المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌مواثيق حقوق الإنسان

بسلامة الفريضة من العبث والجهل والضياع (1).

* * *

‌مواثيق حقوق الإنسان

قال جابر رضي الله عنه (2): "وقال (3): إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مُسْتَرْضِعاً في بني سعد فقتلته هُذيلٌ، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا ربا عبّاس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنّكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطِئْنَ فرشَكم أحدٌ تكرهونه، فإنْ فعلْنَ ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبِّرح، ولهن عليكم رزقهنَّ وكسوتهنّ بالمعروف، ولقد تركت فيكم

(1) أقول: هذا رد على من يزعم أن الإرشاد الديني هو من نافلة الرحلة! وأنه لون من التطفل على فريضة الحج! لذلك فإنني في كل عام أهتدي بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه فأقدم للحاج الزاد الفقهي الذي يغطي مساحة أربع وعشرين ساعة هكذا إلى أن تنقضي الأيام المعدودات تلك. ولذات الغرض أُعد غرفة للفتوى، وأستصحب أهلها مراعاة لهذه الأمانة المنوطة بنا.

(2)

وفي رواية غير جابر تلك التي يرويها ابن سعدفي الطبقات أكثرمن زيادة. من ذلك ما جاء في افتتاح الخطبة من قوله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً". ومن ذلك ماجاء بعد الدعوة لتقوى الله في النساء: "يا أيها الناس اسمعوا وأطيعوا وإن أُمِّرَ عليكم عبد حبشي مجدّع ما أقام فيكم كتاب الله تعالى": ومن ذلك: "أرقاءكم أرقاءكم

أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم". اُنظر فقه السيرة لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي باب حجة الوداع ص 476 - 477.

(3)

أي رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم.

ص: 318

ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تُسأَلون عنّي فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلّغْتَ وأدّيتَ ونصحتَ فقال: بإصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء ويَنْكُتُها إلى الناس: اللهم! اشهد اللهم! اشهد ثلاث مرات":

الخطبة في فريضة الحج إلى بيت الله الحرام وسيلة إعلامية نافعة يُقْبِلُ بها الإمام على جموع المحتشدين في سفوح عرفات ووادي منى والبيت الحرام في مكة يخاطب بها عقولاً تألقت في هذا الجمع العظيم، وقلوباً ارتوت من جرعات العبودية في أودية المتهجدين، وخَلْقاً تعاهدوا في صعيد تلك المواطن المباركة على حمل أمانة العقيدة ورسالة الشريعة وثقافة الأمة.

وعندما يكون الخطيب هو صفي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعندما يكون الوافدون عليه هم أصحابه الكرام البررة، وعندما تؤدى الخطبة في الأرض التي شهدت وفود الأنبياء والمرسلين عليها من كل فج عميق، واجتماع الملائكة حولهم، وعندما تجسد الرحلة في اجتماعاتها وخطبها امتداداً لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم بأمر من ربه سبحانه وتعالى، وعندما تقع تلك الكلمات في حجة الوداع التي ظهرت فيها أمارات الاقتراب المحتوم من الرفيق الأعلى بعد أن تكاملت الرسالة وأوشكت المهمة أن تنتهي، وعندما يأتي هذا كله في سياق حرب شعواء على موروثات جاهلية فاسدة طويت صفحتها في موسم العطاء هذا، وعندما يؤذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس أنه حاج إلى بيت الله الحرام (1) ولايبقى ذلك طي الكتمان، ولا يعتمد فيه أسلوب التغطية كما اشتهر عنه في تسيير

(1) لا بل إنه من أجل ماسقته بين يديك أذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حاج إلى بيت الله الحرام، ومن أجل ذلك أقبل الناس إليه من كل حدب وصوب، وإنّها لفرصتهم الفريدة لمجاورته صلى الله عليه وسلم أياماً طويلة يتعلمون فيها ما فاتهم ويتشرفون ببركة الصحبة واللقاء ونور النبوة، لاسيما من آمن منهم خارج المدينة المنورة.

ص: 319

السرايا والغزوات، وعندما لا يبقى للمسلمين شيء لم يتعلموه من نبيهم صلى الله عليه وسلم بعد ركن الصلاة وشهر الصيام وأمر الزكاة وقضايا العبادات والمعاملات سوى ما يتعلق بمناسك الحج من واجبات وفروض وآداب.

