المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مقام إبراهيم قال الإمام مسلم: قال جابر: "ثم نفذ إلى مقام - الركن الخامس

[محمد محيي الدين حمادة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌ ‌مقام إبراهيم قال الإمام مسلم: قال جابر: "ثم نفذ إلى مقام

‌مقام إبراهيم

قال الإمام مسلم: قال جابر: "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ

{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] فجعل المقام بينه وبين البيت":

مقام إبراهيم هو المقصورة التي يعرفها الناس عند الكعبة المشرفة في مواجهة الجدار الواصل بين ركن الحجر الأسود والحطيم (1)(حجر إسماعيل)، حيث ينتصب فيه شامخاً باب الكعبة وحيث يبتعد المقام عن الحجر الأسود أربعة عشر متراً وعن الشاذروان ثلاثة عشر متراً وربع المتر وعن بئر زمزم اثني عشر متراً وخمسة سنتيمترات (2).

ومقام إبراهيم هو الذي يصلي إليه المسلمون عقب انتهائهم من الطواف ويقف عنده أئمة المسجد الحرام غالباً، وفي مقصورته حفظ حجر المقام الذي قام عليه إبراهيم لبناء البيت.

هذا التعريف في حد المقام هو القول الصحيح الذي ذهب إليه جمهور العلماء والمفسرين ومن ذلك قول الإمام الرازي في الدليل الخامس على ما سقته لك آنفاً: "أنه تعالى قال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلّا بهذا الموضع فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع"(3).

(1) الحطيم هو حجر إسماعيل والمخرج منه وإليه وهما فتحتا حجر إسماعيل سمي به لأن البيت رفع وترك هو محطوط.

(2)

اُنظر تاريخ مكة المكرمة للباحث د. محمد إلياس عبد الغني (76).

(3)

التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي 4/ 49.

ص: 194

ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن أنس قال: قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وآية الحجاب قلت: "يارسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهنّ البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب" (1). واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت لهن:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} فنزلت هذه الآية [التحريم: 5](2).

ودليل آخر هو ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر أعلاه ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فهذا يثبت أن مقام إبراهيم هو شيء ثابت معهود صلّى إليه

النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد الطواف وصلّى إليه المسلمون كذلك منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم لحظة بلحظة دونما تخلف أو إبطاء فكان إجماعاً من جماهير الأمة بالتواتر من جموع يستحيل عقلاً تواطؤهم على خلاف الحقيقة. كل هذا يضعف الأقوال الأخرى التي ذهبت إلى أن المقام هو عموم الحرم أو خصوص عرفة أو مزدلفة أو الجمار أو هو الحج كله! ولو كان هذا صحيحا فكيف يستقيم أنه صلّى إليه وجعله بينه وبين البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صلّى ركعتي الطواف داخل المسجد الحرام ولم يخرج منه وسياق حديث جابر يؤيده وهي الملاحظة التي تردّ قولاً آخر ذا صلة بموضوعنا يذهب إلى أن المقام كان ملتصقاً بالبيت وليس هذا صحيحاً؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لما قال جابر

ص: 195

فجعل المقام بينه وبين البيت، فالملتصق بالبيت هو بالبداهة بين الناس وبين البيت ولا يقال هذا إلّا في حال إمكانية الصلاة إلى البيت والمقام خلف المصلي لكن النّبيّ صلى الله عليه وسلم توجه إلى كل من البيت والمقام على امتداد واحد وبهذا صار المقام بينه صلى الله عليه وسلم وبين البيت.

ومن الأدلة على هذا ما أتى على ذكره الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله بقوله: "روى الأزرقي في أخبار مكة بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الوضع الذي هو فيه الآن حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة فأُتِيَ به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى تحققَ موضعَهُ الأول فأعاده إليه وبنى حوله فاستقرّ ثَمَّ إلى الآن"(1).

