الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضل شعيرتي الصفا والمروة
قال جابر: "ثم نزل إلى المروة حتى (إذا) انصبت قدماه (رمل) (1) في بطن الوادي حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة":
الصفا والمروة جبلان صغيران على مقربة من البيت العتيق تصل المسافة بينهما إلى (395 متراً)(2) إلّا أن ميدان السعي المستطيل اتصل اليوم بالمسجد الحرام بعد التوسعة السعودية الثانية الأكبر في تاريخ تجديد هذا المسجد المبارك وقد بدا بعدها أنه بجبليه دخل في حدود المسجد الحرام وليس الأمر كذلك فإنهما وما بينهما لا يأخذان حكم المسجد إلى يوم القيامة وهو ما نبه عليه أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في قوله: "لكن مكانهما وكذا المسعى الذي بينهما ليس من المسجد فلا يأخذ حكم المسجد فليعلم"(3).
(1) كلمة (رمل) الموضوعة بين قوسين أعلاه ليست في صحيح مسلم ولا بد من ذكرها لذلك قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 8 ـ ص 335 ـ هكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ قال وفيه إسقاط لفظة لا بد منها وهي حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي ولا بد منها وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم وكذا ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين وفي الموطأ حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى خرج منه وهو بمعنى رمل هذا كلام القاضي وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، كما وقع في الموطأ وغيره والله أعلم. وانظر سبل السَّلام للأمير الصنعاني ج 2 ص 730، ونيل الأوطار للإمام الشوكاني ج 5 ص 63.
(2)
أي أربعة وتسعون ونصف وثلاثمائة متر من صدر الجدار الذي في منتهى علو الصفا إلى صدر الجدار الذي في منتهى علو المروة أما عرض المسعى فهو عشرون متراً وارتفاع الدور الأرضي (11.75) متراً وارتفاع الدور الثاني (8.5) متراً. اُنظر تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً للدكتور محمد إلياس عبد الغني ص 86.
(3)
اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر ص 90. أقول: وهو ما خرجت به المجامع الفقهية المتعددة، فالمسألة قديماً وحديثاً خارج دائرة البحث فلينتبه من تنطع المتفيهقين فيها.
والصفا عند أهل اللغة جمع صفاة وهي الصخرة الملساء والجمع صفاً بالقصر (1) والصفا عند أهل مكة جبل صغير يقع طرفاً لجبل أبي قبيس.
والمروة عند أهل اللغة الصخرة البراقة التي تقدح منها النار. قال الإمام اللغوي محمد بن أبي بكر الرازي صاحب مختار الصحاح: " (المرو) حجارة بيض برّاقة تقدح منها النار. الواحدة (مَرْوة) وبها سمّيت المروة بمكة" اهـ.
فالمروة جبل صغير يقع في نهاية الطريق الممتد من جبل الصفا. وبين هذين الجبلين يقع بطن واد كانت تهرول فيه أمنا هاجر رضي الله عنها في سعيها الحثيث طلبا للماء تارة من جهة جبل الصفا وتارة من جانب جبل المروة، وقد أُمرنا بإحياء ذكراها العطرة على غرار السنة الإسلامية في إحياء ذكرى الأنبياء والصالحين (2) وهي التي هاجرت في سبيل الله وأحسنت في غربتها ووحدتها وشدة حاجتها الظن بالله حتى قالت عن الله كلمتها التي مضت مَضرباً للمثل بين الأجيال "إذن لايضيعنا"(3).
(1) وتجمع كذلك على أصفاء بالمد
(2)
بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تحدث عن سعيها بين الصفا والمروة: فذلك سعيُ الناس بينهما البخاري برقم (3364) والبيهقي (9453).
(3)
هذه العبارة وردت جواباً على استفسار في صورة متكاملة حكاها لنا البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل أقتطع لك منه النص التالي "ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دَوْحةٍ (شجرة كبيرة) فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا (ما توضع فيه الزوادة) فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفّى (ولى راجعا) إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء فقالت له ذلك مراراً وجعل لايلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال نعم قالت: إذن لايضيّعنا"؟ ! أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء برقم (3364) وانظر للتوسع في ذلك كتاب الإسلام وزيف الأقلام الجزء الأول للمؤلف.
هذا الوادي (1) الواقع في طريق الساعين بأمر الله بين الصفا والمروة يعرفه كل زائر ويعرف معه بدء السعي ومنتهاه وهيئته وهو ما يختص بأحكام في ميزان الفقه الإسلامي سآتي على ذكرها بإذنه تعالى، لكن بعد أن نعرج معاً بمزيد من التفصيل على فضل كل من الصفا والمروة من حيث ما ورد في كلٍّ من أحداث ووقائع وما جاء من آثار.
البداية بداهة من الصفا؛ لأنها مقدمة على المروة في مذهب أكثر العلماء؛ لأن ربنا جلّ وعلا بدأ بها إشعاراً بشرفها واهتماماً بها؛ ولأن الصفا أقرب إلى البيت (2)؛ ولأن السعي من الصفا أصل والمروة له تابع بحيث لو بدأ الساعي بينهما بالمروة لم يعتدّ بسعيه حتى يصل إلى الصفا وحينئذ تحسب البداية منها ويقع ما سبقها لغواً (3).
بعد هذا البيان التمهيدي إليك ما وقع تحت يدي من نصوص في الأحداث التي جرت على الصفا:
أولاً: أخرج البخاري في صحيحه (4) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} (5)[الشعراء: 214] ورَهْطَكَ
(1) أرض المسعى كانت فيها منحدرات ومتعرجات وصعود ونزول ثم تم إصلاح ذلك شيئاً فشيئاً على مرّ التاريخ إلى أن وصلت إلى صورتها النهائية حيث هي اليوم غاية في الجمال والنظافة، وحيث صارت مسقوفة ومبنية بدورين واتصلت بالمسجد ولم تعد تفصل بينهما المباني كما كانت في الماضي، كما لم يعد المسعى سوقاً تقف الحوانيت على جانبه، ولم يبقَ من معالم الماضي فيه سوى هيئة الوادي من جهة النزول والصعود إلى كل من الصفا والمروة.
(2)
جبل الصفا يقع في الجهة الجنوبية مائلاً إلى الشرق على بعد 130 متراً من الكعبة المشرفة بينما جبل المروة يقع في الجهة الشرقية الشمالية على بعد نحو 300 متراً من الركن الشامي من الكعبة المشرفة.
(3)
اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 298.
(4)
صحيح البخاري برقم (4971) في كتاب التفسير باب تفسير سورة تبت يدا أبي لهب.
