيعها، كما أيدوه بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا لجُنُب"(3) قالوا: والكافرُ جنب، فالعلة موجودة فيه وهي الجنابة،

(1) نفس المرجع والجزء والصفحة.

(2)

الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الشهير بتفسير القرطبي ج 8 ص 97.

(3)

حديث حسن أخرجه أبو داود 232 والبيهقي 442 و 443 من حديث عائشة.

ص: 88

والحرمة موجودة في المسجد أيِّ مسجد (1).

أما الإمام أبو حنيفة وأصحابه فأجازوا دخول اليهوديِّ والنصراني إلى مكة المكرمة فحافظو بهذا على ظاهرية لفظ: المشركين، في الآية، وظاهرية لفظ: المسجد الحرام، لكن استثنى الحنفية من ذلك مسألتي الاستيطان وأن لا يكون الكتابيُّ حربيَّاً.

قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: "والمراد بالمسجد الحرام ههنا (2) الحرم كله، فلا يمكّن مشرك من دخول الحرم حتى لو جاء في رسالةٍ أو أمرٍ لا يمكَّن من الدخول، بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به"(3).

خامساً: لا تحلُّ لقطة الحرم للتملك مهما كانت ضئيلة الثمن، فلا يحلُّ لأحدٍ ولو كان مُنشداً أن يتملكها بعد عام كما في سائر البلاد. قال الإمامُ النووي:"المنشدُ هو المعرِّف، وأمّا طالبها فيقالُ له: ناشد، وأصل النشد والإنشاد رفع الصوت"(4).

وقال الإمام مالك: يجوز تملكها بعد تعرفها سنة كما في سائر البلاد، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. قال الإمام النووي بعد أن ساق ذلك:"ويتأولون الحديث تأويلات ضعيفة"(5).

سادساً: تغليظ الدية بالقتل الخطأ فيه، بأن تصير مثلثة بعد أن كانت مخمسة (6).

(1) تفسير القرطبي ج 8 ص 96.

(2)

أي في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} .

(3)

شرح النووي على صحيح مسلم باب: لا يطوف بالبيت عريان ج 9 ص 476.

(4)

شرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 484، باب تحريم مكة وصيدها.

(5)

نفس المرجع كتاب الحج باب تحريم مكة وصيدها ج 9 ص 484.

(6)

حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 462، أقول: مفاد هذا أن دية الخطأ تؤخذ أخماساً أي: عشرون بنت مخاص (وبنت المخاص من الإبل هي التي لها سنة وطعنت في الثانية) وعشرون بني لبون (هو الذي له سنتان من الإبل وطعن في الثالثة) وعشرون بنت لبون، وعشرون حقه (وهي التي لها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة) وعشرون جَذَعَة (وهي لها أربع وطعنت في الخامسة) هذه الدية تغلظ إذا وقعت في الأشهر الحرم أو في حرم مكة، أو قتل القاتل قريباً له ذا رحم محرم، كالأم والأخت، فتصبح حينئذ مثلثة بعد أن كانت مخمسة وذلك بأن تجري على النحو التالي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفَة (أي من الحوامل)، وفي هذا رفع لقيمة الدية والدليل عليه عند الشافعية والمالكية مارواه الترمذي وقال:"حديث حسن". اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته ج 7 ص 5710 وما بعدها وص 5735.

ص: 89

سابعاً: يحرم إخراج أحجاره وترابه إلى الحلّ، وإذا أُخرجت منه حَرُمَ الاستنجاء فيها، أما الاستنجاء بأحجار مكة فلا شيء فيه، كما يكرهُ إدخال أحجارِ الحلِّ إليه (1).

ثامناً: لا يصح ذبح الأنعام كفارات وهدايا إلّا به.

تاسعاً: ليس في مكة ومسجدها وقت كراهة لصلاة النافلة.

عاشراً: قال الإمام النووي: "إذا نذر قصْدَهُ لزمهُ الذهابُ إليه بحج أوْ عمرة بخلاف غيره من المساجد فإنه لا يجب الذهابُ إليه إذا نذره إلّا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجدَ الأقصى على أحد القولين فيهما"(2).

