الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مواقيت الإحرام
قال مسلم: قال جابر: "فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد":
المسلم الذي يريدُ حجاً أو عمرة عليه أن يتوجّه إلى أحد المواقيت التي حدَّدها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقنا إلى مكة، فقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"وقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. وقال: هُنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنّ ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهلُ مكة من مكّة"(1).
فالجحفة تقع قرب ساحل البحر الأحمر وسط الطريق بين مكة والمدينة على بعد 187 كم عن مكة وقد خربت الآن واندثرت وحجاج الشام ومصر والمغرب وتركيا عندما يسلكون هذه الجهة يحرمون اليوم من مكان قريب منها يقال له: رابغ يبعد عن مكة 220 كم.
وميقات أهل نجد قرن المنازل: هذا الميقات يشمل كذلك بلاد الخليج العربي، وغيرهم من القادمين من طريق الرياض الطائف، إلى مكة المكرمة. ونظراً إلى وجود طريقين رئيسيين اليوم تربطان الرياض بأرض الحرم، فقد تم تحديد نقطتين للإحرام هناك، لا نقطة واحدة، وذلك ببناء مسجدين: أحدهما يعرف بمسجد ميقات السيل الكبير، ويقع على بعد 80 كم عن المسجد الحرام، إلى الجهة الشمالية من بلدة السيل
(1) أخرجه البخاري برقم (1529) ومسلم برقم (1181/ 11)، وبرقم (1181/ 12).
الكبير وعلى بعد 40 كم شمالي مدينة الطائف.
والآخر يدعى مسجد وادي محرم، ويعرف أيضاً بميقات قرن المنازل، ويقع إلى الجهة الجنوبية من مسجد السيل الكبير على بعد 76 كم عن المسجد الحرام، من طريق الهدا، ومسافة 10 كم من مدينة الطائف وبين الميقاتين حوالي 33 كم (1).
ومن الأحداث الهامة التي وقعت في قرن المنازل، ما رواه الشيخان عن عروة بن الزبير أنّ عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدَّثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليكَ يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومكِ ما لقيتُ، وكان أشدُّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذْ عرضتُ نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كَلال فلم يجبني إلى ما أرَدْت، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفقْ إلّا وأنا بقرن الثعالب (2)، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرْتُ فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث الله إليكَ ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلّم عليَّ ثم قال: يا محمد إنَّ الله قد سمع قول قومكَ لكَ، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربُّكَ إليكَ لتأمُرَني بأمركَ فيما شئت. إنْ شئت أن أُطْبِقَ
(1) اُنظر تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً د. محمد إلياس عبد الغني ص 27. إنَّ وجود ميقاتين قريبين من بعضهما في مكان واحد لا يضر في الميزان الفقهي بشروطه بدليل ما نقله أستاذنا فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي عن الشافعية والحنابلة قولهم: "وقال الشافعية والحنابلة: من سلك طريقاً لا ينتهي إلى ميقات أحرم من محاذاته في بر أو بحر، فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إليه، فإن استويا في القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة، وإنْ لم يحاذ ميقاتاً أحرم على مرحلتين من مكة". الفقه الإسلامي وأدلته 3/ 2127، ثم إنّ هذا الذي ذكره د. الزحيلي قد يحدث في الطائرة أو في البحر عند محاذاة ميقاتين. اُنظر نفس المرجع 3/ 2129.
(2)
قال الإمام النووي في شرحه على حيح مسلم 12/ 484: "أي لم أفطن لنفسي، وأتنبَّه لحالي، وللموضع الذي أنا ذاهب إليه وفيه، إلّا وأنا عند قرن الثعالب لكثرة همّي الذي كنت فيه، قال القاضي: قرن الثعالب هو قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة، وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير".
عليهم الأَخْشَبين" (1)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل أرْجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم من يعبد الله وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئاً" (2).
ويلملم (السعدية) جبل من بلاد تهامة أيضاً قريب من مكة يبعد عنها 100 كم.
وذات عِرْق ميقات منسوب إلى جبل يعلوه عِرْق أسود، وقمته هي الأعلى في منطقته وهو الآن يعرف بالضريبة (3)، وهو يبعد عن مكة 90 كم.