كما ذهب الإمام المحقق ابن حجر الهيتمي إلى أنّ موضع المقام الآن هو موضعه في الجاهلية وفي عهده صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر وعمر ثم جاء سَيْل أم نهشل فجرفه ثم أعاده عمر إلى مكانه في محضر من الناس وذكر أن الأزرقي في تاريخ مكة نقل هذا عن جمع من السلف (2).

وأرى أنه من الأدلة ما صرح به الحسن البصري وغيره من تفسير المصلى بالمعنى الشرعي وهو القبلة وترك المعنى اللغوي (الحقيقي) وهو المكان؛ لأن مقام إبراهيم يصلى عنده وإليه لا فيه ولذلك جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين البيت ولو كان يصلى فيه كمزدلفة وعرفة لقام فيه متوجهاً إلى الكعبة.

على أي حال فإن اتخاذ مقام إبراهيم مصلى (قبلة) هو على سبيل الندب لا الوجوب بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة دون أن يستقبل المقام ولو كان استقباله

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في بداية كتاب الصلاة في شرحه قوله تعالى {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} 1/ 646.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح (281) تحت عنوان: فائدة.

ص: 196

فرضاً لبطلت الصلاة في البيت إلى غير جهة المقام وهذا ما يفسر لنا استدلال الإمام البخاري بالحديث في كتاب الصلاة وليس في كتاب الحج إظهاراً منه لهذا المعنى المختص باستقبال القبلة (1) وهو ما نوّه إليه الإمام ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري (2).

مقام إبراهيم في الأصل هو الحجر المكرم الذي قام عليه نبي الله إبراهيم عليه السلام حين شق عليه رفع الحجارة بعد أن ارتفع بناء البيت فوق ما تصل إليه يداه وهو ما أورده الإمام البخاري في صحيحه في حديث طويل جاء فيه "فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] قال: فجعلا يبنيان وهما يدوران حول البيت وهما يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} "(3).

فالحديث يصرح بأن الخليل قام على حَجَرِ المقام للبناء لكنه لا يشير إلى أن الحجر تطاول بإبراهيم في السماء كلما أراد أن يعلو بارتفاع البيت أكثر وهي الرواية التي اشتهرت عند مؤرخي مكة الذين ذهبوا إلى أن الحجر الكريم كان يصعد بإبراهيم عند البناء كلما احتاج الخليل إلى ذلك، وأنه كان ينزل به لأجل أن يتناول الحجارة من إسماعيل ثم يعاود الصعود به من جديد (4).

(1) في هذا دقة علم الإمام البخاري وفقهه واجتهاده. اُنظر نفس المرجع والجزء والصفحة.

(2)

اُنظر فتح الباري 3/ 646.

(3)

صحيح البخاري برقم (3364).

(4)

اُنظر كتاب فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام بقلم سائد بكداش ص 108 وتاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً للدكتور محمد إلياس عبد الغني ص 71.

ص: 197

هذه الرواية لم تثبت لي في ميزان خبر صحيح يطمئن القلب إليه رغم ورود أثر بذلك عن جابر وقتادة إلّا أنها روايات لا تقوم بها الحجة؛ لأن أشباه هذه الغيبيات لا سبيل لاعتمادها إلّا من جهة الحديث الصحيح المتصل بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شذوذ فيه ولا علة يرفعه إلى جبريل عليه السلام يرفعه إلى رب العزة والملكوت رب العالمين المطلع على السر وأخفى.