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في شرحه على كلام النووي: " (قوله على أحد القولين فيهما) المعتمد أنه لو نذر إتيان البيت الحرام أو الحرم أو بقعة منه أو بيت الله ونوى البيت الحرام لزمه الإتيانُ بحج أو بعمرة أو أن يأتي مسجد المدينة أو الأقصى أو غيرهما لم يلزمه"(3).

الحادي عشر: تضاعف الأجر في الصلوات بمكة، وكذا سائر أنواع الطاعات، وفي المقابل بأنَّ السيآت تتضاعف أيضاً، لذلك كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود صلى الله عليه وسلم يقول: "ما مِنْ بَلدٍ يؤاخذ فيه العبدُ بالنية قبل العمل إلّا مكة، وكان يتلو قوله تعالى: {وَمَنْ

(1) حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 462 - 463.

(2)

حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 462 - 463.

(3)

نفس المرجع والصفحة.

ص: 90

يُرِدِ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج 25]. وقد علق الإمام الغزالي بقوله بعد أن ساق الخبر: "أي أنه على مجرد الإرادة"(1). وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم" (2) وقيل: الكذب أيضاً (3).

وقال ابن عباس أيضاً: "لأَن أُذنب سبعين ذنباً بركيّة أحب إليَّ من أن أذنب ذنباً واحداً بمكة"(4) وركيَّة منزل بين الطائف ومكة. لهذا كرَّهَ بعض العلماء الإقامة بمكة، وهي كراهةٌ لا تتنافى مع فضل تلك البقعة؛ لأنَّ علتها القصور عن القيام بحق الموضع، فالمقام مع التبرم فيه تركه أوْلى، لذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدفع الحجاج عن مكة إذا حجوا بقوله: يا أهل اليمن يمنكم، ويا أهل الشام شامكم، ويا أهل العراق عراقكم، كي لا تؤدي إلفة البيت إلى تسكين حرقة القلب في التعظيم له، ولإحياء باعث الشوق بالمفارقة، لما فيه من داعية العود تصديقاً لقوله تعالى:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125]. أما من يؤدي في أرض الله الحرام حق المقام فلا كراهة في جانبه كما أفاده تحقيق إمامنا الغزاليّ في هذه المسألة (5).

الثاني عشر: هناك خصوصية لمكة في قضية الحدود، فقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وآخرون: إنْ كانت جناية القتل في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحلِّ ثم التجأ إلى الحرم لم يستوفَ منه فيه، ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج أُقيمت. هذا في

(1) إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي عليه رحمه الله، ج 1 صـ 244.

(2)

نفس المرجع فصل: فضيلة المقام بمكة، ج 1 صـ 244.

(3)

نفس المرجع والفصل والصفحة.

(4)

نفس المرجع والفصل والصفحة.

(5)

إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي عليه رحمه الله، ج 1 صـ 244.

ص: 91

جناية قتل النفس كما أسلفنا، أما إنْ كانت دون النفس فإنه يقتص منه في مكة وإنْ دخل إليها.

وقال إمامنا الشافعي رضي الله عنه وآخرون: حكم الحرم في هذا حكمُ غيره، فتقام فيه الحدود، ويستوفى فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في الحل ثم التجأ إلى الحرم (1). من أدلة الشافعية الأحاديث التي وردت في الصحاح في قتل الدواب الفواسق ومنها كل سبع يعقر، ومنها العقارب والأفاعي.

قال الإمام النووي: "وحجتنا عليهم هذه الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدواب في اسم الفسق، بل فسقه أفحش لكونه مكلفاً؛ ولأن التضييق الذي ذكروه لا يبقى لصاحبه أمان فقد خالفوا ظاهر ما فسروا به الآية"(2).

الثالث عشر: يكره حمل السلاح بمكة لغير حاجة، فقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحلُّ لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة"(3). قال الإمام النووي: "هذا النهي إذا لم تكن حاجة فإن كانت جاز. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير. قال القاضي عياض: هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كانت جاز" ثم قال: "وحجة الجمهور دخول النبي صلى الله عليه وسلم عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب. ودخوله صلى الله عليه وسلم عام الفتح متأهباً للقتال"(4).

هذه هي مكة، الفضل فيها لا ينتهي، والقلم يعوزه المداد، كيف لا، وفيها بيت الله

(1) حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 465 ــ 466.

(2)

الآية هي: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم 8/ 288.

