الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله
قال جابر: "فلما دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ (1) اللَّهِ} [البقرة: 158] أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقيَ عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبّر":
بعد أن يُتمّ المسلم طوافه حول البيت وعندما يريد الخروج إلى الصفا فليخرج إليه من باب الصفا، ويستحب وهو يدنو منه أن يقرأ هذه الآية {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ، كما يستحب له حين يأتي سفح الصفا أن يستقبل القبلة وأن يصعد عليه قدر قامة حتى يتراءى له البيت من زاوية باب الصفا يوحد ويهلل ويكبر ويذكر الله تعالى - وفق ما سيأتي - يفعل ذلك وهو واقف هناك على الصفا بدليل قول جابر أعلاه (2)
ثم الصعود قدر قامة سنة مستقلة بالرجال (3) أما المرأة والخنثى فلا يصعدان؛ لأنه
(1) قال الإمام محمد بن علي الشوكاني ص 62. قال الجوهري: الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علماً لطاعة الله.
(2)
اُنظر كذلك فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام لسائد بكداش ص 97 - 98. وانظر المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 42.
(3)
السنة أن يرقى الرجال على الصفا قدر قامة كما قلنا لكن من العلماء من أوجب ذلك لهذا ذهب الشافعية إلى أنه يرتقي الرجال خروجاً من خلاف من أوجبه، فالسنة أن يرتقي قدر قامة لثبوت ذلك وخروجاً من خلاف الفقهاء: قال الإمام ابن حجر الهيتمي في الحاشية على شرح الإيضاح في مناسك الحج ص 284: "وظاهر كلامهم والحديث أن علة الرقي رؤية البيت وهو الآن يُرى من غير رقي على درج الصفا" ثم قال: "لكن يأتي في كلام المصنف أن الرقي معلل بعلتين: الخروج من الخلاف، والتيقن، فحينئذ يسن الرقي وإن رأى البيت بدونه للخروج من القول بوجوبه قدر قامة وإن حصل اليقين بدونها". اُنظر ص 284 ـ أي وإن حصل اليقين بأنه قطع المسافة بين الصفا والمروة كاملة دون أن ينقص شيء منها.
هنا تحضرني مسألة هامة وهي أن وادي المسجد الحرام قد كان أعمق من هذا ثم علت عليه الأتربة حين ارتفع مستواه بما في ذلك المسافة بين الكعبة وجبل الصفا لذلك قالوا: إنه قد بني قديماً درج على جبل الصفا وصل إلى ثنتي عشرة درجة ليرقى الناس على الصفا بواسطته ثم ما لبث أن درست من تلك الدرجات خمسة منها أو ستة بعد أن علا وادي المسجد الحرام حول الكعبة واندفن ما اندفن منه بالتراب وعوامل الزمن وربت عليه الأرض. هذا يعني أن الذي يلصق عقبة اليوم بجبل الصفا تحقيقاً منه لكامل المسافة بين الصفا والمروة بيقين فإنه في واقع الأمر يكون قد ارتقى قدر قامة أو أكثر أي يكون أخذ بالسنة التي نص عليها فقهاء الإسلام. هذه النتيجة هي خلاصة ما ذكره العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي حول هذه المسألة ولمزيد من التوثيق والإيضاح أنقل لك جانباً مما ذكره في ص 285 ـ من حاشيته حيث قال: "
…
يعلم أن ما يأتي في كلام المصنف الموافق لما في المجموع من أن بعض الدرج محدث فليحذر من أن يخلّفها وراءه فلا يصح سعيه حينئذ بل ينبغي أن يصعد الدرج الحادث وغيره أما بعد ذلك فلا وإنما ذكر ذلك بحسب حال الدرج القديم قبل علو الأرض ودفن بعض الدرج كما تقرر ويؤيد ذلك ما ذكره التقي الفاسي حيث قال: إنه كشف عن ذلك فوجد تحت الفرشة السّفلى من درج الصفا وهي التي تتصل بالأرض اليوم ثماني درجات مدفونة ثم فرشة أخرى ثم درجتين تحتهما حجر كبير وأن ما ذكره الأزرقي في ذرع ما بين الركن الأسود والصفا موافق لمبدأ الظاهر اليوم لا لمبدأ الدرج المدفون انتهى".
