المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الطواف: أنواعه شروطه آدابه - الركن الخامس

[محمد محيي الدين حمادة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌الطواف: أنواعه شروطه آدابه

‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

قال جابر: "استلم الركن فَرَمَلَ ثلاثاً، ومشى أربعاً":

مضمون هذه العبارة امتداد لسابقتها، فالمحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفة سنّ له طواف القدوم، ثم أوّل شيء يؤديه في طوافه هو أن يستلم ركن الحجر الأسود بيده البمنى (1)؛ لأنه شعار الطواف (2)، ثم يقبله بلا صوت (3)، ثم يسجد عليه بجبهته (4)، وذلك لما ورد عن ابن عمر أنه قال: رأيت عمر بن الخطاب قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم عاد فقبّله وسجد عليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم " (5).

وبالسجود على الحجر الأسود، وتكرار السجود عليه ثلاث مرات بعد تقبيله قال جمهور العلماء، وانفرد مالك فقال: هو بدعة! (6) وكره السجود وتمريغ الوجه على

(1) أي يمسه بيديه.

(2)

عن مجاهد قال: "كل شيء له شعار، وشعار الطواف استلام الحجر". اُنظر فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقلم سائد بكداش ص 61.

(3)

قال سعيد بن جبير: "إذا قبَّلْتَ الركن فلا ترفع بها صوتك تشبهها بقبلة النساء .. " وقال عطاء: "إذا استلمت الحجر ثم قبَّلْتَ فلا تصوِّت". اُنظر تاريخ مكة المكرمة د. محمد إلياس عبد الغني ص 45، وفتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني 3/ 600، كما قال الإمام النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج:"فيستلمه ثم يقبله من غير صوت". اُنظر الحاشية على شرح الإيضاح ص 230.

(4)

أي: يضع جبهته عليه.

(5)

قال الإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه أبو يعلى بإسنادين، وفي أحدهما جعفر بن محمد المخزومي وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار من الطريق الجيد" 3/ 241.

(6)

اُنظر "فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام" لسائد بكداش ص 63، وكلام النووي في شرح الإيضاح، وحاشية الإمام ابن حجر الهيثمي عليه الذي قال:"صح أنه صلى الله عليه وسلم قبّل ثم سجد، وحينئذ فالأكمل له أخذاً من تقديمهم في العبارة أن يبدأ بالاستلام ثلاثاً، ثم التقبيل كذلك ثم السجود كذلك" ص 230 في المتن وص 231 في الحاشية وانظر الفقه الإسلامي د. وهبة الزحيلي 3/ 2223.

ص: 152

الحجر. قال الإمام النووي: "واعترف القاضي عياض بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء"(1).

كما يسن استلامه قبل البدء بالسعي لما سيأتي.

كما يستحب استلام الحجر الأسود عند الخروج من البيت سواء كان عقب الطواف أو لا، وذلك عند جماعة من السلف الصالح لهذه الأمة وهو ما نقله الإمام الزركشي عن ابن عمر وسعيد بن جبير وطاووس وإبراهيم النَّخَعي وغيرهم، ثم قال:"وحكى ابن أبي زيد في النوادر عن مالك في الموّازية: أنه لا بأس به"(2).

ويبدو أن هؤلاء الفقهاء الكرام نظروا إلى عموم الأحاديث الواردة في فضل الاستلام من غير تخصيص مثل ما ذكره صاحب مجمع الزوائد عن عبد الله بن عمير أنه سمع أباه يقول لابن عمر: مالي أراك تستلم إلّا هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليماني فقال ابن عمر: "إنْ أفعل فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ استلامهما يحط الخطايا"(3)، فكأنهم نظروا إلى الاستلام على أنه قربة مستقلة لا يرتبط بها طواف ولا ركوع، وإنما تتعلق بالبيت العتيق، كالدعاء هناك، وكالدعاء في جملة العبادات، فكما يجوز إفراد الدعاء لله، يجوز إفراد مسح الحجر الأسود لله، والله أعلم (4).

(1) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 396 وفضل الحجر الأسود بقلم سائد بكداش ص 63.

(2)

اُنظر إعلام الساجد بأحكام المساجد للإمام محمد بن عبد الله الزركشي ص 183.

(3)

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للإمام الهيثمي 3/ 240 ـ 241، وسيرد تخريجه بتوسع في فضل سنن الطواف: استلام الركن اليماني.

(4)

اُنظر فضل الحجر الأسود بقلم سائد بكداش ص 65.

ص: 153

وليس من السنة المزاحمة على الركن الأسود (1)، بقصد استلام الحجر لما رواه البيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ياعمر، إنك رجلٌ قوي، لا تؤذ الضعيف، إذا أردت استلام الحجر فإنْ خلا لك فاستلمه (2)، وإلا فاستقبله وكبر"(3).

وعن عطاء عن ابن عباس قال: "إذا وجدت على الركن زحاماً فانصرف ولا تقفْ"(4).

ويستحب في الطوفة الأولى أن يمُرَّ على الحجر الأسود مستقبلاً له ببدنه، حتى يقف قبالته لا غير، وهو ما نص عليه الإمام النووي في صريح عبارته حين قال: "وليس شيءٌ من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلّا ما ذكرناه أولاً من أنه يمر في

(1) لا وجه للاعتراض على هذه التسمية؛ لأن الإمام النووي قال: "ويسمى الركن الأسود". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 230، كما أنّ التسمية وردت في نص صحيح مسلم برقم (1267/ 243).

(2)

الاستلام على وزن افتعال من السَّلام، وهو التحية، كما قال الأزهري، لذلك يُسمِّي أهل اليمن الركن الأسود المُحيَّا؛ لأن الناس يحيّونه، وقال ابن قتيبة: هو من السِّلَام بكسر السين، وهي الحجارة، يقال: استلمت الحجر أي: لمسته. وقال الجوهري في الصحاح: "استلم الحجر لمسه إما بالقبلة أو باليد" اُنظر مختار الصحاح باب (س ل م) وانظر فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم" للباحث سائد بكداش ص 60، وقال النووي: "استلم الركن فمعناه مسحه بيده" شرحه على صحيح مسلم 8/ 333.

(3)

اُنظر مجمع الزوائد حيث جاء فيه: "رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسمّ" ج 3/ 241، لكن الإمام الحافظ أبا بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي رواه في سننه الكبرى برقم (9342) عن سعيد بن المسيب وذكر بأن الشافعي روى الأولى عن ابن عيينة عن أبي يعفور، وأن حديثه شاهدٌ لرواية ابن المسيب، فالإمام البيهقي قوى الرواية والله تعالى أعلم. اُنظر 7/ 176 من السنن الكبرى للبيهقي. ومما يؤيد تقوية الحديث ما قاله محققوا الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد ج 1 ص 321 "حديث حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير الشيخ بمكة

" أقول: أخرجه أحمد برقم (190) بلفظ: "يا عمر

" إن وجدتَ خلوة فاستلمه، وإلَّا فاستقبلْهُ فهلّلْ وكبِّرْ.

(4)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9345).

ص: 154

ابتداء الطواف على الحجر الأسود مستقبلاً له، فيقع الاستقبال قبالة الحجر الأسود لا غير، وذلك مستحبٌّ في الطوفة الأولى خاصة دون ما بعدها (1)، ولو تركه في الأولى فمرّ بالحجر وهو على يساره، وسوى بين الأولى وما بعدها جاز، ولكنْ فوَّتَ هذا الاستقبال المستحبّ" (2).

والسنة أن يستلمه بعد أن يستقبله، وقبل أن يُقبّله فإن أدرك استلامه بيده، وعجز عن تقبيله بفمه، قبَّل يده التي استلم الحجر الأسود بها لما جاء عن نافع قال:"رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبّل يده، وقال: ماتركته منذ رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله"(3).

وإن عجز الطائف حول البيت عن استلام الحجر بيده، وتقبيله بفمه، استلمه بنحو عصا أو عود ثم قبَّل ما استلمه به، وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي الطُّفَيْل قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه (4)، ويُقبّل المحجن"(5).

(1) هذا لا يعني أن الاستلام والتقبيل خاص بالطوفة الأولى، وكلام الإمام النووي لا يفيد أكثر من تأكيد استحبابه في هذه الطوفة خاصة بدليل ما قاله الإمام النووي بعد ذلك:"ويستحب استلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام اليماني وتقبيل اليد بعده عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد لأنهما أفضل". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 264 ـ 265، وقال الدكتور وهبة الزحيلي في سنن الطواف:"استلام الحجر الأسود أي لمسه بيده اليمنى أو بكفيه أول طوافه وفي بدء كل شوط، ووضع جبهته عليه عند الشافعية". اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته 3/ 2223، ومن الأدلة على ذلك ما رواه أبو داود في سننه عن نافع عن ابن عمر قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طَوْفة وكان عبد الله بن عمر يفعله" برقم الحديث (1876).

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 243 ـ 244.

(3)

صحيح مسلم برقم (1268/ 246).

(4)

قال الإمام النووي: المحجن وهو عصا مُعَّقفة يتناول بها ما سقط له، ويحرك بطرفها بعيره للمشي. اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 398، وفي القاموس: التعقيب التعويج، فالمحجن عصا محنية الرأس.

(5)

صحيح مسلم برقم (1275/ 257).

ص: 155

قال الإمام النووي في شرحه على هذا الحديث:

"فيه دليل على استحباب استلام الحجر الأسود، وأنه إذا عجز عن استلامه بيده بأن كان راكباً أو غيره استلمه بعصا ونحوها، ثم قبَّل ما استلم به، وهذا مذهبنا (1) ".