(3)

مسلم في صحيحه برقم (1356/ 449).

(4)

صحيح مسلم بشرح الإمام النووي، كتاب الحج، باب دخول مكة بغير إحرام ج 9 ص 487 ــ 488.

ص: 92

في الأرض الذي يقال إنَّ موضعه خلق قبل خلق السموات والأرض (1).

كيف لا والنظر إليه عبادة، والطواف حوله تكليف، والاعتكاف في أرض مسجده تشريف.

كيف لا ورواية مجاهد تقول لنا إنه أحدُ أربعةَ عشر بيتاً في كل سماءٍ بيت، وفي كل أرض بيت بعضهنَّ مقابل بعض (2).

كيف لا، وهو حرام بحرمة الله، وأحبُّ بلاد الله إلى الله، وأحبُّ البقاع إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كيف لا، والشيطان قد يئس أن يعبد في جنبات تلك الأرض المطهرة (3).

كيف لا، ويقال إنه ما من نبي إلّا وحج بيت الله.

كيف لا، وفيه تسكب العبرات وتستجاب الدعوات كما في خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عليِّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، من روايةٍ من زيادة الحاكم، وهو ما يوثقه الواقع المشاهد في كل لحظة.

كيف لا، وقد اختارها الله عز وجل لبناء بيته، ومولد خاتم أنبيائه، ومبعثه صلى الله عليه وسلم {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] فهي اختياره من البلاد (4) تشريفاً لها وتكريماً،

(1) روى هذا الأزرقيُّ في كتاب مكة عن مجاهد، اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 467.

(2)

نفس المرجع والصفحة.

(3)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي منكم بما تَحِقرون" قال الإمام نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد. اُنظر 3/ 285 وقد وجدته في مسند الإمام أحمد برقم (8810). قال محققوا الموسوعة الحديثية على مسند أحمد ج 14 ص 409 "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

(4)

هذه الفكرة وبعض الأفكار الواردة في هذه الفقرة مقتبسة عن كتاب زاد المعاد لابن القيم الجوزية بتصرف 1/ 46 وما بعدها.

ص: 93

ومحمد صلى الله عليه وسلم اختياره من البشر تشريفاً له وتكريماً، وقد جعله فيها، وأنزل عليه خاتمة الرسالات فيها، وجعل شعاع النور يشع على الكون كله منها، وأوْجب على القادرين من عباده السعي إليها، من كل فج عميق، القريب منهم والبعيد عُرْبهم وعجمهم، وأن يدخلوها خاشعين متواضعين، كاشفي رؤوسهم متجردين من لباس أهل الدنيا، وما من بلد يجب على القادر السعي إليه إلّا مكة، فهي روضة المحبين، ومنسَك العابدين، ومهبط الرحمة والوحي والملائكة المكرَّمين، ومصعد الدعوات والحاجات والملائكة المطهرين، وهي مقدسة إلى حدّ أن المسلم منهي عن استقبالها واستدبارها وهو يقضي حاجته، ولو كان في أقصى الأرض.

مكة هذه حرم كبير للمسلمين خاصٌّ بعبادتهم وتوحيدهم ولقائهم تحت ظلال الرحمن فلا يجوز أن يشيد في جنباته معبد لغير المسلمين كما يروق لغلاة العلمانيين اليوم أن يطالب به؛ لأنها بمثابة مسجد واسع يضم وفود الأمة كلها في عبادة هي ركنٌ إسلامي لا يؤدّى إلّا على وجهٍ جماعي، وليت هؤلاء احتكموا إلى موازين الذوق والعقل معاً لما تجرّؤوا حينئذ على إطلاق هذا الهراء، فالعقل والذوق يقولان: كل مكان له خصوصيةٌ تلازمه لا يجوز لأحدٍ أن يخدش تلك الخصوصية، وإلا كان ذلك استفزازاً يدعو إلى فتنة نائمة لعناتُ الله تنصب على من يوقظها. وبوسعي أن أسأل هذا الذي استباح لنفسه هذا المطلب على قناة فضائية عربية تحمل اسم جزيرة العرب التي نسبة المسلمين فيها 100%: ما فائدة أن يبنى في مكة معبد لغير المسلمين وليس في المكان فردٌ واحد غير مسلم؟