(5)
أمّا ورَهْطَكَ منهم الُمخْلَصِيْنَ فهي قراءة شاذة أو كانت قراءة ثم نسخت.
منهم المُخْلَصِينْ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صَعِدَ الصفا، فهتف:"يا صباحاه"(1) فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً قال: فإني نذير لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديدٍ.
قال أبو لهب (2):
تباً لك ما جمعتنا إلّا لهذا، ثم قام، فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
(1) أي هجموا عليكم صباحاً. ويجوز (واصباحاه) وهذا من باب الندبة، ويأتي في أبحاث النداء، وهو في الندبة نداء المتفجَّعِ عليه، أو المتوجع منه، فكأن نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم يتفجّع على قومه المشركين في مكة، ويتوجّع على مستنقع العقائد الفاسدة الذي نزلوا إليه وغرقوا فيه.
(2)
أبو لهب هو خصم عنيد وألدّ أشِرُ من أبرز أعداء هذه الأمة الشرسين وواحدّ من أسوأ المعاندين المستكبرين وهو الذي وقف في وجه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منذ اللحظات الأولى للجهر بالدعوة الإسلامية وقد ظل هذا ديدنه حتى مات بعد غزوة بدر هَمّاً وغَمّاً بسبب هزيمة الشرك أمام المد الإسلامي ودعوته التوحيدية! .
أبو لهب لم يترك سبيلاً يسلكه لإيذاء المسلمين إلّا وكان له فيه نصيب حتى إنه كان الشخص الوحيد الذي لم يدخل شعب أبي طالب الذي حوصر فيه بنو هاشم مع أنه واحد منهم! بل شارك في حصار قبيلته مع سائر أبناء مكة الذين أجمعوا على منابذة محمد صلى الله عليه وسلم ومنابذة من معه من المسلمين ومن يحميه من بني هاشم وبني المطلب ولو لم يكونوا مسلمين أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يدعوا سبباً من أسباب الرزق تصل إليهم ـ مدة ثلاث سنين ـ أو يسلّموا لهم محمداً صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، لذلك لا غرو أن نجد أبا لهب الكافر الأوحد الذي أثبت اسمه في القرآن الكريم مقترناً بالهلاك والخسران وصَلْي النار التي صرحت الآيات بأنه سيدخلها وبأنه من أهلها دون أن يشفع له نسبه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو ابن أخيه عبد الله لكن نسب العقيدة أوثق من نسب الدم وهو الأصل في ميزان الأخوة الإسلامية لذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام آخى أولاً بين المهاجرين بعضهم مع بعض في مكة ثم بين المهاجرين والأنصار في المدينة وهي الأخوة التي لم تكن مجرد شعار يجري على الألسنة وإنما كانت مسؤولية حقيقية تشيع فيما بين أُخوة العقيدة والدين حتى إن القرآن الكريم جعل الميراث منوطاً بهذا التآخي دون حقوق القرابة والرحم. إنها الأخوة التي قامت بين سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وجعفر بن أبي طالب المكي ومعاذ بن جبل المدني حيث آخى بينهم سول الله صلى الله عليه وسلم وكذا بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وكذا سار الحال بين سائر الأصحاب وهو التآخي الذي أُقصى عنه أبو لهب بعد أن كفر فيه ونابذه العداء وقطع كل سبيل للحوار معه أو إطلاق الحرية له. اُنظر فقه السيرة لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (الحصار الإقتصادي) ص 130 ـ وما بعدها ثم أسس المجتمع الجديد الأساس الثاني ص 217 ـ وما بعدها.
لقد ذكرت لك ما سبق متوسعاً في شأن أبي لهب؛ لأنني وجدت جماعات متطرفة من المسلمين ترتدي مسوح الإسلام وهي تعبث بثوابته، مُتسللة من أبوابه الخلفية، مستندة إلى الشقوق المرتسمة في جدار الفهم الإسلامي المتصدع لدى تلك الشرائح حيث تظهر العبثية في استغلال الجهل، وتوظيف العاطفة الجياشة لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم =
(1)
} وقد تب هكذا قرأها الأعمش يومئذ.
فهذه الواقعة العظيمة التي تُرجمت قرآناً يتلى ودونت في صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري تعد من أبرز المشاهد التي رافقت صدر الإسلام حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا ليعلن من هناك الجهر بالدعوة الإسلامية لتبدأ سلسلة من الأحداث الجهادية أظهر فيها محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكريم من الصبر والثبات ما لا تحتمله الجبال حتى رفع الله بصدقهم ويقينهم بوعد الله الذي لا يُخْلَفُ راية هذا الدين عالية خفّاقة.
= (لا ننكرها بل ننكر توظيفها لأغراض شتى)، ولزوم تعظيمهم، حين تدّعي هذه الفئة الغلو في الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فترفع من شأن أبي لهب بزعم أنه صنو أخيه عبد الله، ثم تمهد بسذاجة وجهل للقول: إنه من آل البيت! وإنه ممّن غفر له ذنبه! هذا الهراء الفاسد لا رصيد له في البحث العلمي المجرد، وهو ينطوي على تناقض يبطل عقيدة التوحيد؛ لأن فيه تخطئة للأمة المعصومة ورمياً بالسهام المسمومة للسلف الصالح، وتكذيباً للقرآن الكريم في صريح آياته، واستخفافاً بالعقل! إذ كيف يستحيل المعاند المكذب لله ولرسوله ولكتابه إلى مؤمن لمجرد النسب وهو الذي صرحت آيات الله عز وجل بإدخاله وإدخال زوجه الحاقدة نار جهنم.
فالحذر كل الحذر مما تنفثه الدعوات المكشوفة التي تصطاد الجهلاء في طريقها. هذا الصخب الممجوج الأَوْلى في أدعياء الحب من أصحابه أن يلقوا بهذا الكلام ظِهْرِيَّاً تقرُّباً إلى ربِّ العزة الذي صرّح بهلاك هذا الخصم في سورة تحمل اسمه. ثم نقول لهم: أليس ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مَن روى لنا الحديث الآنف الذكر؟ .
إن أخشى ما أخشاه أن يعمد بعض المتعصبين الجهلة المتأثرين بتلك الضلالات، إلى دار أبي لهب التي قُبر فيها في مكة المكرمة رمياً بالحجارة من قبل أبنائه بعد أن أصيب بمرض مُعْدٍ نهشه نهشاً وصرف عنه أقرب المقربين إليه، أقول: أن يعمدوا إلى قبره المشؤوم هذا فيتخذوه مزاراً - على مرور الأيام - يأتيه أتباعهم، ليجددوا باسم الغيرة عداوته المستحكمة على حرمات هذا الدين! .