(1) قوله: "هذا مذهبنا": هو مذهب السادة الحنفية أيضاً، أما السادة الحنبلية فقد اتفقوا مع المذهبين المذكورين في الإشارة إلى الحجر الأسود عند العجز عن استلامه باليد أو بنحو محجن، لكنهم لم يقولوا بتقبيل ما أشار به إليه إن لم يمسَّ الحجر به، وعللّوا قولهم بعدم ورود ذلك. كما ذهب الحنفية والحنبيلة إلى أنّ استقبال الحجر مطلقاً، مع نية الطواف ـ وهو شرط عندهم ـ تكفي في تحقيق المقصود الذي هو الابتداء من الحجر، أقول: ويستدلُّ لمذهبي الشافعية والحنفية في تقبيل ما أشار به إلى الحجر من يدٍ ونحوها بخبر الشيخين [البخاري (6858) ومسلم (1337): "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وبالقياس حيث ذهب بعض العلماء إلى أن الإشارة بمنزلة وضع الكف، فيتفرع التقبيل في البدل على وفق الأصل في المبدل منه، وفي النظر والبحث يتبين لي أنّ الاختلاف في تقبيل يده إذا أشار بها إلى الحجر ليس بين أئمة المذاهب الفقهية فقط، وإنما بين فقهاء المذهب الواحد كذلك، والسبب عدم ورود نص صحيح في هذه المسألة، لذلك قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح ص 266:"إنّ تقبيل ما أشار به للحجر خالف فيه كثير من الشافعية بخلاف نفس الإشارة"، وأما السادة المالكية فقد ذهبوا إلى أن الطائف عند عجزه عن الاستلام لا يشير إلى الحجر الأسود، ولا يقبله، كما لا يشير إذا لم يمسَّ الحجر بفمه، ولو مسه بيد أو بمحجن، مكتفياً عند محاذاته بالتكبير، وبوضع اليد على الفم من غير تقبيل، هذا وقد خالف القاضي جمهور مذهبه فاختار الإشارة مع التقبيل .. بقيت مسألة الهيئة في رفع اليدين عند الإشارة من بعيد إلى الحجر الأسود، فالمالكية لما ذكرناه لا رفع لليد عندهم؛ لأنه لا إشارة إلى الحجر باليدين في مذهبهم كما قلنا، أما جمهور العلماء فقالوا برفع اليد بالإشارة بها حال عدم استلام الحجر الأسود بمس أو بنحو عود أو تقبيل، تؤيدهم آثار كثيرة عن السلف الصالح من أمثال إبراهيم النخعي وطاوس وسعيد بن جبير، وخارجة بن زيد كما قالوا: إنّ الإشارة باليد هي كالاستلام باليد في الهيئة، وهو الصحيح، لكنّ بعض الشافعية خالف في هذا معتمداً القياس على الصلاة فقالوا: يرفع الطائف يديه في بداية الطواف كما يرفعها حَذْوَ منكبيه في بداية الصلاة عند تكبيرة الإحرام، وهذا ضعيف كما صرّح بذلك الإمام ابن حجر الهيتمي الذي أشار إلى أنه لم يرد فيه نقل صحيح. اُنظر في هذا الذي نقلته لك الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا وهبة الزحيلي (ج 3/ 223)، وحاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 267، وفضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام للباحث سائد بكداش المسألة السادسة من ص 67 ـ 69، والمسألة العاشرة ص 72 ـ 73.

وانظر صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 399.

ص: 156

ومن السنة أن يقع الاستلام، أو الإشارة باليد اليمنى إلّا إن عجز عن ذلك، أو فقُدت يمناه فحينئذ لا يضر أن يستلم باليسرى وليس للطائف أن يشير إلى الحجر الأسود بفمه بقبلة يطلقها باتجاهه؛ وهو ما صرّح به الإمام النووي (1)؛ لأن الإشارة بالقُبلة يقبح فعلها، وهو ما علل به الإمام ابن حجر الهيتمي (2).

كما نص الإمام ابن حجر بأن: "من لحس الحجر الأسود بلسانه - كما يفعله بعض العامة - فإنّ فعله حرام إنْ وصله رطوبة منه".

كما نص بأنّ الأفضل أن لا يجعل على يده حائلاً إلّا لعذر أو نجاسة (3).

كما يسنُّ تكرير الإشارة ثلاثاً؛ لأن الإشارة نائبة عن الاستلام، فهي بمنزلته (4).

وقد اختلف العلماء في تقبيل الحجر الأسود في غير طواف، فنقل الإمام ابن حجر الهيتمي عن الإمام الزركشي أنه لا يسنُّ تقبيل الحجر الأسود إلّا في الطَّواف، كما نقل عن معارضيه بأنّ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان لا يخرج من المسجد حتى يُقبّله، وبأنّ أوّل من استلمه قبل الصلاة وبعدها هو عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، ثم استحبّ الولاة بعده ذلك تبعاً له (5).

أقول: هذه هي أقوالهم والله تعالى أعلم.

(1) اُنظر المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 421، والحاشية له ص 265 وهو ما اعتمده الزركشي أنه يستلم باليد اليمنى لا باليدين.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 266.

(3)

نفس المرجع والصفحة.

(4)

نفس المرجع ص 265.

(5)

نفس المرجع ص 266 وكتاب فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام الصلاة للباحث سائد بكداش، المسألة الخامسة 65 ـ 67.

ص: 157

ثم إنّ أدلة هذا الذي سردته عليك، ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين"(1).

(1) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1269/ 247) والركنان اليمانيان هما ركن الحجر الأسود، والركن الذي قبله، ويعرف باليماني، واليمانيان بتخفيف الياء هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، والأصل في النسبة يمني، وإنما قالوا يمانيان وأضافوا الياء عوضاً عن إحدى ياءي النسب، ولا يجوز الجمع بين العوض والمعوض لذلك حذفت الياء الأخرى، وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة أخرى بالتشديد، وعلى هذا الرأي تكون الألف في يماني زائدة، كما زيدت في صنعاني ونظرائه.

والركنان اليمانيان سُمّيا كذلك؛ لأنهما من جهة بلاد اليمن، بينما الركنان الآخران يسميان: الركنان الشاميان؛ لأنهما في جهة بلاد الشام، ويقال: اليمانيان، والشاميان تغليباً لأحدهما على الآخر، نظير قولهم: الأسودان للتمر والماء والعُمَران لأبي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر، والأبوان للأم والأب. وعن حكمة الاستلام والتقبيل لركن الحجر الأسود يذكر العلماء في ذلك فضيلتان اختصّ بهما: إحداهما: كونه على قواعد إبراهيم، والثانية: كون الحجر الأسود فيه، أما الركن اليماني فيذكرون فيه فضيلة واحدة هي كونه على قواعد إبراهيم، لذلك فإنه خُصّ بالاستلام فقط، أما الحكمة في افتقار الركنين الشاميين إلى الاستلام والتقبيل، فهي أنهما ليسا على قواعد إبراهيم؛ لأن النفقة الحلال قصّرت على قريش، مما اضطرها إلى إخراج جانب من البيت عن بنائه، وهو ما يعرف بحجر إسماعيل. وبهذا لم يُبنَ الركنان الشاميان على تلك القواعد التي ظلت حبيسة التراب تحت أرض حجر إسماعيل. جاء في سنن أبي داود عن سالم عن ابن عمر أنه أخبر بقول عائشة رضي الله عنهما:"إنّي لأظّن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك استلامهما، إلّا أنهما ليسا على قواعد البيت، ولا طاف الناس وراء الحجر إلّا لذلك، برقم (1875). وبهذا لم يُبْنَ الركنان من جهة حجر إسماعيل على تلك القواعد. على أيّ حال فقد جاء في صحيح البخاري باب: من لم يستلم إلّا الركنين اليمانيين برقم (1608) منه أنًّ معاوية كان يستلم الأركان ـ أيْ كلّها ـ فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: "إنه لا يستلم هذان الركنان، فقال: ليس شيء من البيت مهجوراً. وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن". والصحيح المفتى به هو قول ابن عباس لصريح الأحاديث بذلك؛ ولأن فعل الصحابي لا يقوى على مخالفة صريح السنة. اُنظر لمتابعة ما ذكرته لك صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 394 ـ 395، وسبل السَّلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للأمير الإمام محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني 2/ 720، وحاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح ص 264، وفضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام للباحث سائد بكداش ص 87 وما بعدها.

ص: 158

وفي رواية لابن عمر: "لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت إلّا الركنين اليمانيين"(1).

كما روى مسلم في صحيحه عن سالم أنّ أباه حدّثه قال: قبّل عمر بن الخطاب الحَجر ثم قال: "أمَ والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلُك ما قبّلتُك" وفي رواية أخرى عنده: "وأنّك لا تضرّ ولا تنفع"(2).

وروى لنا مسلمُ بن الحجاج أيضاً عن سُوَيْدِ بن غَفَلَة قال: "رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه (3)، وقال: "رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بك حفيّاً" (4).

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (5).

ثاني شيءٍ يُرشدنا إليه كلام جابر عدد الأشواط وهو سبع طوفات، ثم إنْ كان الطواف يعقبه سعي فالسنة الرَّمَلُ في الثلاث الأُوَل، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة، والرَّمَلُ في العمرة مطرد، وكذا في طواف القدوم إن نوى السعي بعده، وطوافِ الإفاضة إن لم يسع بعد القدوم، أمّا إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رَمَلَ بلا خلاف؛ لأنه لا سعي في غير نسك، كما لا رَمَل على الأُنثى والخنثى خوفاً من تكشفهما (6) بدليل ما أخرج الإمام أبو بكر

(1) صحيح مسلم برقم (1267/ 242).

(2)

أخرجه البخاري برقم (1597 ومسلم برقم (1270/ 248)، وقد قال الإمام النووي: "وإنما قال: وإنك لا تضر ولا تنفع لئلا يغترّ بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها

" مسلم بشرح النووي ج 9 ص 397.

(3)

التزمه أي: وضع جبهته عليه.

(4)

مسلم برقم (1271/ 252) حفيّاً: أي: معتنياً.

(5)

مرّ أنّ المحجن العصا المعقفة، والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم (1272/ 253).

(6)

المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي، وصحيح مسلم بشرح الإمام النووي ج 8 ص 333 وحاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج ص 259.

ص: 159

البيهقي باب: لا رمل على النساء، عن نافع عن ابن عمر أنه قال: ليس على النساء سعيٌ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة: ورواه الشافعي عن عائشة وعن عطاء (1). كما روى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قلت: يا معشر النساء، وليس عليكُنّ رَمَل بالبيت، أمَا لَكُنّ فينا أسوة"(2).

والسنة أنّ الطائف إذا تعذر رمَله في مكان قريب من الكعبة، ولم يرجُ فرجة تمكّنه من الرّمل فالسنة أن يتباعد عن الكعبة ليؤدي سنة الرَّمَل. قال الإمام النووي:"لأنّ فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها، والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة لا في نفسها، فكان ما تعلق بنفسها أولى. والله أعلم"(3) كما قال في كتابه "الإيضاح في مناسك الحج": "فالمحافظة على الرّمَل مع البعد عن البيت أفضل من القرب بلا رَمل، لأنّ الرمَل شعارٌ مستقل"(4).

فإن لم يمكنه ذلك لشدة الازدحام فإنه يشير إلى صفة الرّمَل في هيئة مشيه، ويُظهر من نفسه أنه لو أمكنه الرّملُ لرملَ (5).

وإلى جانب سنة الرَّمَل يختص الرجال بسنة أُخرى أتى على ذِكْر دليلها الإمامان أبو داود والترمذي تعرف بالاضطباع وهو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه تحت عاتقه الأيسر، ويكون عاتقه الأيمن مكشوفاً، بينما يغطّي الآخر.