أستر للمرأة وأرفق بها.
قال الإمام النووي "قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه وفاتته الفضيلة"(1).
والحج إلى بيت الله الحرام ليس له إلّا سعي واحد بدليل حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلّا طوافاً واحداً"(2)؛ لذلك نص فقهاء الشافعية أنه تكره إعادة السعي في الحج؛ لأنه ليس من العبادات المستقلة التي يشرع تكريرها أو الإكثار منها فالسعي ليس كالطواف الذي يشرع في الحج والعمرة وفي غيرهما، وإنما هو كالوقوف بعرفة فيقتصر به على الركنية (3)،
(1) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ص 334.
(2)
صحيح مسلم برقم (1279/ 265). والمراد بالطواف هنا السعي.
(3)
اُنظر الحاشية على شرح الإيضاح في مناسك الحج للعلامة ابن حجر الهيتمي ص 293 ـ
أي على أدائه مرة واحدة في مكانه المشروع (1). قال الإمام النووي "فيه دليل على أن السعي في الحج والعمرة لا يكرر بل يقتصر منه على مرة واحدة ويكره تكراره؛ لأنه بدعة، وفيه دليل لما قدمناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في هذه المسألة والله أعلم".
والسعي ركن من أركان هذه الفريضة وفق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بدليل أنه صلى الله عليه وسلم لم يسع سوى سعي واحد كما بينت لك؛ ولأن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل على المتخلف عن السعي كفارة من دم أو غيره وهو القائل: "خذوا عني مناسككم"، وبهذا المعنى أورد الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم قال حدثني زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل قدم بعمرة فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت، ثم صلّى ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة ثم تلا (أي ابن عمر) {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] "(2)
قال الإمام النووي في شرحه على هذا الحديث: "وهذا الحكم الذي قاله ابن عمر هو مذهب العلماء كافة وهو أن المعتمر لا يتحلل إلّا بالطواف والسعي والحلق إلّا ما حكاه القاضي عياض عن ابن عباس وإسحاق بن راهويه أنه يتحلل بالطواف وإن لم
(1) لا يرد هنا قولك إن الخروج من خلاف الفقهاء سنة عند الشافعية فيسن تكرار السعي أخذاً من قول من أوجبه لماذا؟ يجيب العلامة ابن حجر الهيتمي عن ذلك في حاشيته ص 294 ـ "
…
. لا يسن له تكراره وإن قال أبو حنيفة بوجوبه؛ لأنه خلاف ما صح من السنة في القارن أي وشَرْطُ ندب الخروج من الخلاف أن لا يعارض بسنة صحيحة وهي هنا قول جابر (لم يطف النبي ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلّا طوافاً واحداً) ".
(2)
صحيح البخاري باب ماجاء في السعي بين الصفا والمروة برقم (1645) وصحيح مسلم باب المحرم بعمرة لا يتحلل قبل السعي برقم (1234/ 189) وصحيح ابن خزيمة برقم (2760).
يسع وهذا ضعيف مخالف للسنة" (1).
إِن الذي أتى على ذكره الإمام النووي في أمر السعي في العمرة هو من البراهين التي استدل بها جمهور العلماء على أن السعي ركن، إذ كيف يكون ركناً من أركان العمرة ثم لا يكون كذلك في الحج مع مراعاة أنه لاتختلف الشروط والأركان بين الحج والعمرة فهي سواء بسواء بدليل أن حديث ابن عمر السابق لم يقيد بل أطلق الحكم دون تقييد منه بحج أو عمرة فدل على أن الشأن فيهما واحد، وأن السعي ركن من أركان الحج مثل ما هو ركن من أركان العمرة.
ومن الأدلة على فرضية السعي وركنيته قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْعَوْا فإن الله كتب عليكم السعي"(2). فالآية والحديث استدل بهما جمهور العلماء على أن السعي بين الصفا والمروة فرض وركن لاسيما وأن الحديث الشريف أطل علينا بلفظه "كتب" وهي الكلمة التي فهم منها العلماء جميعاً وجوب الصيام في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]
(1) صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 367 - 368.