ولكي أوثق كلامي أكثر فسأسوق لك عبارة عنه بقلم إمام جليل يَعْرِفُ علمَه القاصي والداني. يقول الإمام العلامة الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في "فتح الباري" ج 8 ص 942: "وأبو لهب هو ابن عبد المطلب، اسمه عبد العزّى، وأمه خزاعية وكُني أبا لهب إما بابنه لهب، وإما بشدة حُمْرَة وَجْنَته
…
قال الواقدي: كان من أشد الناس عداوة للنبيّ صلى الله عليه وسلم " ثم قال: "وتبّ خسر. ثم قال عن امرأته بأن اسمها أرْوى ولقبها العوراء، وبأنها كانت تمشي في نميمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوقد العدواة عليه، فكنى القرآن بحملها الحطب عن ذلك".
ثانياً: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: قالت قريش
للنبيّ صلى الله عليه وسلم: اُدع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمنَ بك قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم قال: فدعا فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السَّلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال:"بل باب التوبة والرحمة"(1).
ثالثاً: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن الوفود التي وفدت على معاوية في رمضان وكان فيما بينهم أبو هريرة راوي الحديث الذي خاطب جموعهم قائلا: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار فذكر فتح مكة وما كان فيه من أحداث جليلة، ومن ذلك قول أبي هريرة: فنظر فرآني أي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو هريرة: قلت: لبيك يا رسول الله فقال: لا يأتيني إلّا أنصاري ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار أن يوافوه عند الصفا (2)، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة وصعد على الصفا ثم جاءت الأنصار فأطافوا بالصفا ثم جاء أبو سفيان إلى الصفا فقال يا رسول الله خضراء قريش لا خضراء بعد اليوم، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن"(3)
فتأثرت الأنصار من هذا الكلام فقالت: أما
(1) جاء في الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد تحت برقم (2166): إنّ هذا الحديث إسناده صحيح على شرط مسلم.
(2)
هذا الكلام قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار على أبوب مكة قبل دخولها وواعدهم أنّ اجتماعه بهم بعد الدخول على الصفا.
(3)
هذا الحديث احتج به جمهور العلماء - كما قال النووي - لقولهم: إن مكة دُخِلَتْ عنوة، وكذا احتجوا بحديث أمّ هانئ قال واحتجّ الشافعي بالأحاديث المشهورة بأنه صلى الله عليه وسلم صالحهم بمرّ الظهران قبل دخول مكة. اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 12 ـ ص 467 ـ وقال العلامة محمد بن عبد الله الزركشي: مذهبنا أن مكة فتحت صلحاً لا عنوة لكن دخلها صلى الله عليه وسلم للقتال خوفاً من غدر أهلها. اُنظر إعلام الساجد ص 181. أقول: مرّ الظهران يبعد عن مكة المكرمة خمسة وعشرين كيلو متراً تقريباً بوادي يعرف بوادي فاطمة وهي أرض زراعية خصبة تكثر فيها المياه. ويشتهر مرّ الظهران اليوم بالجموم وينتهي بالنّورية حيث يبدأ وادي سَرِف الذي مرّ ذكره ..
الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته! فلما نزل الوحي أخبر بذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار فأقرّوه بما قالوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله، وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلّا الضنَّ (1) بالله وبرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسولهَ يصدِّقَانِكُمْ ويعذِرَانِكُمْ" (2).
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم طاف بالبيت، ثم أتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس وهو آخذ بِسِيَةِ (3) القوس، فجعل يطعن الصنم في عينه ويقول:{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] فلمّا فرغ من طوافه (4) صلى الله عليه وسلم أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء الله له أن يدعو (5).
ومن تمام الرواية ما حكاه أبو هريرة عن قيام خالد بن الوليد والزبير بن العوام على مُجَنَّبَتي (6) جيش الفتح وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد ومن معه: "موعدكم الصفا".
(1) أي إلّا شحاً بك أن تفارقنا.
(2)
هذا من رفيع أخلاقه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته وصدق وفائه لمن صدق العهد والصحبة معه.
(3)
بالتخفيف هي المنعطف من طرفي القوس.
(4)
قال الإمام النووي: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم دخلها في هذا اليوم وهو يوم فتح مكة غير محرم بإجماع المسلمين، وكان على رأسه المغفر، والأحاديث متظاهرة على ذلك، والإجماع منعقد عليه ثم قال " ..... مذهب الشافعي وأصحابه وآخرين أنه يجوز دخولها حلالاً للمحارب بلا خلاف، وكذا لمن يخاف من ظالم لو ظهر للطواف وغيره. وأما من لا عذر له أصلاً فللشافعي رضي الله عنه فيه قولان مشهوران: أصحهما أنه يجوز له دخولها بغير إحرام لكن يستحب له الإحرام والثاني لا يجوز
…
". اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم ص 12 ـ ص 466.
(5)
أذكر بأنني قد أتصرف قليلاً في نص الحديث وقد أحذف منه مراعاة للتسهيل والتوضيح والاختصار.
(6)
المجنبتان الميمنة والميسرة.
فهذه أربعة مشاهد يرسم مسارها وأحداثها الخط البياني للحديث الذي رواه مسلم في صحيحه:
المشهد الأول: هتاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنصار وقد قال بيديه إحداهما على الأخرى "حتى توافوني على الصفا".
المشهد الثاني: انتقال هذا القول من دائرة التجريد إلى حيز التجسيد حيث صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، ثم وافاه الأنصار فأطافوا بالصفا، ثم كان ما كان
بينه صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار حيث انتهى إليهم صلى الله عليه وسلم بالقول: "المحيا محياكم والممات مماتكم".
وكذا ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي سفيان والذي انتهى بقوله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن
…
" في صورة تعكس أخلاق النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإسلامه في كتم الغيظ والعفو عن المعتدين ولو طردوه وحاربوه وطلبوا رأسه الشريف مراراً حياً أو ميتاً فهل عرفت البشرية فاتحاً أرحم من محمد صلى الله عليه وسلم؟ .
المشهد الثالث: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد ومن معه من الذين أخذوا بطن الوادي أسفل مكة (1): "موعدكم الصفا" في حين سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أفراد كتيبته طريقاً آخر من أعلى مكة وضرب للفريقين موعداً داخل مكة على الصفا وهي الجملة النبوية التي أطلقت على أبواب مكة قبل دخولها.
المشهد الرابع: هيئة العبودية والتواضع والدعاء بين يدي الله تعالى التي مارسها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على مرأى ومسمع من أصحابه الكرام على جبل الصفا شكراً لربه وتعليماً لأمته بدليل أنه لم يكن يؤدي سعياً لنُسك بل لم يكن يؤدي سعياً أصلاً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم
(1) أي بما يعرف اليوم بشارع خالد بن الوليد والذي ينتهي إلى باب الشبيكة ..