(1) السنن الكبرى للبيهقي برقم (9367).

(2)

نفس المرجع برقم (9368).

(3)

صحيح مسلم بشرح الإمام النووي، في كتاب الحج باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة ج 9 ص 389.

(4)

كتاب "الإيضاح في مناسك الحج" للإمام النووي، الفصل الثاني في كيفية الطواف، باب سنن الطواف وآدابه، السُّنَّة الثالثة.

(5)

نفس المرجع والجزء والصفحة.

ص: 160

ويختلف الرَّمَلُ عن الاضطباع بأنَّ الرَّمَلَ يختص بالثلاثة الأُوَل، أما الاضطباع فيسن في جميع الطوْفات السبع كما نصّ عليه الإمام النووي (1).

والأصح أنه إذا فرغ من الطواف أزال الاضطباع وصلّى، فإذا فرغ من الصلاة أعاد الاضطباع وهي عبارة إمامنا الشافعي رضي الله عنه، ومن ثَمَّ يسعى بالاضطباع في جميع سعيه، وقيل: بين الميلين فقط، وإنما يضطبع في الطواف الذي يرمُلُ فيه، وما لا رملَ فيه لا اضطباع فيه (2).

ويبدو لي أنّ الذي صرف الرَّمَل والاضطباع عن الوجوب تلك القرينة المستفادة من صحاح الأحاديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه في عمرة القضاء بهما كي يُظهروا أمام المشركين قوة وهم الذين كانوا يقولون: قد وهنتهم حمَّى يثرب. روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطْوَافٍ، ومشي أربعة أطواف، أسنة هو فإنّ قومك يزعمون أنه سنة؟ قال: فقال: صدقوا وكذبوا قال: قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة فقال المشركون: إنّ محمداً وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه قال: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثاً ويمشوا أربعاً" (3). فابن عباس يرى أن الرّمل ليس سنة مقصودة تتكرر بتكرر السنين؛ لأن معناها خاص بإظهار القوة أمام المشركين وقد زالت العلة مخالفاً بذلك أكثر علماء الصحابة والتابعين الذين ذهبوا إلى أنّ الرمل سنة بدليل فعل

(1) حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للإمام النووي ص 258.

(2)

نفس المرجع ص 257.

(3)

مسلم برقم (1264/ 237).

ص: 161

النبي صلى الله عليه وسلم له في حجة الوداع مع زوال سببه، وإسلام مَن في مكة (1) بدليل ما جاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال في الرَّمَل: إنما كنا راءَيْنا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه" (2).

وروى مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمّى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قومٌ قد وهنتهم الحمّى ولقُوْا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحَجَر، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرمُلُوْا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهم

" قال ابن عباس: "ولم يمنعه أن يأمرَهم أن يرمُلُوْا الأشواط كلّها إلّا الإبقاءُ عليهم

" (3).

إذا تبين لك هذا فاعلم أن الطواف على ثلاثة أوجه:

أوله: طواف القدوم، وهو سنة على ما ذكرتُ لك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانيه: طواف الإفاضة، وهو ركنٌ من أركان الحج لقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، وهذا يكون بعد الإفاضة من عرفات على ما سيأتي ذكره في حديث جابر.

ثالثه: طواف الوداع، وهو الذي يقصد به وداع البيت في مكة، ولا سعي بعده، وهو واجب على الصحيح، وسأتعرض له في موضعه إن شاء الله تعالى.

(1) قال الأمير الصنعاني: "وفيه دليل على أنه لا بأس بقصد إغاظة الأعداء بالعبادة وأنه لا ينافى إخلاص العمل بل هو إضافة طاعة إلى طاعة وقد قال تعالى: {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلًّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة 120] " ج 2 ص 739.

(2)

البخاري برقم (1605).

(3)

أخرجه البخاري باب: كيف كان بدءُ الرمل، برقم 1525، ومسلم برقم (1266/ 240).

ص: 162

ثم إنّ الطواف أيَّاً كان اسمه أو حكمه تجب فيه أُمورٌ، وتسن فيه أُخرى:

أولاً: يجب فيه ما يشترط في الصلاة من ستر العورة، والطهارة من الحدث الأصغر، والحدث الأكبر، وطهارة اللباس والمكان والبدن، بدليل ما أخرجه الإمامان الترمذي والنَّسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلّا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلَّمَ فيه فلا يتكلّمن إلّا بخير"(1)، ولما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مرّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان ربط يده إلى إنسان بِسَيْرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك، فقطعه النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال:"قُدْهُ بيده"(2).

ومن الأدلة ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أخبره أنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه، بعثه في الحجة التي أمَّرَهُ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر، في رهْط يؤذن في الناس، ألّا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عُرْيان" (3).

وفي كشف العورة مسألة هامة: - فأكثر ما يفعله النساء خاصة - فمن طاف مكشوف جزء من عورته مهما كان قليلاً لم يصح طوافه، لذلك لو طافت ورِجلُها مكشوفة أو جزء منها أو كاشفة جزءاً من رأسها، ولو شعرة واحدة، لم يصح طوافها؛ لأن ذلك

(1) أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي ـ محمد بن عيسى بن سَوْرَة ـ برقم 960. قال أبو عيسى الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يستحبون أن لا يتكلم الرجل في الطواف إلّا لحاجة، أو بذكر الله تعالى، أو من العلم. كما أخرجه النّسائي عن طاوُس عن رجلٍ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطوافُ حول البيت صلاة قأقلُّوا من الكلام" ج 5 ص 222، باب: إباحة الكلام في الطواف.

(2)

صحيح البخاري برقم (1620). والسَّيْر معروف وهو ما يصنع من الجلد لشراك النعل، وقُدْهُ أي جُرّه، أمره بذلك، وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم السير؛ لأنه منكر لا يُزال إلّا بذلك. اُنظر فتح الباري على صحيح البخاري باب الكلام في الطواف ج 3 ص 609.

(3)

البخاري برقم (1622)، هذا ويجوز رفع يطوف على أنَّ أن مخففة من الثقيلة.

ص: 163

منها عورة يشترط سترها في الطواف كما يشترط في الصلاة (1).

روى النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُرْيانة تقول:

اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه

وما بدا منه فلا أُحلُّهُ

قال: فنزلت: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31](2).

لذلك قال الإمام النووي بعد أن ساق هذا المعنى: "وإذا طافت هكذا ورجعت فقد رجعت بغير حج صحيح ولا عمرة"(3).

وعن وجوب الطهارة من الحدث الأصغر (4) خاصة يستدل بالحديث الذي استشهدت به في الفقرتين الرابعة والسابعة من أنّ أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم

ـ حين قدم مكة ـ أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، لهذا قال جمهور العلماء إن الوضوء شرط لصحة الطواف، خلافا للحنفية الذين اكتفوا بوجوب ذلك فقط وهو ما يعني جواز الطواف من غير وضوء لكن تجب عليه الإعادة أو الفدية عندهم (5).

(1) وفي حدود العورة يقول الإمام النووي: "اعلم أنّ عورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، وعورة الحرة جميعُ بدنها إلّا الوجهَ والكفين، هذا هو الأصح". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للإمام النووي ص 236.

(2)

سنن النَّسائي ج 5 ص 233 - 234، باب قوله عز وجل:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].

(3)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للإمام النووي ص 225.

(4)

من المعلوم أن الملامسة بين الرجل والمرأة صغيرة أو كبيرة مشتهاة أولا، بشهوة أو بغيرها ينقض الوضوء لكن هذا مما تعم به البلوى في الطواف كما قال الإمام النووي لذلك على كل منهما أن لا يزاحم الآخر في الطواف خشية انتقاض الوضوء وخوف الاعتداء على أعراض المسلمين ولو بغير قصد فإن حدث تلامس بينهما فنأخذ بأحد قولي الشافعي الذي اختاره جماعة قليلة من أصحابه وإن كان مرجوحاً لما فيه من التخفيف عن العباد وهو أنه ينتقض وضوء اللامس دون الملموس. اُنظر نفس المرجع ص 236.

(5)

أُنبه هنا إلى أن الطهارة عن الحدث الأصغر والأكبر من الجنابة والحيض والنفاس ليست شرطاً لصحة الطواف عند الحنفية، ولافرضاً، لكنها واجبة فقط، لذلك فإن الطواف على هذه الصورة صحيح لدى مفتيهم لكن مع =

ص: 164

أما عن وجوب الطهارة من الحدث الأكبر فقد استدل عليه الفقهاء بما رواه الإمامان الجليلان البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا نرى إلّا الحج، حتى إذا كنا بسَرِف (1) أو قريباً منها حِضْتُ، فدخل عليَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: أنَفِسْتِ؟ .. يعني الحيضة قالت: "قلتُ: نعم. قال: إنّ هذا شيء كتبه الله على بنات آدم فاقضي مايقضي الحاجّ غير أن لا تطوفي

= وجود خلل ونقص في الأداء، وهو ما يدعوا إلى إعادة الطواف وإلا وجبت الفدية. فالطواف حول البيت إذا أداه من تلبّس به حدث أصغر، وكان الطواف للقدوم أو الوداع أو التطوع فعليه صدقة، أما إن تلبس به حدث أكبر فعليه شاة.

أما إذا أتى بطواف الإفاضة متلبساً بحدث أصغر فعليه شاة، أو بحدث أكبر فعليه بدنة؛ لأن النقص في الجنابة أفحش من النقص في الحدث الأصغر، لذلك قال العلامة الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني: رحمه الله "فتجبر البدنة إظهاراً للتفاوت بين الركن وغيره". وعن إعادة طواف لاطهارة فيه يقول: "والأفضل أن يعيد الطواف طاهراً ليكون آتياً به على وجه الكمال ما دام بمكة لإمكانه من غير عُسر"، "قال في الهداية: وفي بعض النسخ: "وعليه أن يعيده"، والأصح أنه يؤمر بالإعادة في الحدث استحباباً وفي الجنابة إيجاباً ولا ذبح عليه إنْ أعاده للحدث ولو بعد أيام النحر، وكذا للجنابة إن كان في أيام النحر، وإن بعده لزمه التأخير". اُنظر اللباب في شرح الكتاب ج 1 ص 207 - 208. ودليل الحنفية فيما ذهبوا إليه قول تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]. وقد قالوا: إن الله تعالى أمر في هذه الآية بالطواف مطلقاً دون أن يقيّده بشرط الطهارة، وهذا يقتضي أن العُهْدَة من الأمر تخرج بالدوران حول البيت مطلقاً ولو من غير طهارة. وأجابوا عن الحديث السابق: "الطواف حول البيت صلاة

" بأنه خبر الواحد، وخبر الواحد عندهم لايقوى ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب به؟ ؛ لأنه ظني الثبوت، لذلك اكتفوا بحمل الحديث على التشبيه نظير قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] فعليه يكون المراد من الحديث في اجتهادهم: الطواف حول البيت مثل الصلاة في أنها فرض، أو في أن فاعلها يثاب". اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته، للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2213. على أي حال: لا أحب أن يفهم القارئ أن في مذهب الحنفية دعوة للطواف بلا طهارة فالقوم لم يقولوا بذلك، بدليل أن دخول المسجد أي مسجد مكثاً على أهل الجنابة حرام عندنا وعندهم، فكيف بالمسجد الحرام؟ . ولأن الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة أنه توضأ ثم طاف، وهو ما يفعله كل حنفي على الدوام، بدليل أنهم قالوا: بوجوب الطهارة في الطواف وبدليل أنهم قالوا بإعادة الطواف إيجاباً في الإفاضة واستحباباً في غيره وبوجوب الكفارة التي لا ترد إلّا على أمر خطأ.

