المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌أحكام الموقف العظيم

يقبل بوجهه إلى الناس وهو يقول: (اللهم! اشهدْ. اللهم! اشهدْ. اللهم! اشهدْ).

* * *

‌أحكام الموقف العظيم

قال جابر رضي الله عنه: "ثم أذّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئاً":

بعد زوال شمس يوم عرفة يخطب الإمام خطبتين خفيفتين في موقفه في وادي عرنة كخطبتي الجمعة لذلك أخّر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة إلى ما بعد خطبتيه.

وفي هذه الصلاة تم تأخير الأذان للظهر إلى حين فراغه من الخطبة الأولى وابتدائه بالخطبة الثانية بحيث انتهى مؤذنه من إعلام الناس بالأذان مع انتهاء الخطبة الثانية (1).

والصلاة التي يؤديها الحجاج نهار ذلك اليوم تؤدى القراءة فيها سراً وهذا محل إجماع، وتجمع فريضة العصر في وقت الظهيرة إلى فريضة الظهر جمع تقديم قصراً لمن كان

(1) عندما يقوم الإمام للخطبة الثانية يأخذ المؤذن بالأذان، وهو ما يفيد أن الخطبة الثانية خفيفة جداً، وأنها مجرد ذكر تمهيداً للصلاة، وأن المقصود بالخطبة هو الأولى فهي خطبة الوعظ والتعليم، كما نستفيد من هذا أن طلب التخفيف في الخطبة الثانية يقصد منه تعجيل الوقوف في عرفة.

أما تأخير الأذان عن وقته إلى ما بعد الانتهاء من الخطبة الأولى فالعلة فيه أن الأذان إعلام للناس المنتشرين بدخول وقت الصلاة للاجتماع عليها لكن الناس في حالة اجتماع تام حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمْ يتم استدعاؤهم بالأذان، واكتُفيَ به إلى حين الفراغ من الخطبة الأولى والبدء بالثانية إيذاناً بالقيام للصلاة. اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 308.

ص: 329

مسافراً منهم سفراً طويلاً أما من كان حاضراً من أهل مكة أو عرفات أو مزدلفة أو مسافراً سفراً قصيراً دون مرحلتين فلم يجز له فقهاء الشافعية الجمع كما لم يجيزوا له القصر (1) ووافقهم في ذلك أتباع مذهب الإمام أحمد بن حنبل حيث ذهبوا إلى أن الجمع والقصر هناك سببه السفر الطويل فيختص بالمسافرين وأنه ليس من سنن الحج ومناسكه.

وهناك قول عند الشافعية يذهب إلى أنه يستوي في هذا الجمع المقيم والمسافر فالجمع عند هؤلاء علته النسك وليس السفر الطويل وهو ما يتفق مع مذهب الحنفية (2).

قال الإمام النووي في جمع الصلاتين يوم عرفة: "وقد أجمعت الأمة عليه واختلفوا في سببه فقيل: بسبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال أكثر أصحاب الشافعي هو بسبب السفر"(3).

هذا ويؤذن للأولى وهي الظهر ثم يقيم للصلاة لها، ثم يؤدي فرضها وبعد أن يسلّم يقيم لصلاة العصر ولا يؤذن، لها ثم يأتي بفرضها دون أن يصلي بينهما شيئاً كما

(1) قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "هذا وليتفطن الآن لدقيقة وهي أنّ الحاج المصري والشامي وغيرهما صاروا في هذه الأزمنة يجلسون بمكة بعد النفر الثاني (أي من منى) فوق أربعة أيام خلاف ما كانوا عليه من سفرهم بعد النفر قبل الأربعة وحينئذ فلا يجوز لهم قصر ولا جمع إلا أن يقال: إنهم يتوقعون السفر كل ساعة فهم كمن حبسه الريح في البحر وقد قالوا: "إن له ولمن في معناه الترخص ثمانية عشر يوماً غير يومي الدخول والخروج

" ثم قال: "وفي المجموع: لو دخل الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بها أربعاً أتموا فإذا خرجوا يوم التروية لمنى ونووا الذهاب لوطنهم بعد فراغ نسكهم ترخصوا من حين خرجوا؛ لأنهم أنشئوا سفر قصر اهـ ولا يضرهم نية العود لمكة للطواف؛ لأنها غير وطنهم بخلاف المكي إذا خرج لذلك قاصداً السفر إلى مسافة قصر بعد نسكه فإنه لا يترخص في خروجه للحج؛ لأن رجوعه وإن كان لحاجة وهي الطواف فهو إلى وطنه وهو مانع للترخص على المعتمد عند الشيخين خلافاً للأذرعي وغيره". اُنظر نفس المرجع ص 308 ـ 309.

(2)

اُنظر نفس المرجع ص 308.

(3)

اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ـ ص 341.

ص: 330

صرح بذلك جابر رضي الله عنه وإلا بطلت صلاته (1)؛ لأن جمع التقديم تشترط فيه الموالاة وكذا الترتيب كما تفيده رواية مسلم في صحيحه عن جابر.

وتؤدى هذه الصلاة جماعة كما مر (2).

وفي هذا الجمع يؤدي الحجاج سنة الظهر القبلية أي التي تقع قبل صلاة الظهر ثم يصلون الظهر ثم العصر ثم يؤدون سنة الظهر البعدية أي التي تقع بعد الظهر عادة، ثم سنة العصر. هذا ما يفعلونه، وهو ما يسن في حق كل من صلّى جمعاً بسبب السفر، في أي البلاد كان، لكن ضيوف الرحمن في عرفة لا يتنفلون بعد الصلاتين بغير ما ذكرنا من السنن الراتبة، ويبادرون إلى تعجيل الوقوف وهو ما نص عليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (3).