(2)
تمام الحديث في مسند الإمام أحمد عن حبيبة بنت أبي تِجْرَاة قالت: دخلنا دار أبي حسين في نسوة من قريش والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة قالت: وهو يسعى، يدور به إزاره من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه:"اسعَوْا فإن الله كتب عليكم السعي" وقد جاء في السنن الكبرى للبيهقي (9449) أن حبيبة هذه هي إحدى نساء بني عبد الدار. أما يدور به إزاره فقد قال الإمام محمد بن علي الشوكاني في نيل الأوطار ج 5 ـ ص 61 ـ "والضمير في قوله (به) يرجع إلى الركبتين أي تدور إزاره بركبتيه" وعن قوة الحديث قال محققوا الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد عند الرقم (27367) أي لهذا الحديث (حسن بطرقه وشاهده. وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن المؤمّل وقد اضطرب فيه
…
.) (وقال ابن عبد البر: والصحيح في إسناد هذا الحديث ومتنه ما ذكره الشافعي وأبو نعيم). اُنظر الموسوعة الحديثية ص 45 - 363 وص 365. أقول وقد أخرجه البيهقي كما مر والشافعي في الأم باب الخروج إلى الصفا برقم (6797)، وأبو نعيم في الحلية ج 9 ـ ص 158 - 159.
وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] أي فرض ثم إنّ صيغة: "اسْعَوْا" للأمر ومقتضى الأمر الوجوب كما تفيده قواعد الأصوليين.
نخلص من هذه الدراسة إلى أن مذهب الأئمة الثلاثة على أن السعي ركن من أركان الحج لا يصح من غيره ولا يتم التحلل من الطواف إلّا بالإتيان به.
وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله حيث انتهى به اجتهاده إلى أن السعي واجب فإن تركه عصى وصح حجه (1)؛ لأن النص الذي يحمل على الفرض عنده هو ما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة فأما النص القرآني {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فهو وإن كان قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة لما سيأتي.
وأما الحديث الشريف: "اسْعَوْا
…
" فإنه ظني الثبوت وما كان كذلك فإن أئمة المذهب الحنفي ومجتهديه يحملونه على الواجب كما هو المشهور في أصول مذهبهم.
إذن السادة الحنفية لم يحملوا الآية الكريمة: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} على ركنية السعي؛ لأنها لم تصرح بالفرضية، وإنما وردت لرفع الحرج والإثم عن الطواف بين الصفا والمروة بعد أن التصق السعي بينهما بالجاهلية وأعمالها وهو ما صرح به الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه وعلَّله به فيما رواه عنه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في
(1) أي ويجب تركه بدم عنده وقد تحدث أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حول ما يترتب على هذا الخلاف من أحكام في كتابه "الحج والعمرة في الفقه الإسلامي" في الباب الثالث الفصل الأول ص 91. فقال: "وعلى مذهب إيجاب السعي فقد يسعى وهو حلال عند الحنفية إذا فعل ما يتحلل قبل السعي أما على أنه ركن فلا يتحلل إلّا بعد السعي". أقول: المقصود من كلام فضيلته أن الحج في مذهب أبي حنيفة له أن يتحلل منه برمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة دون أن يسعى؛ لأنَّ السعي عندهم ليس بركن، لكنَّ تركَ السعي يلزم عليه دم عندهم لذلك فإن الحاج سيسعى بعد تحلله المذكور وهو حلال أي دون أن يكون محرما أي ودون أن يرتدي لباس الإحرام خلافا لمذهب الجمهور الذين أفتوا أن لا سعي للحلال، ولا سعي إلّا بإحرام من حج أو عمرة.
صحيحه (1)،
ولما رواه الإمام مسلم في صحيحه قال: حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: قلت لها: إني لأظن رجلاً لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضرّه! قالت: لم؟ قلت: ؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} إلى آخر الآية فقالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة ولو كان كما تقول لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما وهل تدري فيما كان ذاك؟ إنما ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما إساف ونائلة ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية قالت فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (2) إلى آخرها قالت: "فطافوا"(3)
لكنّ الآية الكريمة وإن لم تصرح بفريضة السعي إلّا أنها لم تصرح بنفي ذلك أيضاً ولهذا قال الإمام النووي في معرض ثنائه على السيدة عائشة بسبب استشهادها واستنباطها بالآية الشريفة:
"قال العلماء: هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ؛
(1) صحيح البخاري برقم (1648)، وربما استشهد الحنفية بالحديث برقم (1649) من البخاري أيضاً ..
