الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الهدي والأضاحي والكفارات
قال جابر رضي الله عنه: "ثم انصرف إلى المنحر (1)،
فنحر ثلاثاً وستين بيده (2)، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر (3)، وأشركه في هديه (4)، ثم أمر من كل بدنة بِبَضْعَةٍ (5) فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فأكلا لحمها، وشربا من مرقها (6) ":
سَوْقُ الهدي من الحلّ إلى الحرم سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد ساق نبيُّنا صلوات الله وسلامه عليه معظم هديه معه من ذي الحليفة حتى بلغ به حرم مكة، ومن هناك حمله إلى عرفة، ومنها ساقه إلى مزدلفة حتى انتهى به الأمر إلى حيث المنحر في منى (7)،
بينما ساق عليّ سائر الهدي معه من اليمن.
(1). قال النووي في شرحه على صحيح مسلم 8/ 347: "قال القاضي: فيه دليل على أن المنحر موضع معين من منى، وحيث ذبح منها، أو من الحرم أجزأه". أقول: لكن الأصل أن منى هي منحر كل حاج، وأن مكة هي منحر كل معتمر. اُنظر تفسير القرطبي 12/ 62.
(2)
في هذا استحباب ذبح المُهدي الهَدْيَ بنفسه.
(3)
أي: فنحر سيدنا علي كرَّم الله وجهه ما بقي من تمام المائة.
(4)
الظاهر أن نبيّنا محمدا صلى الله عليه وسلم وسيدنا علياً ـ كرَّم الله وجهه ـ كانا شريكين في الهدي الذي ساقاه، لكن القاضي عياض يرى غير ذلك إذ يقول:"وعندي أنه لم يكن تشريكاً حقيقة بل أعطاه قدراً يذبحه، والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر البُدن التي جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثاً وستين، كما جاء في رواية الترمذي، وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام المائة، والله أعلم". اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم 8/ 347.
(5)
البَضْعَة: بفتح الباء لا غير، وهي القطعة من اللحم.
(6)
فيه استحباب الأكل من هدي التطوع، ومن الأضحية التي ضحَّى بها المسلم.
(7)
المنحر: هو موضع معين من منى كما مر من كلام القاضي، لكن أين يقع موضع منحر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ .
=
والهدي شعيرة بارزة من شعائر هذا الدين تحت سقف الركن الخامس، بتصريح البيان الإلهي في سورة [الحج: 36] بأنها بعض شعائر الله: {وَالْبُدْنَ (1) جَعَلْنَاهَا لَكُمْ
= الذي انتهت إليه دراستي أنه بين الجمرة الصغرى والوسطى على يسار الذاهب إلى الجمرات، بين هاتين الجمرتين وبين مسجد الخيف، وأنَّ هذا المكان هو قريب جداً من منزله صلى الله عليه وسلم في منى الذي ضرب فيه خيمته، وموقعه بين المنحر المذكور ويسار مصلى الإمام في مسجد الخيف قريباً مما يلي الجبل المشرف عليه. ولتمام الفائدة أنقل لك نصَّ الإمام النووي بتمامه، ثم نصَّ العلامة ابن حجر الهيتمي الذي تابعه على كلامه لكن ضمن تفصيل وتوسع وضبط، ونبدأ بكلام إمامنا النووي:"فإذا فرغ من جمرة العقبة انصرف فنزل في موضع في منى، وحيث نزل منها جاز، ولكن الأفضل أن يقرب من منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الأزرقي أن منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على يسار مصلى الإمام، فإذا نزل ذبح أو نحر الهدي إن كان معه هدي". قال العلامة ابن حجر: "ذكر ذلك الأسدي أيضاً وقد ذكرا [أي الأرزقي الأسدي] ما يقتضي أن منزله صلى الله عليه وسلم كان في جهة مسجد الخيف قريباً مما يلي الجبل المشرف عليه، وروى أبو داود ما يؤيده، لكن قد يخالفه حديث الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى فنحر، ومنحره صلى الله عليه وسلم بين الجمرة الأولى والوسطى عند المسجد الذي هناك، وهو منحر الخلفاء كما ذكره المحب الطبري، وهو مشهور معروف؛ إلا أن يقال: إن الراوي أراد أن منزله صلى الله عليه وسلم كان في تلك الجهة قريباً من المنحر، فتجوَّز بإطلاقه عليه، وهذا معنى قول الشافعي ـ رضي الله عنه ـ الموافق لحديثين أخرجهما أبو داود والطبراني أن منزله صلى الله عليه وسلم بمنى في الخيف الأيمن أي: الذي على يمين الذاهب لعرفة مما قابل يسار مستقبل القبلة في المسجد الذي عند المنحر، وهو بين قبلة مسجد الخيف، وبين المنحر المذكور، فيكون في تلك الجهة قطعاً، وإنما الشك في قربه من أيّهما أكثر، فظاهر حديث الصحيحين المذكور أنه إلى المنحر أقرب". اُنظر الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح في مناسك الحج للعلامة النووي ص 363، 364.
(1)
البُدن: هي الإبل التي تهدى إلى الكعبة، وهي بسكون الدال بقراءة الجمهور، وبضمتين:"البُدُن" في رواية عن عاصم، وكلتاهما واحدتها بَدَنة، كما يقال: ثُمْر وثُمُر وثمرة، وخُشْب وخُشُب وخشبة وقد سميت البدنة بهذه التسمية؛ لأنها تبدن، والبدانة: السِّمن. وقيل: البدن جمع بَدَن، من قولك: بَدُن الرجل إذا سمن فهو بادن أي: ضخم، فعلى هذا القول سميت لبدنها أي: لجسمها؛ لأنه ضخم؛ ولأنهم كانوا يسمّنونها؛ لأجل النحر في منى. كما يقال: بدّن إذا كَبِرَ وأسنّ.
والبدن في الأصل هي الإبل، ولا يطلق إلا عليها، ثم ألحقت بالبقر شرعاً، هذا ما قاله ابن مسعود وعطاء والشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة نعم تطلق على غيرها. فائدة الخلاف فيمن نذر بدنة فلم يجد البدنة أو لم يقدر =
مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (1) لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ (2) فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا (3) صَوَافَّ (4) فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا (5) فَكُلُوا مِنْهَا (6)
= عليها، وقدر على البقرة فهل تجزيه أو لا؟ فعلى مذهب الشافعي وعطاء لا تجزيه وعلى مذهب مالك تجزيه. قال الإمام القرطبي ـ وهو مالكي المذهب ـ: والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة"[البخاري (881)، ومسلم (850)، وابن حبان (2775)، من حديث أبي هريرة] ويؤيده قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] فإن هذا الوصف خاص بالإبل، أما البقر فيضجع ويذبح كالغنم.
اُنظر مختار الصحاح، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني 3/ 677، والجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي 12/ 59 - 60. على أي حال الإمام النووي ذكر في شرحه على صحيح مسلم 9/ 435 أن البدنة في اللغة تطلق على الإبل والبقر والغنم، وقال: هو قول أكثر أهل اللغة، لكن معظم استعمالها في الأحاديث وكتب الفقه في الإبل خاصَّة.
(1)
نصّ في أنها بعض شعائر الله.
(2)
يريد بذلك المنافع ومنها الرزق الذي تحمله الإبل معها لأهل الحرم.
(3)
كنى عن النحر بذكر الله؛ لأن أحدهما يقترن بالآخر، أي: انحروها على اسم الله.
(4)
صوافَّ: بالفتح والتشديد قراءة الجمهور، من صفَّ يصفّ، وواحد صوافّ صافّة والمعنى: انحروها وقد صفت قوائمها؛ لأن الإبل تنحر قياماً وهي معقولة إحدى اليدين، وتبقى قائمة على ثلاث قوائم، وأصل هذا في الخيل، لذلك يقال: صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم، ومنه قوله تعالى:{الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص: 31]، جمع صافنة وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. اُنظر تفسير القرطبي 12/ 60.
(5)
معنى وجبت: أي سقطت ومنه وجبت الشمس إذا سقط قرصها في البحر وغاب، أو سقط خلف الجبال. وقد كنى البيان الإلهي عن الموت بالسقوط على الجنب، وهذا دليل على أن السنة أن تنحر وهي قائمة، لذلك قالوا: تقيّدها ثم تصفّها ثم تنحرها، وحينئذٍ تسقط على جنوبها ميتة، ولو كانت تنحر باركة لما قال تعالى:{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} هذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: تنحر باركة وقياماً. اُنظر نفس المرجع ص 61.
(6)
في هذا ندب أن يأكل الإنسان من هديه؛ لأنهم في الجاهلية ما كانوا يأكلون من هديهم.
وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (1) كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (2)(36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا (3) وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ (4) كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}
هذه السنة المؤكدة في سوق الإبل كانت موضع اهتمام السلف الصالح وعلى رأسهم إمام السلف والخلف محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحر ثلاثاً وستين بدنة بيديه الشريفتين، وأناب ابن عمه علياً لنحر ما غبر منها، أما اليوم فقد أعرض أكثر الناس أو كلهم عن ذلك، وربما السبب في هذا قدومهم بوسائل نقل حديثة يستحيل في معظمها سوق الهدي إلى الحرم، مما دفعهم إلى البحث عن البديل وهو الحصول على الهدي مما يجلبه المتخصصون إلى مكة من إبل وبقر وغنم وشياه من أنحاء الأرض، في تساهل واضح بِجُلّ السنن المرتبطة بهذا النسك كنحر أو ذبح الهدي من قبل صاحبه، وتقليده وإشعاره وغير هذا من المستحبات والأحكام التي سنأتي عليها.
ومما زاد الطين بلة بلوغ التساهل عندهم إلى درجة من الّلامبالاة ضاعت فيها
(1)"أطعموا" أمر مقتضاه الإباحة كما قال مجاهد والطبري، و"القانع" السائل من قولك: قنَع الرجل يقنِع قنوعاً إذا سأل بكسر نون يقنع أما بفتحها فمعناه: يتعفف ويستغني، فالقنوع من يقنِع هو ضد القناعة من يقنَع، فالقانع هو الطامع وهو السائل، وأما المعتر فهو الذي يطيف بك يطلب ما عندك معترضاً من غير سؤال أو الذي يزورك ولا يسألك. اُنظر تفسير القرطبي 12/ 63، وفتح الباري 3/ 778.
(2)
هذا من معجزات الله وإنعامه علينا أنها أقوى من أجسامنا ثم مكننا الله منها، لذلك يسن التكبير عند نحرها.
(3)
قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يُضَرّجون البيت بدماء البدن، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت الآية. تفسير القرطبي 12/ 63.
(4)
عبَّر بالنيل مجازاً عن القبول والوصول والمعنى لن يصل إلى الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يصل إليه التقوى منكم فيقبله. أي ما أريد به وجه الله يسمعه ويثيب عليه.
أموالهم وتاهت في تضاريسها سنة نبيهم، حين تسلل خفافيش الظلام إلى سدة الفتوى، ومحراب الأمانة وهم عن العلم والثقة بمعزل! .
ولا يعجلنَّ قارئ علي بتهمة التجني، أو إساءة الظنّ بأحد من المسلمين فإنني لم أستق هذا من خيالي أو بنات أفكاري ولم أندفع إلى تدوينه أو التحذير منه في المجالس الخاصة والعامة بباعث التسرع في إطلاق الأحكام (1)، كما أنني لا أعتمد سياسة التعميم لكل من تصدى للإفتاء في فوج أو تقلد أمانة التشريف بين مجموعة من ضيوف الرحمن؛ لأن من هؤلاء صادقين موفقين أرجو من الله أن تتنامى ظاهرتهم في رحاب هذه الفريضة المباركة، لكن في المقابل هناك من يعبث بأحكام رب العزة، وبحقوق ضيوفه الكرام، مستغلاً ظاهرة الصفاء الروحي التي ينعم بها رواد البيت الحرام، وما ينبثق عنها من مبالغة بالثقة لكل من يغدو ويروح في ساحة الركن الخامس.
إننا عندما نتذكر بأن الهدي إلى بيت الله الحرام هو شعيرة من شعائر هذا الدين، وأن تعظيم شعائر الله هو من تقوى القلوب، وأن التقصير في هذا الجانب هو من غشٍ ونفاق يلفّها، فإن المسلم حينئذٍ يعلم حجم المسؤولية المنوطة به أمام الله، وتجاه فريضة وبيت الله، لذلك بادرت في فوج اليمان إلى رفض أي توكيل لأي شخصية تحسبُ عليَّ في إطار الفوج في مسألة الهدي والأضاحي، واقتصرت على مناشدة كل مجموعة من الحجاج بترشيح
(1) الحق أن هناك في بلدة الله الحرام من يسرق ثمن دماء الأضاحي والكفارات، وأن هناك هدياً يباع لمرات عديدة تصل إلى أربع مرات أو أكثر، إذْ كلما جاء مشترٍ جيء به إلى مكان الذبح، وقيل له: هاك هديك، فيعتذر ويقول: أكتفي بأخذ جزء منه لأجل سنة الأكل من الهدي، وتبرئة لذمتي أمام حجاجي والعجيب أن هذه السنة هي المجن الذي يتذرع به هؤلاء الوصوليون! وللأمانة فإن هذا يجري بعيداً عن الشخصيات والهيآت المرخص لها من قبل السلطات السعودية لمزاولة هذا العمل بشروطه إذ لا تضيع الحقوق -فيما أعلم - في البنوك المرخص لها في زحمة هذا الضجيج.
