الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عرفة وخطبتها الجامعة
قال جابر رضي الله عنه: "حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء (1) فَرُحِلت (2) له فأتى بطن الوادي (3) فخطب الناس ..... ":
قلنا إن ضيوف الرحمن يندفعون من منى إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسع من ذي الحجة وهم ما يزالون في منى. وفي طريق اندفاعهم إلى حيث الموقف يجمعون بين التلبية والتكبير عملاً بالسنة مع مراعاة أن التلبية أفضل بنص الفقهاء (4).
وقلنا إنهم ينزلون بنمرة على تخوم عرفات، ويمكثون فيها حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فعلوا ما فعل رسول الله صلى حين أمر ناقته بعد أن جعل الرَّحْلَ
(1) تقدم ضبطها وبيانها في أول كلام جابر وأنها ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(2)
قال الإمام النووي: "وقوله: فرُحِلت بتخفيف الحاء أي جُعِلَ عليها الرَّحْلُ". اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم ج 8 ص 338.
(3)
قال الإمام النووي في نفس المرجع والجزء والصفحة: "وقوله: "بطن الوادي" وهو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء وبعدها نون وليست عرنة من أرض عرفات عند الشافعي والعلماء كافة إلا مالكا فقال: هي من عرفات".
هذا القول نقله كذا عن الإمام مالك العلامة محمد بن رشد القرطبي في كتابه النفيس بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج 1 ص 349 لكن أُستاذنا الدكتور نور الدين عتر في كتابه الحج والعمرة في الفقه الإسلامي ص 65 قال: "وليس وادي عرنة من الموقف ولايصح الوقوف فيه باتفاق أئمة المذاهب". ثم قال في التعليق على ذلك في الحاشية: "ونسب في بداية المجتهد 21/ 337 والمغني لمالك القول بجواز الوقوف بعرنة وأن فيه الدم وهو مخالف للمنصوص".
(4)
احتج الفقهاء على ذلك بما رواه مسلم في صحيحه برقم (1284/ 272) عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات منا الملبّي ومنا المكبر. قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 9 ـ ص 407 ـ "فيه دليل على استحبابهما من منى إلى عرفات يوم عرفة والتلبية أفضل وفيه رد على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة والله أعلم".
عليها فقامت بسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم فتحرك بها إلى أن أتى المسجد المسمى باسم أبيه إبراهيم عليهما السلام في بطن وادي عرنة وهناك يخطب الإمام كما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته خطبتين خفيفتين قبل صلاة الظهر يبين لهم في الأولى الوقوف بعرفة وشرطه ومتى الدفع من عرفة، والمبيت بالمزدلفة وأخذ الحصى منها لرمي الجمار وغير ذلك، كما يحرضهم فيها على إكثار الدعاء والتهليل في الموقف (1) دون أن يفوته التنبيه على أهم قضايا الأمة اقتداء منه برسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته الجامعة المانعة التي سندرسها في الفقرة التالية من كلام جابر رضي الله عنه.
ومن السنة أن يخفف هذه الخطبة لكن لا يبلغ في تخفيفها تخفيف الثانية؛ لأن الأولى هي المقصودة والثانية مجرد ذكر لهذا شرعت مع الأذان؛ ولهذا طلب تخفيفها قصداً للتعجيل والمبادرة بالصلاة لإدراك أول الوقوف كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
ومن السنة الجلوس بين الخطبتين قدر قراءة سورة الإخلاص (3)، ثم يشرع بالأذان كما سيأتي معك من كلام جابر (4).
روى البخاري في صحيحه عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كتب عبد الملك (5) إلى الحَجاج أن لا يخالف ابن عمر في الحج فجاء ابن عمر وأنا معه يوم
(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح ص 307.
(2)
قال الشافعية والمالكية: يبدأ المؤذن والإمام يخطب أو بعد فراغه من الخطبة ويفرغ من الخطبة الثانية مع فراغ المؤذن. اُنظر نفس المرجع ص 308، والفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2275.
(3)
اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح نفس الصفحة.
(4)
قال العلامة الشيخ الفيلسوف محمد بن رشد القرطبي في بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج 1 ص 347 "ولا خلاف بين العلماء أن الإمام لو لم يخطب يوم عرفة قبل الظهر أن صلاته جائزة بخلاف الجمعة".
(5)
أي عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي وذلك عندما أرسله لقتال عبد الله بن الزبير وكان ابن الزبير قد منع الحَجاج وعسكره من دخول مكة المكرمة فوقف في عرفة قبل طواف القدوم. اُنظر فتح الباري ج 3 ص 645.
عرفة حين زالت الشمس فصاح عند سرادق الحَجاج (1) فخرج وعليه ملحفة (2) مُعَصْفَرَة (3) فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواحَ إن كنت تريد السنة (4) قال: هذه الساعة؟ ! قال: نعم. قال: فأنظرني حتى أُفيض على رأسي ثم أَخرج، فنزل (5) حتى خرج الحجاج فسار بيني وبين أبي (6) فقلت: إن كنت تريد السنة فاقْصُرِ الخطبة وعجِّلِ الوقوف (7) فجعل ينظر إلى عبد الله فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق" (8).