(2)
تمام الآية: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)} [البقرة: 158]
(3)
صحيح مسلم برقم (1277/ 259)، والسنن الكبرى للبيهقي برقم (9441)، هذا ومن الروايات التي جاءت بهذا الصدد ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم (2766) عن عائشة قالت: بئس ما قلت يا ابن أخي! إنما كان من أهلَّ لمناة الطاغية التي بالمشلل يطوفون بين الصفا والمروة فلما كانوا بالإسلام قالوا: يا رسول الله: إن طوافنا بهذين الحجرين من أمر الجاهلية! قالت: فنزل: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية قالت: فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أخرى عند ابن خزيمة تحمل نفس الرقم قال: قال الزهري: (
…
.. فقالوا يا رسول الله إنا أمرنا أن نطوف بالبيت ولم نؤمر أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فأراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه" (1).
ومما يؤيد كلام السيدة عائشة ما جاء عن جابر بن عبد الله ـ أعلم الصحابة بفريضة الحج ـ أنه كان يقول: "لا يحج من قريب ولا من بعيد إلّا أن يطوف بين الصفا والمروة وإن النساء لا يحللن للرجال حتى يطفن بين الصفا والمروة"(2)
وبهذا لم يبق أمامنا في هذه المسألة سوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تلقوا العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة وقد جاء فصل الخطاب عن عائشة رضي الله عنا وجابر وابن عمر الذي سئل عن رجل طاف ولم يسع بينهما فذكر الطواف والسعي ثم تلا قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
الذكر بين الصفا والمروة
قال جابر: "وقال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلَّا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات":
الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحاج عندما يخرج من ساحة الطواف يريد المسعى فإنه يدخل إليه من باب الصفا، ومن ثم يصعد على الصفا وهو يقرأ قوله تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (3)، ثم يقول وهو رافع يديه (4): أبدأ بما بدأ الله به، ثم
(1) شرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ـ ص 400.
(2)
السنن الكبرى للبيهقي برقم (9452).
(3)
قال الجوهري: الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علماً لطاعة الله. اُنظر نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ـ ص 62.
(4)
دليل رفع اليدين عند الدعاء على الصفا جاء في صحيح ابن خزيمة في بابٍ يحمل هذا العنوان من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه أتى في طوافه صنماً في جَنَبَة البيت يعبدونه فجعل يطعنه بقوس في يده ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره
…
" برقم الحديث (2758). أقول الجَنَبَة: الناحية.
يستقبل القبلة ويذكر الله تعالى بهذا الذي أورده جابر في حديثه يكرر ذلك ثلاث مرات ويدعو فيما بين ذلك ثلاث مرات ثم ينزل إلى المروة يفعل هذا بداية كل شوط (1).
ولا تسن التلبية في السعي على الأصح في مذهب الشافعية كما قال إمامنا النووي فليست من أذكاره (2).
هذا ما يقوله عند الصفا ثلاثاً وهو ما يكرره عند المروة ثلاثاً ويدعو فيما بينهما بما أحب من أمر الدين ندباً ومن أمر الدنيا إباحة كما نص عليه الفقهاء (3)، لكن ذكر إمامنا النووي في الأذكار أنه يقول في ذهابه ورجوعه بين الصفا والمروة:"رب اغفر وارحم وتجاوزْ عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم! اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"(4).
(1) اُنظر المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 424 وصحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 335 الذي جاء فيه ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات. وانظر الموطأ للإمام مالك بن أنس برقم: (835 - 836)
(2)
اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 287 ـ والأذكار للنووي في أذكار الحج ص 229.
(3)
حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي ص 286 ـ ومن الأدلة على إطلاق الذكر قول عائشة رضي الله عنها فيما يرويه لنا الدارمي في سننه برقم (1795) وكذلك أبو داود والترمذي أنها قالت: إنما جعل الطواف بالبيت ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله.