مندوب منها لم يسبق له التعرّف عليَّ قبل هذه الرحلة مشهود له بالنزاهة والمكانة بين بني قومه، حيث يقوم هؤلاء المرشحون بجمع المال الخاص بدماء الهدي والكفارات والأضاحي، ثم يتحركون في مجموعة واحدة إلى أحد البنوك ذات الكفاءة والتخصص في هذا المضمار، وهناك يقدمون لائحة بأسماء الحجاج الباذلين للمال جنباً إلى جنب مع المال الذي بذلوه، حيث يتم استصدار شيكات نظامية توثق هذا الإجراء كلٌّ باسم صاحبه، ومن ثم يتم توزيعها بحضور كامل حجاج الفوج وبالاسم الشخصي وعلى الملأ، كل هذا حرصاً مني على الدفاع عن نزاهة وشرف وكرامة ركن من أركان الإسلام يجب علينا جميعاً أن نذود عن حياضه كرامة لله ولرسوله ولحرمه الآمن وللمؤمنين.
إن إعراض الناس اليوم عن هذه السنة المؤكدة عن تقصير منهم، أو لطروء عوامل مانعة من هذا التدبير، لا يلغي هذه الشعيرة، وهي الثابتة في كتاب الله، والمعمول بها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالح، لا سيما وأن الترك ليس لشعيرة البدن والأضاحي والكفارات، فهذه لا تزال تحيا بيننا إلى اليوم، وإنما التخلف واقع على طريق وصول الهدي إلى مكة، فلم يعد يسوقه الحجاج، أو يرسلون من يسوقه لهم إلى مكة، وهو ما يعني أن الأحكام المرتبطة بها من النحر والذبح، ومن صفة الهدي والأضحية، لم تتغير، والذي تأثر هو الزمن الذي فيه نمتلك الهدْيَ وما يتبعه من أعمال حتى الوصول إلى مكة المكرمة، حيث انتقل من يوم مغادرة الحاج لبلده صوب البيت الحرام إلى يوم النحر بمنى (1)، لذلك لا يسعني إلّا أن أقف أميناً مع العنوان القرآني
(1) اتفق جماهير أهل العلم على جواز أن لا يسوق الهدي، وأن يشتريه من منى، لكن الأفضل للحاج أن يسوق هديه من بلده؛ فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل ثم من مكة، ثم من عرفات. اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر ص 176. وخالف الشافعية فذهبوا إلى أنه لا فرق بين أن يشتريه من طريقه أو من مكة أو من منى، أو من غيرهما. اُنظر الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 366.
{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} متناولاً ما يندرج تحت سمائه من مسائل:
المسألة الأولى: البُدْن وما يلحق بها من الهدي للبقر والغنم والشياه شعيرة من شعائر الله يجب تعظيمها لقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)} [الحج: 32].
والشعائر كما يقول المفسرون جمع شعيرة وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم عنه، ومنه شعار القوم في الحرب؛ أي: علامتهم التي يتعارفون بها (1).
وعلى هذا شعائر الله أعلام دينه، لاسيما ما يتعلق بالمناسك، وهو ما يدخل فيه هنا إشعار البدنة إعلاماً بأنها هدي، والمراد به شق الجلد من صفحة سنامها اليمنى حيث يلطخها بجزء من دمها ليعلم من رآها أنها هدي فلا يتعرض لها ببيع ولا بغيره (2).
وفي هذا الإشعار تخفيف عن ضغط الدم الذي تلاقيه الإبل تحت حرّ صحراء الجزيرة العربية، فهو أشبه ما يكون بالحجامة فليس في هذا مُثلة؛ لأنه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولأن المثلة إنما تأتي من حيث إفحاش الجرح، وهذا ممنوع كما نصّ على ذلك فقهاء الشافعية؛ لأن الرحلة رحلة سلام، ولأن الحكمة أن يعلم الناس أن هذا هدي كما قلنا، لا أن تؤذى الإبل، لذلك قال بعض الشافعية: الإشعار خاص بالسفر القريب كالمدينة المنورة، لئلا يمرض الحيوان أو يتلف (3).
(1) تفسير القرطبي 12/ 55.
(2)
الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 365.
(3)
الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 365.
هذا وإشعار الإبل والبقر ذهب إلى سنيته الشافعية والحنبلية والمالكية (1).
ومن الإشعار تقليد الهدي بنعلين إشهاراً لأمر هذه الذبائح بأنها نسك وعبادة، وما كان كذلك فيليق به الإظهار، بخلاف ذبائح الجنايات ـ الكفارات ـ والإحصار؛ لأن الجناية يليق بها السِّتر، وهذا باتفاق فقهاء الشافعية والحنفية (2).
واستحب الشافعية أن يكون للنعلين قيمة؛ ليمكنه التصدق بهما عند انتهاء المهمة في منى.
أما عن إشعار التقليد، فهو وإن كان للإشهار بأمر العبادة وهذا من تعظيم شعائر الله إلّا أنه يشير إلى حقارة الدنيا، وأنها إلى الزوال (3)، وأن الفائدة فيها هي بالنسبة لمن امتطى صهوتها للوصول إلى آخرته، فانظر إلى مائة من الإبل ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم كم تساوي من الثمن الباهظ، كيف نحرها، وتصدق بلحمها، وكان له منها فقط بضع لقيمات، فهل هناك أبلغ من ذلك على هذا.
إن وضع القلادة للإبل والبقر والغنم ومثلها الإشعار، أمر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم "خرج زمن الحديبية في بضعَ عشرةَ مائةً من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد النبي صلى الله عليه وسلم الهدي، وأشعر وأحرم بالعمرة"(4).
(1) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص 177 ـ حيث ذكر بأن الحنفية قالوا: هو مثلة، والمثلة منهي عنها، لكن الجواب ما قلته لك، ولأنه لو كان ذلك كذلك فأخبار النهي عن المثلة عامة وأخباره صلى الله عليه وسلم في هذا خاصة، فتخصص عموم تلك، فالإشعار باب آخر غير المثلة من نحو الحجامة والكي، وشق الأذن للحيوان، وهي من قبيل الوسم والختان الذي يمارس يومياً في حياة الناس، لذلك قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار 5/ 117:"وروى الطحاوي عن أبي حنيفة كراهته، والأحاديث ترد عليه، وقد خالف الناس في ذلك حتى خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد".
(2)
نفس المرجع والصفحة.
(3)
الحاشية لابن حجر ص 364.
(4)
الباب (106)، باب: من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم برقم (1695).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "فَتَلْتُ قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلَّدها وأشعرها، وأهداها فما حرم عليه شيء كان أحل له"(1).
وعن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أهدى من المدينة قلَّده وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقِّ سنامه الأيمن بالشَّفرة، وَوَجْهُهَا قِبَلَ القبلة باركة (2).
وجاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّة إلى البيت غنماً فقلَّدها"(3).
قال الإمام النووي في مجموع هذه الأحاديث ونظرائها: "فيه دليل على استحباب الجمع بين الإشعار والتقليد في البدن، وكذلك البقر، وفيه أنه إذا أرسل هديه أشعره وقلده من بلده. ولو أخذه معه أخّر التقليد والإشعار إلى حين يحرم من الميقات"(4).
كما قال النووي في الغنم: "وإن ساق غنماً استحب أن يقلدها خُرَب القِرَب، وهي عراها وآذانها، ولا يقلدها النَّعْل ولا يشعرها، لأنها ضعيفة"(5).
وقال في عموم ذلك: "ويكون تقليد الجميع، والإشعار وهي مستقبلة القبلة، والبدنة باركة (6) ".
بقي أن نعلم في هذه الفِقْرة أنه لا يجزئ في الهدي المطلق إلّا ما يجزئ في الأضحية
(1) نفس المرجع والصفحة.
(2)
الباب (106)، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم.
(3)
صحيح مسلم (1321/ 367).
(4)
صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 4.
(5)
الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 365. أقول: وخُرَبُ جمع خربة وهي عروة قربة الماء، وهي صغيرة وخفيفة تؤدي المطلوب دون أن تؤذي.
(6)
الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 365.
المطلقة، وذلك كالتالي:
أولاً: لا يجزئ من الضأن إلّا الجَذَع منها، وهو الذي أتم سنة كاملة، أي: ودخل في الثانية، أو سقط مقدم أسنانه قبل أن يتم السنة الأولى. ومن باب أولى يجزئ ما فوق الجذع من الضأن، وهو الأصل، وهو الأفضل كما سيأتي بعد أسطر عند البحث عن دليل ذلك.
ولا يجزئ في المعز والبقر إلّا الثَنِيُّ منها، وهو ماله سنتان تامتان.
كذلك لا يجزئ في الإبل إلّا الثنيُّ منها، لكن الثني من الإبل هو ما له خمس سنين تامة، وهو ما عبر عنه بعض الفقهاء بقوله: وطعن في السادسة.
ويجزئ مطلقاً ما كان فوق الجذع والثني، وهو المستحسن كما يجزئ كل من الذكر والأنثى (1).
ومذهب الشافعية والجمهور أن أفضل الأنواع البدنة ثم البقرة ثم الضأن ثم المعز؛ لأن البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة، وأما الشاة فلا تجزئ إلّا عن واحد.
وقال مالك: الغنم أفضل؛ لأنه أطيب لحماً (2).
واعلم أن سبع شياه أفضل من اشتراك سبعة على بدنة أو بقرة، كما أن شاة جيدة سمينة أفضل من شاتين بقيمتها. أقول: لذلك أجمع العلماء على استحباب سمين الأضحية والهدي وطيبها (3). قال الإمام النووي بعد أن ساق ذلك: "واختلفوا في تسمينها: فمذهبنا ومذهب الجمهور استحبابه، وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة: كنا نسمن الأضحية، وكان المسلمون يسمنون. وحكى القاضي عياض عن بعض أصحاب مالك كراهة ذلك
(1) الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 366 ـ، والمنهاج القويم ص 455.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي 13/ 102.
(3)
صحيح مسلم بشرح النووي 13/ 102، والحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 369.
لئلا يتشبه باليهود، وهذا قول باطل" (1).
وفي دليل ضابط إجزاء النَّعَم روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: "لا تذبحوا إلّا مسنّة إلّا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جَذَعَة من الضأن"(2). قال الإمام النووي في شرحه على هذا الحديث: "قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حالٍ من الأحوال"(3).
والشرط في الإجزاء أن لا يكون فيها معيب بعيب يؤثر في نقص اللحم تأثيراً بيناً، فيدخل في ذلك المرض؛ لأنه يؤدي إلى هزالها، والجربُ وإن كان يسيراً، وإن رجي زواله؛ لأنه يفسد اللحم والودك (4) وينقص القيمة، وشديدةُ العرج كذلك بحيث تسبقها الماشية وإن حدث العرج تحت السكين (5)، ومثله من باب أولى انكسار بعض الأعضاء.
ولا تجزئ المجنونة وهي التي لا تهتدي إلى المرعى؛ لأن هذا يؤثر على رعيها فيقل لحمها، كما أنه ينقص من قيمتها. ولا تجزئ العمياء لذات العلة، ولا العوراء وهي التي ذهب ضوء إحدى عينيها بخلاف العمشاء؛ لأنها تهتدي، إذ العمش ضعف في الرؤية مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات، لكنه ليس انعداماً لها، ومثلها العشواء؛ لأنها تهتدي نهاراً.
ولا تجزئ مقطوعة الأُذُن وإن قلَّ، وإن كان ذلك في أصل الخلقة، كما لا تجزئ
(1) النووي على صحيح مسلم 13/ 102.
(2)
صحيح مسلم (13/ 1963).
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 101 ـ 102.
(4)
الوَدَك: دسم اللحم، ودجاجة وديكة أي سمينة، ومثلها ديك وَديك.
(5)
أما لو نذر شاة أضحية ثم حدث بها عيب ينقص اللحم فإنه لا يبالي به، وتجزئه شرط أن لا يكون العيب بتقصير من الناذر. اُنظر الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 369.
مقطوعة اللسان أو الضَّرْع، أو الألية، لكن تجزئ مخلوقة بلا ضرع أو ألية أو ذنب، وفارقت المخلوقة بلا أُذُن بأنها عضو لازم غالباً بخلاف تلك الثلاثة.
ولا يؤثر فوات خصية وقرن؛ لأنه لا ينقص اللحم، بل الخِصاء يزيده، لذلك قالوا: الذكر أفضل من الأنثى إن لم يَكْثُرْ نزوانُه، فإن كثر نزوانه فالأنثى التي لم تلد أفضل؛ لأن الولادة والنزوان يؤثران في نقص اللحم (1)، ثم قالوا: والخِصِيُّ أفضل من ذكر ينزو، وذكر لا ينزو أفضل من الخصي وكل ذلك من حيث التأثير في اللحم زيادة وإنقاصاً، وكله تفريع عن أفضلية السمين والطيب اللحم، كما أن ذلك مأخوذ من مدلول الخبر الصحيح الذي رواه الخمسة وصححه الترمذي:"أربع لا تجزئ من الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء البين عجفها".
والعجفاء هي التي اشتد هزالها حتى ذهب مُخّها، ومن هنا قالوا: لا تجزئ التي ذهب جميع أسنانها وإن لم يؤثر في نقص اللحم؛ لأنه علامة الضعف المنهي عن مثله في الحديث. هذا والله تعالى أعلم (2).
ولو نذر شاة أضحية ثم ولدت، أو ولد الهديُ المنذور لزمه ذبح الولد معها سواء
(1) تقديم الذكر على الأنثى ليس لأن المسلمين يفضلون الذكر على الأُنثى مطلقاً، كما يحلو لبعض الجهال أن يتفيهق! وكما ناقشني بهذه السخافة بعضهم! بدليل الأُنثى التي لم تلد أفضل من ذكر ينزو كثيراً فالأمر يدور على الأكثر لحماً وما يتبعه من زيادة القيمة والفائدة وكله يعود بالخير على الفقير، ويشير في الوقت نفسه إلى إيثار حب الله والبذل في سبيله على كنز المال في حرزه.