والذي نخلص إليه أن الجمع هناك محل عمل جماهير الأمة: فهل نعرض عنه بسبب إقامتنا في مكة (4) أو نؤديه عملا بمذهب من قال هو من النسك؟

(1) قال الإمام النووي في عموم جمع التقديم: "فإن أراد الجمع في وقت الأولى فله ثلاثة شروط: أن يبدأ بالأولى وأن ينوي الجمع قبل فراغه منها والأفضل أن تكون النية عند الإحرام بها وأن لا يفرق بين الصلاتين بصلاة سنة ولا غيرها فإن فقد أحد هذه الشروط بطل الجمع ووجب أن يصلي الثانية في وقتها ولو فرق بين الصلاتين بنحو الكلمتين أو الثلاث لم يضر وإن فرق بالتيمم بأن تيمّم للأولى ثم سلّم منها، ثم تيمّم للثانية وشرع فيها من غير تأخير جاز على المذهب الصحيح". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 67 - 68.

(2)

صلاة الجماعة في السفر مستحبة لكن لا تتأكد كتأكدها في الحضر. اُنظر نفس المرجع ص 69.

(3)

اُنظر نفس المرجع ص 69 و 309.

(4)

الإقامة في مكة أو غيرها هي زمنٌ امتداده أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج بحيث يمكث هذا الوقت أو ينوي البقاء هذه المدة فأكثر منها فيعد بذلك مقيماً، أما ما دون ذلك من الزمن فلا يعد إقامة عند الشافعية للحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في باب جواز الإقامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر" أي بعد الصدر من منى إلى مكة. قال الإمام النووي ج 9 ص 480 - 481: "كأنه يقول: لا يزيد عليها" معنى الحديث أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرها أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة. واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث وعلى أن المقيم ثلاثة ليس له حكم الإقامة بل صاحبها في حكم المسافر.

ص: 331

الذي يبدو لي ـ والله تعالى أعلم ـ أن مراعاة الهيئة التي أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرفات حين جمع بين الظهر والعصر على وجه التقديم تستدعي منا العمل على مذهب الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة لكنه اشترط لجواز هذا الجمع أن تؤدى الصلاتان على الهيئة التي وردت بها السنة وهي إمام وإحرام فلو لم يصلِّ بهم الإمام وهو ولي الأمر أو نائبه صلى كل واحد منهم الفريضة في وقتها ولا يجمعها بأختها ومع اختلال هذا الشرط اليوم فإننا نأخذ بمذهب صاحبي أبي حنيفة الإمامين الجليلين أبي يوسف ومحمد حيث أجازا الجمع في عرفة لمن صلى جماعة بإمامة غير ولي الأمر أو نائبه وهو ما يحصل اليوم مع الغالبية العظمى من الحجاج كما أجازا الجمع للحاج ولو كان منفرداً (1).

هذا الكلام يعضده مذهب الإمام مالك الذي ذهب إلى أن أهل الموقف يجمعون بين الصلاتين للنسك مع القصر لكل صلاة منها إلّا لساكني عرفات في عرفات وساكني مزدلفة (2).

كما يعضده ما سبق بيانه من مذهب بعض الشافعية القائلين: إن الجمع عام في حق أهل الحضر والسفر على السواء.

بعد الحديث عن جمع الصلاة يحضر الكلام عن قصر الصلاة هناك فهل تؤدى تامة أو قصراً في ذلك الصعيد؟

أترك تفصيل هذا لفضيلة أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حفظه الله إذ قال:

"وأما القصر فهو عند الجمهور من أحكام السفر فمن كان مكياً أو قدم مكة

(1) اُنظر كتاب الحج والعمرة في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر في الفصل الثاني في أركان الحج المبحث الأول في الوقوف بعرفة (سنن الوقوف بعرفة) ص 70 ـ 71.

(2)

اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ـ ص 2154.

ص: 332

للمكث بها مدة الإقامة الشرعية لا يجوز له قصر الصلاة مطلقاً.

وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن المكي ومن في حكمه يقصرون ويجمعون بعرفة ومزدلفة ومنى وكذا أهل كل مشعر يجمعون ويقصرون في غير بلدهم.

لكن مذهب الجمهور أقوى دليلاً وأحوط لإبراء الذمة والله أعلم" (1).

الخلاصة أننا نجمع الظهر والعصر جمع تقديم عملاً بالسنة النبوية المطهرة بما يوافق المذاهب المعتمدة من رجال السلف الصالح لكننا لا نقصر هناك خروجاً من خلاف جمهور العلماء الذين رأوا في القصر علة واحدة وهي السفر. أما من يضم القصر إلى الجمع فلا نخطئه؛ لأن لديه مستنداً من أئمة السلف إمام دار الهجرة الإمام مالك رضي الله عنه. هذا والله تعالى أعلم (2).

* * *

(1) اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي ص 71.

(2)

قال الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني ج 9 ص 70 "قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة وكذلك من صلى مع الإمام. وذكر أصحاب الشافعي أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخاً إلحاقاً له بالقصر. قال: ليس بصحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر فقال: أتموا فإننا سَفْرٌ ولو حرم الجمع لبيّنه لهم إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. قال: ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة والمزدلفة بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره".

أقول: ومن تمام الفائدة في هذه المسألة ما صرح به إمامنا النووي بأن هذا الجمع سنة يصح لو تركه وذلك بقوله: "ولو انفرد بعضهم بالجمع بعرفة أو المزدلفة أو صلّى إحدى الصلاتين مع الإمام والأخرى وحده أو صلّى كل واحدة في وقتها جاز لكن السنة ما سبق". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 309.

ص: 333