ولدى البحث الدقيق يتبين لنا أن السند المقبول هنا مفقود وأن الروايات التي تدور حولها القضية لا تعدو كونها أخباراً يتناقلها الكّتاب بعضهم عن بعض دون عزو منهم إلى مصدر يقطع الشك باليقين لكنني أُنوه هنا إلى أنني لاأنفي احتمال الوقوع من جانب البحث العلمي الحر؛ لأن الله عز وجل على كل شيء قدير وإذا كان البنّاؤون اليوم قادرين على تركيب مصاعد ترتفع بحجارتهم إلى علو وتنزل بالبنّائين إلى أسفل فإن قدرة الله هي من باب أولى تطال ذلك من حجر الأرض أو من غير حجارة فهذا مما لا نقاش حوله البتة والسؤال الذي نجيب عنه هنا: هل ثبت في ميزان تمحيص الأخبار وتوثيقها وقوع ذلك الإعجاز لإبراهيم عليه السلام؟

إجابتي على الاستفسار: لم يثبت ذلك يقينا ولا ظنا والاكتفاء بما يتناقله الناس دون تثبُّت لا يفي بغرض البحث العلمي مع اعتقادي بأن خليل الرحمن وقع له من المعجزات ما هو أعظم من هذا ونحن المسلمين نؤمن بذلك إيماناً جازماً؛ لأنه مما ثبت في صريح كتاب الله عز وجل.

ومما يمكنني إضافته في هذا الاتجاه ما صرح به الإمام محمد بن إسماعيل البخاري

ص: 198

من أن إبراهيم أشار لولده إلى أكمة مرتفعة عما حولها رفعا عندها القواعد من البيت (1). فمن يدري لعلهما حفرا في الأكمة حتى وصلا إلى قواعد الملائكة في البيت دون أن ينقضاها أنكاثاً حرصاً منهما على استخدامها في البناء بسبب ارتفاعها وصولاً بها إلى ما تعجز أن تطاله يد إنسان حتى إذا تجاوز البيت في بلوغ غايته ما ارتفع عن يد إبراهيم وقفا على جوانب الأكمة واحتاج حينئذ إبراهيم إلى حجر يقف عليه لإتمام البناء فاستدعاه للقيام بمراده (2).

ومن الآثار التي وردت فيما يتعلق بالمقام ولم تثبت ما جاء عن الصحابي عبد الله بن سلام رضي الله عنه من أن خليل الرحمن صعد على حجر المقام للأذان بالحج حين أمره الله بذلك (3). فالأذان على الحجر وتبليغ الناس بفرضه على القادر منهم وهو واقف عليه والحجر يتطاول بإبراهيم في السماء حتى تجاوز به ذرا الجبال كل هذا لم أعثر عليه في مصدر موثق وهو ما لا يتنافى مع اليقين بأصل الأذان للحج حيث أخبر القرآن الكريم بأن إبراهيم أُمِرَ به فوفَّى بامتثال العبد الطائع لمراد مولاه، وهو الشيء الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُونَ رِجَالًا

} [الحج: 27].

وكما ترى فالآية لم تتعرض للغة الأذان ولا لصيغته ولا للمكان الذي أذّن فيه إبراهيم؛

(1) نفس الرواية للبخاري برقم (3364).

(2)

هذا ليس تكذيبا مني للمعجزة فإني من المؤمنين بقدرة الله عليها وحكمته منها ومن ذلك سائر معجزات الله تعالى التي أجراها على يد إبراهيم، لكن هذا شيء وقبولنا لكل خارقة دون تثبّت من دليل وقوعها شيء آخر، فما جاءت به موازين البحث العلمي فأَثْبَتَتْهُ في كتاب الله أو سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الصحيحه فعلى الرأس والعين، وما لم تدعمه الأدلة في أحد هذين المصدرين الموثقين فلا سبيل لاحتضانه ولا معرة في ذلك بل اللوم والجنوح في خلاف هذا المنهج والله الهادي إلى سبيل الحق.

(3)

اُنظر فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام (111).

ص: 199

لأنه مما لا تترتب عليه فائدة تذكر، فالقرآن الكريم ليس كتاب تاريخ أو قصص أو حكايات، وهو وإن تعرض لهذه الجوانب لكنه يأخذ منها عصارة التجربة الإنسانية التي تقدم الترياق لمصاعب الأجيال القادمة ويدبر عما سوى ذلك.