(2)
اُنظر في تفصيل ذلك وتوثيقه المنهاج القويم لابن حجر الهيتمي ص 456 - 457، وقد قال الإمام النووي:"وحديث البراء هذا لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما، ولكنه صحيح". اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 104 - 105. أقول: اُنظر مسند أحمد (18510).
كان حملاً يوم النذر أو حملت به بعده (1).
المسألة الثانية: جواز ركوب البدن إن احتاج إلى ذلك، وترك ركوبها إن زالت الحاجة. هذا ما قاله الفقهاء، لذلك جاء لفظ الشافعي الذي نقله عنه ابن المنذر، وترجم له البيهقي:"يركب إذا اضطر ركوباً غير فادح"(2)، كما أطلق ابن عبد البر كراهة ركوبها لغير حاجة عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء (3).
دليل الفقهاء ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأى رجلاً يسوق بَدَنَهً، فقال: ارْكبها، فقال: إنها بدنة، فقال اركبها. قال: إنها بدنة، قال: اركبها، ويلك، في الثالثة أو في الثانية"(4).
ودليل التقييد ما أورده مسلم في صحيحه عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اركبها بالمعروف إذا أُلجِئْتَ إليها حتى تجد ظهراً"(5).
وكما يجوز الركوب لحاجة فقد أجاز الفقهاء الحمل على البُدْن بشرطه المذكور، ويضمن إن حدث نقص ظاهر. قال الإمام الشوكاني:"وقد وافق أبا حنيفة الشافعيُّ على ضمان النقص في الهدي الواجب" ثم قال في جواز الحمل عليها: "وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح رواه أبو داود في المراسيل عن عطاء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم
(1) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 369 - 370.
(2)
فتح الباري لابن حجر العسقلاني 3/ 679.
(3)
فتح الباري لابن حجر العسقلاني 3/ 679.
(4)
البخاري باب ركوب البدن برقم (1689)، ومسلم (1322/ 371). وقوله:"إنها بدنة" أراد به أنها مهداة إلى البيت الحرام وجواب النبي صلى الله عليه وسلم دلَّ أنه يعرف ذلك ويأمره بركوبها.
(5)
صحيح مسلم (1324/ 375).
يأمر بالهدية إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها أو يركبها غير منهكها. واختلف من أجاز الركوب هل يجوز أن يجعل عليها متاعه؟ فمنعه مالك وأجازه الجمهور وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضاً على التفصيل المتقدم ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها. واختلفوا أيضاً في اللبن إذا احتلب منه شيئاً: "فعند العترة والشافعية والحنفية يتصدق به، فإن أكله تصدق بثمنه، وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يغرمْ"(1).
وكذا الأضحية المنذورة فله أن يركبها ويعيرها لمن يركبها دون إجارتها لكن له أن يشرب من لبنها ما فضل عن كفاية ولدها، ولو تصدق به كان أفضل (2).
المسألة الثالثة: هل تذبح البدن على الطريق إن هي عطبت؟
يفرَّق في الهدي بين أن تكون نذراً أو تطوّعاً:
فإن كانت نذراً، فقد صار واجباً عليه أن يرعاها ويحفظها حتى تصل إلى بيت الله، وينحرها في منحر منى، أو في أي موضع من الحرم شاء، وبالتالي فإن يده عليها حتى ينحرها لا تُسَلّطُ على نذره بيعاً أو أكلاً، فليس له أن يتصرف فيها إلّا في الأمانة والإشراف كما لو كانت بين يديه وديعة، فهي بالنسبة إليه كالمودَع عنده، فإن فرط فيها ضمن، لذلك قال الفقهاء: إن كلّت البدنة المنذورة، وأعيت ووقفت بحيث نالها العطب في الطريق وجب عليه ذبحها والتصدق بها على المساكين، أو التخلية بينها وبين المساكين على الوجوب، ولا يجوز لصاحب الهدي الأكل من شيء منها مهما كان قليلاً، ولا لرفقته الذين معه في الركب سواء كان الرفيق مخالطاً له أو في جملة الناس من غير
(1) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني 5/ 123.
(2)
الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 371.
مخالطة (1). قال الإمام النووي في تعليل ذلك: "والسبب في نهيهم قطع الذريعة لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره، أو تعييبه قبل الناس"(2).
كما قال الفقهاء: إنْ ذبحَ الهدي المنذور غمسَ النعلين اللتين قلّد بهما الهدي سابقاً، في دم الهدي الذي نحره أو ذبحه ثم ضرب بهما صفحة السنام، ثم يتركه ليعلم بذلك من مرَّ به أنه هدي فيأكله إن كان فقيراً أو مسكيناً؛ لأنه مستحق المساكين والفقراء من غير رفقة القافلة كما قلت لك (3).
دليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنَّ ذُؤَيْبَاً أبا قُبَيْصَةَ حدّثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: "إنْ عَطِبَ منها شيء فَخَشِيْتَ عليه موتاً فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تَطْعَمْها أنت ولا أحد من رُفقتك"(4).
وروى الترمذي في سننه عن ناجية الخُزَاعيّ، صاحب بُدْنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قلت يا رسول الله: كيف أصنع بما عَطِبَ من البُدْنِ؟ قال: انحرها، ثم اغمِسْ نعلها في دمها، ثم خلِّ بين الناس وبينها، فيأكلوها"(5).
أما إذا كان الهدي هدي تطوع أي ليس نذراً فقد قال إمامنا الشافعي: له أن يفعل فيه ما يشاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وغير ذلك، وله تركه، ولا شيء عليه في كل ذلك؛ لأنه
(1) نيل الأوطار للشوكاني 5/ 124، وصحيح مسلم بشرح النووي 9/ 445.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 445.
(3)
صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 445.
(4)
صحيح مسلم (1326/ 378).
(5)
سنن الترمذي (910) وقال عنه أبو عيسى: حديث ناجية حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم.
مِلكه (1).
المسألة الرابعة: متى يدخل وقت النحر والذبح للهدي والأضحية والكفارة؟
لا يجوز النحر لغير دماء الكفارات قبل يوم النحر بالإجماع (2)، لكن هل يدخل نحر البدن بالفجر أو بطلوع الشمس يوم النحر؟ وهل يشمل ذلك الأضحية أيضاً؟
قال الشافعية: وقت ذبح الأضحية والهدي (3) المطوّع بهما، والنذر يدخل بعد أن تطلع الشمس ويمضي على طلوعها قدر صلاة العيد بركعتين خفيفتين، وخطبتين خفيفتين بأن يعتبر بأقل ما يجزئ سواء صلى الإمام أم لم يصلِّ، وسواء صلَّى المضحي أم لم يصلِّ (4).
قال الإمام النووي: "والأفضل أن يذبح عقيب رمي جمرة العقبة قبل الحلق"(5).
وعلى هذا نجد أن بداية وقت الذبح أو النحر يدخل بطلوع شمس يوم النحر وفق الضابط المذكور (6)، أما نهاية الزمن الممتد له فيدخل بغروب شمس آخر يوم من أيام
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 445.
(2)
الجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي 12/ 62.
(3)
قال العلامة الرُّوياني من الشافعية في تعريف الهدي: "اسم لما يهدى لمكة وحرمها تقرّباً إلى الله تعالى من نَعَمٍ وغيرها من الأموال، نذراً كان أو تطوعاً، لكنه عند الإطلاق اسم للإبل والبقر والغنم". اُنظر مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للعلامة الشيخ محمد الخطيب الشّربيني 1/ 502.
(4)
الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 375 - 376.
(5)
من كلام النووي في شرح الإيضاح. اُنظر المرجع المذكور ص 376.
(6)
روى مسلم في صحيحه (1961/ 7) عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح فإنما هو لحم قدَّمه لأهله ليس من النسك في شيء". وفي رواية: "مَن صلَّى صلاتنا، ووجّه قِبلتنا، ونَسَكَ نُسُكَنا، فلا يذبح حتى يصلي"(1961/ 6) وفي رواية عنده: "ولا يضحين أحد حتى يصلي"(1961/ 8) وفي رواية عنده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر: "من كان ذبح قبل الصلاة فليعد"، وفي رواية عنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلَّى ثم خطب، فأمر من ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحاً
…
" (1962/ 11).
التشريق، وهنا لا بد من الإشارة إلى أمرين اثنين:
الأول: لو فات الوقت بالنسبة للنذر من أضحية أو هدي لزمه ذبحهما قضاء.
الثاني: أما لو فات الوقت بالنسبة للأضحية غير المنذورة، أو لهدي التطوع فقد فاتت الأضحية أو الهدي في هذه السنة لخروج الزمن المضروب للفعل في تلك السَّنَة (1).
قال الإمام ابن حجر في الأضحية ـ والهدْيُ غير المنذور في معناها عند الشافعية ـ: "ويمتد وقتها ليلاً ونهاراً (إلى آخر أيام التشريق (2) " الثلاثة بعد يوم النحر فلو ذبح بعد ذلك أو قبله لم تقع أضحية لخبر الصحيحين: أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء" (3).
والخلاصة أن الأظهر عند الشافعية ـ وهو كذلك مذهب الحنبلية والمالكية ـ أنَّ هدي
(1) نفس المرجع ص 376، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني 1/ 531.
(2)
الذبح في الليل مكروه مطلقاً، والكراهة في الهدي والأضحية أشدّ، ما لم ترجح مصلحة بذلك، أو تدع إليه ضرورة كخشية خروج الوقت، أو خوف نهب أو احتياج لأكل كأن نزل به أضياف، أو حضره مساكين محتاجون فحينئذٍ لا كراهة بل هو حسن وعليه يمكن حمل غالب ما يجري اليوم من ذبح في الليل، حيث أعداد الحجاج كبيرة جداً، وبالتالي أعداد الذبائح تتناسب مع هذه الجموع الغفيرة، والوقت مضيّق، ولا مخرج عند ذلك إلا بالاستعانة بزمن الليل، والله أعلم. اُنظر تفصيل ذلك في نفس المرجع والصفحة من كلام العلامة ابن حجر الهيتمي.
وبالمناسبة تجدر الإشارة إلى أن المالكية قالوا في الهدايا: لا تذبح ليلاً. اُنظر الحج والعمرة .... للدكتور نور الدين عتر ص 178.
(3)
المنهاج القويم للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي على المقدمة الحضرمية في فقه السادة الشافعية للعلامة عبد الله بن عبد الرحمن بافضل الحضرمي ص 457.
التطوع يختص بالزمان المذكور كالأضحية تماماً (1).
أما الدماء الواجبة في الحج بسبب التمتع أو القران أو الكفارت أو لفعل محظور أو ترك مأمور به فلا تختص بزمان معين تجب فيه، وإن كان الأفضل في الدم الواجب أن يقع في الوقت الذي ضربه الشارع لنحر البدن، وذبح سائر الهدايا والأضاحي والنذور (2).
موجز ما سبق أن الدماء مطلقاً عند جمهورهم تختص بالمكان ـ وهو الحرم ـ أما الزمان فلا يختص به في المذاهب الثلاثة إلّا الأضحية والهدي فقط.
لكن لماذا لا يجب في زمن فعل الدماء الواجبة ما يجب في الأضحية مثلاً؟
للإجابة عن ذلك يلزم منا أن نعود إلى سبب الدم الواجب ـ وهو كما تعلم ـ يعود غالباً إلى زمن يسبق يوم النحر بوقت قد يقصر أو يطول. ثم بقيام السبب يجب الدم،
(1) أما الحنفية فأجازوا ذبح دم التطوع قبل يوم النحر؛ لأنه قربة والقربات هدايا، وذلك يتحقق قبل النحر وبعده، لكن الأفضل عندهم، وقوعه في أيام النحر والتشريق موافقة للسنة، وموافقة للجمهور، ومذهب الحنفية هو قول ظاهر عند الشافعية لكنه لا يفتى به في معتمد مذهبهم؛ لأن الأظهر الذي عليه الفتوى هو ما ذكرته لك أعلاه. اُنظر الحج والعمرة
…
د. نور الدين عتر ص 178.
(2)
مذهب الحنفية والحنبلية أن دم التمتع والقران يختص بزمان الأضحية فيجب عندهم وقوعه في يوم النحر أو أيام التشريق، لذلك أجد أن نفعل ذلك خروجاً من الخلاف وهو ما يجري حقيقة اليوم على أرض الواقع؛ لأن الالتفات إلى الدماء لا يتاح لصاحبه غالباً إلا بعد الوصول إلى منى عقب النفرة من عرفات، لكن لو جرى وذبح أحدٌ ما عليه من دم تمتع أو قران قبل يوم النحر فإن له في مذهب الشافعية مستنداً ولا نضيِّق على عباد الله رحمة بهم، خاصَّة في هذا الركن العظيم.
وبالنسبة للمكان فإن دم التمتع والقران يختص بالمكان وهو الحرم ويسمى دم شكر أما الدم الثاني الواجب أي دم الكفارة فهو دم جزاء وهو ما وجب مقابل جناية على الإحرام مثل حلق الرأس، أو تغطيته، أو لبس مخيط ومحيط
…
فهذا الدم عندهم يختص بالمكان أيضاً وهو الحرم دون الزمان يعني يصح فعله في أي وقت شاء. أي إن دم الشكر يختص بالزمان والمكان أما دم الجناية فيختص بالمكان دون الزمان.
وبالتالي فوقت الدماء الواجبة هو زمن الوجوب.