(1)

جاء في القاموس المحيط باب الفاء فصل السين، بأنّ سَرِف كَكَتِف موضعٌ قرب التنعيم. أقول: هو وادي قبل التنعيم مباشرة يمتد منه إلى ما يعرف بالنُّوريّة، أو النَّوَّاريَّة.

ص: 165

بالبيت حتى تغتسلي. قالت: وضحّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر (1) " (2).

وفي بحث الطهارة ترد مسألة هامة وهي الشك بالطهارة بعد الفراغ من الطواف: والجواب: لا يعيد (3).

ثانياً: بدء الطائف بالحجر الأسود محاذياً له بجميع بدنه، بدليل قول جابر:"حتى إذا أَتينا البيت معه استلم الركن".

قال العلماء: لذلك لو بدأ بغيره لم يحسبْ له ما طافه حتى إذا ما انتهى إليه ابتدأ منه. وقالوا: لو مشى على الشاذروان الخارج عن عَرْض جدار البيت، أوْ مسّ الجدار في موازاته له، أو دخل من أحد فتحتي الحِجر المحوط بين الركنين الشاميين لم يصح طوافه في كل هذا (4).

ثالثاً: يجب أن يجعل الحاج أثناء طوافه البيت عن يساره مارَّاً من تلقاء وجهه. دليل هذا الشرط ما رواه مسلم بن الحجاج عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مّا قدم مكة أتى الحجَر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً" (5).

رابعاً: كونه سبعاً يقيناً بدليل قول جابر: "فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً"، فلو شك في

(1) قال الإمام النووي: "هذا محمولٌ على أنه صلى الله عليه وسلم استأذنهن في ذلك، فإنّ تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلّا بإذنه" شرح النووي على صحيح مسلم ج 8 ص 310.

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحيض، باب: كيف كان بدء الحيض برقم (294)، ومسلم في صحيحه، باب: بيان وجوه الإحرام، برقم (1211/ 119).

(3)

قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح للنووي ص 291، ثم رأيت في المجموع عن النص أنه لو اعتمر أو حج فلما فرغ من الطواف شك هل كان متطهراً أم لا أحببت أن لا يعيد الطواف ولا يلزمه ذلك وهو صريح في رد ما قاله الأذرعي.

(4)

"تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب" للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفَشني الشافعي، باب: الركن الخامس ص 205.

(5)

هذا الحديث فيه بيان أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف التحية ـ القدوم ـ وأن يقدمه على كل شيء، وأن يستلم في أوله الحجر الأسود كما نص على ذلك الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 8 ص 350. أقول ويفهم كلامه "على يمينه" أي على يمين الحجر الأسود. مسلم برقم (1218/ 150).

ص: 166

العدد أخذ بالأقل وبنى عليه، ولو ترك من السبع خطوة أو أقلّ لم يجزئه، ولو شك في العدد أخذ باليقين كما في الصلاة (1).

ويسن له أن يأخذ بخبر من أخبره بالنقص، أما من أخبره بخبر الإتمام فليس له الأخذ بخبره وإن كثر (2).

خامساً: كونه داخل المسجد وإن وسّع وخارج البيت والشاذروان والحِجر، لقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].

وإتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم حيث دخل المسجد وطاف حول البيت فيه (3).

سادساً: نية الطواف لكن بشرط أن يستقلّ أي لا يشمله نسك من طواف قدوم أو إفاضة أو وداع، أو طواف عمرة، فكل ذلك لا تجب فيه النية لكنّ الأولى أن ينوي، وخصوصاً في طواف الوداع خروجاً من خلاف من أخرجه من المناسك، فإن لم ينو صح طوافه على الأصح. أما إن لم يشمله نسك الحج والعمرة كالطواف تطوعاً لله تعالى فقد وجبت فيه نية الطواف، ولا يصح إلّا بها، ومحلها أول الطواف وتشترط مقارنتها لمحاذاته للحجر الأسود، ولا يلزم فيها تعرّضه لعدد الطوفات، حتى لو نوى سبعين شوطاً أو أكثر، انعقدت نيته عن سبع، وصحت، لكن نقل الإمام الزركشي من الشافعية، عن كتاب "الأم" للشافعي نصاً عنه اعتمده أنه لو تطوع بطوفة واحدة جاز؛ لأنه كالركعة الواحدة، ولأنه كالنفل المطلق فيصح فيه إطلاق نية النافلة ويصلي ما شاء، لكن رد الإمام ابن حجر الهيتمي ذلك نقلا عن الإمام الرافعي في أن كلام الأم خاص فيمن أراد طواف أُسبوع

(1)"المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية" شرح الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 420.

(2)

"المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية" شرح الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 420.

(3)

نفس المرجع والصفحة.

ص: 167

(أي سبعة أشواط) ثم بدا له بعد طوفة واحدة ترك الطواف فله أجر ما فعله لا فيمن يتطوع ابتداء بطوفة وبأن المعروف أنه لو نوى دون سبع كان متلاعباً (1).

سابعاً: يشترط أن لا يصرف نية الطواف إلى غيره كما لو طلب غريماً أو طلبه قاصد فهرب منه بانضمامه إلى الطائفين (2).

أمّا ما يسن فيه فأبرزه:

أن يطوف ماشياً لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رسول لله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحَجَر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثاً (3)، ومشى أربعاً (4).

قال الإمام ابن حجر: "فالركوب بلا عذر خلاف الأولى، والزحف مكروه، ويسن أيضاً الحَفَاء، وتقصير الخطا رجاء كثرة الأجر له"(5).

فأكثر الأحاديث على طوافه ماشياً، وأما ما ورد عن طوافه صلى الله عليه وسلم راكباً فهي لبيان الجواز، والسبب اجتماع الناس عليه.

قال أُستاذنا الدكتور مصطفى البغا: "ولا بأس بالركوب لمن له عذر، دلّ على ذلك ما روته زينب بنت أُم سلمة رضي الله عنهما قالت: شكوتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني

(1) تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفشني ص 205 ـ وحاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي الفصل الثاني في كيفية الطواف ص 250 ـ 251.

(2)

نفس المرجع والصفحة.

(3)

روي عن جابر في طواف النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف ماشياً وراكباً ولا تعارض في هذا بدليل ما أخرجه الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في السنن الكبرى برقم (9466) قال: قال الشافعي رحمه الله: أما سَبْعُهُ الذي طاف لِمَقْدَمِهِ فعلى قدميه لأن جابراً المَحْكِيَّ عنه فيه أنه رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة فلا يجوز أن يكون جابر يحكي عنه الطواف ماشياً وراكباً في سَبْعٍ واحد: وقد حفظ أن سَبْعَهَ الذي ركب فيه في طوافه يوم النحر".

(4)

صحيح مسلم برقم (1218/ 150).

(5)

"المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية" للإمام الشافعي شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 420 - 421.

ص: 168

أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة" (1).

ومنها: أن يطوف قرب البيت تبركاً به؛ ولأنه المقصود؛ ولأنه أيسرُ في الاستلام والتقبيل كما نصّ عليه الإمام ابن حجر عليه رحمة الله الذي استثنى من هذه السنة المرأة والخنثى حال طواف الذكور، واختار أن تطوفا في حاشية المطاف حتى لا تحدث المخالطة (2).

ومنها: استلام الحجر الأسود وتقبيله والسجود عليه مع أول كل طوفة، فهذا مندوب إلّا للنساء فالسنة أن يقع ذلك في خلوة المطاف عن الرجال اتقاء للزحام. روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي عن منبوذ بن أبي سليمان عن أمه أنها كانت عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين رضي الله عنها فدخلت عليها مولاة لها فقالت لها: يا أُمَّ المؤمنين طفت بالبيت سبعاً واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا فقالت لها عائشة رضي الله عنها: "لا آجرك الله لا آجرك الله تدافعين الرجال ألا كبّرْتِ ومرَرْت"(3).

كما قال الإمام البيهقي: ورُوِّينا عن سعيد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يقول لهن: إذا وجدتن فرجة من الناس فاستَلِمنَ وإلا فكبِّرنَ وامْضِيْنَ (4).

وقال الإمام النووي: "ولا يسن للنساء استلام ولاتقببل إلّا في الليل عند خُلوّ المطاف"(5).

والنتيجة أنّه إن كان هناك ازدحام فالبعد أوْلى اللهمّ إلّا في ابتداء الطواف أو آخره

(1)"الهدية المرضية بشرح أدلة المقدمة الحضرمية" تأليف د. مصطفى ديب البغا ص 595.

(2)

"المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية" ص 423.

(3)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9349).

(4)

السنن الكبرى للببيهقي 7/ 178.

(5)

اُنظر الحاشية لابن حجر الهيتمي على نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 266 ـ 267.

ص: 169

فيندب للرجل عند الشافعية الاستلام ولو بالزحام كما نص عليه في كتاب "الأُم" لإمامنا الشافعي رحمه الله تعالى (1).

ومن سنن الطَّوف: استلام الرُّكن اليماني، أما الركنان الشاميّان فلا يسنّ فيهما استلام ولا تقبيل، بدليل ما ذكره سالم عن أبيه قال:"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم من أركان البيت إلّا الركن الأسود، والذي يليه من نحو دُوْر الجُمَحيّين (2) ".

وللركن اليماني خصائص امتاز بها: فهو أحدُ ركنين أقيما على قواعد إبراهيم، ورُفعا من قبلُ بيد الخليل وولده الذبيح عليهما السلام.