(4)
قال أستاذنا الدكتور مصطفى ديب البغا في كتابه الهدية المرضية بشرح وأدلة المقدمة الحضرمية ص 603:
"ذكره النووي رحمه الله تعالى في [الأذكار] في أذكار الحج (أذكار السعي) من غير عزو [وهو في مصنف ابن أبي شيبة (3/ 420) الحج باب ما يقول الرجل في السعي برقم: (15565) من قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وليس فيه وتجاوز عما تعلم" وفي المعجم الأوسط للطبراني (3/ 148) عن ابن مسعود رضي الله عنه رفعه برقم: (2757) وأن يقول: اللهمّ! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قياساً على الطواف.". أقول: وقد وجدت في السنن الكبرى للبيهقي (9435) عن ابن عمر أنه كان يقول بين الصفا والمروة: رب اغفر لي وارحم وأنت أو إنك الأعز الأكرم".
ولم أجدْ من الفقهاء من خص المسافة بين الميلين الأخضرين بقولك "رب اغفر وارحم" فالدعاء هذا شامل للميلين الأخضرين ولسائر الطواف بين الصفا والمروة بعد الدعاء والذكر عند الصفا وعند المروة بما ذكرنا مكرراً ثلاثاً.
ومما أُثِرَ عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه دعاؤه الذي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ومالك في الموطأ عن نافع أنه سمعه يدعو ويقول على الصفا "اللهمّ إنك قلت {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وإنك لا تخلف الميعاد وإني أسألك كما هديتني إلى الإسلام ألا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم"(1) قال الإمام النووي "وحسن أن يقول
…
" ثم ساق الدعاء.
ومن الوارد كذلك ما ساقه البيهقي في سننه عن نافع أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول على الصفا:
"اللهمّ! اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، وجنّبنا حدودك. اللهمّ! اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين.
اللهمّ! حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهمّ! يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأُولى واجعلنا من أئمة المتقين" (2) وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت ثم خرج
(1) السنن الكبرى للبيهقي برقم (9428) والموطأ للإمام مالك بن أنس برقم: (837).
(2)
السنن الكبرى البيهقي برقم (9429) كما أورده الإمام النووي في الأذكار ص 229.
يطوف بين الصفا والمروة فجعلنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد منه أو يصيبه شيء فسمعته يدعو على الأحزاب يقول: "اللهمّ! منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب. اللهمّ! اهزمهم وزلزلهم"(1).
وليست هذه الأدعية المأثورة عن الصحابة لازمة واجبة لكنها تستحب (2)؛ لأن السلف الصالح في صدر التاريخ الإسلامي وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم استحبوها ورددوها فاقتداء الأمة بهم أولى من دعاء مأثور عن غيرهم ما لم يثبت أنه دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكرنا، ولاحتمال أن يكون أحدهم قد استقاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء في سنن البيهقي عن ابن جريج قال: قلت لنافع: هل من قول كان عبد الله بن عمر يلزمه؟ قال: لاتسأل عن ذلك فإن ذلك ليس بواجب فأبيت أن أدعه حتى يخبرني قال: كان يطيل القيام حتى لولا الحياء منه لجلسنا فيكبر ثلاثاً يقول: (لا إله إلّا الله له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ثم يدعو طويلاً يرفع صوته ويخفضه حتى إنه ليسأله أن يقضي عنه مغرمة فيما سأل ثم يكبر ثلاثاً ثم يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم يسأل طويلاً كذلك حتى يفعل ذلك سبع مرات يقول ذلك على الصفا والمروة في كل ما حج واعتمر" (3).
ومن الأذكار الواردة هنا عن ابن عمر كذلك أنه كان يقول عند الصفا "اللهمّ
(1) صحيح ابن خزيمة برقم (2775) باب الدعاء على أهل الملل والأوثان على الصفا والمروة أن يهزموا ويزلزلوا الباب ص 210.
(2)
ذكر أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في كتابه "دراسات تطبيقية في الحديث النبوي" ـ في جزء المعاملات ـ ص 68 بأن الفقهاء متفقون على سنية هذه الأذكار وأن العلماء لم يقولوا بوجوبها قياساً منهم على أذكار الصلاة أي كالتسبيح المعهود في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين وهكذا.