مثال ذلك تجاوز الميقات في زمن الحج بنية الحج، من غير ارتداء لباس الإحرام فهذا السبب يجب به الدم ما لم يعد إلى الميقات ليرتدي إزاراً ورداء لا مخيط فيهما ولا زرّ ولا أكمام وهذا السبب قد يتأخر عن يوم النحر زمناً طويلاً، وبالتالي جاز أن يعجل بدم الكفارة لهذه المخالفة مراعاة لزمن الوجوب، ومسارعة في براءة الذمة. هذا فيما له سبب واحد، أما فيما له سببان فلا يشترط وقوع السببين لوجوب الدم كما في التمتع في أشهر الحج، فيجب دم التمتع، بأن يقع أحد سببيه وهو الفراغ من العمرة في أشهر شوال وذي القعدة، وقبل العاشر من ذي الحجة، ولا يحتاج ذلك إلى حصول السبب الآخر وهو الإحرام بالحج بعد ذلك، والحال - كما تعلم - أن أكثر المتمتعين يحرمون بالعمرة إذا جاؤوا إلى مكة قبل يوم عرفة بأيام كثيرة، لذلك يجب الدم بعد الفراغ من العمرة وليس بعد الإحرام بالحج.
وفي مثال القران نجد اجتماع السببين في وقت واحد، وهذا موجب لدم القران حيث يحرم المسلم بالحج والعمرة معاً لذلك وجب الدم بعد الإحرام بالقران مباشرة.
من أدلتهم أن الأصل عدم التخصيص، ثم إنه لم يرد ما يخالف هذا الأصل، فجرى العمل به (1).
أما المكان الذي تذبح فيه دماء الهدي والأضاحي والكفارات (الدماء الواجبة) فقد اتفق الفقهاء على أن هذه الدماء جميعاً ما عدا دم الإحصار يختص موقع إراقتها بالحرم، وأنه لا يجوز ذبح شيء منها خارجه لفعله صلى الله عليه وسلم، وفعل سلف هذه الأمة، وأخذاً
(1) اُنظر تفصيل ذلك فيما أسهب فيه العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح للنووي ص 376 ـ، وانظر معه مغني المحتاج للخطيب الشربيني 1/ 530.
من قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم"(1)، وقوله عليه الصلاة والسلام:"كلُّ فجاج مكة طريق ومنحر"(2).
فالأظهر عند الشافعية أن ذلك يختص بأي مكان من الحرم، لما ذكرته لك؛ ولأن الذبح حق يتعلق بالهدي فيختص بالحرم كالتصدق، وهو نص كلام الخطيب الشربيني (3).
لكن أفضل بُقَعَهِ ـ أي: الحرم ـ للحاج نحراً وذبحاً هو منى، حتى ولو كان دم تمتع أو قران؛ لأنها مكان تحلله، ومثله ما لو ساق الحاج أو المعتمر هدي نذر أو كفارة. أما أفضل بقعه للمعتمر الذي ليس قارناً أو متمتعاً، فهو المروة (4)، وقد مرَّ معك أن ابن عمر كان ينحر بمكة عند المروة، وينحر بمنى عند المنحر (5).
أما الإحصار (6) فإن صاحبه يذبح شاة مما يجزئ في الأضحية، ثم يحلق، مع اقتران نية التحلل بهما، ولا يختص ذبح شاة الإحصار بالحرم، حتى لو تمكن من بعض الحرم وكان قد أحصر في الحلّ جاز له الذبح في موضعه من الحلّ على الأصح من مذهب الشافعية. هذا يعني أنه لا يحل للمحصر أن ينتقل إلى موضع آخر من الحل لذبح الشاة
(1) صحيح مسلم (1218/ 149).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني 1/ 530، وقد نقل العلامة الخطيب الشربيني هنا قولاً آخر عند الشافعية منقولاً عن الشافعي وهو ذو بال وإن كان غير مفتى به في المعتمد عندهم وهو جواز الذبح خارج الحرم بشرط أن يُنقَلَ إليه - أي الهدي- ويفرق لحمه فيه قبل تغيره؛ لأن المقصود هو اللحم، فإذا وقعت تفرقته على مساكين الحرم فقد وقع الغرض.
(4)
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني 1/ 531.
(5)
السنن الكبرى للبيهقي (9478).
(6)
الإحصار عند الشافعي ومالك وأحمد هو منع الحاج من الوصول لأداء نسك الحج أو العمرة بسبب العدوّ الذي يقطع عليهم الطريق، وبهذا لم يدخلوا في حصر العدوّ إحصار المرض، ولم يجعلوه منه.
غير الموضع الذي أحصر فيه؛ لأن موضع الإحصار قد صار في حقه كنفس الحرم؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصر في الحديبية، فنزلت عليه آية الإحصار، وهي قوله تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ذبح هناك ما لزمه من دم الإحصار، بل وما معه من هدي التطوع. والحديبية - كما تعلم - من الحل على حدود الحرم.
فالتحلل في الحل مع إمكانية الوصول إلى بعض الحرم جائز، والتحلل في بعض الحرم مع الإحصار في الحل جائز أيضاً.
أما لو أحصر في الحرم فقد جاز له نقله إلى موضع آخر من الحرم للذبح والتحلل؛ لأن الحرم كله منحر.
وقد ألحق الشافعية بمسألة الإحصار ما إذا حاضت المرأة ولم تطف طواف الإفاضة ولم تتمكن من الإقامة في مكة حتى تطهر وتطوف، وجاءت بلدها وهي محرمة، ثم عدمت النفقة التي تمكنها من الوصول إلى البيت، قالوا: هي كالمحصر، فتتحلل بالنية والذبح والتقصير.
والخلاصة أن النحر الذي تحدثنا عن بداية ونهاية وقته الممتد إلى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق، ومثله الذبح ضمن التفصيل السابق، هما شيآن لا مدخل لتحلل الحاج فيهما، وإنما يتعلق تحلل الحاج بأشياء أخرى هي رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير والطواف مع السعي بعده إن لم يكن قد سعى قبل، فإن فعل اثنين من ثلاثة، فأي اثنين أتى بهما من هذه المذكورات حصل له التحلل الأول، سواء فعل الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الطواف والحلق.
ويحلّ له بذا التحلل جميع محرَّمات الإحرام إلّا الاستمتاع بالنساء سواء بالجماع أو بالمباشرة بغير جماع.
وكذا يظل عقد النكاح حراماً عليه بعد هذا التحلل (1).
فإن أتى بالرمي والحلق والطواف (أي: مع السعي إن لم يكن قد سعى كما قلت لك) فقد تحلل التحلل الثاني (2)، وبهذين التحللين حلَّ له جميع محرَّمات الإحرام وصار حلالاً.
ومن المسائل المرتبطة بالتحلل ما قاله جمهور الفقهاء من أنه يسن لمن تحلل التحللين أن لا يطأ حتى يرمي أيام التشريق، لكنَّ المحبّ الطبري اعترض على ذلك بروايةٍ عن أيام منى قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيام منى أيام أكل وشرب وبعال"، كما استدل على اعتراضه بالحديث الذي مرَّ معنا من أن أمَّ سلمة بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزدلفة لتطوف قبل الفجر، وكان يومها فأحبَّ أن توافيه ليواقعها فيه، وقد أجاب الجمهور بأن الحديث لبيان الجواز، وبأن بعثة أمّ سلمة واقعة حال، ووقائع الأحوال يسقطها الاحتمال، وهو إرادة النبي صلى الله عليه وسلم بيان جواز ذلك لأمته، ثم لاحتمال أن تكون جملة الحديث:"وكان يومها فأحبَّ أن توافيه ليواقعها فيه" من فهم الراوي.
وثمرة البحث أنّ وطء الزوجة في أيام التشريق، بعد التحللين قبل الرمي بتمامه في أيامه جائز بالإجماع بقول الجمهور والمحب الطبري، وسائر العلماء، لكن الخلاف هل يسنّ ترك ذلك؟ الجمهور قالوا: يسن تركه والمحبّ الطبري قال: لا، واستشهد بالحديثين، والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: آداب في ذبح الهدايا والأضاحي:
يستحب أن يذبح الحاج هديه أو أضحيته بنفسه اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم حيث نحر ثلاثاً
(1) الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 391 ـ 392.
(2)
أما العمرة فليس لها إلا تحلل واحد.
وستين بدنة بيده الشريفة، وهو ما رواه لنا مسلم من حديث جابر الطويل.
ويستدل له أيضاً برواية مسلم عن أنس قال: "ضحّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمَّى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما"(1)، وفي رواية أخرى عنده:"وانكفأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كبشين فذبحهما، فقام الناس إلى غُنَيْمة فتوزّعوها، أو قال: فتجزَّعوها"(2).
وربما كانت الحكمة من ذلك بعد الاتباع تهذيب النفس على القوة والشجاعة، والنأي بها عن الجبن والخوف.
ويستثنى من هذا الاستحبابِ المرأةُ، فيندب في حقها أن تستنيب رجلاً يذبح عنها (3)؛ لأنها تضعف عن ذلك غالباً، ولأن تثبيت الشاة بوضع الرِّجل على جانب عنقها لئلا تضطرب قد لا يستقيم فلا يتم الذبح، ولئلا تؤذي نفسها، ولأن مقاومة الذبيحة لها، وتأبيها لفعلها في عملية يقطع فيها الحلقوم والمريء وأحد الودجين (4)، فيخرج الدم بقوة
(1) صحيح مسلم (1966/ 17)، والأملح: هو الأبيض الخالص البياض. وأقرنين أي: لكل منهما قرنان حسنان ولهذا قال العلماء: يستحب الأقرن كما قالوا: في الحديث جواز تضحية الإنسان بعدد من الحيوان، كما أجاز الشافعي وأبو حنيفة والجمهور مكسور القرن سواء كان يدمى أم لا، وكرهه مالك إذا كان يدمى، ومن باب أولى أجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم، وهو الذي لم يخلق له قرنان. وصفاحهما أي: صفحة العنق وهي جانبه. اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم ص 104.
(2)
صحيح مسلم (1962/ 10)، وقوله:"انكفأ" معناه مال وانعطف، وغُنَيمة تصغير الغنم، وفي الحديث هذا والذي قبله تأكيد على جواز الذكر في الأضحية.
(3)
الحاشية لابن حجر ص 377.
(4)
يسن أن لا يزيد على هذه الثلاثة مع مراعاة أنه يجزئ عند الشافعي قطع الحلقوم والمريء، ولا يحتاج إلى الودجين، أما الإبل وما يلحق بها مما طال عنقه كنعام وإوَزّ فيستحب في حقها النحر لا الذبح وذلك بأن يطعنها بسكين أو حربة أو نحو ذلك في ثغرة نحرها، وهي الوهدة التي في أصل العنق وأسفله، فيطعن العروق فيه حتى تفرى، والعلة سرعة إزهاق روح الحيوان كي لا يتألم لذلك سنَّ أن تكون الأداة حادة تنهر الدم، وكذا يندب أن لا يقطع رأسها، أو يسلخ جلدها قبل تأكده من مفارقة الروح للجسد، رحمة بها، ولهذا أيضاً كره العلماء نقلها قبل التوثق من موتها. اُنظر الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 377، وتفسير القرطبي 6/ 53.
متدفقاً فيصيب الإنسان وجهاً وجسداً وثياباً، كل ذلك لا يتناسب مع طبيعة النساء ومقامهن السامي الكريم في الإسلام وبالرغم من جميع ما عللته لك، فإن توازن الإسلام لم يحرّم ذلك على المرأة فيما لو اختارت ذبح هديها أو أضحيتها بنفسها، فهو مباح لها، فانظر إلى الحكمة الإلهية كيف تراعي كافة الجوانب الإنسانية والاجتماعية والذّوقية ضمن مقاييس لا تعرف الجنوح والتأثر بالعاطفة أو المقدمات المزيَّفة التي تتلاعب بالمرأة.
يلحق بالمرأة في هذا كل من ضعف عن الذبح لنحو مرض، وإن أمكنه الإتيان به (1).
والأفضل أن يكون النائب مسلماً ذكراً فقيهاً بباب الضحايا، وأن يكون من خيار المسلمين، لأنهم أولى بالقيام بالقُرَب كما صرّح به العلامة ابن حجر الهيتمي (2).
هنا لي وِقفة: إذا كان فقهاؤنا اشترطوا أن يكون النائب فقيهاً فلماذا لانتحقق في مسألة علم من نستنيبه اليوم في شأن ضحايانا وهَدَايانا؟ وإذا كانوا حريصين على اختياره من خيارنا فما وجه العذر في تقصيرنا؟ إن بذل شعيرة من شعائرنا الإسلامية للمتسكعين والمتسولين والمتطفلين في هذه الأمة الذين لا يقيمون للأمانة ولا لحرمة الأحكام والأموال عهداً ولا ذمة باسم الإشراف على الحجاج، أو باسم التجارة، أو باسم الأعمال الحرة أو تحت ستار العمل أو بالتترس بدعوى العلم، لهو من المعاصي والآثام التي لا عذر في اكتسابها، ولا بّر في حج مَن هذا ديدنه معها.
(1) الحاشية لابن حجر ص 377.
(2)
الحاشية لا بن حجر ص 371.
وإذا استناب غيره استُحبّ له أن يشهد الذبح لما روى عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها، كلُّ ذنب عَمِلْتِيْهِ، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. قال عمران: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصَّة، فأَهلُ ذلك أنتم؟ أو للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة"(1).
قال إمامنا النووي: "ولو استناب في ذبح هديه وأضحيته جاز، ويستحب أن يحضر صاحبها عند الذبح"(2).
ومن الآداب التسمية عند القيام بأمر ذبح النَّعم أو نحر الإبل وهو ما مرّ معك من رواية مسلم (1962/ 10) أنه صلى الله عليه وسلم سمّى وكبّر، لذلك فإن الصيغة المستحبة في التسمية هي قوله:"بسم الله، والله أكبر".