والركن اليماني هو الذي باركته يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم استلمته، وهو الذي وردت في مزاياه آثار موقوفة على بعض الأصحاب الكرام من أمثال ابن عمر وابن عباس ذكرها أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة، والفاكهاني في أخبار مكة، وذكر بعضها أصحاب السنن، تذهب بمجموعها إلى أن الركن اليماني يمين الله، وأنّ الباري عز وجل يصافح بها خلقه يوم القيامة، وأن الركن والمقام جوهرتان من جواهر الجنة، يأتي كل واحد منهما يوم القيامة أعظم من أبي قُبَيْس، لهما عينان وشفتان يشهدان لمن وافاهما بالوفاء، إلّا أن الله تعالى رفع نورهما، وغيَّر حسنهما، ووضعهما حيث هما، كما ذكر الأزرقي عن ابن عمر أن الركن اليماني عليه ملكان يؤمِّنان على دعاء من مرّ بهما، وأن الحجر الأسود عليه ما لا يحصى من الملائكة،

(1) نفس المرجع والصفحة وللحق أقول: لو أن إمامنا الشافعي رضي الله عنه رأى نوعية الزحام التي تسبَّبت بها سهولة المواصلات اليوم على المستوى البري والبحري والجوي، لقال بأولوية الابتعاد عن البيت حتى في بدء الطواف وانتهائه ما دام وصف الزحمة الشديدة قائماً لما يقع من مخالفات تدخل في إطار الحرمة أحياناً لا سيما وأن الحكمة التي نصّ عليها فقهاء الشافعية هي توقي الإيذاء وهي اليوم حاضرة بقوة.

(2)

صحيح مسلم برقم (1267/ 243) والنسائي ج 5 ص 232.

ص: 170

كما نقل عن ابن عباس أنه قال (1): "والذي نفسُ ابن عباس بيده ما من امرئٍ مسلم يسأل الله عز وجل شيئاً عنده إلّا أعطاه إياه (2)

".كما جاء في سنن ابن ماجة أن الركن وُكِلَ به سبعون ملكاً، فمن قال: اللهمّ! إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: آمين (3). وجاء في سنن الترمذي أن مسح الركن والحجر كفارة لخطايا الماسحين هناك (4).

لذلك اتفق أئمة المذاهب الأربعة على سنية استلام الركن اليماني في الطواف بمسحه بالكفين أو باليمين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء تحصيل الأجر والثواب الجزيل.

(1) هذه الأخبار أذكرها على سبيل الاستئناس، وأثبتها من باب التنبيه على فضل الركن اليماني، وهي الأحاديث التي لو صحت لكان لها حكم الرفع؛ لأن أمثال هذه الأخبار مما لا يقال من باب الرأي، لكنني أذكر أن صحة بعضها، وضعف البعض الآخرلا يضر؛ لأنه يكفي اليماني فخراً وتيهاً أنه أحد أركان كعبة الله في أرضه، التي وضع قواعدها ملائكة الله المطهرين، ورفع بنيانها اثنان من المتقدمين في قافلة رسل الله، وأنها قبلة الموحدين والزائرين لله تعالى في بيته هذا الذي أحد أركانه الركن اليماني.

(2)

اُنظر كتاب "فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام" للباحث سائد بكداش ص 51 - 52 وص 88. وانظر سنن الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر الأسود: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق" برقم (961) وقال: حديث حسن .. وانظر مسند أحمد برقم (2796) حيث قال محققوا في الموسوعة الحديثية إسناده قوي ورجاله ثقات. وفي سنن النسائي عن ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحجر الأسود من الجنة" ج 5 ص 226.

(3)

سنن ابن ماجة برقم (2957)، وذكر الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح ص 270:"أن ابن ماجة رواه بسند ضعيف".

(4)

روى الترمذي برقم (959) عن ابن عمر أنه كان يزاحم على الركنين زحاماً- قال الراوي- ما رأيت أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. فقلتُ يا أبا عبد الرحمن: إنك تزاحم على الركنين زحاماً ما رأيت أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يزاحم عليه. فقال: إن أفعلْ فإني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن مسحهما كفارة للخطايا" وسمعته يقول: "من طاف بهذا البيت أسبوعاً فأحصاه كان كعتق رقبة" وسمعته يقول: "لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى إلّا حط الله عنه خطيئة وكتب له بها حسنة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقد روى الحديثين الأولين أيضاً الإمام النسائي في سننه ج 5 ص 221 باب ذكر الفضل في الطواف بالبيت، بينما تفرد الإمام الترمذي بتخريج الحديث الثالث.

ص: 171

فإذا لم يستلم الركن اليماني لزحمة، أو تركه من نفسه أشار إليه بيده عند الشافعية والحنبلية ومحمد بن الحسن من الحنفية (1).

والذي أفتى به الشافعية أنه يتخيّر بين استلام الركن اليماني باليد أو بما فيها من نحو محجن أو عود خلافاً للحجر الأسود الذي لا تخير في استلامه بين اليد أو ما فيها؛ لأنه لزيادة شرفه لا يستلمه بما في يده إلّا عند العجز عن استلامه بيده.

أما في الإشارة إلى الركن اليماني عند العجز عن استلامه، فيستوي حكمها بين الركن الأسود والركن اليماني فلا يصار إليها إلّا عند العجز عن الاستلام باليد أو بما فيها كالعصا (2).

وهل يُقبّل الركن اليمانيَّ كما يقبّل الحجر الأسود بعد استلامه؟

الذي نص عليه علماء الشافعية وجمهورهم أن مستلم الركن اليماني لايقبله؛ لأن الذين رووا استلام النبي صلى الله عليه وسلم للركنين الأسود واليماني صرّحوا بتقبيل الحجر الأسود بعد استلامه، ولم يعرِّجوا على تقبيل الركن اليماني بعد استلامه، ولو رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّله لبلّغوا ما رأوه لأمتهم، لذلك قال الإمام النووي: "ويستحب استلامُ الحجر الأسود وتقبيله، واستلام اليماني وتقبيل اليد بعده عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد؛ لأنهما أفضل، فإنْ منعته زحمة من التقبيل اقتصر على الاستلام، فإنْ لم يمكنه أشار

(1) أما المالكية فقد كرهوا الإشارة إلى الركن اليماني، وكذلك الحنفية ذهبوا إلى عدم الإشارة إليه؛ لأن الإشارة إليه في اجتهادهم لا تصلح للنيابة عن الاستلام. كما أُشير هنا إلى أن من علماء الشافعية من وافق الحنفية في عدم النيابة بالإشارة، لذلك قال الإمام ابن حجر الهيتمي:"وخالف في ذلك ابن أبي الصيف، واختاره العزُّ بن جماعة". اُنظر الحاشية على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي، ص 266، "وفضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام" ص 95.

(2)

اُنظر "الحاشية على شرح الإيضاح .... " ص 265.

ص: 172

إليه بيده (1)، أو بشيءٍ في يده، ثم قبَّل ما أشار به ..... (2) ".

فالشافعية ذهبوا إلى تقبيل اليد التي بها يستلم الطائف الركن اليماني أو تقبيل ما استلم به الركن أو أشار به إليه، وقد وافقهم في تقبيل اليد مالك في قولٍ عنده، ومحمد بن الحسن الشيباني في رواية له، والدليل الذي اعتمده القائلون بتقبيل اليد بعد الاستلام، ما روي عن جملة من الصحابة والتابعين تفيد أنهم كانوا يقبلون أيديهم إذا استلموا الركن اليماني منهم جابر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عمر وسعيد ابن المسيَّب والقاسم بن عمر وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمر بن عبد العزيز (3).

(1) قال الإمام ابن حجر الهيتمي في شرحه على كلام إمامنا النووي: "إطلاق الإشارة هنا يشمل الركن اليماني وهو الأوجه كما قاله العز بن عبد السَّلام والبازري ونقله العزُّ بن جماعة عن جماعة من المتأخرين، ورجحه المحبُّ الطبري قياساً على الأسود". اُنظر "الحاشية على شرح الإيضاح في مناسك الحج" ص 266.

(2)

اُنظر نفس المرجع من ص 264 إلى ص 266.

(3)

أما الحنفية والمالكية والحنبلية فذهبوا في المشهور عندهم إلى أنه يستلم الركن اليماني ولا يُقَبّلُ يده بل يضعها على فيه من غير تقبيل. اُنظر "فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام" للباحث سائد بكداش ص 94 - 95.

ص: 173

أما تقبيل الركن اليماني جمعاً بين الركنين في الاستلام والتقبيل فقد صرّح في الحاشية على شرح الإيضاح بأنه غريب ضعيف (1).

لكن ما حكم من استلم أو قبَّل ما لا يسنّ استلامه أو تقبيله من أجزاء البيت؟

الإجابة نقرؤها في كلام الإمام المحقق العلّامة ابن حجر الهيتمي الذي قال: "وتقبيل واستلام غير ما ذكر من سائر أجزاء البيت مباح"(2).

ومن السنن الأذكار الواردة في كل موضع بعينها من البيت، وذلك في كل طوفة.

ولكن قبل البدء بهذه الأوراد يستحسن لي ذكر الكيفية الصحيحة التي يندب الإتيان بها في الاستلام والطواف وفق ما أثبته الإمام النووي رحمه الله تعالى والذي يقول: "فإذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود .... ".

"وكيفية الطواف أن يحاذي بجميعه جميع الحجر الأسود، فلا يصح طوافه حتى يَمُرَّ بجميع بدنه على جميع الحجر، وذلك بأن يستقبل البيت، ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ويصير مَنْكِبُه الأيمن عند طرف الحجر، ثم ينوي الطواف لله تعالى، ثم يمشي مستقبل الحجر، مارَّاً إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، إذا جاوزه التفت وجعل يساره إلى البيت، ويمينه إلى خارج،

(1) اُنظر "الحاشية على شرح الإيضاح" للإمام ابن حجر الهيتمي ص 264.

(2)

اُنظر "المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية" للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 423. هذا وقد قال الإمام في حاشيته على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي: "قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم وغيرها: وأي البيت قبَّل فحسن غير أنّا نؤمر بالإتباع، ويؤخذ من قوله غير أنّا إلخ

ومن قوله في موضع آخر: ولكنّ الإتّباع أحبّ، أنّ مراده بالحسن المباح، ثم رأيتُ الزَّيْن العراقي صرّح بذلك مستدلاً بأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين، وإذ قد علمت أنه نصُّ الأم، وأن معناه ما تقرر، بان لك اندفاع قول الأذرعي: إنّ هذا النص غريب مشكل". اُنظر الحاشية على شرح الإيضاح ص 264.

ص: 175

ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز (1) " (2).

إنه يستحب للمسلم إذا استلم الحجر، أو ابتدأ طوافه، أن يقول الدعاء التالي قبل مجاوزة الحجر الأسود:"بسم الله والله أكبر، اللهمّ! إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، وإتّباعاً لسنة نبيّك محمد صلى الله عليه وسلم "(3).