ومن الروايات التي يمكن أن نطلع عليها على سبيل الاستئناس أنه وقف على جبل الصفا، وأخرى تذكر أنه وقف على جبل أبي قُبَيْس (1)، وربما هذا وذاك أقرب للقبول؛ لأن العبرة لا تكمن في قيام إبراهيم على حجر يصعد به فوق جبال مكة يؤذن في الناس بالحج وليس ثمة سوى أفراد قليلين في مكة، وإن كنت لا أستبعد ذلك على قدرة الله تعالى ومكانة خليل الرحمن، إلّا أن العبرة في ذاك المشهد كامنة في نداء إبراهيم في البشرية حاضرها وامتداداتها إلى يوم الدين في لحظات لم يكن فيها سوى القلة القليلة من أبناء الإنسانية تلك، ولم يكن في مكة يومها ربما سوى أفراد معدودين منهم، ثم ما يلبث النداء أن يعمل عمله في الحاضرين والغائبين وتتحقق معجزة التبليغ الذي قارن النداء، وما يزال، وكأن الأذان الإبراهيمي يشير إلى مركزية الكعبة في الأرض في بثٍّ انطلق من هناك على شكل دوائر منتشرة امتدت حتى بلغت كل بقعة في الأرض، وما يزال البث مستمراً إلى اليوم دون توقف وكأن ذبذباته تدغدغ كلَّ عامٍ أفئدة المؤمنين فتأتي وفودهم فرادى وجماعات من كل فج عميق بعد أن تتحرك لواعج الحب والشوق في قلوبهم وقلوب آخرين من إخوانهم تقطعت بهم أسباب الوصول إلى مكة.

هذه هي المعجزة، وهذا هو الذي استغرقت به آية الكتاب العزيز وهو الذي ينبغي أن نقف عنده ملياً ونحن نتأمل المقام والأذان وذكرى خليل الرحمن وعبق الفريضة والمكان.

(1) اُنظر فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام (111).

ص: 200

إن الحجر الكريم اليوم تظهر عليه آثار قدمي إبراهيم الكريمتين باديتين للعيان (1) وقد غاصتا فيه بعمق بعد أن لان الحجر الصلد لهما كما يلين الطين تحت وقع الأقدام (2) وفي هذا رمز لتذليل الله سبحانه وتعالى كل شيء لعبده حين يخلص القصد لله رب العالمين.

ومن كرامات مقام إبراهيم عليه السلام حفظ الله تعالى له من السرقة والتخريب رغم كل الجهود التي بذلت في سبيل ذلك خلال آلاف السنين والتي كان منها أمر جريج اليهودي الذي ضربت عنقه بعد أن ضبط حجر المقام في بيته حين فقد، وبعد أن اعترف بنيَّة إخراجه من مكة المكرمة وإيصاله إلى ملك الروم (3).

كذلك حفظه ربنا جل شأنه من السيول التي اجتاحت بيت الله خلال زمن طويل لإقامة المقام في البيت وهو يصل إلى أربعة آلاف سنة تقريباً خاصة أنه لم يكن مغطى ومن ذلك ما حدث له في السيل الجارف المعروف بسيل أُمِّ نهشل زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث أُعيد إلى مكانه بعد أن وُجد في أسفل مكة عقب جفاف الماء (4).

وفي تقديري فإن أبرز كرامة لحجر المقام يتجلى في حفظ الباري عز وجل له من عبادة المشركين وهم الذين اشتهر عنهم الحرص البالغ على عبادة الجمادات من أشجار وأحجار

(1) يلاحظ بأنه لا يبدو أثر لأصابع القدمين؛ لأن المقام قبل الترميمات السعودية الأخيرة كان مكشوفاً ولهذا ذهبت المعالم التفصيلية للأصابع بعد طول الزمان، وكثرة مس الأيدي له. اُنظر تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً د. محمد إلياس عبد الغني وما نقله عن المؤرخ المكي طاهر الكردي سنة 1400 هـ. وانظر ص 72 ـ 73. كما نقل الباحث سائد بكداش في كتابه فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام (113) بسنده إلى أن أثر أصابع وأخمص قدميه الشريفتين في الحجر كان واضحاً إلى زمن الصحابة رضوان الله عليهم.