دخل مكة فاتحاً حلالاً ومغِفَر القتال على رأسه الشريف.
إن إنفراد رواية مسلم بمشهد واحد مما ذكرته ليكفي للدلالة على فضيلة الصفا فكيف وقد اجتمع فيها أربعة مشاهد رائعة لو تعمدنا استقصاء تفصيلاتها لتطلب منا ذلك إفرادها ببحث مستقل نفيس.
رابعاً: ماجاء في تفسير الطبري والشوكاني لقوله تعالى {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرِجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82].
فدابة الأرض واحدة من علامات القيامة الكبرى التي تخرج بين يدي الساعة.
هذا الحدث الجلل تعددت أقوال المفسرين في المكان الذي تخرج منه: فمن قائل: إنها تخرج من تهامة. ومن قائل: إنها تخرج من صخرة من شعب أجياد. ومن قائل: إنها تخرج من صدع في الكعبة (1). لكن الكثير من الأقوال تذكر أن دابة الأرض تخرج من الصفا، وفي هذا أخرج الإمام الطبري عن عطاء قال: رأيت عبد الله بن عمرو وكان منزله قريباً من الصفا رفع قدميه وهو قائم وقال: لو شئت لم أضعْها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة. وروى كذلك عن حسان بن حمصة قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لو شئت لانتعلت بنعلي هاتين فلم أمس الأرض قاعداً حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من الحاج قال: فما حججت قط إلّا خفت تخرج بعقبنا.
كما روى الإمام الطبري عن حذيفة بن اليمان قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين تخرج؟ - أي الدابة- قال: من أعظم المساجد حرمة على الله بينما عيسى يطوف بالبيت
(1) اُنظر الفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام محمد ين علي الشوكاني ج 4 ص 151.
ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرُّك القنديل، وينشق الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو رأسها ملمعة ذات وبر وريش لم يدركها طالب، ولن يفوتها هارب، تُسمِّي الناس: مؤمن وكافر، أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه: مؤمن. وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء: كافر (1). وفي رواية أُخرى له عن حذيفة بن أسيد قال: للدابة ثلاث خرجات: خرجة في بعض الوادي ثم تكمن، وخرجة في بعض القرى حين يهريق فيها الأمراء الدماء ثم تكمن، فبينا الناس عند أشرف المساجد وأعظمها وأفضلها إذْ ارتفعت بهم الأرض فانطلق الناس بهم هراباً وتبقى طائفة من المؤمنين ويقولون: إنه لا ينجينا من الله شيء فتخرج عليهم الدابة تجلو وجوههم مثل الكوكب الدري ثم تنطلق فلا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، وتأتي الرجل يصلي فتقول: والله ما كنت من أهل الصلاة فيلتفت إليها فتخطمه. وفي رواية له أن عمر قال: يبيت الناس يسيرون إلى جمع وتبيب دابة الأرض تسايرهم فيصبحون وقد خطمتهم من رأسها وذنبها فما من مؤمن إلّا مسحته ولا كافر ولا منافق إلّا تخبطه (2).
هذه الدابة (3) تخرج يوم يسخط الله على العباد ويغضب عليهم حين يعم الفساد
(1) في رواية عند الطبري: تخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم حتى إن أهل البيت ليجلسون على المائدة فيعرف المؤمن من الكافر وكذلك أهل الأسواق وهو يتبايعون.
(2)
اُنظر جامع البيان في تفسير القرآن للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ج 20 ص 10 ـ 11. أقول: والأقوال الثلاثة - إن صحت - فهي متقاربة؛ لأن الصفا هو في أصل جبل أبي قبيس وهو امتداد لأعظم المساجد حرمة وهو المسجد الحرام، ولو أنه ليس منه.
(3)
في قول هي الجاسة وفي قول رجحه القرطبي أنها فصيل ناقة صالح تخرج عند اقتراب الساعة وتكون من أشراطها. اُنظر فتح القدير للشوكاني ج 4 ص 151.
الأرض فلا يعود هناك أمر بمعروف ولا نهي عن منكر بدليل تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} [النمل: 82] بغضب الله وسخطه (1).
والخلاصة أنَّ القرآن ذكر لنا في بيانه إحدى مقدمات الساعة وعلامة فارقة من أشراطها وهي دابة الأرض التي تخرج للبشر تكلمهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يؤمنون دون أن تعرج الآية على صفة تلك الدابة من طول أو ارتفاع أوشَبَهٍ، كما لم تأتِ الآية على المكان الذي تخرج منه الدابة فاليقين الذي يجب أن يعتقده كل مسلم هو أن دابة تتكلم تخرج بين يدي الساعة علامة كبرى من أشراطها لذلك فإن تعرضي لهذا الموضوع في الكتاب هو على سبيل الاستئناس في أمر ذي صلة بالبحث وإلّا فما سبق بيانه يفي بالغرض.
خامساً: الصفا شهد كذلك جموع المبايعين لمحمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام.
وعلى جبل الصفا قامت المناظرة الشهيرة بين هند ـ امرأة أبي سفيان ـ مع نسوة من قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا وعمر يعلّمهن أمر الإسلام فلما أخذ عليهن العهد أن لا يشركن بالله شيئاً ولايسرقْنَ قالت هند: وهل تسرق الحرة؟ فلما قال: ولا يزنين قالت: وهل تزني الحرة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما قال: ولا يعصينك في معروف قالت: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وما أحسن ما دعوت إليه (2).
سادساً: عند الصفا قام أبو جهل بضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر شج به رأسه ونزف بسببه الدم فوصل الخبر إلى حمزة بن عبد المطلب قبل إسلامه وهو في نادي قريش عند
(1) نفس المرجع والجزء والصفحة.
(2)
نقلاً عن تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً للدكتور محمد إلياس عبد الغني ص 82.
الكعبة فانتهره بقوله: تشتم ابن أخي وأنا على دينه ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة (1).
سابعاً: عنون الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري في صحيحه المعروف بصحيح ابن خزيمة في الباب (210) بالعنوان التالي: "باب الدعاء على أهل الملل والأوثان على الصفا والمروة بأن يهزموا ويزلزلوا" ثم ساق السند والحديث التالي حين قال:
حدثنا يحيى بن حكيم حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - حدثنا إسماعيل بن أبي خالد حدثنا عبد الله بن أبي أوْفى قال:
اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت، ثم خرج يطوف بين الصفا والمروة، فجعلنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد منه أو يصيبه بشيء، فسمعته يدعو على الأحزاب يقول: اللهمّ مُنْزِلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزلزلهم (2).