ولم تجب التسمية عند الشافعية؛ لأن الباري عز وجل أباح لنا ذبائح أهل الكتاب (3)، ومن المعلوم بداهة أنهم لا يسمّون؛ ولأن البيان الإلهي لم يشترط في ذبائحهم ولا في ذبائح المسلمين سوى التذكية (4)، فدلَّ على أن التسمية مستحبة، وليست من
(1) قال الإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 4/ 17: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو حمزة الثمالي، وهو ضعيف".
(2)
الحاشية للعلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح ص 371.
(3)
وذلك في قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5].
(4)
وذلك في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3]، وقد قال الإمام القرطبي في هذا:"قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} نصب على الاستثناء المتصل عند الجمهور من العلماء والفقهاء، وهو راجع على كل ما أُدرك ذكاته من المذكورات، وفيه حياة؛ لأن الذكاة فيه عاملة". اُنظر الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي 6/ 48.
الواجبات.
وأما قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] الذي فيه الأمر بالتسمية، فإنّ المقصود بذلك التسمية عند الأكل. قال الإمام القرطبي:"وهو الأظهر"(1)، وقد استدل القرطبي بقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يستحلُّ الطعام ألا يذكر اسم الله عليه"(2).
ومن السنة أن يسأل الله القبول أخذاً من الدليل العام على لسان الخليل والذبيح معاً وهما يبنيان البيت ويدعوان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]، وأخذاً من الدليل الخاص الوارد في صحيح مسلم عن عائشة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الكبش، ثم ذبحه، ثم قال:"باسم الله، اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحَّى به"(3).
زاد ابن ماجة: "فقال حين وجّههما (4): إني وجَّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أوَّل المسلمين. اللهم! لك ومنك (5)، عن محمد وأمته"(6). وزاد أبو داود: "باسم الله، والله أكبر، ثم ذبح"(7).
(1) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي 6/ 73.
(2)
صحيح مسلم (2017/ 102).
(3)
صحيح مسلم (1967/ 19).
(4)
أي: وجّه الكبشين؛ لأن رواية ابن ماجة فيها كبشان.
(5)
قال الإمام النووي: "قال أصحابنا: ويستحب معه: اللهم! منك وإليك، تقبَّل مني، فهذا مستحب عندنا وعند الحسن وجماعة، وكرهه أبو حنيفة، وكره مالك: اللهم! منك وإليك، وقال: هي بدعة". اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 106.
أقول: ورواية ابن ماجة وكذا رواية أبي داود التالية حجة لمذهب الشافعية ومن وافقهم، والله أعلم.
(6)
سنن ابن ماجه (3121).
(7)
سنن أبي داود (2795).
قال الإمام النووي: "فيه دليل لاستحباب قول المضحّي حال الذبح مع التسمية والتكبير: اللهم! تقبّل مني"(1).
ومن أحكام ذلك أنه إذا ذبح أو نحر لم يجز في حقه بيع جلد الهدي أو الأضحية ولا شيء مما يتعلق بهما، ومثله ما لو أعطى شيئاً منها للجزّار بسبب جزارته (2).
فالهدي والأضحية تطوعاً أو واجباً سواء بسواء، والحكم الشرعي فيهما واحد من حيث إنه لا يجوز بيع شيء منها، ولا إعطاء الجلد أُجرة للجزار، بيد أنهما يفترقان من حيث إنَّ التطوع للمهدي أو المضحي أن ينتفع بجلده وغيره لبساً وما شابهه، أما الواجب فلا ينتفع به لا بيعاً ولا لبساً، ولا بأيّ وجه آخر (3).
دليل ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم بلفظه عن علي قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجِلَّتها (4)، وأن لا أعطي الجزار منها (5).
قال: نحن نعطيه من عندنا" (6).
(1) شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 106.
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم 9/ 435، وانظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر: الباب الثامن في الهدي والأضحية ص 180.
(3)
صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 435.
(4)
هذا يعني أنها تجلّل، أي: تغطى بجلال، قال إمامنا النووي:"قال القاضي: التجليل سنة، وهو عند العلماء مختص بالإبل، وهو مما اشتهر من عمل السلف، قال: وممّن رآه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق. قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، قالوا: ويستحب أن تكون قيمتها ونِفاستها، بحسب حال المُهْدي". اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم 9/ 435 - 436.
(5)
قال الإمام ابن حجر العسقلاني ج 3 ص 702 - 703: "والنهي عن إعطاء الجزار المرادُ به أن لايعطي منها عن أجرته، وكذا قال البغوي في شرح السنة قال: وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه إذا كان فقيراً كما يتصدق على الفقراء فلا بأس بذلك".
والرأي عندي ـ إن جاز لي ذلك ـ أن الأحوط أن لا يُعطي الجزار منها شيئاً جلداً أو غيره فيما لو كان فقيراً، ولو بنية الصدقة لنعت المسكنة عنده؛ خشية أن يستدرج ذلك مَن ذبحها وسلخها للتنازل عن جزء من أجرته مقابل ما قدّم له من تلك الأضحية، فإذا بالصدقة تتحول من غير تصريح منه، إلى أجرة على عمل الجزار، فإغلاق هذا الباب أولى سدَّاً للذرائع، لذلك نجد العلامة ابن حجر العسقلاني ينقل لنا بعد سياق النص السابق كلاماً آخر جاء فيه:"وقال غيره: إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، وأما إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقه فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مسامحة في الأجر؛ لأجل ما يأخذه، فيرجع إلى المعاوضة".
(6)
صحيح مسلم (1317/ 348)، والبخاري باب: لا يعطى الجزار من الهدي شيئاً.
وفي رواية للبخاري: "فأمرني فقسمتها، ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها "(1).
وزاد ابن خزيمة: "على المساكين"(2).
فالذي عليه السلف الصالح أنه يتصدق بلحمها وجلودها وجلالها، لكن هل يجوز أن يبيع أو يأكل منها؟ تفصيل ذلك على النحو التالي:
لا يجوز بيع شيء من الهدي ولا الأضحية سواء كان ذلك واجباً، أو تطوّعاً فيحرم بيع شيء من هذه أو تلك، ولو من جلدها أو شحمها، أو من سائر أجزائها (3).
دليل ذلك الحديث الذي أوردته قبل أسطر عن الصحيحين، وفيه وجوب التصدق بها، والتصدق يتنافى مع البيع لا بل إنّ مبالغة النبي صلى الله عليه وسلم في أقل أجزائها قيمةً، وهو الجلد أن لا تقع عليه المعاوضة دليل جازم على حرمة عقد البيع؛ لأنه من عقود المعاوضات.
ومن الأدلة الواضحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر أن أبا قتادة أتى
(1) صحيح البخاري، باب: يُتصدق بجلال البُدْن برقم (1718).
(2)
صحيح الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (2920) وقد قال في عنوان الباب: "وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقسم لحوم بُدْنه وجلودها وأجلّتها على المساكين دون الأغنياء".
(3)
الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 374.
أهله، فوجد قصعة ثريد من قديد الأضحى، فأبى أن يأكله، فأتى قتادةَ بن النعمان فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في حج فقال:"إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام لتسعكم، وإنّي أحله لكم، فكلوا منه ما شئتم"(1)، قال:"ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي، فكلوا، وتصدقوا واستمتعوا بجلودها، وإن أطعمتم من لحومها شيئاً فكلوه إن شئتم"(2).
ويؤيده الحديث الآخر عن أبي سعيد الخدري عن أبيه وقتادة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلوا لحوم الأضاحي، وادخروا"(3).
كما يؤيده الحديث الثالث عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا أن نأكل لحوم نُسُكنا فوق ثلاث، قال: فخرجت في سفر، ثم قَدِمْتُ على أهلي، وذلك بعد الأضحى بأيام، قال: فأتتني صاحبتي بِسِلْقٍ قد جَعَلَتْ فيه قديداً، فقلت لها: أوَ لم ينهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن نأكلها فوق ثلاث؟ قال: فقالت: إنه قد رخص للناس بعد ذلك. قال: فلم أصدقها حتى بعثتُ إلى أخي قتادة بن النعمان ـ وكان بدرياً ـ أسأله عن ذلك، قال: "فبعث إليَّ أن كُلْ طعامك فقد صَدَقَتْ، قد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في
(1) تحريم لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ كان في الإسلام ثم نسخ بالإجماع، ومن الأحاديث التي نسخته هذه الطائفة من الأحاديث ومنها الحديث الثالث في ترتيبها هنا، لذلك قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته ص 375: ويجوز الادخار من لحم الأضحية سواء في حال الجدب والسعة، والنهي عن تحريمها منسوخ.
(2)
هذا الحديث رواه أحمد في مسنده برقم (16210) جاء في الموسوعة الحديثية على مسند أحمد أنَّ له ثلاثة أسانيد كلها ضعيفة، ثم جاء فيها:"وسيأتي بإسناد صحيح من حديث أبي سعيد وقتادة برقم (16213)، بلفظ: "كلوا لحوم الأضاحي وادّخروا" وانظر (16214).
(3)
هذا هو الحديث الذي روي بإسناد صحيح الذي أحالتنا إليه الموسوعة الحديثية على مسند أحمد ورقمه فيه (16213).
ذلك" (1).
ومن الأدلة التي ما ينبغي لأحدنا أن يغفل عنها وهو يستظل بالرواق الممتد لحجة النبي صلى الله عليه وسلم في أدق تفصيلاتها ذلك النص الذي أورده جابر، ورواه عنه مسلم من أنه صلى الله عليه وسلم "أمر ببَضعة ـ بقطعة ـ أُخذت من كل بدنة من بُدُنه فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها"، لذلك قال العلماء: لما كان الأكل من كلّ واحدة سنة، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة، جعلت في قدر ليكون آكلاً من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسَّر (2).
وقال الإمام النووي: "وأجمع العلماء على أنَّ الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب"(3) فالأكل منها خاص بهدي وأضحية التطوع كما سيأتي.
فالهدي قسمان:
الأول: هدي التطوع وهو الذي يتقرب به الحاج أو المعتمر إلى الله دون وجود سبب يلزمه بذلك. وهذا مستحب لكل حاج أو معتمر اقتداء به صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقد أهدى مائة بدنة كما هو متفق عليه من روايتي البخاري ومسلم، وهذا الهدي يستحب أن يأكل منه كالأضحية، ويجب عليه عند الشافعية والحنبلية أن يتصدق بقدر يقع عليه اسم الصدقة ولو كان قليلاً ما لم يكن تافهاً. نفهم هذا من خلال الأدلة السابقة، ومن قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا شَهْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ
(1) وهذا هو الحديث الآخر الذي روي بإسناد حسن، ورقمه في مسند أحمد (16214)، والحديث كما ترى هو أحد الاحاديث التي نسخت تحريم لحوم الأضاحي فوق ثلاث.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 347.
(3)
صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 347.
فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36].
فالأمر بالأكل على الندب، وهو محل إجماع العلماء كما مرَّ من كلام النووي، والأمر بالإطعام على سبيل الوجوب لشيء يطلق عليه اسم الصدقة (1)
منها وذلك لقوله تعالى:
{وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} .
وذكر الشافعية أن السنة في الأكل والتصدق أن يقتصر على أكل لقم، ويتصدق بالباقي، فإن لم يفعل انتقل إلى الرتبة التالية لها في الفضل، وهي أن يأكل الثلث ويتصدق بالباقي، فإن لم يفعل انتقل إلى الرتبة الثالثة في الفضل -وهي دونهما- وهي أن يأكل ثلث
(1) الشافعية يقولون: يجب التصدق في المتطوع بها بجزء يطلق عليه اسم الصدقة وذلك من لحمها ولحم ولدها المذبوح معها، ويجب كونه غير تافه عرفاً، وكونه نيئاً، وأن يقع لمسلم فلا يُعطى منه ذميٌّ، [ليس هذا من قبيل التمييز أو التقتير -حاشا وكلّا- فالشريعة الإسلامية لا تؤصل ذلك بدليل أن الذميّ تحل له الصدقة كما تحل للمسلم، لكن الهدي والأضحية لسد حاجات المسلمين في أعيادهم في أنحاء الأرض، وفي مكة بالنسبة لوفودهم هناك، لذلك لا يعطى منه الغنيُّ المسلم صدقة من المسلمين وإنما يعطى هدية]. ولا يكفي إعطاؤه مطبوخاً، ولا قديداً ولا جعله طعاماً ودعوة الناس إليه، أو إرسالهم إليه؛ لأن حق الفقير في تملكه لا في أكله ولا يكفي تمليكه ما سوى اللحم من نحو الكرش أو الكبد، بل لا بد من اللحم، ويحرم تمليك الأغنياء شيئاً من الأضحية بخلاف إهدائهم أو إطعامهم كما قلنا فذلك جائز. اُنظر الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 374، والمنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للإمام ابن حجر الهيتمي أيضاً ص 457 - 458.
أقول: أما الحنفية فأصل التصدق عندهم لا يجب، ويبدو أنهم حملوا الأمر في الإطعام في الآية على الندب، فلو حبس الهدي كله لنفسه، أو الأضحية كلها لنفسه، لجاز له ذلك؛ لأن القربة عندهم هي في إراقة الدم، أما التصدق باللحم فهو للتطوع. اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر ص 169. وأرى من خلال المذهبين العمل بمذهب الشافعية ومن وافقهم؛ لأن حبس الهدي أو الأضحية كلها لنفسه يضيع معه الأمر بإطعام القانع والمعتر، وهل شرع الله ذلك إلا من أجل التواصل بين المسلمين تصدقاً أو تهادياً للارتقاء في العيد ومكة بروح الأمة إلى رتبة الجماعة، وإلى ذوبان الأثرة والأنا، وحلول الكل مكانها، هذا والله أعلم.