(2)

طول كل من قدميه (22 سم) وعرضها (11 سم) وعمق إحداهما (10 سم) وعمق الأخرى (9 سم). اُنظر نفس المرجع لسائد بكداش (119) ..

(3)

تاريخ مكة قديماً وحديثاً د. محمد إلياس عبد الغني، فصل: مقام إبراهيم عليه السلام ص 73.

(4)

تاريخ مكة قديماً وحديثاً د. محمد إلياس عبد الغني، فصل: مقام إبراهيم عليه السلام ص 73.

ص: 201

ومع ذلك فإن أحداً من أبناء العرب لم يعبد حجر المقام أو الحجر الأسود وذلك تكريماً من الخالق العظيم لحجرين كريمين أحدهما يُستلم ويُقبَّل، والآخر يُتَّخذ مقامه مصلّى أي قبلةً يتوجه إليها المسلمون لله رب العالمين، ولو أنه عُبد ولو مرة لحرّم الباري علينا التوجّه إليه؛ لأن من أركان هذا الدين إخلاص العقيدة لله رب العالمين ونبذ فكرة الاعتقاد في الجمادات من حيث النفع أو الضر أو التأثير وبالتالي الإعراض عن عقائد الجاهلين في اتخاذ الأصنام والأوثان، فالمؤثر الحقيقي هو الله عز وجل صاحب الخلق والأمر ولولا ما أمرنا به من اتِّخاذ مقام إبراهيم قبلة نصلي عندها لله ربّ العزة والملكوت لما فعلنا، وعندما نفعل فإننا لا نعتقد بهذا الحجر أي قدسية توليهِ أدنى لون من ألوان التأثير؛ لأنه في اعتقادنا قبل وبعد كل شيء هو حجر لا يضر ولا ينفع وأن المسألة كلها لا تخرج عن كونه محراباً يقف فيه المصلي شعاراً للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعياً لانتظام الصفوف خلفه، وتعميقاً لمعنى العبودية بين يدي خالقنا الذي أمرنا بذلك ومن قال إن محاريب المساجد هي حجارة نتوجه إليها؟ ! والحق أننا نتوجّه عندها لربنا ومالك أمورنا، نتخذ منها سترة حرمة لصلاتنا أن ينتصب أو يمرّ بين أيدينا أحد ونحن نقف بين يدي مولانا العظيم جل جلاله.

إن ما يردُّ عنا غثاء هذه الافتراءات الجاهلة بطبيعة الإسلام ومقاصده (1) هو البيان الوافي بالتوحيد الذي قام عليه البنيان الإسلامي كله والذي تعد مكة المكرمة ساحته الواسعة التي يحظر على غير الموحدين دخولها، والذي يعد الحج إلى بيت الله الحرام

(1) هي افتراءات فاسدة تنسب إلينا ما ليس منا لذلك سمعت دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي يصرح على الملأ بأن إله المسلمين هو غير إله المسيحيين واليهود وأننا في مكة نعبد حجارة الأرض في عقيدة تقيم جسراً يمتد من وثنية العرب إلى العهود الإسلامية: هذا ما أطلقه وبثَّتْه كل وكالات الأنباء في صدر العام (2004) من ميلاد المسيح عليه السلام، (فاحذر من التقَيؤ منه يارعاك الله).

ص: 202

مدرسته النموذجية، فالتلبية التي يرددها الحاج عندما يحرم هي شعار التوحيد، واختيار سورتي ركعتي الطواف ترسيخ لهذا الشعار وتوثيق لعرى التوحيد، ثم الدعاء على الصفا والمروة تجسيد لمعناه، ثم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لا إله إلّا الله وحده لا شريك له

هو خطوة تربوية في هذا الطريق. أما تحرير نية الحاج خالصة لله تعالى، والتأكيد على إخراج مفسدات الأعمال من العبادة من طلب رياء أو سمعة أو مباهاة مما يدخل في عداد الشرك الخفي - سواء في الركن الخامس خاصة أو في سائر أركان وعبادات الإسلام - فهذا مما يدفع أي شبهة قد يقذفها محترفو الغزو الفكري في وجه حصون ديننا المنيعة.