ثم الخطب التي يخطبها الإمام في الحج أربع خطب مسنونة:
إحداها: يوم السابع من ذي الحجة يخطب بها عند الكعبة المشرفة خطبة واحدة لا يجلس فيها بالاتفاق وهي أول الخطب يعلّمهم فيها الإمام مناسك الحج استعداداً للرحيل إلى منى يوم التروية (9). الدليل ما رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد جيد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قبل التروية خطب
(1) وفي رواية أخرى عند البخاري برقم (1663)"أين هذا؟ " يريد الحجاج".
(2)
أي إزار كبير.
(3)
المعصفر المصبوغ بالعصفر.
(4)
قال صاحب فتح الباري: "وفي رواية ابن وهب إن كنت تريد أن تصيب السنة" ج 3 ص 646.
(5)
أي ابن عمر
(6)
القائل هو سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعاً.
(7)
تعجيل الوقوف يستلزم منه تعجيل الصلاة.
(8)
صحيح البخاري برقم (1660).
(9)
اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ـ ص 240، والفقه الإسلامي د. الزحيلي ج 3 ص 2274.
الناس فأخبرهم بمناسكهم (1).
الثانية هي هذه التي يتحدث عنها جابر التي أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن عرنةيوم التاسع من ذي الحجة بعد الزوال، وهي تؤدى كصلاة الجمعة بخطبتين قبل الصلاة يجلس بينهما كما مر (2).
الثالثة يوم النحر وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه في بابه بعنوان: "الخطبة أيام منى" وفيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أيُّ يوم هذا؟ (3) قالوا: يوم حرام. قال: فأيُّ بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: فأيُّ شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. فأعادها مراراً ثم رفع رأسه فقال: اللهم! هل بلّغْتْ؟ اللهم! هل بلغت؟ قال ابن عباس: والذي نفسي بيده إنها لوصية لأمته فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" (4).
فالخطبة يوم النحر هي لتعليم الناس مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي؛ لأن النحر يوم تكثر فيه أعمال الحج فيحتاج الناس حينئذ إلى تعلم الأحكام فإذا بخطبة يوم النحر مفتاح يمكنهم من بلوغ غايتهم.
الرابعة يوم النفر الأول، وهو ثالث أيام العيد، أي اليوم الثاني من أيام التشريق يعلّم
(1) السنن الكبرى للإملام البيهقي باب الخطب التي يستحب للإمام أن يأتي بها في الحج أولها السابع من ذي الحجة بمكة ج 7 ص 240 برقم (9519).
(2)
هذه الخطبة هي الأولى عند الحنبلية.
(3)
وفي رواية أخرى عند البخاري: "أتدرون أيّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه
…
" أقول: كذا في سائر الأسئلة. اُنظر البخاري برقم (1654).
(4)
البخاري برقم (1739).
الإمام فيه حجاج بيت الله الحرام حكم التعجيل من منى، وحكم التأخير في منى، وحكم التوديع للبيت (1). روى الإمام أبو داود في سننه عن سرّاء بنت نبهان وكانت ربة بيت في الجاهلية قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال: أيُّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس أوسط أيام التشريق" (2).
هذه الخطبة وسابقتها كخطبة السابع من ذي الحجة خطبة إفراد أي يخطب الإمام خطبة واحدة خلافاً لخطبة عرفات. قال الإمام النووي: "كل هذه الخطب إفراد وبعد صلاة الظهر إلّا التي يوم عرفات فإنها خطبتان وقبل الصلاة"(3).
فهذه الخطب محطات تثقيفية ومنابر تعليمية وتوجيهية يطل بها الإسلام على أبنائه يقدم لهم الزاد المعرفي والوحي في كل مرحلة من مراحل هذه الفريضة العظيمة بما يكفيهم للمحطة التالية التي تنتظرهم لذلك قال الإمام النووي: "قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى (4) والله أعلم"(5).
ومن هذا يتبين لنا أن الحج إلى بيت الله الحرام ليس رحلة ترفيهية، ولا نزهة سياحية، وأنه عمل جهادي متواصل ينضبط إيقاعه على وقع الأحكام الشرعية، مما يتطلب من القائمين عليه محطات تعليمية تغطي إحداها مسافة زمنية محددة ليتلقى الحاج بعد ذلك محطة أُخرى تسلمه التالية لها وهكذا حتى تختتم هذه الرحلة الإيمانية
(1) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 338. الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2276.
(2)
سنن أبي داود برقم (1953).
(3)
اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 338.
(4)
روى أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى فَفُتِحَتْ أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع أصبعيه السبابتين ثم قال: "بحصى الخذف"، ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد، ثم نزل الناس من بعد ذلك. برقم الحديث (1957).
(5)
اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 338.