(3)
السنن الكبرى للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي برقم (9430).
أحييني على سنة نبيك صلى الله عليه وسلم وتوفني على ملته وأعذني من مضلات الفتن" (1).
ومن الأدعية المختارة التي أتى على ذكرها الإمام النووي في كتابه الأذكار في السعي وفي كل مكان:
اللهمّ! يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
اللهمّ! إني أسالك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار.
اللهمّ! إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهمّ! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهمّ! إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم. وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل (2).
إن المسلم وهو يسعى بين شعيرتي الصفا والمروة يدعو بما هو مأثور ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعو بما يجريه الله على لسانه من خيري الدنيا والآخرة ويقرأ كذلك القرآن الكريم. قال الإمام النووي: "وينبغي أن يجمع بين هذه الأذكار والدعوات والقرآن"(3).
كما قال بعد أن ذكر الدعاء الوارد: "ثم يضم إليه ما شاء من الدعاء"(4).
(1) السنن الكبرى للبيهقي برقم (9432).
(2)
الأذكار للإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي ص 230.
(3)
اُنظر الأذكار للإمام الحافظ المحدث الفقيه أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي ص 230.
(4)
اُنظر حاشية العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 287.
بيد أني أنوّه هنا إلى أنّ قراءة القرآن الكريم هي أفضل من الذكر غير الوارد، وهو ما نص عليه العلامة الغمراوي من فقهاء الشافعية (1)، كما عقب الإمام ابن حجر الهيتمي على كلام النووي التالي:"ولو قرأ القرآن كان أفضل" وذلك بقوله: "أي من غير الذكر الوارد نظير ما مر في الطواف"(2).
هذا الكلام يحضر معه بقوة مرة أخرى الحديث عن مسألة تخصيص جملة من الأدعية الخاصة بكل شوط من أشواط السعي وقد تبين لنا من خلال شد الرحال في هذا المبحث إلى مظان الأدعية المأثورة في كتب السنن والفقه أن الدعاء الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام لا يتفق مع الكتب المنتشرة اليوم جمعاً وتدوينا من قبل القائمين على هذا الثغر الإسلامي الهام؛ لأن أكثر ذلك لم يثبت في مصدر صحيح، وهذا شأن هام ينبغي أن ينبه عليه؛ لأننا وإن كنا نرى أن تلك الأدعية داخلة تحت العموم الذي أجازه الفقهاء حتى ولو لم يكن وارداً، لكننا نحذر من تعمية حقيقته على حجاج بيت الله الحرام؛ لأن البدعة في تعريف الفقهاء: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، وما نسب إلى الدين وزعم أنه سنة فهو من الابتداع المذموم، لا أن تلك الأدعية هي بحد ذاتها مذمومة ذلك أن أدعية الشوط الأول مثلاً التي توحي تسميها بأنها سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست كذلك فيجوز أن تؤدى في الشوط الثاني أو الثالث إلخ
…
كما يجوز أن لاتؤدى أبداً وأن يستعاض عنها بغيرها إذ كل هذا من عموم الندب الذي أشار إليه الفقهاء في دعاء الدين أو من المباح الذي أشاروا إليه في دعاء الدنيا.
(1) اُنظر أنوار المسالك شرح عمدة السالك وعدة الناسك للعلامة الشيخ محمد الزهري الغمراوي ص 253
(2)
اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 295.
قال فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بعد أن نفى وجود دعاء خاص لكل شوط في الطواف:
"وفي السعي لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلّا أنه عندما يصعد على الصفا يقرأ قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] أبدأ بما بدأ الله به ثم قال: "لا إله إلّا الله وحده
…
.. " ثم اتجه إلى الكعبة ودعا الله عز وجل، لم يدر بماذا دعا، دعا بما ييسر الله له فإن الإنسان طول الطواف وطول السعي يدعو الله بما يفيض به قلبه هذا ما ينبغي بالسنة للحاج أو المعتمر"(1).