الجزء الثاني: المروة:
إن أول ما يرد في فضل المروة قيام هاجر على الجبل تنظر هل ترى من أحد تكرر ذلك مراراً، وهو ما رويناه عن البخاري في صحيحه.
أما ثاني ما يرد في فضل المروة فهو النحر عندها.
روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي عن ابن عباس عن معاوية بن أبي سفيان قال: قصّرْنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته على المروة بمشقص (3) " (4).
(1) السيرة لابن هشام ج 1 ـ ص 291 ..
(2)
صحيح ابن خزيمة (2775).
(3)
المشقص نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض فإذا كان عريضا فهو المعبلة.
(4)
السنن الكبرى للبيهقي برقم (9477).
وروى عن عبد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنه كان ينحر بمكة عند المروة وينحر بمنى عند المنحر (1).
فالمروة هي الغاية التي ينتهي إليها الحجاج والعمار في سعيهم في نهاية كل شوط وفي نهاية السعي كله، لذلك فضّلها بعضهم على الصفا؛ لأن الساعين يمرون عليها أربعاً من أصل سبع مرات (2).
كما أن اختصاصها باستحباب النحر عندها دون الصفا استدلال آخر لتفضيلها عند هؤلاء.
لكن نحر الهدي وذبح الذبائح ليس مختصاً بالمروة بدليل ما أورده الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري بإسناد صحيح من طريق أسامة أن عطاء بن أبي رباح حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"وكل فجاج مكة طريق ومنحر"(3) لذلك قال الإمام ابن حجر الهيتمي في مناقشة مَن فَضّل المروة لاختصاص المنحر بها: "ويجاب عنه بأن اختصاصها بذلك لا يدل على أفضليتها؛ لأنه ليس لذاتها بل؛ لأنها محل للتحلل لا مطلقاً بل بالنسبة للعمرة ومن ثم شاركتها منى في ذلك في الحج لكونها محل تحلله فالاختصاص للأمر العارض عندها لا
(1) نفس المرجع برقم (9478).
(2)
قال الإمام ابن حجر الهيتمي في شرح حاشيته على شرح الإيضاح ص 297: "فائدة" قال ابن عبد السَّلام: المروة أفضل من الصفا؛ لأنها مرور الساعي في سعيه أربع مرات، والصفا مروره فيه ثلاث، فإنه أول ما يبدأ باستقبال المروة ثم يختم به، وما أمر الله بمباشرته في القربة أكثر فهو أفضل، وبداءته بالصفا وسيلة إلى استقبال المروة وأقروه. وقد ينظر فيه بأن الصفا قدمت في القرآن، والأصل فيما قدم فيه أنه للاهتمام
…
" إلى آخر ما ساقه الإمام ابن حجر حيث فَصَّل في مناقشة هذا القول بما ذكرته لك من تفضيل الصفا، فعد إليه إن شئت؛ لأن في كلامه مزيد فائدة.
(3)
اُنظر صحيح اين خزيمة برقم (2787).
لأفضليتها" (1).
الجزء الثالث: المسعى:
روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي الطفيل من حديث طويل لابن عباس جاء في القطعة الثالثة منه:
"قلت: ويزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة وأن ذلك سنة؟ قال: صدقوا. إن إبراهيم لمّا أُمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات
…
" (2).
بعد هذا البيان عود على بدء:
من أحكام السعي المشي والهرولة كل في موضعه:
فالمستحب المشي للساعي وهو يهبط إلى الوادي في نزوله من الصفا وسعيه نحو المروة حتى إذا ما بقي بينه وبين الميل الأخضر الأول قدر ستة أذرع (3) سعى سعياً شديداً فوق الرمل (4) إلى أن يصل إلى الميل الثاني عن يمين المسعى عند باب العباس المتصل بدار
(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج ص 298.
(2)
قال الإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 259) رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات وجاء في الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد برقم (2707): "رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي فقد روى له أبو داود".
(3)
قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 288 ـ "إنما كان إبتداء شدة السعي قبل بلوغه الميل بستة أذرع لقول جماعة إنه كان مبنياً على متن الطريق مسامتاً لابتداء السعي الشديد وكان السيل يهدمه ويزيله عن محله فرفعوه إلى أعلى ركن بالمسجد ولذلك سمي معلقاً فوقع متأخراً عن مبدأ السعي بستة أذرع؛ لأنه لم يكن موضعاً أليق منه".
(4)
"فوق الرمل" هو ما صرح به الإمام النووي في المجموع - وإن لم يصرح به مسلم-؛ لأن ما مر من الرواية التي ذكرها الشافعي في الأم وأبو نعيم في الحلية وأحمد في المسند وقد قلنا في تخريجه إنه حسن بطرقه وشاهده بدليل ما جاء فيه من أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى وإن مئزره يدور في وسطه من شدة سعيه حتى إني لأرى ركبتيه. قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح ص 295 ـ عن الحديث: "وهو حجة فيما قاله المصنف وغيره وإن كان ضعيفاً بل قال الحافظ ابن حجر: له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة إذا انضمت إلى الأولى قويت
…
".
العباس رضي الله عنه (1) ومن هناك يعاود المشي حتى يدرك جبل المروة صعوداً إليه من الوادي الذي نزل إليه من الصفا.
فالسنة السعي الشديد فيما بين الميلين الأخضرين وفق ما ذكرنا وهو دون الجري ويعرف بالعدو أو الإسراع والسنة المشي فيما عدا ذلك اقتداء منّا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي راعى هيئة أمه هاجر رضي الله عنها في مشيها وعَدْوِها فنعم المقتدي والمقتدى.
قال الإمام النووي: "وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة. هذا مذهب الشافعي وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذكر والثانية تجب إعادته"(2).
كل هذا فهمه العلماء من صحيح مسلم وسائر الروايات السابحة في بحر هذه المسألة ومنها قول جابر: "ثم نزل إلى المروة"، والنزول يكون بالمشي فالكلمة تفيده؛ ولأن النازل يخشى الوقوع فلا يعمد إلى الإسراع بدليل الرواية الأخرى في الموطأ وغيره: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه".
هذا السعي بهيئتيه: المشي والعَدْوِ يسن فيه تحرّي زمن الخلوة وهي المسألة التي يشترك فيها الطواف مع السعي تجنّباً من إيذاء الناس؛ لأن ترك السنة وهي هنا هيئة في
(1) نفس المرجع ص 288.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ـ ص 335.