الأضحية ويتصدق بثلثها، ويهدي الثلث الباقي إلى الأغنياء، وفي هذه الصورة يثاب على التضحية بالكل، وعلى التصدق بالبعض (1).
وعندهم لا تصح الأضحية عن الميت إلّا إن أوصى بذلك، أو أمر به (2)، بخلاف الصدقة عن الميت فتقع وإن لم يوص بها؛ لأن الأضحية فداء عن النفس فلم تقبل النيابة إلّا بالنص الشرعي عليها كالحج، بخلاف مطلق الصدقة (3).
الهدي الثاني: هدي النذر وهو ما ينذره الحاج للبيت الحرام، ومنه الأضحية المنذورة أو المعينة بنحو: هذه أضحيتي، أو الملتزمة بالذمة، فهذا كله يدخل في إطار الواجب لقوله تعالى:{وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].
والواجب أن ليس له أكل شيء منه؛ لأنه أخرج نفسه عن هذا بما أوجبه عليها من جعل الهدي أو الأضحية كلها لله تعالى، وما كان كذلك لا ينال الله منه لحماً ولا دماً، لكن يناله التقوى من الناذر المتصدق وذلك بصرف المنذور إلى عباد الله المسلمين من الفقراء.
وبهذا لم يعد جائزاً صرف شيء من النذر إلى نفسه، فإن أكل منها غرم بقيمته (4).
فالهدي والأضحية نذراً أو تطوعاً يجتمعان في حرمة بيع شيء من أجزائهما، وحرمة دفع الجلد للجزار ثمناً لذبح الحيوان أو سلخه.
(1) المنهاج القويم للعلامة ابن حجر ص 458.
(2)
اُنظر مناسك الحج والعمرة وآداب الزيارة لأستاذنا الدكتور محمد توفيق رمضان البوطي ص 115، وبذيله كلام للعلامة الشيخ عبد الرزاق الحلبي جاء فيه عن مذهب الحنفية:"تجوز الأضحية عن الميت ولو لم يوص ويكون ذلك تبرعاً من الورثة، وأما إن أوصى يكن ذلك من الثلث".
(3)
الحاشية للعلامة ابن حجر ص 373 .. أقول: وتفترقان أيضاً في أن الصدقة عموماً لايمنع منها الذميّ بخلاف الأضحية كما مرّ، وهو الفارق الذي نقله ابن حجر عن الزركشي في موضعه من المرجع المذكور.
(4)
المنهاج القويم للعلامة ابن حجر ص 458.
والهدي والأضحية يفترقان بين التطوع والنذر فيما سوى ذلك:
فإن كانت واجبة لزم التصدق بجلدها وغيره من سائر أجزائها فرضاً وحرم الانتفاع به بأي وجه من وجوه الانتفاع وكذا حرم الأكل منها؛ لأنها خرجت عن ملكه فلم يعد له من سلطان عليها (1).
وإن كانت تطوعاً جاز الانتفاع بجلدها دون بيعه، كما لو لبسه، أو جلس عليه بعد أن يطهره بالدباغ، وجاز الانتفاع بادّخار شحمها، وبعض لحمها للأكل والهدية (2).
ومن المسائل ذات الصلة الوثيقة بهذا أنه لو كان معه هدي واجب، وهدي تطوع فالأفضل أن يبدأ بالواجب؛ لأنه الأهم والثواب فيه أكثر (3).
ومنها أن له أن يشترك مع غيره في الهدي سواء كان واجباً أو تطوعاً، وسواء كانوا متقرِّبين أم لا (4).
ومنها أن الفقير إذا ملك من الواجبة أو التطوع شيئاً جاز له التصرف فيه بيعاً أو
(1) قال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري في كتابه المسمى: صحيح ابن خزيمة 2/ 1374: "والعلم عندي كالمحيط أن كل من وجب عليه في ماله شيء لسبب من الأسباب لم يجز له أن ينتفع بما وجب عليه في ماله، ولا معنى لقول قائل إن قال: يجب عليه هدي، وله أن يأكل أو بعضه، لأن المرء إنما له أن يأكل مال نفسه، أو مال غيره بإذن مالكه، فإن كان الهدي واجباً عليه فمحال أن يقال: واجب عليه، وهو مال له يأكله، وقود هذه المقالة يوجب أن المرء إذا وجبت عليه صدقة في ماشيته أن له أن يذبحها فيأكلها، وإن وجبت عليه عشر حبٍّ فله أن يطحنه ويأكله، وإن وجب عليه عشر ثمار فله أن يأكله وهذا لا يقوله من يحسن الفقه".
(2)
الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 374.
(3)
الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 372 - 373.
(4)
المتقربون: هم الذين يقصدون من دفع ثمن البدنة أو غيرها التقرب إلى الله تعالى بإراقة دمها، والتصدق منه أو كله، لذلك قال أبو حنيفة: إذا كان بعضهم يريد التقرب إلى الله وآخرون يريدون اللحم فلا يجوز اشتراكهم أي: لا يجوز عنده أن يشترك سبعة في بقرة مثلاً وبعضهم يقصد القربة وآخر يبحث عن اللحم لنفسه. اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 437، وهذا خلاف مذهب الشافعية.
أكلاً أو إهداء، أما إذا ملك الغني من التطوع (1) شيئاً فإنه يجوز له الأكل أو الإهداء، وليس له نحو بيع (2).
وإذا كان الكلام في دم الهدي والأضحية تطوعاً ونذراً، فيلزم معه التعريج على لازمه في كتاب الحج وهو دم التمتع والقران، أو ما يطلق عليه العلماء الهدي الواجب.
فهدي التمتع هو شاة تذبح عندما يؤدي الحاج العمرة في أشهر الحج قبل الحج، ثم يتحلل ويتمتع بالتحلل من محرمات الإحرام حتى إحرامه بالحج. دليله قوله تعالى:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196].
هدي التمتع هو دم جبر عند الشافعية؛ لأنه شرع جبراً للخلل الحاصل في مخالفة أصل الإحرام، وميقاته، فأصل الإحرام عندنا هو الإفراد، ومواقيت الإحرام عند الأمة قاطبة مشهورة معروفة، ومن تمتع بالعمرة إلى الحج في أشهر الحج فقد أحرم بالحج من مكة لامن الميقات لذلك شرع الهدي جبراً لهذا الخلل.
وهدي القران هو دم جبر أيضاً؛ لأن القارن يأتي بالحج والعمرة بإحرام واحد، وليس بإحرامين، فشرع الهدي سداً لهذا الخلل (3).
وما دام هدي التمتع والقران واجباً فقد أخذ حكم الهدي المنذور والأضحية المنذورة فلا يؤكل منه شيء (4).
(1) الغني ليس له في الواجبة نصيب لا صدقة ولا إهداء.
(2)
الحاشية لابن حجر الهيتمي ص 375.
(3)
الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر ص 170.
(4)
في مذهب الحنفية دم التمتع والقران هو دم شكر؛ لأن العناية الإلهية وفَّقت الحاج لأداء النسكين في سفر واحد، وعلى هذا جاز الأكل منه في مذهبهم؛ لأنه ليس واجباً، وهو مذهب المالكية والحنبلية. اُنظر المرجع السابق ص 169 - 170.
أقول: وربما كان دليلهم في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم " فاستدل من أجاز أكل هدي القران بهذا الحديث؛ بأن السيدة عائشة كانت قارنة، وقد ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلت وأزواجه. اُنظر نيل الأوطار للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني 5/ 125، برقم الحديث عنده (2092).
وقد مرَّ معك من كلام إمامنا النووي أن صفة إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الإفراد، فلم يكن قارناً ولا متمتعاً لذلك حمل الشافعية أحاديث الأكل من هديه صلى الله عليه وسلم وأكل غيره من هدي نفسه أو من هدي غيره، على أنها أكل من هدي التطوع؛ لأن الإفراد لا دم عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم كان مفرداً، فالأكل من هديه ليس له إلّا هذا الوجه.
القسم الأخير هو الذي يطلق عليه الفقهاء هدي الجبران وهو الذي يقع جبراً لخلل حادثٍ في الحج أو العمرة كالإحصار أو ما يلحق به من الجنايات كارتداء المحيط أو ستر الرأس، أو حلق الشعر قبل وقت التحلل.
هذا الهدي باتفاق الحنفية والشافعية والحنبلية لا يؤكل منه (1)؛ لأنه دم واجب باتفاقهم؛ لأنه دم كفارة وجزاء على جناية فلا يطعم منه، ويجب التصدق بجميعه لفقراء ومساكين الحرم (2).
والخلاصة: أن الدماء الواجبة لا يطعمها ولا يبيعها وعليه أن يتصدق بها جميعاً، وأن هذه الدماء هي الهدي النذر، والأضحية النذر، ودماء الكفارات ودم التمتع
(1) قال مالك: يجوز الأكل من كل الهدي الواجب، إلا جزاء الصيد، ونذر المساكين ونسك الأذى، وربما استدل مالك بما رواه البخاري موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنهما قال:"لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ويؤكل مما سوى ذلك" قال العلامة ابن حجر العسقلاني فيه: وصله ابن أبي شيبة عن ابن نمير عنه بمعناه 3/ 704.
(2)
الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر ص 170، ومناسك الحج والعمرة وآداب الزيادة د. محمد توفيق رمضان البوطي ص 116 - 117.
والقران، واستثنى الحنفية حين رأوا في هذين الأخيرين دماء شكر لله تعالى فأجازوا الأكل من لحمها.
ولا خلاف بين فقهاء المذاهب جميعاً أن دم التطوع يجوز الأكل منه وهو هدي التطوع، وأضحية التطوع.
إن الجزء الذي درسته وإياك من كلام جابر الأخير يتضمن العديد من المسائل النفيسة التي تفوت معظم حجاج اليوم، وقد عملت بتوفيق الله على تناول أبرزها ولم أتعمد الاستقصاء وفي ختام الارتحال بين محطاتها أحط رحلي عند آخر ما يمكنني رؤيته هاماً فيها، وهي الملاحظة التي لم أقرأها في كتاب، لكنني أعتصرها من وحي تجربتي السنوية في إطار هذا الركن العظيم.
إن هذا العدد الهائل من البدن التي نحرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي بلغت المائة، فعل ذلك بيده لثلاث وستين منها، واستناب علياً فيما غبر من تمام المائة، يشكل محطة ما ينبغي أن نتجاوزها دون أن نقف عندها ملياً:
ففي هذا المشهد استحباب تكثير الهدي واستحباب أن يباشر الحاج نسك ذبح الهدي بنفسه، مجسداً في عمله ذاك روح الإقبال على الطاعة، ومتعة تنفيذها استجابة لأمر الله. بيد أنّ هذا المشهد فيه معنى آخر هو غير ما ذكره الفقهاء نستخلصه من معرفتنا للثمن الباهظ الذي يبذل في جانب كل بدنة، ثم في مضاعفة البذل إلى مائة مرة مع تضاعف عدد الإبل إلى هذا الرقم، الذي يصل معه الثمن النهائي إلى حد بالغ العلو في الأداء، بما يشير إلى الجانب المادي في رحلة الركن الخامس، حيث يتوازى الجهاد بمشقة النفس مع الجهاد ببذل المال في عبادة يتعانق فيها الجهادان في طريق واحد، وصوب غاية واحدة.
وقفة تعيدنا إلى الأصل الذي استند إليه فقهاؤنا في وجوب الحج، وهو في القرآن
الكريم في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، وفي الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس
…
" وآخرها "وحج البيت من استطاع إليه سبيلا".
مصدران يؤصلان في هذا الواجب روح الاستطاعة البدنية والمالية، ويلقيان مع حديث جابر في نحر بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم الضوء كثيفاً على طبيعة الإنفاق المرافق لهذا الركن من البدء حتى المنتهى، وكيف أنه ليس بذلاً بسيطاً ولا رمزياً لكنه حقيقي وباهظ، يرمز إلى صدق العبد في ولائه لسيد الأرض والسماء والوجود كله ألا وهو الله عز وجل.
نفقات الحج لم تكن يوماً إلّا برهاناً على إيمان صاحبها، في إقباله على ربّ العزة في بيت الجلال والجمال البيت العتيق، بقلب متواضع، وتوبة صادقة، وندمٍ أكيد على ما فات من اجتراح المعاصي والآثام في إقبال ممهور بالأمارات الصادقة والعلامات الفارقة على هذا السعي الحثيث لينال رضوان الله في حجٍ يعمل فيه بكل ما في وسعه ليكون الجزاء عليه هو الجنة.
من زاوية أخرى فإن نحر هذا العدد الهائل من الإبل مضافاً إليه طول المدة التي قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ خروجه من المدينة حتى عودته إليها في حجة الوداع، مع ما يعنيه ذلك من نفقات سفر وإقامة وطعام، كل هذا يرد على أولئك اللاهثين خلف مناسك لا إنفاق فيها فإن تيسر لهم ذلك أدَّوها، وإلّا فلا مصلحة لهم فيها! والأفظع من هذا عندما يشترطون في رحلتهم أن ينالهم نصيب من حطام هذه الدنيا، ويجادلون في تحديد نسبته وإمكانية الزيادة فيه وإلّا فلا حاجة عندهم في تلك الرحلة المباركة! وأحياناً يجري ما هو أشدّ سوءاً، وأكثر إيلاماً عندما يذهبون إلى مكة بقصد التكسب بشتى الوسائل المتاحة، منتقلين مع حجاج بيت الله الحرام من مكة إلى عرفات فمزدلفة فمنى فمكة، ثم العودة إلى
منى لأجل الإقامة فيها الليالي المعدودة المعهودة، ثم لا يؤدون مناسك الحج بزعم انشغالهم عن الله وتجلياته في مواطن رحمته بما بين أيديهم من أعمال زهّدتهم بالآخرة، وكان حقهم أن يزهدوا بدنياهم في مواقف العبرات واستمطار البركات!
