الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كمال الدين وتمام النعمه
قال جابر: "ورسولُ الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرفُ تأويله":
رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم مبلِّغٌ عن ربه، فيما ينزلُ عليه من قرآن، فهو مؤتمن عليه يؤديه إلى المسلمين على الفور غضَّاً كما أُنزل، لا زيادة فيه ولا نقصان.
ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وهو من اصطفاه الله عربياً أصيلاً، يدرك معاني الألفاظ ودلالاتها، ولهذا يقول جابر:"وهو يعرفُ تأويله":
الإيمان بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته ينسحب بداهة على الإيمان بما شُرِّفت به تلك الرسالة من وحيٍ أثمر عن نزول القرآن الكريم عليه، كما ينسحب بداهة على ما خطه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفسيرٍ ومناسك وأحكام؛ لأنها وحيٌ من عند الله غير متلو؛ ولأن المصطفى عليه السلام هو الصادق الأمين فيما يبلّغ عن ربه؛ ولأنه صلوات الله عليه لا يُقَرُّ على اجتهادٍ خطأ فيما لو اجتهد، فضلاً عن عصمته صلى الله عليه وسلم عن الزّللِ والخَطَل، لذلك فإنَّ خاتم الأنبياء والمرسلين هو المفسرُ الأعلم، فلا يجوز في حق من رضي بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيَّاً ورسولاً، أن تنطلي عليه دعواتٌ مكشوفةُ الوسيلة والغايات تعمل على هدم هذا الركن الحصين الذي يعد الملاذ الأخير لإحياء وحدة الأُمة على اختلاف ثقافاتها ولغاتها وتضاريس أرضها لتعود من جديد أُمة واحدة على المحور الجامع من العقيدة والقبلة والهدف والمصير.
لا يرضى مسلم هدم الإسلام في جملة بنيانه، وهدم الحج وهو من أجلِّ أركانه تحت ادعاءات التطوير والتجديد فإذا بالأرض تميدُ بهذه الفريضة، وتنتقض على
رؤوس أصحابها أنكاثاً وفق ما يتمناه الحاقدون ـ لا سمح الله ـ كي تتراجع قدرتها على بعث الأُمة من جديد (1)!
وبهذه المناسبة أتوجَّهُ إلى كل من تسوِّلُ له نفسه العبث بالركن الخامس أو بأيٍّ من أركان الإسلام، بالقول:
إننا لم نعرف في التاريخ أحداً يريد أن يجدِّد قصراً يبادرُ إلى هدمه، ويحوِّله إلى خراب! إنَّ تجديد البناء الشامخ العظيم يستندُ إلى بدهية مسلّم بها هي الحفاظ على جوهره وخصائصه، بما في ذلك غرفه الموزَّعةُ فيه وشرفاته المطلّة، فضلاً عن سواريه وأركانه، لذلك عندما جددت قريشٌ الكعبة رقمت حجارتها، ومِن ثَمّ أعادت كل حجر إلى مكانه.
فالمعنى الصحيح لتجديد الدين الإسلامي على العموم، وفريضة الحج على الخصوص هو بالعودة بقوة إلى حياض هذا الدين من خلال تمتينه في عقولنا وقلوبنا بالحفاظ على جوهره، وأصوله وغاياته على ضوء ما في أيدينا من نصوص كتاب الله، وما صح من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاعدة قول جابر:"رسولُ الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرفُ تأويله"، وعلى القاعدة النبوية الشهيرة: "عليكم بسنتي
(1) من تلك الدعوات ما جاء على لسان بعض الصحفيين الذين لا نصيب لهم من العلوم الإسلامية سوى القراءة الصحفية السطحية؛ حيث راحو يدوسون كرامة البحث وموضوعيته باقتراحات الغث من الآراء في وصاية تبجح على الله وأحكامه، يزعمون فيها أنهم وجدوا الدواء الناجع لمنع الازدحام في هذه الفريضة من خلال تقسيم الحجاج على دفعات على أشهر ثلاثة؛ لأن الحج له أشهر معلومات!
ولا أدري هل يروننا نتسلى في الحج، أو نختلق الخصوصيات من بنات أفكارنا كما يفعلون؟ فهذا الكلام الباهت المفتقر إلى الجذور التي ترفده بالحياة هو مدعاة للضحك فإذا كان الحج أشهراً معلومات فهل يوم عرفات كذلك؟ وهل يوم النحر وأيام التشريق كذلك؟ وكيف يمكننا تقسيم تلك الأيام على تلك الأشهر؟ .