الفعل أولى من تعريض حرمة المسلمين للأذى أو تعريض المسلم نفسه للأذى، لذلك لا ضير في وقت الازدحام الذي يمنع من أداء سنة السعي الشديد بين الميلين أن يتشبه الساعي في حركته بمن يهرول فيظهر وكأنه يؤدي ذلك، تماماً كما يفعل الطائف عند عجزه عن الرمل (1).
ثم إن الذي يسعى مهرولاً بينهما هو الذَكر وحده دون الأنثى -ومثلها الخنثى - رحمة بها فتمشي في جميعه. هذه هي فتوى الفقهاء لكنني وجدت لأستاذنا الدكتور مصطفى البغا حفظه الله استثناء بشرطه وهو فيما لو خشيت المرأة على نفسها من الضياع إن فارقت محرمها بسبب تخلفها عن العَدْوِ معه فلها حينئذ أن تقوم بالسعي الشديد معه (2).
والسعي ماشياً لا راكباً هو الأفضل عند علماء الشافعية ما لم يكن معذوراً فإن ترك المشي ولو لغير عذر فسعيه صحيح ولا شيء عليه؛ لأنّ القول بجواز الركوب هو قول الجمهور خلافاً لمذهب الحنفية الذين ذهبوا إلى أن من ركب في السعي بلا عذر فعليه شاة وحجه تام (3) وذلك عليه حرام إلّا إن عجز عن المشي ولو مع الاستراحات.
ومن السنة الموالاة بين أشواط السعي السبعة والموالاة كذلك بين الطواف
(1) حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي في شرح الإيضاح على مناسك الحج ص 296.
(2)
اُنظر الهدية المرضية بشرح وأدلة المقدمة الحضرمية د. البغا ص 602. أقول: وربما يؤيد هذا قول عند الشافعية غيرمعتمد وهو أن السعي إن كان بالليل في حال خلو المسعى فالمرأة كالرجل حينئذ فتسعى كما يسعى في موضع السعي.
(3)
تمام العبارة في كتاب اللباب في شرح الكتاب للعلامة الحنفي الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني: "ومن ترك السعي بين الصفا والمروة أو أكثر أو ركب فيه بلا عذر أو ابتدأه من المروة فعليه شاة وحجّة تام؛ لأنها واجبات فيلزم بتركها الدم دون الفساد ج 1 ص 209. أقول: فالحنفية والمالكية قالوا بوجوب المشي على القادر عليه أما الحنبلية كالشافعية فقالوا: المشي سنة القادر".
والسعي، فإن طاف في يوم وسعى في آخر جاز ذلك مع الكراهة حتى لو توقف أثناء السعي لحديث أو غيره جاز لكن كره له ذلك أيضا (1). قال الإمام النووي:
"ويستحب الموالاة (2) بين مرات السعي، وبين الطواف والسعي، فلو تخلل بينهما فصل لم يضر بشرط أن لا يتخلل بينهما ركن فلو طاف للقدوم ثم وقف بعرفة لم يصح سعيه بعد الوقوف مضافاً إلى طواف القدوم، بل عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة (3). وإذا لم يتخلل ركن فلا فرق بين تأخير السعي عن الطواف، وتأخير بعض مرات السعي عن بعض، وكذا بعض مرات الطواف عن بعض حتى لو رجع إلى وطنه ومضى عليه سنون كثيرة جاز أن يبني على ما مضى من سعيه وطوافه لكن الأفضل الاستئناف"(4).
وقال الإمام النووي أيضا: "والموالاة بين مرات السعي مستحبة فلو فرق بلا عذر تفريقاً كثيراً لم يضر على الصحيح كما سبق لكن فاتته الفضيلة. ولو أقيمت الجماعة وهو يسعى أو عرض له مانع قطع السعي فإذا فرغ بنى على ما مضى"(5).
وافترق السعي عن الطواف فلا يسن عقبه صلاة؛ لأنه لم يثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك لا غرو أن نجد الإمام عمرو بن الصلاح رحمه الله يقول: ينبغي أن يكره ذلك؛ لأنه ابتداع شعار" (6).
(1) المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 425، والفقه الإسلامي وأدلته. د. وهبة الزحيلي ص 2230.
(2)
الموالاة بين الأشواط شرط عند المالكية والحنبلية وسنة عند غيرهم كالطواف.
(3)
قال أستاذنا الدكتور مصطفى البغا في الهدية المرضية ص 602 "لأنه دخل وقت طواف الفرض فلا يقدم عليه السعي".
(4)
اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 294.
(5)
نفس المرجع ص 297.
(6)
اُنظر نفس المرجع ص 297 ـ وقد قال الإمام ابن حجر الهيتمي في تعقيبه على كلام ابن الصلاح. "ما ذكره ابن الصلاح رجحه في المجموع، وقال الأذرعي: إنه الوجه، ونقله ابن خليل عن الأصحاب وقول بعض الحنفية إنهما سنه لما رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من سعيه جاء حتى إذا حاذى الركن فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطائفين أحد" مردود منشؤه أنه تصحف عليه سبعه بسعيه؛ لأن المحب الطبري رواه عمن ذكر من ابن حبان وغيره بلفظ: حين فرغ من سبعه بالموحدة أي طوافه. وعلى تسليمه فلا دليل على أن الركعتين من سنن السعي لجواز كونها راتبة أو تحية للمسجد فهي واقعة عين احتملت فلا دليل عليها".
أقول وقد عدت إلى مسند الإمام أحمد فوجدت الحديث كما قال ابن حجر عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطواف أحد" برقم الحديث: (27244). كما وجدته عند ابن ماجة بلفظ: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يؤيد كلام العلامة ابن حجر سياق الحديث وعنوان ابن ماجة حيث قال: باب الركعتين بعد الطواف كما وجدته في سنن أبي دواد برقم (2016). ومما ينفي الاستشهاد بالحديث وفق ما قاله بعض الحنفية هو ضعف الحديث فقد جاء في الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد: إسناده ضعيف لإبهام الواسطة بين كثير بن كثير (أحد رواة سند الحديث) وجده وبقية رجاله رجال الصحيح. اُنظر ج 45 ص 215.
السعي بين الصفا والمروة الذي هو أفضل من الوقوف بعرفة عند بعض الفقهاء له واجبات وآداب تتكامل صورته بها أوجزها لك بما يلي:
الواجب الأول: يتمثل في البداية من الصفا انسجاماً مع النظم القرآني واقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: "أبدأ بما بدأ الله به"، وفي رواية للنسائي بإسناد صحيح "ابدؤوا بما بدأ الله به"(1) أي بصيغة الجمع والأمر.