أوّل من خط ميقات العراقيين هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، بدليل ما أخرجه البخاريّ في صحيحه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"لما فُتِحَ هذانِ المِصرانِ (4) أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّ لأهل نجد قَرْناً، وهو جَوْرٌ عن طريقنا (5)، وإنّا إنْ أرَدْنا قرْناً شقَّ علينا، قال: فانظروا حَذْوَها من طريقكم، فحدّ لهم ذاتَ عِرْق"(6).
أما ذو الحليفة فإنها تبعد عن المدينة المنورة 7 كم وتبعد عن مكة زهاء 440 كم وهي تُعرف اليوم بأبيار علي، وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من موقفه فيها مسجداً يعرف إلى اليوم بمسجد ذي الحليفة، لذلك جاء في متن حديث جابر: "فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في
(1) وهما جبلا مكة: أبو قُبَيْس، والجبل الذي يقابله. اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 486.
(2)
الشيخان: البخاري برقم (3231) ومسلم (1795/ 111).
(3)
اُنظر تاريخ مكة المكرمة د. عبد الغني ص 28.
(4)
البصرة والكوفة.
(5)
أي ميقات قرن المنازل مائل وبعيد عن طريقنا.
(6)
صحيح البخاري برقم (1458) كما رواه مسلم في صحيحه برقم (1183/ 18) عن ابن عمر مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أنّ الذي حدّ ميقات العراقيين على هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الراوي لم يجزم برفع الحديث، وإنما تردد، لذلك يبعد اعتماده، خاصة وأن رواية البخاري صرّحت بأنَّ الذي خطّ ذات عِرْق هو الفاروق عمر رضي الله عنه. كما رواه أبو داود في سننه برقم (1739).
المسجد" أي في ميقات ذي الحليفة الذي اتُّخذ فيه منذ ذلك الحين مسجدٌ لأداء صلاة الإحرام، وسائر الصلوات.
ولقد روى لنا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بعيره بالبطحاء بذي الحليفة، فصلّى بها، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك
…
" (1).
كما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة (2)، ويدخل من طريق المعرَّس (3)، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلّي في مسجد الشَّجرة (4)، وإذا رجع صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح"(5).
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الإحرام بذي الحليفة إذا أراد حجاً أو عمرةً لما روى البخاري عن ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج" (6). قال الشافعية: ويجزئ عنهما الفريضة والنافلة، لكن إن نواهما أي من المذكور حصل له الثواب فإن لم ينوهما سقط عنه الطلب بهما (7).
والسنة أن يحرم بعد ركعتي الإحرام حيث تنبعث به راحلته أو حافلته للتوجه إلى
(1) صحيح البخاري برقم (1459) وأناخ بعيره أي: أبركَ بعيره، وفي القاموس البطحاء والأبطح، مسيل واسع فيه دقائق وصغار الحصى.
(2)
هي الشجرة التي كانت عند مسجد ذي الحليفة.
(3)
طريق المعرّس هو أقرب إلى المدينة من طريق الشجرة، والمعرّس من التعريس، وهو النزول والمبيت عند آخر الليل. اُنظر تعليق أستاذنا د. مصطفى ديب البغا على الحديث في تعليقه على صحيح البخاري.
(4)
مسجد ذي الحليفة.
(5)
صحيح البخاري برقم (1460) وصحيح مسلم برقم (1257/ 223).
(6)
صحيح البخاري برقم (484)، وفي الحديث تصريح بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل ثَمّ لعمرته وحجه.
(7)
المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للعلامة ابن حجر الهيتمي ص 417.
مكة وهو ما يزال في الميقات، وذلك عملاً بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه برقم (1187/ 27)، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: يحرم المسلم عقب صلاة الإحرام، وهو جالس في المسجد قبل ركوب دابته، وقبل قيامه. قال الإمام النووي:"وهو قولٌ ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف"(1).
وفي هذا دلالة واضحة على استحباب ركعتي الإحرام لمن أراد حجاً أو عمرة، وأن تصليا في الميقات، كما يُظهر لنا النص فضيلة الإحرام من الميقات وأنّه مقدَّم على الإحرام من دُوَيْرة أهله، بدليل أنّ نبيَّنا محمداً عليه الصلاة والسلام ترك الإحرام من مسجده مع كمال شرفه، وشرف الصلاة فيه، وآثر عليه مسجد ذي الحليفة فدلَّ على الفضيلة كما نصّ على ذلك الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (2).