إن هؤلاء الذين تتطلع أحلامهم الآثمة إلى هدم هذا المحور الجامع - الذي بناه الله قبل أن يُبنى فوق الأرض بيت - تُعمى أبصارهم عن رؤية الكعبة وحجارتها تخفق حباً وجلالاً في قلوب المؤمنين، فيحملهم الحقد إلى تسويغ ذلك على أنه لون من الوثنية، في الوقت الذي لا ينظرون فيه إلى قماش العلم الخاص بكل دولة المرفرف في قلوب مواطنيها وفوق هامات المنازل والمدارس والثكنات وهي تُلقي عليه تحية الصباح على أنه عبادة بغير ما أنزل الله؟ فلماذا لا يقال: إن جنودهم يعبدون قطعة القماش التي لو أهينت لتحركت جيوش المحيطات ثأراً لكرامتها؛ لأنها رمز لسيادتهم، ثم لا يرضون منا أن نرى في حجارة البيت المتماسكة وحجري الركن والمقام رمزاً لتوحيدنا وعبادتنا وسيادتنا ووحدتنا وقوتنا على أنّ قدسية البيت وهيبته ترد من الجهة المعظِّمةِ له وهو الذات الإلهية، فلا يقارن بأعلام الدنيا كلها التي ترنو إليها عيون الجنود والأتباع.

نعم إن البيت وما حوله رمز لاستسلامنا لأوامر ربنا الذي لا إله إلّا هو المتفرد بالخلق والفعل، يضفي عليه أمر الله، ثم فعل رسول الله الذي هو وحي من عند الله

ص: 203

كرامة خاصة يقوي آصرتها اعتقادنا أن الله يخص بالفضل من يشاء وما يشاء فإذا كان اختصاصه بين البشر مُنْصَبّاً على أسرة الرسالة السماوية وفي مقدمتهم آدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أزكى تحية وسلام وإذا كان اختصاصه بين الجمادات منصَبّاً على عصا موسى ويد عيسى وحجارة الكعبة وحجر المقام وما شابه مما أولاه ربنا فضلاً ورفعة، فإننا نتجاوب مع هذه العناية الخاصة بما نظر إليه ربنا نظر اختصاص ونمضي معه مراعاة لكرامته دون أن يمس ذلك توحيدنا لرب العالمين وخضوعنا لسلطانه (1).

ومما يؤيد مما توسعت في بيانه أنه لم يرد في السنة شرف التقبيل أو المسح لأي جزء من حجر المقام، وأن غاية ما يقتصر عليه الاتباع هو اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وهو الأدب الذي نلتزمه دون تكلف أو تزيد؛ لأن خضوعنا الحقيقي هو لله رب العالمين، وليس لحجارة صماء لا تقدم ولا تؤخر مهما بلغ شأنها؛ لذلك فإن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه لما رأى قوماً يمسحون المقام قال: إنكم لم تؤمروا بمسحه إنما أمرتم بالصلاة عنده (2).

كما كره عطاء أن يقبل الرجل المقام ويمسحه (3) وقال قتادة: إنكم لم تؤمروا بمسحه

(1) ربنا سبحانه وتعالى لا يخص شيئاً ولو كان جماداً إلّا لحكمة فالحجران حجرا الركن والمقام جاء أنهما ياقوتتان من جوهر الجنة ولولا أن الله طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب حتى قال الحسن البصري وغيره من العلماء: إن الدعاء خلف المقام مستجاب. والحق أن علماءنا اليوم وفي مقدمتهم الأستاذ زغلول النجار يطالبون بإلحاح للسماح لهم بأخذ عينات من هذين الحجرين يصرّون على أنه سيتم الاكتشاف لهما، وستكون هناك نتائج تذهل البشريه، هذا ومن جانب آخر فإن الصخرة التي تُشَقُّ منها أحجار عدة لا يشترط في العقل والعُرْف أن نرى تلك الأحجار بمنظار واحد فالحجر الذي يوضع في المرحاض لا يمكن أن يتساوى مع الحجر الذي يوضع في المحراب مع أنّ الحجرين قُطِّعا من أوصال صخرة واحدة ولا علاقة لعبادة الأوثان بهذا التمييز.