رأيت هذا بين السائقين! رأيته بين المطعمين! ورأيته بين المطوفين ومن يدور في فلكهم من أدلاء الحج ومن نحا نحوهم من موظفين! ورأيته بين سائر شرائح العاملين المنغمسين في تحصيل دنيوي قليل رغم ما يحيط بهم من منافذ الخير العميم!
يزهدون بهذا الحصن الحصين مع أنهم يصعدون إلى موقف عرفات، وينفرون إلى ربا مزدلفة، ويبيتون في أرض منى، لكنهم عن الحج الذي قصدوا رياضه محرومون! وما كان يفصلهم عن التمسك بأستاره سوى نية صادقة، وعزم أكيد لا يتعارض مع خدمة ضيوف الرحمن بالأجر الذي يبتغونه من فضل الله!
إذن هناك فريق من الحجاج يبحث عن تجريد مناسك الركن الخامس من قسيمها المالي! وهو بهذا إنما يخالف الحكمة التي من أجلها شرع ربنا الحكمة إلى بيت الله الحرام، وهي الجهاد بالمشقة البدنية والمالية معاً، وسواء بسواء.
وهناك شريحة أخرى تزهد بكل ما في رحاب المناسك من تجليات حين تقزّم قصدها إلى عرض من الدنيا قليل! لا همّ لها إلّا أن تنال أيّ شيء دون أن تبذل في سبيل مرضاة الله تعالى أيَّ شيء! .
إنهم بمحاولتهم الالتفاف حول هذه الحكمة إنما يضادون العلة التي أقيمت حولها حياض الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة، والذي لا يدانيه برهان على صدق ولاء العبد لسلطان المولى العظيم، اللهم إلّا الجهاد القتالي في حربٍ يخوضها بسيفه، لا يرجع منها بشيء من نفس أو مال، بعد أن صعدت روحه فيها إلى بارئها. نعم في كلا
الجهادين لا يعود على المسلم نفع مادي مشاهد في الوقت الذي يبذل فيه مشقة النفس والمنافع المادية، بيد أنه في الأخرى منهما تزهق روحه دون الأولى فقدّمت عليها.
وهل المال إلّا شقيق الروح؟ فإذا استرخص الحاج كلفة الجسد (1) في سبيل يرضى بها عنه رب العزّة، وقرن ذلك ببذل الروح الذي يعادل النفس، وكان ذلك بحيث لا يكون إنفاقاً من حيث الشكل فقط، في أرض تجمع غبار الجهاد، إلى شظف العيش، إلى الظلّ بعيداً عن الدعاية والإعلام، فإنه بهذا يقدم البرهان الأكيد، والعلامة الفارقة على إخلاص قصده بين يدي مولاه الكريم العلي المتعال (2).
نعم لقد قدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله يوم النحر أروع صورة تحكي لنا كرم النبوة، وسخاء المسلم، واحتساب المؤمن في معاملته مع الله، وصدق الادّعاء بين يديه، إذ لكل ما يدعيه الإنسان شاهد ودليل، وهل مثل عطاءِ من لا يخشى الفقر ناطق بالشاهد والدليل؟ لاسيما وأنه صلى الله عليه وسلم مات لوقت قريب، وليس عنده مال يورثه، حتى إن درعه يوم التحاقه بالرفيق الأعلى كانت مرهونة عند رجل من اليهود.
إن طائفة من المسلمين اليوم تظل تحدثك عن ضخامة النفقات، وتتهمك بالإسراف في رصدك للّائق من الخدمات، في محاولة منها لسحب البساط عن عملية الإنفاق في هذه الرحلة المباركة، وكأن الحج صلاة والتكليف فيها بدني!
(1) هذا بشرط أن تكون المشقة ضمن حدود الاحتمال، بخلاف ما لو كانت لا تطيقها النفس البشرية، أو تؤدي إلى ذهاب منفعة عضو فحينئذٍ لا تجوز.
(2)
بدليل أن الحاج قد يدفع إلى فقراء لا يعرفهم، وهم يأخذون منه دون سؤاله عن اسمه وجنسيته وموقعه الاجتماعي؛ لأن مظاهر الرياسة تتراجع في تلك الأرض؛ فالجميع يعلم أنهم على مائدة الرحمن، وأن الحرم هو موطن العطاء، وأنَّ المعطي الحقيقي هو الله عز وجل.
ذريعتهم في ذلك أنك في عبادة، والعبادة تلازمها صفة الزهد، وهو ما يتنافى مع صرف المال في سائر الوجوه!
المشكلة التي يعانيها الإخوة أنهم لا يملكون خريطة لتحديد ما هو إسراف مذموم فعله، وما هو بذل محمود شأنه! يتفوهون بهذا متجاهلين أن جميع ما ينفقه متوسط الحاج السوري في كامل رحلته لا يبلغ عشر معشار ما أنفقه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر وحده! كما يتغافلون عن اشتراط الفقهاء لراحلة (1) تليق بالمسافر، وتليق بوضعه في مجتمعه الذي ارتحل منه، لذلك لم نجدهم يشترطون وجود راحلة فحسب وإنما يراعون الشرط المذكور، لا بل وجدت فقهاءنا يقولون: إن لحقه بالراحلة مشقة شديدة اشترط وجود مَحْمِل (2) فوق الراحلة، فإن لحقه في ركوبه مشقة شديدة مع وجود المَحْمِل اعتبر في حقه الكنيسة (3)، وهي أعواد مرتفعة في جوانب المحمل يكون عليها ستر دافع للحر والبرد (4).
ولا بد أن هذا يتطلب نفقات كبيرة تتناسب مع عظمة هذا الركن وغاياته والزمن الطويل لأدائه نسبياً.
في خضم هذا الاختلاف أجد من الخير أن أعود إلى ضابط الإسراف والبذل
(1) الراحلة هي الناقة التي تصلح لأن ترحل، ومراد الفقهاء بها كل ما يركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى. قال المحب الطبري: وفي معنى الراحلة كل دابة اعتيد الحمل عليها في طريقه من بِرْذَوْن أو بغل أو حمار. اُنظر النصّ بتمامه في مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني. أقول: ويلحق بهذا أي وسيلة نقل اعتاد الناس حمل أنفسهم عليها في أسفارهم اليوم كالسيارة والحافلة والطائرة.
(2)
المحمل على وزن مَجلِس واحد محامل الحاج، وهو شقان على البعير يحمل عليهما العديلان المسافران كل واحد منهما على شقِّ جانب البعير.
(3)
يبدو أنها قريبة من الهودج، وهو غرفة تنصب فوق البعير سواء كانت فيه ظعينة (امرأة) أم لا.
(4)
اُنظر مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للعلامة الشيخ محمد الخطيب الشربيني ج 1 ص 463 - 464.
المحمود لئلا تتداخل الشواهد، فتختلط المفاهيم ولئلا نسيء الظن في الذي ينهانا عن السَّرف، ولا نقع ضحية لشباك من يستدرجنا إلى الإنفاق المذموم، لاسيما وأن هذه الرحلة مدرسة كبرى تروض نفوس المنتسبين إليها إلى الطواعية لأمر الله، ومجاهدة الأهواء والشهوات، وإحكام السيطرة على مقود النفس البشرية، لتسمو نفوس أبنائها في مدارج الرجال الذين تنتظر منهم أمتهم الكثير في حمل آمالها وآلامها.
الحق الذي أتى على ذكره الفقهاء أن طيب الزاد ليس من الإسراف وهذه هي القاعدة الأولى في هذا الموضوع؛ لأن زاد الرجل دليل كرمه، بدليل قول ابن عمر رضي الله عنهما:"من كرم الرجل طيب زاده في سفره".
القاعدة الثانية: أن التوسع في الزاد الطيب مطلوب ما لم يتجاوز حد الاعتدال، وإلا بلغ بصاحبه رتبة السَّرف.
القاعدة الثالثة: يقاس على المطعم كل من المشرب والملبس والمسكن فننحو بها ذات النحو في أمر الطعام.
القاعدة الرابعة: البذل في سبيل الله إطعاماً أو إسقاء أو إسكاناً أو رعاية، أو هدياً أو غير ذلك من المكارم التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في طباعه اليومية، فضلاً عن عباداته تحت سقف هذا الحصن الجليل، لا يعد من السَّرَف في شيء.
القاعدة الخامسة: لا حدود في ضابط الاعتدال في البذل ما دام ذلك وفق طاقة المعطي المادية؛ لأنه لا سرف في كثرة البذل مهما بلغ، بدليل ما وجدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، وبعد أشهر لقي ربه، ولا مال عنده.
كيف لا، وقد قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، كما قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا
وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)} [الدهر: 8]. وفي جعل الإطعام من البر قال تعالى:
كيف لا، والبذل في وجوه الخير تضحية للغير؛ لإقامة الحضارة في هذه الدنيا الفانية، رجاء ما يدخره الله لنا من الأجر من حصاد مضمون في الآخرة الباقية.
كيف لا وقد ربط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج المبرور بوجوه الإنفاق في الخير، عندما قال صلوات الله عليه وسلامه:"الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة، فقيل يا رسول الله ما برّ الحج؟ فقال: طيب الكلام، وإطعام الطعام"، فجعل بذل الطعام لمن يحتاجه أمارة على الحج الخاص الذي ينال به صاحبه أعلى الرتب.
كيف لا والصدقة هناك يضاعفها ربنا للمحسنين.
قال الإمام حجة الإسلام الغزالي وهو يتعرض لدقائق أسرار الحج: "الثالث: التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل، والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف، بل على الاقتصاد، وأعني بالإسراف التنعم بأطايب الأطعمة، والترفه بشرب أنواعها على عادة المترفين"(1).
فالإنفاق على وجوه الخير المختلفة مهما بلغ هو سنة مستحبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دامت في حدود الحاج وإمكاناته.
والإنفاق على ألوان الأطعمة والأشربة على عادة المترفين هو إسراف يتنافى مع الحكمة التي يدور حول محورها الحج إلى بيت الله الحرام.
وطيب الزاد مع التوسع فيه من غير إسراف في ذلك علامة الكرم الذي شجع
(1) إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، من كتاب أسرار الحج، باب دقائق الآداب في الحج ص 263 - 264.
عليه الإسلام، ودعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرِجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267].
ويؤخذ من كلام النووي وابن حجر الهيتمي خاصّة، وسائر الفقهاء عامَّة، أن التواضع في الوسيلة والغاية والهيئة هو الأليق بهذه الفريضة، وهو الأقرب إلى هيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يتقدم عليه أحد في الفضل، لذلك قال إمامنا النووي:"وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجَّ راكباً وكانت راحلته زاملتَه"(1).
والزاملة بعير يحمل عليه المتاع والطعام، لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت حاجاته محمولة معه تصحبه على البعير الذي يركبه (2).
كما قال إمامنا النووي: "فإنْ كان يَشقُّ عليه الرَّحْل لعذر كضعفٍ أو علةٍ في بدنه أو نحو ذلك فلا بأسَ بالمَحْمِل"، بل هو في هذه الحالة مستحب.
وإن كان يشق عليه الرَّحْلُ والقَتَبُ (3) لرياسته وارتفاع منزلته أو نسبه، أو عمله، أو شرفه، أو جاهه، أو ثروته، أو مروءتِهِ، أو نحو ذلك من مقاصد أهل الدنيا لم يكن ذلك عذراً في ترك السنة في اختيار الرَّحل والقَتَب (4)، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ من هذا الجاهل
(1) الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 33 - 34.
(2)
الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 34.
(3)
القَتَبُ والرَّحْلُ متقاربان، والمراد ما يوضع على الناقة من خشب مشدود يجلس عليه. فهذا هو الواجب. أما المَحْمِلُ والهودج فهما متقاربان أيضاً والمعنيّ بذلك غرفة فوق الناقة فهذه لاتجب إلا لعذر. اُنظر "مغني المحتاج للشربيني ج 1 ص 464".
(4)
قال العلامة ابن حجر الهيتمي في المرجع السابق ص 35 في تبيانه لهذا المعنى: "قد يستشكل بقولهم في باب صلاة الجماعة: لو لم يَلِقْ به العُرِيُّ لنحو منصب سقطت عنه كالجمعة، وفي باب الخيار: لو اطلع على عيب لمركوبه أو ملبوسه ولم يَلِقْ به نزعه أو النزول عنه، فلم ينزعه، ولا نزل عنه، لم يسقط في حقه من الرد، ونحو ذلك كثير في كلامهم لمن تدبره! فلم لم يقولوا بمثل ذلك هنا مع أنه أولى؟ ؛ لأنه مجرد سنة ليس فيها حق لآدمي، وذلك إما فرض كفاية أو عين، أوْ ما فيه حقُّ آدميٍّ وقد يجاب بأنه لا يلزم من المسامحة في ذلك لكثرة ما يترتب عليه من الضرر (ويلزم) إلى الرياسة والمناصب بخلاف الحضر"، كما قال:"وأكثر السلف على كراهة ركوبها لغير مرض ونحوه بخلافه مع ذلك فإنه سنه".
بمقدار نفسه، والله أعلم" (1).
فالتواضع هو الوصف الذي لا يليق غيره برحلة القصد إلى حمى البيت العتيق، أما الإسراف والترفه فهو مما يتنافى مع مقاصدها، وأهدافها وغبار الجهاد الذي يتخرَّج من تحت طبقاته رجال الأمل، وصنَّاع المستقبل، لذلك فالأجدر بخصال المسرفين المترفين أن تقصى عن حياض الزمان والمكان الذي يقام على إحداثياته مناسك الترويض والبناء الحقيقي لمنتسبي هذه الجامعة الحقيقية.