في جانب الإحرام ترتبط مسألة أُخرى هي غاية في الأهمية ألا وهي تحريم الإحرام بعد جواز الميقات، فمن أراد النسك لم يجز له أن يحرم بعد مجاوزة الميقات الذي ضربه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنْ فعل فأحرم بعد أن تجاوزه فيلزمه العود ليحرم منه، وتصح عودته ما لم يصل الحرم ويتلبس بنسك فإنْ عاد قبل تلبسه وأحرم من جديد، سقط عنه الدم (3).
روى لنا مسلم في صحيحه عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه رضي الله عنه يقول: "بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. ما أهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا من عند المسجد
(1) صحيح مسلم بشرح النووي ص 268، ومن تمام الفائدة قول النووي بعد ذلك:"وفيه أن التلبية لاتقدّم على الإحرام".
(2)
شرح الإمام يحيى بن شرف المعروف بالنووي على صحيح مسلم ج 8 ص 268 باب: إحرام أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة.
(3)
تهذيب تحفة الحبيب شرح نهاية التدريب للعلامة الفشني ص 207.
يعني ذا الحليفة" (1) وفي رواية: "إلّا من عند الشجرة حين قام بعيره" (2). قال الإمام النووي: "هذه البيداء هي الشَّرَفَ الذي قُدَّام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي بقرب ذي الحليفة، وسميت بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، وكلُّ مفازة تسمى بيداء، وأما ها هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه. وقوله تكذبون فيها أي تقولون إنه صلى الله عليه وسلم أحرم منها، ولم يحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد، وسمّاهم ابن عمر كاذبين لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو" (3).
فالقول الذي اعتمده جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية، هو أنّ الإحرام من الميقات أفضلُ من أيِّ موضعٍ قبلَه ولو كان المسجد النبوي أو الأقصى؛ لأن هذا هو الموافق للأحاديث الصحيحة، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد أحرموا من الميقات بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية أحرم من الميقات أيضاً كما رواه البخاري في المغازي؛ ولأن في مصابرة الإحرام بالتقدم عن الميقات تعسيراً وتغريراً بالعبادة، وإن كان ذلك جائزاً بالاتفاق. أما الحديث الذي رواه ابن ماجة:"من أهلّ بعمرة من بيت المقدس غفر له" والذي رواه أحمد وأبو داود عن أم سلمة، وذكره الإمام محمد بن عليّ الشوكاني في نيل الأوطار، فإنه ضعيف (4).
(1) مسلم برقم (1186/ 23).
(2)
مسلم برقم (1186/ 24).
(3)
شرح الشيخ محيي الدين يحيى بن شرف النووي على صحيح مسلم ج 8 ص 267.
(4)
اُنظر نيل الأوطار للإمام الشوكاني 4/ 298. أقول: أخرجه ابن ماجة برقم (3002)، والإمام أحمد في مسنده برقم (26558). قال محققوا الموسوعة الحديثية على مسند أحمد ج 44 ص 181: "إسناده ضعيف لجهالة أُم حكيم
…
" وقال الحافظ: مقبولة
…
قال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وقال الحافظ مستور
…
ثم إنه قد اضطرب في إسناده ومتنه اضطراباً شديداً وذكر ابن القيم في زاد المعاد 3/ 267 أنه حديث لايثبت، وأنه قد اضطرب في إسناده ومتنه اضطراباً شديداً.
ومن تمام الحديث عن المواقيت تناول الإحرام في الطائرة عندما تقترب من محاذاة الميقات في الجو، من حيث إنَّ المواقيت التي نصَّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حُدِّدَت بالنسبة لأهل البر يوم لم تكن هناك طائرات: إنَّ الذي عليه جمهور علماء المسلمين ومفتيهم اجتهاداً في هذه المسألة أنّ حجاج الجوِّ ينسحب عليهم حكم حجاج البرّ وفق المواقيت التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل كل بلد، ولمن مر بها من البلاد الأخرى، وأن محاذاة الطائرة للميقات لا تختلف عن مرور الحافلات البرية بموقع الميقات.
هذا هو المعمول به في كافة البلاد الإسلامية بالنسبة لحجاج كل عام، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث في عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8 ـ 13 صفر 1407 هـ الموافق لـ 11 إلى 16 أكتوبر 1986 م والذي جاء فيه ما نصه:"المواقيت المكانية التي حدَّدتها السنة النبوية يجب الإحرام منها لمريد الحج أو العمرة، للمارّ عليها أو المحاذي لها، أرضاً، أو جواً أو بحراً، لعموم الأمر بالإحرام منها في الأحاديث النبوية الشريفة والله أعلم"(1).