قال الإمام النووي: "ويأتي بهذا الدعاء عند محاذاة الحجر الأسود في كل طَوْفة"(4).

وقال الإمام الشافعي: "ويقول: الله أكبر، ولا إله إلّا الله. وإن ذكر الله تعالى وصلّى على النبيّ صلى الله عليه وسلم فحسن"(5).

وليس لمن استلم الحجر مصحوباً بالذكر المستحب المتقدّم أعلاه أن يتوقف هناك لا للدعاء، ولا لغيره بدليل ما أخرجه البيهقيُّ عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما

(1) هذه العبارة دليل نفي وجوب الكيفية المذكورة، والدليل الآخر هو ما صرّح به الإمام النووي في ص 265 - 266. أما قوله فلا يصح فيمكنني حمله فيما لو استدبر البيت أو جعله عن يمينه وطاف على هذا الوجه، والله أعلم.

(2)

اُنظر "الحاشية على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي" للعلامة ابن حجر الهيتمي ص 232.

(3)

ذكره الإمام النووي في نفس المرجع ص 267. أقول: وقد أورد التكبير الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم (9330)، كما أورد لفظتي: "بسم الله والله أكبر" من رواية ابن عمر برقم (9331)، دون أن يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: "عن عليّ أنه كان إذا مرّ بالحجر الأسود فرأى عليه زحاماً استقبله وكبَّرَ وقال: اللهمّ! ..... ".

لذلك قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "ثم هذا الدعاء لم يصح إلّا عن علي وابن عمر رضي الله تعالى عنهم.

وقول الرافعي إنه مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ردّه الأذرعيُّ وغيره بأنه لا يُعرف له مخرج" ثم قال ابن حجر: "وروى الطبرانيُّ بإسناد جيد أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا استلم الركن قال: بسم الله والله أكبر، وكان كلما أتى الحجر قال: الله أكبر". اُنظر "الحاشية على شرح الإيضاح" للهيتمي ص 267.

وانظر "إحياء علوم الدين" للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في كتاب أسرار الحج الباب الثاني الجملة الرابعة في الطواف.

(4)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 267 ..

(5)

نقل هذا الإمام النووي عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنهما. اُنظر نفس المرجع والصفحة.

ص: 176

قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مضى على يمينه، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً (1).

قال الإمام النووي وهو يتابع كيفية الطواف: "ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفاً حول البيت أجمع، فيمرُّ على الملتزم، وهو ما بين الحجر الأسود والباب، سُمّي بذلك؛ لأنّ الناس يلتزمونه عند الدعاء"(2):

وكان ابن عباس يقول: "مابين الركن والباب يُدعى الملتزم، لايَلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه الله إياه"(3).

(1)"السنن الكبرى" للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي برقم (9404)، كما يؤكده عنوان الباب حيث جاء: باب: الدليل على أنه يمضي في الطواف بعد الاستلام على يمينه، ويجعل الكعبة عن يساره ولا يطوف منكوساً" وقال البيهقي عن الحديث: رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم.

(2)

كل عبارات النووي التي أنقلها لك عن دوران الطائف حول البيت ركناً ركناً هي وفق التسلسل المعهود والترتيب المذكور مأخوذة من متن "شرح الإيضاح في مناسك الحج النووي" الذي شرحه الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته. اُنظر ص 232.

(3)

ذكرى من مكة المكرمة تأليف د. خالد محمد حامد ص 35.

ص: 177

الملتزم

ص: 178

بعد أن يجاوز أحدنا الحجر الأسود استلاماً وتقبيلاً ودعاء مستحباً، يلتفت إلى الطواف جاعلاً البيت عن يساره ويستمر في طوافه حتى ينتهي إلى باب الكعبة وهناك يقول:"اللهمّ هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار". ثم عند ذكر المقام يشير بعينه إلى مقام إبراهيم عليه السلام ويقول: "اللهمّ إن بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، فأعذني من النار ومن الشيطان الرجيم، وحرم لحمي ودمي على النار، وآمني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة (1) ".

ويتابع إمامنا النووي قوله: "ثم يَمُرُّ إلى الركن الثاني بعد الأسود، ويُسمّى الركن العراقي":

الطائف حول البيت يمضي في طوافه من باب الكعبة الذي وصله، حتى يبلغ الركن العراقي الذي ينتهي إليه ويقول هناك:"اللهمّ إني أعوذ بك من الشرك والشك والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في المال والأهل والولد"(2).

(1) هذا الدعاء المستَحَبُّ ذكره الإمام الغزالي حجة الإسلام في كتابه إحياء علوم الدين في الباب الثاني من كتاب أسرار الحج، وبالتحديد: الجملة الرابعة في الطواف وقد نقله عنه الإمام الرافعي أحد شيخي مذهب الشافعية، وأقرّه عليه. قال الإمام ابن حجر الهيتمي "ونقل الرافعي عن الشيخ أبي حامد أنه يشير عند قوله: وهذا مقام العائذ بك من النار إلى مقام إبراهيم عليه السلام وأقره

" ثم قال: "لكن نقل الأذرعي عن غيره أنه يشير إلى نفسه، واستحسنه، بل قال ابن الصلاح: إنّ الأول غلط فاحش. انتهى. وفيه نظر؛ لأنه إذا استحضر استعاذة خليل الله تعالى حمله ذلك على غاية من الخوف والإجلال والسكينة والوقار، وذلك هو المطلوب في هذا المحل فكان أبلغ وأولى. وأيضاً فتخصيص هذا الدعاء بمقابلة المقام يدلّ على أنه يشير إليه". ص 269.

(2)

اُنظر الإحياء للغزالي في نفس الباب والفصل، وأذكر هنا إلى أن قوله:"اللهمّ إني أعوذ بك من الشقاق، والنفاق، وسوء الأخلاق"، أخرجه أبو داود في سننه برقم (1546) لكن في كتاب الصلوات، باب في الاستعاذة، وليس في كتاب الحج، أما قوله:"وسوء المنظر، في المال والأهل والولد"، فقد رواه مسلم في صحيحه في أذكار المسافر وليس في أذكار الحج بلفظ:"اللهمّ! إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل .... ". برقم (1342/ 425)، أقول: لهذا قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح ص 269 إنّ البيهقي أخرج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بما يقال عند العراقي وهو: اللهمّ إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، لكن لم يقيده بحالة الطواف.

ص: 179

حجر إسماعيل

ص: 180

ومجدَّداً يتابع النووي القول في كيفية الطواف: "ثم يَمُرُّ وراء الحجر

- بكسر الحاء وسكون الجيم - وهو صوب الشام والمغرب، فيمشي حوله حتى ينتهي إلى الركن الثالث، فيقال لهذا الركن، والذي قبله: الشاميّان. وربما قيل: الغربيان":

حِجر إسماعيل يصل بين الركنين: العراقي والشاميّ، وعلى من يطوف أن يمر خارج دائرته؛ لأنه جزء من الكعبة المشرفة، فإذا ما بلغ الإنسان في دورانه حول محيطه إلى منتصف المسافة أدرك عن يساره في أعلى البيت ميزاب الرحمة، وعندها يستحب له أن يدعو بهذا الدعاء:"اللهمّ! أظلّنا تحت ظل عرشك يوم لا ظلّ إلّا ظلّك، اللهمّ! اسقني بكأس محمد صلى الله عليه وسلم شربة لا أظمأ بعدها أبداً"(1).

ويقول أيضاً: "اللهمّ إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب"(2).

وحجر إسماعيل يسمى الحطيم؛ لأن جزءاً منه قد تم تحطيمه من الكعبة يوم أعيد بناؤها وقصّر عنهم المال الحلال، فأضيف جانب من الكعبة إلى حجر إسماعيل بمقدار ستة أذرع (3).

ومن أبرز سنن الطواف:

تلك الحالة الإيمانية التي ينبغي أن يتحلّى بها الحجاج والعمّار وهم يطوفون حول البيت العتيق، مظهرين التواضع والتذلل والخضوع لله ربّ العلمين عند العتبات المقدسة للمسجد الحرام، وفوق الأرض المباركة التي سلكها طائفاً أنبياء ورسل ورجال صالحون من قبل، اصطبغوا بجلباب العبودية اللائق بحال المخلوق الفقير إلى رحمة الله وعفوه.

(1) أيضاً اقتبست هذا الدعاء من كتاب الإحياء للغزالي الباب الثاني الجملة الرابعة في الطواف.

(2)

ذكر العلامة ابن حجر في حاشيته على شرح الإيضاح أنَّ الأزرقي أخرجه فيما يقال عند الميزاب من حديث جعفر بن محمد عن أبيه. اُنظر ص 269.

(3)

ذكرى من مكة المكرمة تأليف د. خالد محمد حامد ص 41.

ص: 181

هذا الأدب ساقه لنا جابرُ في الرواية الأخرى التي أخرجها البيهقيُّ وابن كثير، في وصف طواف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

"فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، حتى فرغ، فلمّا فرغ قبَّل الحجر، ووضع يده عليه، ومسح بهما وجهه"(1).

وفي رواية أُخرى قال جابر:

"دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأَتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم باب المسجد، فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء

" (2).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: استقبل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال:

"يا عمر: ها هنا تُسْكَبُ العبرات"(3).

ومن هذه الروايات مجتمعة يتبيّن لنا أنّه لا معنى من الطواف، ولاجدوى من الرّمل والمشي وتقبيل الحجر إن لم يستشعر العبد أثناء ذلك عظمة الله في قلبه، وإن لم تذرف عيناه بالدموع إشارة إلى الخشية التي عمَّت القلب، وإن لم يلهج لسانه بصدقٍ شكراً لله أن أوصله

(1) البيهقي في السنن الكبرى ج 5 ص 74، وابن كثير في السيرة النبوية ج 4 ص 317، وقد قال: إنّ إسناد هذه الرواية جيد.

(2)

صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 212 - 213، وسنن البيهقي ج 5 ص 74، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ج 2 ص 195 - 196، ولم يتكلم عليه بشي، ولم يصدّر روايته له بصيغة التضعيف، كما ذكره الإمام ابن حجر في تلخيص الحبير ج 2 ص 245 - 246، ولم يقدح فيه بشيء، بل قوّاه وقال: وله شاهدٌ من حديث ابن عمر اهـ. أي الحديث الآتي تخريجه.

(3)

أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ج 4 ص 212، ونبه ابن خزيمة إلى ضعف رواية محمد بن عون. وذكره ابن ماجة في سننه برقم (2945) وقد قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي: في الزوائد في إسناده محمد بن عون الخراساني، ضعفه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما. فالحديث من حيث السند ضعيف، لكنه يقوّيه الحديث السابق.