(2)

اُنظر تاريخ مكة المكرمة قديما رواية للدكتور محمد إلياس عبد الغني (70) فيما نقله عن كتاب أخبار مكة للفاكهاني برقم (1004).

(3)

نفس المرجع والصفحة.

ص: 204

إنما أمرتم بالصلاة عنده (1).

وإذا كانت الكراهة تتناول عين الحجر، أي يوم كان مكشوفاً للناظرين، فإن الكراهة اليوم تشتد بعد أن تم حفظه في مقصورة تتيح رؤيته من وراء زجاج شفاف وضع بداخله لا سيما وأنه لم يعد بالإمكان رؤية جوهر الحجر ومادته بعد أن تم تلبيسه بمادة الفضة حماية له من عوامل التآكل (2).

ومن السنة أن يصلي عند مقام إبراهيم بعد إتمام طوافه ركعتين وهو ما صرح به جابر حيث تلا قوله تعالى {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] وتلاها قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأداها كما أداها من بعدُ أصحابه وأتباعه إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين بإذن الله.

لكن ماذا يفعل من عجز عن أداء ركعتي الطواف لعذر عرض له كازدحام الناس؟ .

الفقهاء يذكرون أفضلية الصلاة بعد الطواف عند المقام للآية والاتباع، لكنهم ينصون كذلك على مواضع أُخرى للصلاة عند طروء عارض وهي على الترتيب وفق ما جاء في كتبهم: الكعبة المشرفة وهذا أولها، ثم دخول حِجر إسماعيل تحت الميزاب ثم في أي جزء آخر من حجر إسماعيل، ثم فيما قرب من الحجر، ثم في بقية المسجد، ثم في دار خديجة، ثم في بقية مدينة مكة المكرمة، ثم في سائر حدود الحرم، ثم فيما شاء متى شاء (3). قال الإمام النووي:

(1) نفس المرجع والصفحة نقلا عن الفاكهاني في أخبار مكة برقم (1006) بإسناد حسن.

(2)

اُنظر نفس المرجع والصفحة.

(3)

اُنظر المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي (423).

ص: 205

"ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض جاز وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حياً. ولو أراد أن يطوف أطوفة استحب أن يصلي عقب كل طواف ركعتيه. فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة ثم يصلي بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه قال أصحابنا: يجوز ذلك، وهو خلاف الأولى، ولا يقال مكروه. وممّن قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبو يوسف وكرهه ابن عمر والحسن البصري والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء"(1).

وذكر الإمام ابن حجر الهيتمي إجزاء ركعتين عن كل الأطوفة بلا كراهة ولو والى بين أسابيع (2).

إن أداء هاتين الركعتين أمر مجمع عليه بين العلماء والخلاف إنما يطال دائرة حكمهما هل هو سنة أو واجب؟ . فالشافعية والحنابلة ذهبوا إلى القول بأن فعلهما عقب الطواف سنة وصارف الوجوب عندهم حديث الأعرابي قال: هل عليّ غيرها؟ (أي الصلوات الخمس) قال صلى الله عليه وسلم: "لا إلَّا أن تطوّع"(3).

ومن الشافعية من أفتى بأنَ الركعتين واجبتان بعد طواف واجب كطواف الوداع

(1) اُنظر صحيح مسلم بشرح الإمام محي الدين أبي زكريا يحيى النووي 8/ 333.