عندما تلتقي هذه الخطوط متضافرة في زمان عرفات وعلى تخوم الموقف العظيم في وادي عرنة فلا جرم أنها بيعة ومنهج يرسم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من خلاله مسيرة أمة ستُسَلَّم زمام الأمانة، وها هو هنا يلقيها على أعناقها يخاطب في هؤلاء الخاشعين المتضرعين الأجيال المقبلة متوجّاً ثلاثة وعشرين عاماً من سنيّ الجهاد والمصابرة والاحتساب في سبيل الله حتى أثمرت تبدلاً في الفكر والثقافة على خلفية تبديل المعتقد؛ فإذا بأعداء الأمس المتربصين به وبدعوته الدوائر هم الرجال الصادقون الذين يملؤون السهل والجبل ولا تحيط بهم الأبصار وهم حملة الراية واللواء، وعليهم تبنى آمال الأمة في تثبيت بنيانها ووصول كلمتها في الحق للعالمين.

وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجلس على منبر ناقته القصواء يلقي خطابه المودّع الجامع، وراح المحتشدون يتلقون كل كلمة تفد عليهم من فمه العطر ينصت معهم الوجود كله لما يتلى على مسامعهم من وحي النبوة:

"أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً":

إنها كلمات الوداع التي لا يقال فيها إلّا المهم من الأمر، وإنه الحشد الذي يضم وفوداً من كافة القبائل العربية والإسلامية وشتى فجاج الجزيرة العربية وما حولها فلا يأتي معه النبي الرحيم الذي يلمح بالرحيل إلّا بما يجول في خَلَده من أبرز ما يشغل باله.

وينصت الكون كله بعد هذا التنبيه فإذا ببصمة القدرة الإلهية تحضر بقوة في خطبة

ص: 320

الوداع، وكأنّ النبي صلى الله عليه وسلم يرى المستقبل المشرق بتفصيلاته، ويرى المنزلقات التي ستتنكّب فيها جماعات من المسلمين مُغَرِّدين خارج السرب تائهين عن المنهج الإسلامي الذي ترسم ملامحه، وتضبط إيقاعه حجة الوداع وخطبة الوداع في مبادئ إسلامية يحرم على العاملين في حقل الدعوة والجهاد أن يُعرضوا عنها أو ينشغلوا عن الدراسة فيها؛ لأنها ستحدد خريطة العلاقات الإسلامية الصحيحة في العالم كله والإعراض عنها سيحدد خريطة التعامل باسم الإسلام زوراً وبهتاناً مع المحيط الإنساني العربي والإسلامي والعالمي وستنزلق بسبب ذلك أقدام وأقلام.

وإليك هذه المبادئ:

المبدأ الأول: "ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع":

فالجاهلية الأولى بكل عاداتها وتقاليدها وموروثاتها الباطلة التي أفسدت العقيدة والمشروع الحضاري لبني الإنسان قد أُزْهِقَتْ رُوْحُها وانتهت أيامها وها هي ذا مدفونة كالجيفة النتنة تحت قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعمد إلى نبش قذرها باسم الانفتاح والحرية أو التجديد أو العولمة أو الحداثة أو تجديد الخطاب الديني إلّا جاهل بما هي عليه، حريص على طمس معالم الضياء الإسلامي بعد سطوعه، مأجور لمن يسعى لإقصاء العين الصحيحة بالعور، لم يحمل أمانة ولا يذكر بيعة ولايدري عن أمته التي ينتمي إليها شيئاً، وهو متنكب عن جادة قوله تعالى في أجواء حجة الوداع الصحية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. قال أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حول هذا القرار النبوي الجازم: "فما المعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار؟ .. إنه يقول: إنّ ما كانت الجاهلية تفخر

ص: 321

وتتمسك به من تقاليد العصبية والقبلية وفوارق اللغة والأنساب والعرق واستعباد الإنسان أخاه بأغلال الظلم والمراباة قد بطل أمره، ومات اعتباره، فهو اليوم جيفة منتنة غيّبها شريعة الله في باطن الأرض وأصبح مكانها في حياة المسلم اليوم تحت الأقدام.

إنه رجس ولّى وعماهة أدبرت وغاشية بادت.

فمنذا الذي يرجع بعد ذلك لينبش التراب عن الجيفة النتنة فيعانقها! وأيّ عاقل يتقمم الأدران التي تخلص منها ليتمسح ثانية بها؟ وأيُّ أبيٍّ يعمد إلى القيد الذي كسره البارحة وألقاه ليصلحه ويعود فيتقيّد به اليوم.

أرجاس من تقاليد الجاهلية أبعدها الرسول صلى الله عليه وسلم عن منطلق الإنسانية وتقدمها الفكري والحضاري وأعلن أنها عادت حثالة مدفونة تحت قدميه كي يثبت للدنيا كلها ويسجل على مسمع القرون والأجيال أنه ما من تائه يزعم التقدم الفكري إذ يعمد فينبش شيئاً من هذا الدفين القديم إلّا وهو يرجع القهقرى يسبح في أغوار قصيّة من التاريخ المظلم القديم وإن خَيّلَ إليه وهمه أنه أنّما يتقدم صعداً ويخطو مترقياً" (1).