الواجب الثاني: ختم الأشواط المفردة ومنها الأول وكذا أشواط السعي السبعة بالمروة، تماشياً مع الآية الكريمة واتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه جماهير العلماء في شتى مذاهب الإسلام وهو ما عليه عمل الناس في الأزمنة المتقدمة والمتأخرة كما نص على ذلك إمامنا النووي الذي ساق قولاً فاسداً رده بعد أن
(1) هذه الرواية تجدها في سنن النسائي ج 5 ص 236. وقد قال فيها الإمام محمد بن علي الشوكاني في نيل الأوطار ج 5 ص 62 قوله: "فابدءوا بما بدأ الله به بصيغة الأمر في رواية النسائي وصححه ابن حزم والنووي في شرح مسلم وله طرق عند الدارقطني ا. هـ " أقول: اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 334.
مهد له بما قلت آنفاً وفيه نقرأ:
"وذهب جماعة من أصحابنا إلى أنه يحسب الذهاب والعود مرة واحدة قاله من أصحابنا أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكر الصيرفي، وهذا قول فاسد لا اعتداد به ولا ينظر إليه وإنما ذكرته للتنبيه على ضعفه لئلا يغتر به من وقف عليه والله تعالى أعلم"(1).
الواجب الثالث: الترتيب بين أشواط السعي بحيث يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة ثم تتوالى الأشواط.
الواجب الرابع: إتمام سبعة الأشواط يقيناً، فلو شك بالعدد أخذ بالأقل معتمداً على اليقين كما في الصلاة والوضوء. هذا إن شك في أثناء السعي أما بعد الفراغ من ذلك فلا يؤثر الشك عليه كالصلاة تماماً وهو نظير ما لو شك وهو يقرأ الفاتحة هل قرأ آية كذا منها أو لا فإنه يستأنف القراءة، أما لو شك بذلك بعد إنجاز قراءتها فلا يضر، حتى ولو وقع الشك قبل الركوع (2).
هذا بالنسبة إلى شك نفسه أما بالنسبة لمن يشك ويرى أنه أتمّ سبعة أشواط لكن أخبره ثقة ببقاء شوط أو أكثر عليه فهل يأخذ بقوله؟
(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 290 ـ 291.
(2)
قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته ص 291. "وكذا الشك في شرط من شروطهما فإن كان في أثنائهما ضر أو بعد فراغهما لم يضر وإن لم يتحلل فيما يظهر خلافاً لما رجحه الأذرعي من أن الشك إن طرأ بعد التحلل لم يضر وإلّا ضر. ويشهد لما قلته قولهم: لو شك في بعض الفاتحة قبل فراغها وجب عليه استئنافها أو بعده ولو قبل الركوع لم يجب بخلاف الشك في أصل الإتيان بها فإنه يضر مطلقاً ما لم يسلم وكلامهم مصرح بنظرهم إلى الفراغ من الركن المشكوك فيه لا إلى فراغ جميع العبادة".
المعتمد عند الشافعية أنه لا يجب عليه ذلك لكن يستحب فقط العمل بخبر الثقة (1).
الواجب الخامس: استيعاب جميع المسافة ما بين الصفا والمروة في سعيه اقتداء بفعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه (2).
وليتذكر أحدنا أن نهاية الحاجز الذي تمر بين جانبيه عربات العجزة ليس نهاية المسعى لا في الذهاب ولا في الإياب ولا بد من صعوده قليلاً.
الواجب السادس: اشترط الشافعية أن يؤدى السعيُ بعد طواف ركن أو قدوم ولا يصح بعد طواف نفل أو وداع (3).
وبناء على شرط الشافعية فقد قالوا: من سعى بعد طواف القدوم لم يسن له إعادة
(1) قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته ص 291 ـ 292. "ولو أُخبر أنه طاف ستة، وعنده أنه فرغ سُنّ العمل بالخبر وإنما حرم في الصلاة لئلا يقع في الزيادة بالنسبة إلى ظنه وهي مبطلة لها بخلاف الطواف والسعي" أقول: معناه أن الذي يرى أنه أتم صلاته ويرى غيره أنه أنقص منها فلو أخذ بخبر غيره لزاد في صلاته بعد أن اعتقد أنه أتمها والزيادة على ركعات الصلاة مبطلة ومفسدة لها بخلاف الزيادة على أشواط الطواف أو السعي فلا تضر. لذلك قال ابن حجر: "وفي عكس ذلك يحرم العمل بالخبر هنا أيضا وإن كثر المخبرون ما لم يبلغوا عدد التواتر فيما يظهر".
(2)
قال الإمام النووي: "فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه حتى لو كان راكباً اشترط أن يسير دابته حتى تضع حافرها على الجبل أو إليه حتى لا يبقى من المسافة شيء"، ثم قال عن الماشي:"فليلصق بالابتداء بالصفا عَقِبَه وبالمروة أصابع رجليه وإذا عاد عكس ذلك، هذا إذا لم يصعد فإن صعد فهو الأكمل وقد زاد خيراً وليس الصعود شرطاً بل هو سنة مؤكدة". اُنظر نفس المرجع ص 289.
(3)
هذا خلاف مذهب الجمهور ومنهم الحنفية ووافقهم الأذرعي من الشافعية الذين أجازوا السعي بعد الطواف مطلقاً ولو كان مسنوناً، والخلاصة أن أئمة المذاهب الأربعة قالوا لا يصح السعي إلّا بعد النسك لكن الشافعية قصروا النسك على طواف القدوم أو الإفاضة؛ لأنهما من أعمال الحج، وتوسع الجمهور فجعلوا النسك شاملاً لكل طواف، ولو كان نفلا مطلقاً. هذا ينقلنا إلى مسألة أخرى وهي أن النسك عند الشافعية لا بد أن ينطوي تحت إحرام الحج في الحج وإحرام العمرة في العمرة وهذا يعني أن السعي عند الشافعية لا بد أن يسبقه إحرام وطواف هو طواف العمرة في العمرة أو طواف قدوم أو إفاضة في الحج. هذا ما فهمه الشافعية من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح:"أيها الناس خذوا عني مناسككم" فقالوا بتبعيّة السعي للطواف في كل من النسكين.
السعي بعد طواف الإفاضة، بل تكره إعادته؛ لأنه ليس من العبادات المستقلة التي يشرع تكرارها والإكثار منها كما مر، أما إن أخر السعي إلى ما بعد طواف الوداع فتجب عليه إعادة طواف الوداع لا غير؛ لأن وداع البيت بالطواف يأتي بعد الفراغ من سائر أعمال الحج (1). أما لو أحرم من بمكة بحج منها ثم تنفّل بطواف وأراد السعي بعده فلا يصح، ولو فعله فتجب عليه إعادته بعد طواف الإفاضة (2).