وهل يجيز عرف العقلاء، وذوق الصلحاء إصرار زيدٍ من الناس على بناء معبد في

ص: 94

الفاتيكان أو آخر في مراكز طقوس بوذا، أو ثالث في كنيس يهودي (1)، وفيه ما يناقض اعتقاد هذا أو ذاك أو ذاك؟ لا نرضى ولا يرضى معنا كل موضوعيِّ الدنيا، وليس في رفضنا ما يُعارض حرية الأديان، وإنما يتماشى مع سلامة التعايش السلمي بين أتباع الديانات فوق هذه الأرض، وحفاظاً على أمن وقدسية المكان الذي نعتقد جازمين تلك القدسية والرفعة المرموقة فيه، لهذا لا نفتأ نقول: اللهمّ زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وبرّاً، وزد مَن شرَّفه وعظَّمه ممَّن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً وبرَّاً (2).

اللهمّ! لا تجعلنا لقَدْر بيتك من الزاهدين، ولا عن قدسية بقعته من الغافلين، وأعطنا شهادة تلك البقاع الطاهرة لنا بالخير والطاعة، وأعنَّا لننأى فيها عن الجدال والخصام وسائر الآثام.

اللهمّ! احشرنا مع المؤمنين يوم تُزفّ الكعبة كالعروس، لنتعلق بأستارها، ونسعى حولها حتى تدخل بنا جنة عرضها السمواتُ والأرض أُعدَّت للمتّقين (3).

إنّ أصحابَ الدعوات الحاقدة إذا كانوا يظنون أنهم بما تتفوّه به ألسنتهم سينالون من هذا البيت وقدسيته، فإنني أردُّهم هنا إلى كلامٍ صاغه في يومه شيخ الإسلام ابنُ تيميه في بيان رفعة هذا البيت وتعظيمه من قوله: "كذلك ما خصَّ به البيت الحرام من حين بناه إبراهيم إلى هذا

(1) هذا مع مراعاة أنني لا أقارن بين المسجد الحرام وأي موضع خاص بالعبادة، لكنني أقرّب بالتشبيه ما أسعى للوصول إليه.

(2)

قال الإمام محمد بن عبد الله الزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد في الباب السابع عشر بعد المائةص 216: "إنّ من حَجّه أو اعتمره لا يزال يزداد هيبة وتعظيماً وبراً كما أمرنا بالدعاء له في قولنا: وزِدْ من عظّمهُ ممّن حجّه أو اعتمره تشريفاً وتعظيماً وبراً، وهذا المعنى حسن لمن تأمله".

(3)

في هذه العبارة إشارة واستئناس بما قاله الإمام الغزالي في الإحياء فصل: فضيلة البيت ومكة المكرمة ج 1 ص 243، مع ملاحظة أن الزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد للإمام بن عبد الله الزركشي ذكر هذا الكلام في الباب التاسع والثمانين بصيغة التضعيف "رُوِي" كما قال الحافظ العراقي في تخريجه على أحاديث الإحياء: لم أجدْ له أصلاً.

ص: 95

الوقت من تعظيمه وتوقيره وإنجذاب القلوب إليه، ومن المعلوم أنّ الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن، والقصور بالآلات العظيمةِ البناءَ المحكم، ثم لا يلبث أن ينهدم ويُهان، والكعبة بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع، ليس عنده ما تشتهيه النفوس من البساتين والمياه وغيرها، ولا عنده عسكر يحميه من الأعداء، ولا في طريقه من الشهوات ما تشتهيه الأنفس، بل كثيراً ما يكون في طريقه من الخوف والتعب والعطش والجوع ما لا يعلمه إلّا الله، ومع هذا فقد جعل الله من أفئدة الناس التي تهوي إليه ما لا يعلمه إلّا الله.

وقد جعل للبيت من العزّ والشرف والعظمة ما أذلَّ به رقاب أهل الأرض حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة، ومن ثم نجدهم هناك في الذلِّ والمسكنة كآحاد الناس!

وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر، وقِوى نفوسهم، وأبدانهم والذي بناه قد مات من آلاف السنين (1).

* * *

(1) اُنظر كتاب الكعبة مركز العالم للدكتور سعد المرصفي، فيما نقله بتصرف عن شيخ الإسلام ابن تيمية.

ص: 96