هذه المسألة تدعونا وبإلحاح إلى التعرض إلى نقطة أخرى يشرف عليها أمناء أفواج الحج في بيت الله الحرام ألا وهي صورة الدعاء الجماعي حيث يتقدم رجل عليه سمات الدعاة يحفظ الكثير من الأدعية أو يقرؤها من كتاب يحمله رافعاً صوته بين يدي مجموعة تتبعه من ساحة الطواف أو خط المسعى تردد خلفه كلمة كلمة.
فما هو الحكم الشرعي لهذه الهيئة؟
بحثت في كتب الفقه فلم أعثر على نص يتناول هذه المسألة فيما وقع تحت يدي من مراجع إلّا ما أتى عليه الإمام النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج حيث صرح بجواز ذلك بقوله: "ولو دعا واحد وأمّن جماعة فحسن (2) " ويبدو أن الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على كلام النووي لم يعلق بشيء مما يفيد موافقته له في اجتهاده ذاك، ويؤكد أنه فقه مذهب الشافعية.
(1) اُنظر كتاب "مئة سؤال عن الحج والعمرة والأضحية والعيدين" للدكتور يوسف القرضاوي ص 114 - 115.
(2)
اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 270 ـ 271.
لكننا نجد اليوم من ينهى في الحرم عن هذا النوع من الدعاء داخل الحرم المكي الشريف كما وجدت فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي لا يستسيغ تلك الهيئة حيث قال:
"وبعض الناس يمشون وراء المطوف والمطوف يدعو كلمة كلمة وهو يردد وراءه يقول اللهمّ
…
اللهمّ يا ربنا
…
يا ربنا نسألك
…
نسألك، فهو لا يعرف بماذا يدعو!
يا أخي بدلاً من أن تردد هذا الكلام ادع أنت الله بما يفيض به قلبك وينطق به لسانك" إلى أن قال: "اطلب أنت بلسانك من ربك ما تحب. لماذا تجعل أحد الناس يلقنك كلمة كلمة وأنت لا تعلم ما سيقول؟ أولى الأشياء أن يردد الإنسان الدعاء الذي يصدر من قلبه" (1).
وأرى بدوري أن إنكار فضيلته للدعاء الجماعي لمجرد أنه جماعي ليس مبرراً لنبذه؛ لأنه اجتماع على خير فهو أشبه بتلاوة قارئ للقرآن واستماع الجالسين حوله لآياته بتدبر وخشوع فلا ضير عليهم حتى ولو لم يحفظوا ما يتلوه من آيات، وهو نظير دعاء الإمام في قنوت أو طلب من استسقاء حيث يدعو الداعي ويقول من خلفه آمين دون أن يعلم الكثير منهم إن لم نقل جميعهم بماذا سيدعو؟
على أن كلام القرضاوي لا نرده على إطلاقه؛ لأن انكفاء الحجّاج والعمّار على صيغة الدعاء الجماعي تعكس جانباً من واقع االتقصير في شفافية العلاقة مع الله فالمسلم ـ وهذا هو الأصل الصحيح ـ لا بد أنه تروض في ليالي الأسبوع السبعة على مناجاة ربه بذل وانكسار متردداً بين لغة الخوف والرجاء زمناً طويلاً حتى إذا ما دخل
(1) اُنظر مئة سؤال عن الحج والعمرة والأضحية والعيدين للدكتور يوسف القرضاوي ص 114.
إلى الحرم المكي الشريف انصهر في عالم من العبودية والمعرفة الإلهية فارتسمت على جوارحه لغات الدموع والتواضع وجاد من ألوان السؤال بما يجريه الله على لسانه وقلبه. بيد أن الذي يحياه المسلمون اليوم في واقع الحال هو حالة من التصدع في جدار العلاقة بين العبد ومولاه بعد تحكم الحياة المادية في أفئدة شرائح واسعة من أبناء المسلمين وهو ما يوكَلُ أمرُ إصلاحه إلى الركن الخامس حيث يدخل الحاج إلى بيت الله الحرام وهو لا يدري ماذا يقول ولا ماذا يتصرف وربما ألجمته هيبة البيت ورقعة اتساعه وجلاله مشهد الطائفين حوله في وقت تتوارد أمام ناظريه ذكرى المعاصي وسنوات الشرود عن الله فتقطع الدموع مداد الكلمات فلا يصدر عنه سوى طلب العون ممن يعتقد فيه التقوى والصلاح والخبرة فيستند لبيانه الطليق وقلبه النظيف ومعرفته بالعبادة والمسجد الحرام وطرق العبور والوصول.