ص: 182

بيته، وأدخله إليه، وهاهو يمشي على الخطى التي سار عليها من قبل نبيُّه وحبيبه وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، ويتعرَّض مع سائر ضيوف الله في بيت الله لما يقسمه ربنا على أهل الحرم من عطاء الرحمة والمغفرة والتجليات الإلهية.

إنه ما لم يخشع القلب والجوارح، فإنّ العبادة ستولد ميتة، وستبقى حبيسة الحركات الرياضية التي لا سلطان لها على هذا الإنسان تأثيراً وتغييراً، وسيكون ذلك مجرد طقوس لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأن تمام الاقتداء لا يفي بغرضه الشكل والرسم، والقلب شارد غافل، لذلك فإن العبارة التي يكثر تردادها على الألسن:"ها هنا تُسْكَبُ العبرات، وتذهب الحسرات وتجاب الدعوات، وتقال العثرات، بإذن ربّ الأرض والسموات".

فأول ما ينبغي على الطائف فعله هو أن يتوجّه إلى ربه بقلب حاضر، وأحاسيس حرّى تستشعر جلال الموقف، فيسارع اللسان إلى ترجمتها أدعية ومناجاة وسؤالاً للمولى عز وجل من مجامع الخير الدنيوية منها والأُخروية، في لوحة يرسم الرجاء فيها العبد الذي يستحضر الذنب والخشوع، ويرسم العطاء فيها الخالقُ الكريم الذي يبسط يده للمسيء الشارد مهما طالت سنوات البعد عن الله، لينعم الضيوف جميعهم بالأمن والمغفرة والاستجابة والسلام، لذلك لاغرو أن تجد على باب الكعبة آيات تذكّر الحاج والمعتمر برفعة هذه المعاني التي تحمَّل من أجلها المشاق، من نحو قوله تعالى:{ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ} [الحجر: 46]{كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 12]{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].

ص: 183

فهذا مكان عظيم لا يسأل فيه غير الله، ولا يلتفتُ في أرجائة لغير الله، لذلك يروى أنّ هشام بن عبد الملك دخل الكعبة فلم يدْعُ معه غير منصور الحجي، فقال له هناك: سلْ حاجتك، فقال له منصور: ما كنت لأسأل غير الله في بيته، فلم يسألهُ شيئاً. كما رُوي عن سفيان بن عُيَيْنه قوله: سمعتُ أعرابياً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول: السائل ببابك انقضت أيّامه، وبقيت آثامه، وانقضتْ شهواته وبقيت تبعاته، لكلِّ ضيف قِرى، فاجعلْ قِرايَ الجنة".

أما أن ينغمس الطائف حول البيت بمظاهر الغفلة عن الله، والتشاغل بأسباب الدنيا، فهذا لا يليق بالعبد التائب، ولا يصح ممّن صدق في توجهه إلى ملاذ الأمة الآمن، فأُنادي في هؤلاء الغافلين بقايا تعظيمٍ لله عز وجل في رحاب بيته المحرَّم:

يا مَن يطوفُ ببيت الله بالجسد

والجسم في بلد والروح في بلد

ماذا فعلت؟ وماذا أنت فاعله؟

مهرِّج في اللقا للواحد الأحد

إنّ الطواف بلا قلبٍ ولا بصرٍ

على الحقيقة لا يشفي من الكمد

ومن سنن الطواف التي ترتبط بهيئة الخشوع هذه، تركُ الأكل والشرب، ويلحق بهما شدة توقانه إلى الأكل، فيكره تلبّسه بما ذكرت.

أمّا الكلام فهو خلاف الأولى مالم يكن بخير.

ومن ذلك تركُ وضع اليد على فيه بلا حاجة، وكذا تفريق الأصابع، وفرقعتها.

فإذا بلغ الركن الشامي قال: "اللهمّ اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور، ربّ اغفر لي وارحم وتجاوز عما تعلم، إنّك

ص: 184

أنت الأعز الأكرم" (1).

ويمضي النووي في القول: "ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني":

إذا بلغ الطائف الركن اليماني قال: "اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة"(2).

كما يقول عنده: "اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفاقة ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة"(3).

فإذا تجاوز الطائف الركن اليماني قال: "اللهمّ! ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".

فإذا بلغ الحجر الأسود من جديد قال: "اللهمّ! اغفر لي برحمتك. أعوذ بربّ هذا الحجر من الفقر وضيق الصدر، وعذاب القبر"(4).

ثم يستلم الحجر إيذاناً بطوفة أخرى، يدعو فيها بما سبق، ويكرره في كل شوط حتى يتم سبعة أشواط. هذه هي الأدعية التي استحبها العلماء، والتي تناقلتها الأجيال جيلاً عن جيل نقلاً عن رجال السلف الصالح.

(1) إحياء علوم الدين في الباب الثاني من كتاب أسرار الحج.

(2)

الإحياء: نفس الباب والفصل.

(3)

قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح للنووي ص 270: "أخرج الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما انتهيت إلى الركن اليماني قط إلّا وجدت جبريل عليه السلام عنده فقال: قُلْ يا محمد، قلتُ: وما أقول؟ قال: قل: اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفاقة

" ثم قال جبريل عليه السلام "إنَّ بينهما سبعون ألفاً ملكاً فإذا قال العبد هذا قالوا: آمين" ثم قال: "وقوله سبعون كذلك رأيته! فإن صح فهو على حذف ضمير الشأن أو على إلغاء إن ونظيره: إنّ في أمتي ملهمون".

(4)

إحياء علوم الدين في الباب الثاني من كتاب أسرار الحج.

ص: 185

لكن لباحث أن يسأل: هل في الميزان العلمي أدعية لكل ركن، تمتد إلى الباب والمقام والميزاب على النحو الذي رتبه ودوّنه الخطباء والوعاظ ومصنفو الكتيِّبات في موضوع الحج؟ الإجابة النزيهة على ضوء علم الحديث الشريف، وعلم البحث والنظر هي التي نجد فيها ضالّتنا، والحق أنني في بدايات ترحالي إلى الأرض المقدّسة مكة، كانت كل الكتب المؤلفة في أحكام فريضة الحج تثبت هذه الأذكار كما أثبتها لك، وربما نسبتها إلى كتب أخرى لمن تقدم من العلماء كما فعلتُ حين نقلت لك جلّها عن "إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي، دون أن ينسب شيئاً منها إلى كتب السنن، لذلك آثرت أن أمخر عباب هذه الجزئية كشفاً عن ملابساتها، وتقديماً لكل ما هو مفيد في دائرة البحث في فقه الركن الخامس، ثم لدى تتبعي لما استحبه العلماء في دعاء كل جانب من البيت مثبت في كتبهم تبيَّن لي أن الصحيح منها لا يخرج عن أذكار ثلاثة:

الأول: التكبير عند استلام الحجر، فهذا أثبته البخاريُّ في صحيحه (1).

أما قولك: "بسم الله، والله أكبر"، فقد ذكره البيهقي في "السنن الكبرى (2) ".

الثاني: صحيح أيضاً، فقد رواه عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"(3).

(1) صحيح البخاري برقم (1613)، عن ابن عباس قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبّر.

(2)

من حديث ابن عمر برقم (9331)، وقد سبق تخريجه، وقال الإمام محمد بن علي الشوكاني في نيل الأوطار ج 5 ص 57:"وسنده صحيح".

(3)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9371)، كما رواه البيهقي عن حبيب بن صَهْبَان أنه رأى عمر رضي الله عنه يطوف بالبيت وهو يقول:"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ما له من هِجِّيْرَى غيرها". أي ما له من عادة ودأب غيرها. اُنظر برقم (9372). كما رواه أبو داود في سننه برقم (1892) واللفظ له، وقال الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، ج 5 ص 57 باب ذكر الله في الطواف:"حديث عبد الله بن السائب أخرجه أيضاً النَّسائي وصححه ابن حبان والحاكم".

ص: 186

الثالث: ما رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فيما بين الركنين: "اللهمّ قَنّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف عليَّ كلَّ غائبة لي منك بخير"(1).

فالحديث الصحيح الذي أخذ به العلماء قاطبة هو ذاك الذي يقال بين الركنين: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)} لا سيما وأنه ورد في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهمّ! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (2)، وفي زيادة عند مسلم: "وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها فيه" (3). لذلك قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- "هذا أحبّ ما يقال في الطواف (4)"، كما قال: "وأُحبُّ أن يقال في كلّه (5)" (6). قال الإمام النووي: "قال أصحابنا: وهو فيما بين الركن اليماني والأسود آكد ويدعو فيما بين طوفاته بما أحب من دين ودنيا لنفسه، ولمن أحب، وللمسلمين عامة" (7). كما قال الشافعي رحمه الله:"وأُحب أن يقول في رمله: (8) "اللهمّ! اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً".

وقال أيضاً: ويقول في الأربعة الأخيرة: "اللهمّ! اغفر وارحم، واعف عما

(1) الحاشية لابن حجر ص 270 ..

(2)

صحيح البخاري برقم (6389)، ومسلم (2690/ 26).

(3)

صحيح مسلم (2690).

(4)

هذا ما يتفق مع ظاهر حديث عبدالله بن السائب السابق.

(5)

هذا ما يتفق مع ظاهر الرواية عن عمر رضي الله عنه التي رواها البيهقي كما مر.

(6)

اُنظر في توثيق قولي الشافعي: "الحاشية على شرح الإيضاح في مناسك الحج" للعلامة ابن حجر الهيتمي ص 269.

(7)

نفس المرجع ص 269 - 270.

(8)

قال الإما ابن حجر الهيتمي في تعليقه على كلام الشافعي هذا "قاله: (وأحب أن يقول إلخ) تبعه على ذلك الأصحاب، ورواه الرافعي كغيره خبراً، لكن قال الأذرعي: تتبّعته فلم أجده خبراً ولا أثراً، ويؤيده قول ابن جماعة كابن المنذر وغيره: لم يثبتْ في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم إلّا ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار بين اليمانيين، أي ودعاء: اللهمّ! وقنعني بما رزقتني إلخ كما يأتي" نفس المرجع ص 268.

ص: 187

تعلم، وأنت الأعزُّ الأكرم، اللهمّ! ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار (1) ". لكن الذي يتتبع الدعاء لا يجد فيه سنداً من حديث أو أثر، ويجد أن العلماء تبعوا الشافعي في هذا الدعاء وروَوْه عنه على أنه خبر من الأخبار الواردة، والصحيح ما ذكرت، والله تعالى أعلم.