فالمجامع الفقيه، والفتاوى الشرعية، والعمل بين المسلمين في الأمصار أنّ إحرام ركّاب الطائرات لا يختلف عن إحرام المشاة وركاب الحافلات، وأنّ نية هؤلاء كهؤلاء تكون عند محاذاة الطائرة للميقات، حيث يهيء قائد الطائرة الحجَّاج بأننا سنكون فوق الميقات بعد ربع ساعة مثلاً.
هذه المسألة وجدتُ من يحاول أن يُخَفِّف عن المسلمين فيها، مفتياً بأنَّ ركاب
(1) اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي، فصل بعنوان: قرارات مجمع الفقه الإسلامي في مقره الأصلي جدة ـ التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ـ قرارات دورة عمان القرار (7) ج 7/ص 5103.
الطائرات لهم أن يحرموا من مطار جدة في الوصول إليه، وأن مدينة جُدّة هي ميقات بالنسبة لحجّاج الجوّ والبحر.
هذه الفتوى صدرت عن فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، وله في المسألة أكثر من استدلال:
أولاً: أنّ حجّاج الجوّ لم يرد في ميقاتهم شيء، وأن إحرامهم من محاذاة الميقات مبني على اجتهاد.
ثانياً: قوله: فالمالكية أجازوا للحاج عندما ينزل من المركب أن يحرم، فأعتقد أن ركاب الطائرات أولى بهذه الرخصه من ركاب الباخرة؛ لأن الطائرة تكون فيها زحمة، ولا يتيسر للإنسان أن يلبس ملابسه ويغيّر ويدخل الحمام (1).
كما قال في برنامج الشريعة والحياة: بعض المالكية أفتى بجواز أن يحرم القادمون من الهند عند نزولهم من البحر إلى البر.
ثالثاً: فتوى الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر، بجواز إحرام ركاب الطائرات من جدة (2).
هذه الفتوى ذكرتها ليكون الكتاب جامعاً لكل ذي صلة بالموضوع، وفي مناقشتها أقول: إذا كان لمثلي أن ينظر في الأدلة، فإنني أكتفي بإثبات هذه الفتوى في كتابي لطالبيها، وأنّ هناك من قال بها من غير ترجيح أو تضعيف على أن الاجتهاد الذي ذهب إليه المجمع الفقهي هو أقرب لسلامة القلب من الاجتهاد الذي ذهب إليه
(1) اُنظر مائة سؤال عن الحج والعمرةص 116.
(2)
المصدر المذكورص 115.
أستاذنا القرضاوي؛ لأنني لا أجد فرقاً بين من حاذى أرض الميقات بحافلته، أو حاذى بطائرة يركبها، وأن المسافة لا قيمة لها، ولا وجه لاعتبارها هنا كما أن الحرج الذي أتى فضيلته على ذكره ليس بذاك، فنحن في فوج اليمان نسافر كل عام بهذه الهيئة ولم أجد في حياتي من اشتكى من ذلك؛ لاسيما وأننا نوجه الحجاج إلى أن يرتدوا الأُزُر (1) تحت ثيابهم، ويهيئوا أنفسهم باللباس والاغتسال وصلاة ركعتي الإحرام قبل الصعود إلى الطائرة (2)، فلا يبقى عليهم عند اقترابهم من الميقات سوى نزع ثياب المخيط ووضع الرداء على الكتفين وهم على كراسيّهم. وبرأي هذا الشيء وجواز الإحرام من جدّة شيء آخر لا تصلح لها هذه الاستدلالات سوى فتوى المالكية وهي تضطرنا للقياس على مسألة فرعية غير مسلّم بها عند الفقهاء، كما أنها تصطدم مع الإحرام من الميقات بالنسبة للقادم من الشام أو مصر أو الحجاز، أما حجاج البحر فليس في طريقهم ميقات، مما يجعل كلاً من المسألتين بمنأى عن الأخرى. هذا والله أعلم.
* * *
(1) جمع إزار، كما يجمع قلة على (آزِرَة).
(2)
بل يمكنهم ذلك في بيوتهم، وهو أيسر.