المبدأ الثاني: "دماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا دمُ ابن ربيعة بن الحارث":

هذا المبدأ يقرر حرمة الإنسان في دمه وماله وعرضه وأن حرمته تتطاول في العلياء لتقف جنباً إلى جنب مع أعظم الحرمات الإسلامية قدسية من البيت الحرام إلى الشهر الحرام إلى اليوم الحرام وهوما افتتح به رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته.

(1) اُنظر فقه السيرة النبوية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في القسم السادس فصل في حجة الوداع وخطبتها ص 482 - 483.

ص: 322

هذه الحرمة سِيَّانِ فيها المسلم والكافر، والسيرة النبوية خير ناطق بما أقول اللهم إلّا أن ينابذنا الكافر العداء ويناصب أمتنا الإيذاء ويعلن البغضاء فنحن أمام رد عدوانه لا خيار لنا، لكننا ونحن نقاتله فإنما نفعل ذلك لأجل اعتدائه لا لكفره.

لكن لماذا خص خطابُ الوداع المسلم دون الكافر في حرمة الدم والمال وليس في هؤلاء يومئذ من نشب بينه وبين أخيه نزاع أو قتال وهم الذين ذوب الإسلام ما بينهم من حواجز وأبعد ما يقطع شرائحم من روابط؟ .

هنا تتجلى المعجزة الباهرة وهنا تتألق الخطبة في توجهها الذي يتعدى الحاضرين إلى الأجيال القادمة التي ستمر وفودها فوق هذا الصعيد، وإذا بصدى تلك الكلمات يتردد في جنبات المكان، وإذا بالتحذير من داء مستطير وشر خطير يشهد له القفر والجبل والحجر والمَدَر وتشهد به أفواج الوافدين إلى رحاب الله كل عام تقيم الحجة على من تنكب عن منهج السماء وتاه عن ضوابط الشريعة الغرّاء، وضاع عن قبس الوحي الإلهي الذي أشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الكون كله إنسَه وجنّه وملائكته وجماده كلهم كان يصغي بأنس لما يلقى على مسامعه من كلام النبوة، ويعلن تبرأه من أقوام يأتون بعده يرون في قتل المسلم قربة إلى الله وجهاداً!

يأخذون أمتهم بالتهمة، ويقطعون رؤوسهم بالجملة، ويخلطون بين جهاد لا نزاع فيه وباطل لا خير فيه! يتباهون بتصاعد أعداد القتلى على أيديهم من المسلمين وكأنها دماء شياه وهل نستنكر ذبح الشياه!

يصنعون هذا وعدو الأمة الحقيقي ورأس الإرهاب العالمي جاثم بغلظة فوق صدر الأسيرة المقدسة فلسطين ومسجدها القدسي مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاصمتها قبلة المسلمين الأولى لا يلتفتون إليها وهم بمنأى عن واجب استعادتها بعد أن أحالوا

ص: 323

ساحات أمتهم الإسلامية الآمنة إلى أرض وغى لا يأمن فيها المسلم على عرض أو دم أو مال! فأين نحن من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ارتقت إلى رتبة الحظر القضائي الذي لا طعن فيه ولا رجوع عنه ولا تقصير لشأنه حين جعل الرسول صلى الله عليه وسلم دم المسلم خاصة ودم الإنسان عامة خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه ولايصح الاعتداء عليه وهو القائل: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" أي لا ترجعوا بعدي كالكفار يستبيح أحدكم دم إخوته من البشر في نزاعهم حول السلطة والمنافع (1)

ومن يدري فلعله صلى الله عليه وسلم ذكر لفظ الكفار إشارة منه إلى جماعات شاذة تتغنى بتكفير المجتمع الإسلامي وقتاله تتوسل بذلك سبيلاً معبدة في رأيها للنيل من الدماء البريئة دون أن تعلم أن الكفر لا يجيز دماً وأن الإيمان سيظل ينازع الكفر في كافة ساحات الدنيا دون أن تمتد يد المسلم إليه بلغة الاستئصال؛ لأن هذا يتعارض مع القاعدة الديمقراطية الأولى في إرساء المجتمع الإسلامي وهي قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] وقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118].