ومما يمكنني أن أشير به هنا هو دليل جواز صلاة ركعتي الطواف في أي مكان شاء بما جاء في صحيح البخاري باب من صلى ركعتي الطواف خارجاً من المسجد برقم (1546) عن أُمّ سَلَمَةَ أنها طافت بالبيت بعد صلاة الصبح على بعيرها كما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تصلِّ حتى خرجت.

(2)

اُنظر المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي (423) أما وصلُ الأسابيع فالفقهاء يعنون به وصل سبعة أشواط بسبعة أشواط أخرى دون أن يفصل بينهما بركعتي الطواف.

(3)

اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 333 وانظر في تخريج الحديث صحيح البخاري برقم (46) وصحيح مسلم برقم (11/ 8).

ص: 206

ومسنونتان بعد طواف مسنون كطواف القدوم (1).

وقال المالكية والحنفية وبعض الشافعية: ركعتا الطواف واجبتان؛ لأن صيغة {وَاتَّخِذُوا} للأمر ومقتضى الأمر الوجوب (2).

وقال الإمام النووي:

"وسواء قلنا واجبتان أو سنة لو تركهما لم يبطل طوافه"(3). كما قال في كتابه الإيضاح في مناسك الحج: "ولا يتعين لهما مكان ولا زمان ولا يفوتان ما دام حياً، وسواء قلنا هما واجبتان أو سنتان فليسا ركناً في الطواف ولا شرطاً لصحته، بل يصح بدونهما، ولا يجبر تأخيرهما ولا تركهما بدم ولا غيره، لكن قال الشافعي رحمه الله تعالى: يستحب إذا أخّرهما أن يريق دما"(4).

هذا ما قيل في سنة أو وجوب صلاة الركعتين عقب الطواف لكن ألا يجب فعلهما خلف المقام وصيغة "اتخذوا" للأمر"؟ .

الجواب عن هذا أن إجماع الأمة على إجزاء الصلاة في أي موضع غير المقام صارف للصيغة عن الوجوب، ومن المعلوم أن القرائن تصرف الواجب إلى الندب؛ لذلك قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: "قال ابن المنذر: احتملت قراءته (5) أن

(1) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8/ 333.

(2)

اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر ص 82 ـ وصحيح مسلم بشرح النووي في نفس الجزء والصفحة.

(3)

صحيح مسلم بشرح النووي نفس الجزء والصفحة.

(4)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح (278).

(5)

أي قراءة ابن عمر الذي ساق حديث صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف المقام بعد الطواف، والذي ختمه بالآية التالية التي قرأها على الملأ:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

ص: 207

تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء إلّا شيئاً ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحِجر يعيد

" (1).

ومن السنة أن يجهر بالقراءة فيهما بلطف إن صلاهما بين غروب الشمس وطلوعها (2).

ومن السنة أن يجزئ عن ركعتي الطواف صلاة الفريضة فلو أدى المسلم بعد طوافه ما افترضه الله عليه من الصلوات الخمس كأن أقيمت الصلاة في المسجد الحرام مع نهاية طوافه فإنها تجزئه عنهما كما تجزئه الفريضة عن تحية المسجد (3).

أما بماذا يقرأ في ركعتي الطواف فأحيل الجواب عنه إلى الفقرة التالية من حديث جابر رضي الله عنه.

* * *

(1) اُنظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني 3/ 616.

(2)

قال الإمام النووي: "ويجهر بالقراءة إن صلاهما ليلاً"، ثم قال العلامة ابن حجر الهيتمي في تعقيبه على كلام النووي:"أي وما يتبعه من الفجر إلى طلوع الشمس" ثم أعقب ذلك بقوله عن مسألة الجهر بالقراءة فيهما: "المراد بالجهر أن يسمع غيره، ولا يزيد فيه إن شوّش على أحد". اُنظر الحاشية على شرح الإيضاح ص 279.

(3)

الحاشية على شرح الإيضاح ص 279 ـ 280.

ص: 208