ومن لازم هذا الكلام أن الموائد العامرة التي تقيمها فنادق النجوم الخمسة، ذات الدرجة الأولى، في مكة المكرمة، للمحرمين من حجاج المسجد الحرام في مطاعم تنتصب فيها العشرات من ألوان الأطعمة والأشربة الفارهة، في أجواء بزخ وترف، تنسي الفقر وأهله والفقير وآلامه، والحاجة وبواعثها، والتربية ووسائلها، والهدف وسمّوه (2)
لا بل تنسي أن لهذا المسجد شقيقاً أسيراً يسام وأهله صنوف الخسف والعذاب في قدس فلسطين قدس الأمة المسلمة المرابطة الثَّكلى، وفي جنباتها لا يجد
(1) نفس المرجع والصفحة.
(2)
هذه الصورة تتكرر بأسىً أفظع في عرفات ويتجلى ذلك من زاويتين: الأولى الرفاهية المبالغ فيها من رفع للخيام على الطريقة الألمانية كما يسمونها، وتغليف لها من الداخل بأنواع الستائر الفاخرة، ووصل الأقنية الفضائية إلى داخلها، وفرشها بما يشبه غرف الاستقبال للضيوف، وتزويدها بمسابح بلاستيكية وألعاب للأطفال، وإضاءة متعددة الألوان والأشكال من تجسيد إلى شجر النخيل الاصطناعي وغيره، ناهيك عن الكثير الكثير الذي شاهدته بعيني، ولم يخبرني عنه أحد. الزاوية الأخرى هو تبدل موضع الخيام الفارهة هذه من سنة لأخرى، وفي كل عام تتم الإشادة من الصفر بما في ذلك بناء الحمامات وتزيينها بالسيراميك بأرقام خيالية ثم بعد أيام يهدم هذا كله! ..
أبناؤه سوى الحصير، والبسط القديمة البالية للصلاة والجلوس عليها، ولا وسائل التهوية البدائية لتخفيف وطأة الحر الشديد، ولا اللقمة المشبعة المحرّرة من ذل القيد والهوان ولا غير هذا من الحاجيات أو الضروريات فضلاً عن أنواع السجاد النادر، والتكييف المركزي وأصناف الألبسة المميزة، وموائد الطعام الممتدة، التي يتمتع بها بفضل الله هذا النوع من فنادق مكة المكرمة فأين نحن من الوسيلة الرفيعة، والغاية النبيلة والشعور الدافئ الذي من المفترض أنه يسري من أجواء الإحرام في النية واللباس والمحظورات، وهيئة الأداء والموقع والارتحال؟ أي ما نحن فيه اليوم من رحلة غدت ترفيهية دنيوية، أكثر منها جهادية إنسانية وتربوية أخروية؟ أين حسن الصلة بالله من صبغة الغفلة عن الله التي لفّت شرائح من حجاج هذه الأيام، وهي الرحلة التي عُبِّدَت لتكون طريقاً واضحاً يتعرف فيه عباد الله على سلطان الله، ويتذوقون بين يديه معاني التذلل والتضرع والإنابة إليه؟
أنبه على هذا واعتقادي الجازم أنّ من بين من اعتادوا على حياة الرفاهية هذه أصحاب قلوب واصلة، ومشاعر دافئة، وإيمان صاف زلال، فلا تحجبهم عن ربهم كل موائد الدنيا، وأسباب المظاهر فيها؛ لأن لهم قلوباً تعاهدوها، وأوراداً سقت بِوَارِدها غراس الإيمان في قلوبهم لكنّ الذي يظل مأخذاً عليهم أن هذا الذي لم يُحرّمه الشرع بحال، هو مما كرهته آداب الإسلام بعد أن تعارض مع الانتساب لهذه الفريضة في الوسيلة والقصد.
أين نحن من حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين غدا اليوم مباهاة بين شريحة من الحجيج على عَرَضٍ من الدنيا قليل، وقد كان في زمن السلف الصالح ترويضاً جاداً للتحرر من قيودها، والعلوّ فوق شهواتها، امتلاكاً من العبد الصادق لدفة رُبّانها. قال العلامة
النووي في وصاياه: "التاسعة عشرة: أن يتجنَّب الشِّبَعَ المفرط، والزينة، والترفّه، والتبسط في ألوان الأطعمة فإنّ الحاجّ أشعث أغبر"(1).
بعد هذه التغطية الفقهية لمسألة هي من أكثر ما ينتصب في طريق الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة، ثمة ما يخفف كراهتها، وهي أن أكثر هؤلاء الإخوة إن لم نقل جميعهم، إنما يدخلون مكة المكرمة متمتعين، وبالتالي فإنّ التقشف، والابتعاد عن عادات المترفين بالإمكان حصره زمن الإحرام، وهو ما يبدأ لحظة الإحرام في الطائرة عند ما تحاذي الميقات أو تكاد، وتستمر إلى أن يصل الحاج مدينة الحجاج بجدة، متوجهاً إلى المسجد الحرام ليطوف طواف العمرة، ويسعى سعيها - وهما ركنان فيها - ثم يؤدي ركن التحلل وهو الحلق أو التقصير وهناك يغدو حلالاً كواحد من أهل مكة، يمارس مثلهم جميع ما كان محظوراً عليه وقت إحرامه، وهكذا يمضي في حله في فندقه من أرض الحرم إلى أن تطلع شمس اليوم الثامن من ذي الحجة، حيث يحرم من مكان إقامته، ويبدأ لتوّه برحلة إحرام جديدة من قائمة المحظورات المعهودة، التي تتنافى مع موائد الملوك والرفاهية، وبذلك يعود المعنى الذي واكب الحاج في إحرام العمرة ليصاحبه هنا في إحرام الحج، لا سيما في خيمة عرفات التي لا يتفق تعدد الطعام ألواناً والشراب أصنافاً كثيرة، مع وظيفتها الجليلة، وهي التي تؤدى في وقت خطير جداً لا يمكن تداركه إذا فات، بخلاف غيره، لذلك حذّر العلماء العاملون من التقصير فيه، بينما يأتي مثل هذا السَّرَف مشغلة للقلب، مضيعة للوقت، وهو ما يثبط الهمة العالية التي لا يجوز أن تصرف لغير الاجتهاد في العبادة، وهو ما لا يليق في هذا الظرف
(1) نفس المرجع ص 53.
الاستثنائي من عمر الركن الخامس فإذا نفر الحاج من عرفة، وبات بالمزدلفة، ورمى جمرة العقبة، ثم حلق أو قصّر، فإنه يعود من هناك إلى وضعه الذي كان فيه قبل إحرامه في بلده أو بين الإحرامين في مكة المكرمة وبهذا لا يعود وجود للمعنى الذي ذكرت.
حين يتحلل الحاج من إحرام الحج لا يبقى أمامه من مناسكه سوى واجبِ المبيت بمنى، وواجب الرمي أيام منى، ثم واجب طواف الوداع عقب ذلك، يوم يقرر مغادرة البيت العتيق.
في هذه الأيام تتراجع الكثير من المعاني التي كان عليها عهد الحاج قبل تحلله، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى" فهي أيام تجمع التمتع باللذائذ المباحة جنباً إلى جنب مع القيام بواجب العبودية بين يدي مالك الملك، يتجلى هذا المعنى أكثر في الرواية الأخرى التي يرويها الدارقطني عن عبد الله بن حذافة السهمي بلفظ:"أيام منى أيام أكل وشرب وبعال"(1)، والبعال ملاعبة الرجل أهله.
هذه هي الصورة كما ترسمها القواعد المذكورة، وإن كنت أرى أن زمن هذه الرحلة بشقيها الإحرام والتحلل هو ظرف لا ينبغي في مثله الإسراف - لاسيما وأن الإسراف مذموم مطلقاً - تماماً كاستراحة المجاهد، أو كفرصة الطالب بين الحصص المقررة لدروسه، وفيهما لايجوز أن يأتي صاحبها بما يتناقض والوظيفة المناطة به، لذلك فإنّ التنعم بأصناف الملاذ المباحة ترفهاً وتبسطاً، ولو بالنسبة للقادر عليها، ولو في غير وقت الإحرام، فإنه مكروه لغير معنى شرعي أو عذر مقبول. لاسيما وأنّ الإسراف لايقتصر النهي عنه على دائرة الحج، بل هو عام في كل وقت. قال الإمام العلامة ابن
(1) الدارقطني 2/ 186.
حجر الهيتمي الشافعي: "قوله والتبسط في ألوان الأطعمة، محله كما هو ظاهر، وعليه يدل سياقه فيما إذا كان يفعل ذلك لنفسه بلا عذر، أما لغيره لعذر فلا بأس به، بل قد يتأكد في حق ضيف وغيره، ولا يبعد كراهة نحو الترفه (1) له بعد الإحرام نظير الصائم"(2).
فالتواضع في مسيرة الحج إلى بيت الله الحرام عنوان، يتناسب مع الحاج القاصد لوجه ربّه الكريم، في رحاب المعبد الإسلامي التوحيدي الكبير، لكن هل يتعارض ذلك مع ركوب الطائرات من باب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت راحلته زاملتَه؟
ركوب الطائرات، وما توفره من خدمات جليلة لضيوف الرحمن، وفي مقدمتها سهولة الوصول، وسرعة القدوم بما يحفظ الوقت الثمين، أمر طيب ومحبب لاسيما وأن الوقت هو رأس المال النفيس الذي حرص الإسلام على استثماره وتوظيفه في بناء الحضارة الإسلامية فوق هذه الأرض مما يجعلني أجزم أنه لا يمكن العثور على فقيه يختلف معي في أنّ امتطاء صهوة هذا المركب المستحدث لا يعد لوناً من الرفاهية التي تتعارض مع تواضع الوسيلة والغاية في مدرسة هذا البناء الشامخ، لاسيما وأنها تنسجم مع شرط من شروط هذه الرحلة وهو أمن الطريق؛ حيث تعد خطوط السفر الجوي
(1) أكرر هنا ما سبق أن سقته لك بين الأسطر السابقة، وهو أن ذلك لا يدخل في عداد المحرمات؛ لأنه تقلب في نعمة أباحها الله من قادر عليها، لكن ليس كل مباح مستحب في كل وقت، أرأيت إلى التبسط في ألوان الأطعمة والأشربة في رمضان، والإقدام على التزين، والإقبال على الشهوات المباحة كشم الرياحين، والنظر إليها، والعَلْك، و .... إلخ، لذلك فإنّ سياحتي هذه تهدف إلى وضع الأمور في نصابها على ضوء الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، ثم التحذير من كل ما يتنافى مع أهداف هذه المؤسسة الإنسانية السامية. اُنظر في استحباب ترك الشهوات تهذيب تحفة الحبيب للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفشني ص 190.
(2)
اُنظر الحاشية للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 53.
أكثر الوسائل أمناً وأقلها تعرضاً للخطورة كما أنها تتراجع بصحبتها مظاهر الإذلال التي ترافق معظم المنافذ الحدودية البرية على طول الكرة الأرضية وعرضها.
ثم أليس للطائرات فضيلة تسهيل وصول وفد الله من كل بقاع الأرض إلى حرمه الآمن، أما النفقات الباهظة التي ترافق هذه الوسيلة فإنها تتواضع أمام هذه الثمار اليانعة خصوصاً الأمان والوقت، كما أنها تصب في الجهاد المالي الذي لا تتم مناسك الحج من غيره.
النقطة الأخيرة التي تسجل هنا أن النقل بالجو أصبح سمة العصر وجزءاً لا يتجزأ من التواصل بين مدنه وقاراته في حركة حياتنا اليومية، يقصده الغني والفقير على حدٍّ سواء مما ينفي صفة الترفه التي لا تليق بتواضع هذه الفريضة وغاياتها، أما الإشكال الذي قد يُحدثه كلام النووي من استحباب القَتَبِ والرَّحْل دون الهودج؛ لأن راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت زاملته فلا يتعارض مع ما سبق بيانه لماذا؟ ؛ لأن الفقهاء لم يكونوا حرفيين في التعامل مع النصوص فقد راعى اجتهادهم مثلاً عادة المرأة في سفرها الدنيوي فقالوا بمثله في سفر الحج، ومن المعلوم أن ذلك يختلف بين امرأة وأُخرى بتأثير البيئة والتقاليد والثقافة، لذلك قال الإمام العلامة الخطيب الشربيني فيما نقله عن الأذرعي:"وغاية الرفق أن يسلك في العبادة مسلك العادة، فإنّ كثيراً من نساء الأعراب والأكراد والتركمان كالرجال فإنّ الواحدة منهنّ تركب الخيل في السفر الطويل بلا مشقة"(1) اهـ.
أقول: فإذا كان لاختلاف المكان والقوم والظروف الاجتماعية والمناخية أثر في رؤية الفقهاء مع أن الزمان واحد، فكيف لا يكون لزمانين مختلفين، وبيئتين متباعدتين أثر في
(1) مغني المحتاج للعلامة الشربيني 1/ 464.
ذلك، والحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان بيننا اليوم لما توانى عن ركوب الطائرات، ولكانت طائرته زاملته، لاسيما وأنّ أُمته مجمعة على ذلك، وهو صلى الله عليه وسلم مَن علّمنا أن أمة الإسلام لا تجتمع على ضلالة، وأنها معصومة عن الخطأ والزلل إن أجمع فقهاؤها قاطبة على أمرٍ ما (1).
* * *
(1) الحق أن إجماع الأمة هو إجماع أوْلي الأمر فيها في جانب الفتيا وهو ما صرّح به الأصوليون وفي مقدمتهم حجة الإسلام الغزالي.