ولقد كرر صلوات الله وسلامه عليه هذه الوصية المقررة وهو ينظر إلى وجوه أصحابه في خاتمة خطاب المنهج والميثاق وأكد ضرورة الالتزام بها حين قال: "تَعْلَمُنَّ أنّ كلَّ مسلم أخٌ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلّا ما أعطاه عن طيب نفسٍ منه، فلا تظْلِمُنّ أنفسكم، ألا هل بلغت؟ ".

(1) هذا ما أدين الباري عز وجل به ولا أقصد به زلفى من أحد غير الله عز وجل لذلك أُأَكد في هذه الحاشية تحريم دماء المسلمين وسائر البشر إلا بحق الإسلام وفق ما ذكرت، وهو الخطاب الذي يطال بالتحريم كل من أراق دم مسلم عن قصد وبغير حق سواء كان من موقع الجهاد والدعوة أو كان في موقع صانع القرار أو كان فرداً عادياً من أفراد الأمة فالدم هو الدم له حرمته الثابتة التي لا يجرؤ عليها إلا المعتدون في تطرف مقيت ممجوج ..

ص: 324

ومن عوامل القتل الثأر على خلفية الانتقام وتفريغ شحنة حقد دفين سواء كان ثأراً لقتل أو سلطة أو عرض أو أي منفعة دنيوية! ولكي تموت هذه العادة الذميمة المتمكنة من تلك المجتمعات آنئذ فقد بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وأهله فأسقط دم إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وكان طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت زمن استرضاع بني سعد له فأصابه حجر في حرب كانت دائرة بين بني سعد وبني ليث بن بكر من هُذَيل فمات (1).

وبهذا رسخ رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم الثأر بإسقاط حق من يقتدي هذا الجمع الغفير به على مرأى ومسمع المحتشدين.

المبدأ الثالث: وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله:

الجاهلية هي الجاهلية أيّاً كانت مسمياتها وألوانها لا فرق في ذلك بين جاهلية أولى أو جاهلية معاصرة إذ الثوابت فيها واحدة المعالم لا تتبدل: ففي الثقافة: سمةُ الجاهلية استباحة ما التقت الفطرة السليمة والشريعة السماوية على تحريمه.

وفي العلاقات الإنسانية عنوانها استحلاب مزيد من الحروب بأي وسيلة لحساب تقاليد أو عصبيات أو فوارق شكلية تُلَمِّعُ نفسها في إطار عنصري أو لحساباتٍ شخصيةٍ لمن استعبدهم هذا كله، قيدهم بأغلاله بريق الدرهم والدينار.

وفي الاقتصاد فإن النظام الربوي الذي يقدِّم فيه القوي المال منّةً للضعيف وهيمنة عليه في ظل حرب باردة يعيش فيها الأغنياء الجشعون على تلال متنامية من المال الذي

(1) اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم ج 8 ص 339.

ص: 325

لم يبذلوا جهداً في تحصيله في حين يتهاوى الفقراء في مهاوي العوز السحيق بعد أن ازدادوا فقراً على فقرهم حيث حرموا من فرص النجاح وتحولوا إلى أداة مستعبدة بيد أسياد قساة يسخرونهم بلا رحمة كما يُسَخَّرُ ثور الرحى في دوامة الإنتاج اللامتناهيةهو عنوان بارز لهذه الجاهلية.

وإذا كان زماننا المعاصر يتسم بالمعاملات الربوية في غالب ربوع العالم بما فيه الإسلامي فإن الظلم في العلاقة بين الشعوب في توزيع خيراتها وتقاسم ثرواتها هي العلامة الفاصلة الدالة على عودة الشعوب القهقرى إلى جاهلية مقيتة حذرنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من العود إلى جيفتها القذرة ومعانقتها والتمسح بأذيالها بعد أن صارت نسياً منسياً، وبعد أن غيّب جدار الماضي رائحتها العفنة.

ومثلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشيرته مثلا يحتذى في نبذ الثأر والدماء فقد عاود الكرة قدوة ومعلماً في أمر ربا الجاهلية الذي قرنه في خطابه بالشذوذ الإنساني في القتل والتدمير وكأنه يقول: إذا كان السيف يقتل الإنسان بقطع رأسه فإن الربا يقتل الإنسان بإذلاله وقطع رزقه وإحالته إلى عبد يمضي عمره يقضي ما عليه من أموال ربوية ولا تنقضي.

وفي هذا صراحة في خطاب الأجيال فالمترسمون غير هدي الشريعة في تصفية الحسابات ذبحاً واستباحة دماء جاهليون متطرفون شاذون عن جادة الحق والفطرة والسماء، والمترسمون غير منهج الله في العلاقات الاقتصادية على مستوى الأفراد والمجتمعات جاهليون شاردون عن طريق العدل والسداد والاعتدال.