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوْا عليها بالنواجذ"، وقبل ذلك على قاعدة ما أُوحي به على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حِجة الوداع:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة 5] وكفى به ذُخراً وفخراً.
التجديد يمكن أن يتناول تطوير وسائل النقل فبعد أن كانت على الخيول والبغال والحمير والجمال صارت اليوم بالناقلات البرية والبحرية والجوية الأكثر تطوراً في العالم.
التجديد يمكن أن يطال عملية وصول الحجاج إلى مكة، وتنظيم إقامتهم فيها، ونَفْرتهم إلى المشاعر المقدسة بما يوافق روح هذا الدين وهديه، وكرامة الحاج إسلاماً وإنسانية.
إنَّ حجاج بيت الله الحرام بعد أن كان قدومهم إلى مكة عشوائياً صار اليوم يتم تحت راية مجموعات كبيرة لها أُمراؤها وهيآتها الدينية والإدارية تشرف على التنسيق بينها مؤسسات كبرى لها خبرتها ومصداقيتها، ولها تمثيلها في البقاع المطهرة.
التجديد عنوانٌ نتمسك به (1)، ونتعامل معه، ونظهر من خلاله ارتقاءنا السنويّ في تعاملنا مع هذه الفريضة العصماء، فمن اللباس المتعدد إلى الموحد، ومن البيوت المتناثرة إلى الفنادق العامرة، ومن الخيام المبعثرة إلى المنظمة، إلى غير ذلك من سلمٍ لايكاد ينتهي،
(1) هناك مؤتمرات تسمي نفسها إسلامية في مراكز تنعت نفسها بذلك، توظف هذا العنوان وتستغله بصورة وقحة لتمرير جملة من الآراء الاستشراقية أو قلْ الصهيونية بهدف زعزعة العقيدة الإسلامية والثوابت الإسلامية ليس في الحج وحده وإنما في جملة هذا الدين كله! كل ذلك يجري تحت مسميّات تجديد الخطاب الإسلامي ومزاعم الانفتاح والعقل النير! بينما يُنْعَتُ الأمناء على دينهم عندها، المتشرفون بحفظ أصوله وفروعه من عوامل الهدم والتصدّع بالمنفعلين أو المتقوقعين فاحذر ذلك فإنه مصيدة ومفسدة، يجري على أيدي أفراد تم اصطيادهم باستغلال نوازع الشهرة والظهور وجمع المال في نفوسهم، حتى جرى إفسادهم وبرمجة عقولهم ليستحيلوا إلى قنوات وضيعة تصدر الأفكار المتطرفة بواسطتهم.
ويكفيك أن تعلم أن أمناء الأفواج ووزارات الحج والأوقاف في البلاد العربية والإسلامية وخاصة في المملكة العربية السعودية تستنفر خلال موسم الحج بشكل كامل ومشكور نتمنى له المزيد من التفعيل والتوفيق.
هذه صورٌ إذا ما قورنت بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإننا نكاد نجد اختلافاً كبيراً لكنه تباين لا صلة له بجوهر هذا الركن الركين، وإنما تطوير متواصلٌ مسخرٌ في خدمة حقيقة الحج اللؤلؤية، تماماً كما يفعل المجدِّدُ في غرف القصر وشُرُفاته حين يثبتها ويكسوها بحلة جديدة تزيدها إشراقاً دون أن يأتي على أصل البنيان.
هذا هو التجديد الذي يؤديه كلُّ من شرّفه الله بخدمة الركن الخامس بدءاً من أمين الفوج وتوابعه وانتهاءً بالمؤسسات والوزارات التي يرأسها كبار المسؤولين، وهو عين ما يؤديه من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه:
"يبعث الله على كل رأس مائة سنة لهذه الأُمة مَن يجدِّدُ لها أمرَ دينها"[أبو داود: 4291].
أما الممارسة فتقوم على الأمانة التي وصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَمَلَةَ المُجَدِّدين حين قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له"(1).
* * *
(1) هذا الحديث روي مرفوعاً من طريق أبي هريرة وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبي أمامة وجابر بن سمرة وأسنده العقيلي عن أبي هريرة وابن عمرو بن العاص وأرسله غيره، وقال العقيلي: الإسناد أولى. وقال الذهبي: والقوي صحة الحديث كما ذهب إلى ذلك إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل والعلامة الحافظ أبو عمر بن عبد البر. اُنظر الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، ج 1 ص 21 للإمام العلامة أبي عبد الله بن الوزير اليماني المتوفى سنة 840 هـ.