إنه التراجع عن التدرج في محاريب العبودية بين يدي المولى المتعالِ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى والذي يغذونا بنعمه وألطافه التي تتابعنا متابعة الأم الرؤوف بولدها الصغير الشارد عن حَنْوها وعطفها وهو يتقلب فيه وبهذا لم يعد المسلمون معتادين على مناجاة صاحب الإيجاد والإمداد في خطاب العبد المتذلل بين يدي خالقه المفتقر إلى رحمته المعترف بذنبه وتقصيره.
هذا ما يسعى إليه فضيلة الدكتور القرضاوي فيما أعتقد وهو مطلب رائع لكنني أرى بباعث خبرتي في مجال خدمة ضيوف الرحمن أنه بالإمكان تحقيق هذا الهدف السامي من خلال الدعاء الجماعي في اللقاء الأول لكعبة الله المشرفة لتعريف الحجاج على موقع السكن والباب الذي عليهم أن يرتادوه والطريق الذي ينبغي من حقهم أن يسلكوه إلى كعبة الله الغالية مع تحديد بداية الطواف ونهايته وببيانٍ وافٍ على أرض
الواقع للأركان والشاذروان والحجر وحِجر إسماعيل وما شابه ذلك من مقاصد.
هذا في طواف القدوم، أما في طواف الإفاضة والوداع وطواف العمرة (1)
كذلك فإن الحاج يكون قد تدرب على مداخل ومخارج الحرم أو معظمها وزال من قلبه أسباب قطع الكلمات على لسانه ولا سيما أن طواف الإفاضة والعمرة بعد النفرة من عرفات يقع في ذروة اجتماع أعداد المسلمين في الحرم إذ تغيب في هذا الزحام كلمات الأئمة والدعاة، وتضيع معه حشرجة الحناجر خصوصاً عندما تلاحقها جمل دعاء من أفواج أخرى ربما تكون أندى صوتاً من هذا الداعي، وربما انتهت بقافية ثابتة زادت الحالة الدعائية حول البيت إرباكاً واضطراباً مما يوقع الطائفين بحالة من التشويش تصل إلى حد التداخل بين الأدعية وبين الجماعات المتلاصقة المتلاحقة كالبحر الهادر حول ينابيع الخير في أرض العطاء حينئذ نجد أكثر من مغزى لكلام فضيلة الدكتور القرضاوي والله تعالى أعلم.
* * *
(1) هذا ما أمارسه مع حجاج فوج اليمان الذي شرفت بالقيام على خدمتهم إذ أركز في طواف القدوم في الحج والسعي بعده على متابعتهم لحظة بلحظة من قاعة الإستقبال في الفندق إلى باب الحرم فالطواف فركعتيه فالسعي فالعودة إلى موقع الإقامة في النزل من جديد. أما في المراحل التالية فإنني أحثهم قائلا: ها أنت وربك ادع الله بما يتجلى به على قلبك وما يجريه على لسانك واستحضر هيبة البيت والموقف وتذكر فضله عليك بدعوته إليك في بيته وعرينه الذي لا يؤذن بالدخول فيه إلّا للموحدين، واستجمع من وراء ذلك كله سنيّ الغفلة وأنت شارد عن مولاك تعصيه ولا يستأصلك بعقاب وأنت عارف باطلاعه على ما تفعل وهو قادر على إنزال الضُرّ بك ثم يمد لك مداً ثم يدعوك إلى بيته وأنت من أنت في المعصية التي تعدّدت ألواناً واستغلظت مع الأيام زماناً: أقول هذا؛ لأنه أبعد عن الرياء، أقول هذا وأنا أدفعهم لمناجاة الله في بيته وأن يسلم كل واحد منهم نفسه إلى ربه وإلى أمواج الطائفين لا يلتفت إذا ما قذفت به ذات الشمال وذات اليمين؛ لأنه في حضور إيماني مع خالقه غارقاً في بحار العبودية مع ملاحظة أنني لا أنهى عن الدعاء الجماعي في أيِّ طواف إطلاقاً ..