المبدأ الرابع: "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن

ص: 326

بكلمة الله

(1) ":

الإسلام منارة مضيئة في سماء هذه الامة تفضح ممارسات العهود البائدة في الظلم والعدوان وتهيب بأبناء الإسلام أن لا يخدعوا من جديد فيقعوا ضحية ممارسات فاسدة تصادم ما محاه الإسلام في تشريعاته بين قومه الكرام.

فالوصية بالنساء رفع للظلم الذي كان واقعاً عليهن يوم كانت المرأة مهملة لا تملك في مجتمعها أي حق.

والوصية بالنساء تثبيتٌ لضمانات الحقوق التي أقرتها شريعة السماء.

ولعل في التوصية في هذه الخطبة بالذات تنبيه إلى حاجة الأمة إلى العناية بالإناث تربية وتثقيفاً وتعليماً خوفاً من أن يتسلل إليهن مارق دعي يخلط في أزمنة لاحقة بين حق المرأة في رسالة الأمة الحضارية وبين استغلال المرأة في كرامتها توظيفاً لمفاتنها في إفساد المجتمعات وجني ما لا يحصى من الأموال في لعبة تغدو المرأة في مسرحها رقيقاً أبيض لا تملك أدنى حقوق البشر في اختيار المأكل والمشرب والملبس وأوقات النوم والراحة! وحياة هؤلاء اليومية وتصريحاتهم أبلغ دليل على هذا لكن الأبلغ في الذم أن يعرض أحد المنتسبين إلى الأمة عن خطاب حجة الوداع فإذا بهؤلاء يتسابقون باسم المعاصرة إلى تسويق وجوه الاستخفاف بالنساء واستعبادهن تقليداً أعمى لغرب لم تعد

(1) قال الإمام النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: "واستحلَلْتُمْ فروجهنّ بكلمة الله": قيل: معناه قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، وقيل: المراد كلمة التوحيد وهي لا إله إلّا الله محمد رسول الله، إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم، وقيل: المراد كلمة الله والكلمة قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، وهذا الثالث هو الصحيح، وبالأوّل قال الخطابي والهروي وغيرهما، وقيل: المراد بالكلمة الإيجاب والقبول، ومعناه على هذا بالكلمة التي أمر الله تعالى بها، والله أعلم". شرح النووي على مسلم ج 8 ص 340.

ص: 327

المرأة عنده أكثر من منديل ورقي يقضي بها حاجته ثم يمضي مدبراً عنها بكل قسوة، وهذا أيضاً من موروثات الجاهلية، وهؤلاء المخدوعون الخادعون هم أيضاً من أبناء الجاهلية التي قام في وجهها الإسلام.

المبدأ الخامس: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتابَ الله":

المبدأ الخامس هو الاعتصام بحبل الله المتين وبصراطه المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء ولا يبلغ من ابتغى الهدْيَ بغيره، ولا يضل من طلب الهدي فيه.

فالجاهلية العفنة تبرز في وجه جديد يحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أمته حين يتسوّل بعض أبنائها الهداية من شرائع ونظم مستوردة تنبهر بها جماعات إلى أجل ثم ما يلبث بريقها أن يخبُتَ لتتوالى التجارب في ساحة الأمة، وفي كل محاولة أنصار ودعاة، وطاقات تتبدد دون أن يبدو في الأفق القريب من بريق أمل أو خلاص إلّا من خلال توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة إلى الاعتصام في الحصن الذي لا تُذِلُّ فيه أحداً، ولا تُذَّل، فهو الميزان الذي تضع في كفتيه مشكلاتها، فإن أصغت إليه فهو الضمان لها من كل شقاء.

مبادئ خمسة وثمة سواها لو قصدنا الاستقصاء، يُخْرِجُ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسؤولية من عنقه ويضعها في عنق الأجيال المتعاقبة التي يخاطبها من خلال هذا الحشد الجامع.

ولكي يطمئن إلى أنّ خطابه قد وعته الأمة وأدركت مقاصده فإنه صلى الله عليه وسلم يشهد أمته أمام الله على ذلك فيقول لهم: "وأنتم تُسْأَلون عني فماذا أنتم قائلون؟ " وترتفع أصوات الحجاج تعلن بملء فيها: (نشهد أنك قد بلَّغتَ وأَدّيْتَ ونصحت) ويتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لامس أذنيه من جواب، ويطمئن إلى أنه يستطيع الآن أن يودع أصحابه وهو في مأمن من المساءلة بين يدي العزة عن أي تقصير، ثم ينظر بعيني الرضا إلى السماء، ثم

ص: 328