أما دعاء استلام الحجر الأسود: "اللهمّ! إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك،

" فقد أخرجه الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في سننه الكبرى في روايته عن عليٍّ كرم الله وجهه لكن بسند ضعيف (2). إلّا أنه من الضعيف الذي يُعمل به في فضائل الأعمال؛ لأنه لم يشتد ضعفه؛ ولأنه من الدعاء الذي يرسخ في قلوب الطائفين عقيدة الإيمان، وبواعث الاتّباع، ودواعي الاقتداء بسنة خير البشر صلى الله عليه وسلم فهو على هذا يندرج تحت الأصول الشرعية الثابتة، ناهيك عن أن الدعاء في الطواف حول البيت هو أصل ثانٍ من أصول هذه العبادة، لذلك استحبه الإمام النووي شيخ دار الحديث في دمشق، واستحبه معه سائر العلماء.

والخلاصة أنه يسن أن يكثر الطائفون في المسجد الحرام من الدعاء الوارد:

{رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، وأنه يستحب في بدء الطواف بصيغة "بسم الله، والله أكبر" وصيغة: "اللهمّ! إيماناً بك

" لاستحباب كافة الفقهاء لها، وأنه يسن له أن يدعو بين الركنين إلى جانب ما ذكرته لك، بما أخرجه

(1) اُنظر نفس المرجع والصفحة، وانظر كذلك السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 185، باب: القول في الطواف من رواية الربيع عن الشافعي برقم (9369).

(2)

قال أستاذنا الدكتور مصطفى ديب البغا في "الهدية المرضية بشرح وأدلة المقدمة الحضرمية" ص 597."ورواه البيهقي في الحج (5/ 79) بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه"، كما قال الإمام الشوكاني في فتح القدير: "وعن عبد الله بن السائب حديثٌ آخر عند ابن عساكر من طريق ابن ناجية بسند له ضعيف. وساق النص بتمامه: "بسم الله، والله أكبر، اللهمّ! إيماناً بك .... " ج 5 ص 57.

ص: 188

الحاكم بإسناد صحيح: "اللهمّ! قنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلفْ عليّ كل غائبة لي منك بخير".

وما بين الأركان والأجزاء المختلفة من البيت يدعو بما شاء من خيري الآخرة والدنيا، لنفسه، ولأمته التي قدم إلى الحج على أنه أحد المندوبين عنها في مؤتمرها العالمي العظيم، أو يملأ وقت الطواف بتلاوة آيات من كتاب الذكر الحكيم، وهو ما رجحه إمامنا الشافعيّ؛ لأنّ الطواف صلاة، وكلاهما موضع للذكر، وأفضل الذكر على الإطلاق كلام الله عز وجل؛ ولأن الدعاء المتفق على تفضيله بين كافة الفقهاء: "ربنا آتنا

" هو نصٌّ لآية من كتاب الله عز وجل، أي هي قرآنٌ يتلى، لذلك قال الإمام النووي: "ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أنه يستحب قراءة القرآن في طوافه؛ لأنه موضع ذكر، والقرآن أعظم الذكر، قال أصحابنا: وقراءة القرآن في الطواف أفضل من الدعاء غير المأثور، وأما المأثور فهو أفضل منهما على الصحيح (1) ". ثم قال:"قال الشيخ أبو محمد الجويني: ويحرص على أن يختم في أيام الموسم في طوافه ختمة"(2).

أما ما وراء ذلك من الأدعية التي سردتها عليك، ونقلتها لك عن كتاب "إحياء علوم الدين" لحجة الإسلام الغزالي، والتي امتلأت بها معظم الكتب المدونة في مناسك الحج فإنه لم يصحّ منها شيء وإنْ استحبها الكثير من الفقهاء، لذلك لم يوردها الإمام

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 271.

(2)

قال الإمام ابن حجر الهيتمي في تعليقه على كلام النووي هذا: "اعترض بأنه لا سند له في ذلك، ويُردُّ بأن الشيخ إنما قصد بذلك التحريض على هذا الخير الكثير فإن في ختم القرآن بمكة فضلاً عن الطواف سيما في شهر الحجة، ومع اشتغاله بأسباب الحج ومتاعبه ومتاعب السفر من الخير والثواب ما يعجز الإنسان عن حصره، فكان في قول الشيخ: ويحرص إلخ، من الدلالة على هذا الخير العظيم تنبيهاً للناس على الاعتناء بذلك والحرص عليه، فالاعتراض عليه بما ذكر ليس في محله، ومن ثم أقره المصنف وغيره على ذلك، ثم رأيت ابن الجوزي قال: قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم إذا قدموا مكة أن لا يخرجوا حتى يختم القرآن، وفيه تأييد لكلام الشيخ رحمه الله على ما مرّ آنفاً في نظيره".

ص: 189

النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج كما حذفها كذلك من كتاب الروضة واختار تلاوة القرآن الكريم في الطواف ونقل عن الشافعي استحبابه وعن الأصحاب أن القرآن في الطواف أفضل من الدعاء غير المأثور، ولا أقول لا يدعو بهن فإن الحديث الذي أصابته علة الضعف بإرسال أو انقطاع أو ما شابه من علامات التمريض للرواية فإنه يُعمل به في فضائل الأعمال باتفاق لا سيما وأنه موقوف على صحابة كرام دون أن يعارض نصاً ثابتاً في كتاب أو سنة (1). أما الأدعية التي وراء ما ذكرت من الأحاديث الصحيحة أو السقيمة فلا وجه لاختيارها أو استحسانها تحت أي مسمى من المسميات؛ لأنه لم يرد فيها شيء ولو كان ضعيفا؛ ولأنه لم تثبت أدعية خاصة بكل شوط والقول بهذا الدّعاء ابتداع لما فيه من النسبة لدين الله وأحكامه ما ليس منه.

لكن هل هذا الابتداع يعني تحريم قراءتها؟ بالطبع لافهي أدعية كسائر ما نناجي به الباري عز وجل في الطواف وغيره وهي جميعها تأوي إلى المظلة التي بسطها إمامنا النووي بقوله: "ويدعو فيما بين طوافه بما أحب من دين أو دنيا" إلّا أنني أنبه هنا إلى ضرورة أن لا يخص دعاء الشوط الأول بالشوط الأول ودعاء الثاني بالشوط الثاني وهكذا مع اعتقاد الخصوصية والأفضلية فهذا يدخل في الطريقة المخترعة في الدين التي تضاهي الشريعة وهي عين البدعة في تعريف الإمام الشاطبي لها والله تعالى أعلم.

قال فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله:

"الشيء الصحيح الذي ورد في أدعية الطواف هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين

(1) قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "المراد بالمأثور ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم وبحث بعضهم أنه يشترط صحة سنده وفيه نظر؛ لأنهم نصوا على استحباب أدعية وردت من طرق ضعيفة وكأنهم نظروا إلى أن فضائل الأعمال يكتفي فيها بالضعيف والمرسل والمنقطع. قال في المجموع: اتفاقا" اُنظر نفس المرجع ص 271.

ص: 190

الركنين الركن اليماني والحجر الأسود {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)} [البقرة: 201] وورد عن الإمام الشافعي أنه كان يقول اللهمّ اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً وهذا ورد عن بعض الصحابة أو نحو ذلك.

أما هذه الأدعية التي يرددها الناس فبعضها أدعية مأثورة في غير الحج كما إذا قال قائل: اللهمّ اقسم لي من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، أو اللهمّ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي.

هناك أدعية كثيرة وردت في القرآن (1) وفي السنة هي موضوع الدعاء في هذا المكان أو في غيره لكن ليس هناك دعاء اسمه دعاء الشوط الأول ولا دعاء الشوط الثاني إذْ لم يردْ شيء من هذا" (2).

ومن السنن الموالاة بين الطوفات السبع خروجاً من خلاف من أوجبها فالتفريق بلا عذر مكروه، وبعذر لا كراهة فيه، ومن الأعذار إقامة صلاة الجماعة وليس منها السعي وراء جنازة أو أداء سنة راتبة (3).

ومن الفوائد التي تلحق بهذا ما قرأته للإمام الغزالي في بحث الطواف وفيه يقول حجة الإسلام: "إذا تم الطواف سبعاً فليأت الملتزم وهو بين الحجر والباب وهو موضع استجابة الدعوة وليلتصق بالبيت وليتعلق بالأستار وليلصق بطنه بالبيت

(1) الذي أرجحه - إن جاز لمثلي الترجيح - أن نختار من القرآن الكريم أدعية المناجاة والدعاء فنكون بهذا قد مُتِّعْنَا بالجمع بين تلاوة القرآن الكريم الذي رجحه إمامنا الشافعي وبين الدعاء الذي ورد في تلك الكتب.

(2)

نقلا عن كتاب مئة سؤال عن الحج والعمرة والأضحية والعيدين د. يوسف القرضاوي السؤال السادس والأربعون ص 113 ـ 114.

(3)

اُنظر المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للعلامة الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 421.

ص: 191

وليضع عليه خده الأيمن وليبسط عليه ذراعيه وكفيه وليقل: "اللهمّ! يا ربّ البيت العتيق أعتق رقبتي من النار وأعذني من الشيطان الرجيم وأعذني من كل سوء وقنعني بما رزقتني وبارك لي فيما آتيتني. اللهمّ إن هذا البيت بيتك والعبد عبدك وهذا مقام العائذ بك من النار. اللهمّ اجعلني من أكرم وفدك عليك، ثم ليحمد الله كثيراً في هذا الموضع وليصلّ على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الرسل كثيراً وليدْعُ بحوائجه الخاصة وليستغفر من ذنوبه"(1).

وقد بحثت عن سند هذه الهيئة والدعاء، فأما الدعاء فيبدو لي أنه كمعظم أدعية الطواف لم يصح فيه شيء، وأما الهيئة فقد وجدت ضالتي في السنن الكبرى للبيهقي حيث أورد سلسلة من الأحاديث ترجمة لعنوان باب الملتزم من أصرحها ما رواه عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت له: ألا تتعوذ قال: "أعوذ بالله من النار ثم مضى حتى استلم الحجر قام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما بسطاً ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله"(2).

فالإمام الغزالي ذكر لنا في ختام ما نقله إلينا أنه استقى ذلك من فعل السلف الصالح وإليك نص حديثه "كان بعض السلف في هذا الموضع يقول لمواليه تنحوا عني حتى أقر لربي بذنوبي".

* * *

(1) إحياء علوم الدين لحجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي كتاب أسرار الحج الجملة الرابعة في الطواف.

(2)

السنن الكبرى للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسن بن علي البيهقي برقم (9416) كما أخرجه الإمام أبو داود السجستاني في سننه برقم (1899).

ص: 192

مقام إبراهيم

ص: 193