وإذا تأخر السعي عن وقته الأصلي - وهي أيام النحر والتشريق - بعد طواف الإفاضة ولم يكن قد رجع إلى أهله فلا يضره أن يسعى بعدها؛ لأنه أتى بما وجب عليه؛ ولأنه أدى السعي في زمانه الممتد لكنه بذلك يخالف السنة في تركه السعي أيام النحر والتشريق (3). أما إذا كان قد رجع إلى أهله فعند الشافعية والجمهور يلزمه أن يعود أدراجه إلى مكة ويسعى؛ لأنه لا يتحلل التحلل التام إلّا به، ولا بدمنه ولو رمى جمرة العقبة وطاف للإفاضة. هذا ويمكن في هذه الواقعة لمن لا يتمكن من العودة من وطنه إلى مكة بعد مغادرة أرض الحرمين إلَّا بعد زمن طويل سيبقى فيه محرماً وفق مذهب الشافعية أن يقلد مذهب السادة الحنفية القائلين بأن لا ركنية للسعي مكتفين بأنه
(1) نفس المرجع ص 292 والمنهاج القويم لابن حجر الهيتمي ص 424 ـ وتهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفشني الركن الرابع ص 204.
(2)
اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 292 ومناسك الحج والعمرة للدكتور محمد توفيق رمضان البوطي ص 91. أقول: لهذا لا يتصور السعي من المقيم بمكة ولا من المتمتع قبل طواف الركن في مذهب السَّادة الشَّافعية.
(3)
عند الشافعية لا نهاية لوقت طواف الإفاضة غير أنه يكره تأخيره إلى أيام التشريق، ثم تأخيره إلى ما بعد أيام التشريق دون عذر أشد كراهة. ولما كان السعي تابعاً للطواف كان يوم النحر وقته الأصلي لمن لم يسع بعد طواف القدوم وبذلك صار امتداد وقت الإفاضة إلى أيام التشريق وما بعدها امتداداً لوقت السعي. أما عند الحنفية فكذلك ممتد لكنه إن أخر الطواف إلى ما بعد أيام التشريق وجب الدم عليه.
واجب يلزم في حق تاركه دم؛ لأنه تركه بغير عذر (1).
ولا يشترط بالسعي عند الشافعية طهارة (2) أو ستر للعورة ولا يجب عليه ذلك فهو أشبه بالوقوف بعرفة لذا جاز أن يسعى الجنب والحائض والنفساء بعد أن أدوا الطواف حول البيت على طهارة كاملة فيه تماماً كما جاز لهم أن يقفوا في صعيد عرفات بعد أداء الطواف حال تمام الطهارة فيه؛ لأن كلَّاً من السعي والوقوف لا يتعلق بالمسجد الحرام بل يتم خارجه فالسعي خارج المسجد الحرام ولو اتصلت توسعته بفنائه - والموقف كذلك - هو خارج حدود المسجد الحرام بل والحرم جميعاً فلم تشترط في كلٍّ الطهارة.
وقد استدل الشافعية على هذا وذاك بحديث عائشة رضي الله عنها وقد أدركتها الحيضة في سَرِف - مكان قريب من مكة - فقال لها نبيُّنا وزوجها محمد عليه الصلاة والسلام: "فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي"(3).
(1) لكن قال الحنفية: إن أراد أن يعود إلى مكة فعليه أن يعود بإحرام جديد؛ لأن إحرامه الأول قد ارتفع بطواف الزيارة بوقوع التحلل به فاحتاج معه إلى تجديد الإحرام. كما قالوا: لو عاد إلى مكة وسعى محرماً سقط عنه الدم لتداركه بالترك. اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي 3/ 2232.
(2)
يستحب أن يسعى على طهارة من الحدثين ومن النجس عند جمهور العلماء فلو ترك ذلك صح سعيه عند الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم. اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص 94.
(3)
حديث عائشة سبق تخريجه في الطواف عن البخاري في صحيحه، كما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (9438)، كما ذكر الإمام أبو بكر البيهقي في حديثه التالي عن أهل المدينة برقم (9439) نصاً يؤيد ما قاله العلماء، حيث نقل عن أهل المدينة أنهم كانوا يقولون:"أيمّا امرأة طافت بالبيت، ثم وجّهت لتطوف بالصفا والمروة فحاضت فلتطفْ بالصفا والمروة وهي حائض، وكذلك الذي يُحدث بعد أن يطوف وقبل أن يسعى" كما يؤيده ما عنون به الإمام البيهقي في السنن الكبرى من قوله: باب جواز السعي بين الصفا والمروة على غير طهارة، وإن كان الأفضل أن يكون على طهارة ج 7 ص 208. ولمزيد من الفائدة فإنّ سَرِف يقع بعد وادي الجموم (مرّ الظهران) وبالتحديد بعد نقطة النّورية للتفتيش قبل مدخل مكة المكرمة وهي معروفة لكل داخل وعندها بيدأ وادي سَرِف، حيث يصادفك على اليمين بناء قديم جداً هو البيت الذي بنى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم المؤمنين ميمونة بنت حارث الهلالي في عمرة القضاء.
لذلك قال الإمام النووي: "يستحب أن يسعى على طهارة ساتراً عورته فلو سعى مكشوف العورة أو محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو عليه نجاسة صح سعيه"(1).
أخيراً فإنني أشير هنا إلى سنة تفرد بها الشافعية في السعي سبق وأن أشرت إليها في أبحاث الطواف وهي الاضطباع في السعي ولنستذكر معاً أن الاضطباع في الصلاة مكروه؛ لأنه لم يثبت، ولنستحضر أن إمامنا النووي عندما تحدّث عن ذلك نص أنه لا يضطبع عند ركعتي الطواف وأنه يعود للاضطباع في السعي (2).
ما يفعل على المروة
قال جابر: "ففعل على المروة كما فعل على الصفا":
قال الإمام النووي: "فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل ما يسن على الصفا وهذا متفق عليه"(3).
* * *
(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 295.
(2)
سنة الاضطباع أوردها الإمام الترمذي في سننه برقم (859) بلفظ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم "طاف بالبيت مضطبعاً، وعليه بُرْدٌ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد رواه الإمام أبو داود في سننه برقم (1883)، والإمام أبو بكر البيهقي في السنن الكبرى برقم (9334)، كلاهما بلفظ "
…
بُرْد أخضر" كما روى أبو داود برقم (1884) والبيهقي برقم (9337) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، فجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى.
أقول: عواتقهم اليسرى أي مناكبهم اليسرى، والمناكب هي ما يعرف عند الناس بالأكتاف.
(3)
اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 355.