الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى
قال الإمام مسلم: قال جابر: "وقَدِمَ عليّ من اليمن بِبُدْنِ النبي صلى الله عليه وسلم (1)، فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حلّ ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: إنّ أبي أمرني بهذا. قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محدّثاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذَكَرَتْ عنه، فأخبرته أني أنكرْتُ ذلك عليها، فقال: صدقتْ صدقت، ماذا قلتَ حين فَرَضْتَ الحج؟ قال: قلت: اللهمّ! إني أُهِلُّ بما أَهلَّ به رسولك، قال: فإنّ معي الهدي فلا تَحِلَّ. قال: فكان جماعةُ الهَدْي الذي قدم به عليٌّ من اليمن، والذي أتى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم مائة":
هذه القطعة من الحديث فيها جملة من الفوائد النفيسة نتناولها معاً قبل أن أعرج معك على هيئة الإحرام وما يتبعها:
الفائدة الأولى: أن الرجل إذا رأى على زوجه نقصاً في دينها أن ينكر عليها ويردها إلى رشدها؛ لأنها مسؤوليته أمام الله، وتحت رعايته، وكلُّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته كما ورد في صحيح السنة.
هذا ما نقتدي به من خلال صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفارس الإسلام عليّ بن أبي طالب الذي قدم من اليمن ببُدْن النبي صلى الله عليه وسلم يسوقها إلى مكة، فلما وصل إلى حيث تقيم السيدة
(1) هذه البدن اشتراها علي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل ما جاء في رواية برقم (1216/ 141) عند مسلم قال: "وأهدى له علي هدياً" قال الإمام النووي: "يعني هَدْياً اشتراه لا أنه من السعاية"وهو غير هدي الصدقة الذي ورد في صدر الحديث عن علي: "وقدم علي من سعايته". اُنظر النووي على صحيح مسلم 8/ 325.
فاطمة الزهراء زوجته فوجئ بأنها قد حلت من نسكها ولبست صبيغاً، وتزينت بالكحل؛ وكلاهما مما يتنافى مع صفة الإحرام التي يصطبغ بها المحرم في عبوديته لله عز وجل في رحلة الجهاد هذه التي لا يستثنى منها النساء، والتي يرتفع الجميع فيها عن الترف والركون إلى الدعة والراحة.
بيد أن سيدتنا الزهراء ليست من الصنف الذي يقتحم غمار المعصية، ويتجرأ عليها، ويعلم علي كرم الله وجهه منها ذلك لكنها الأمانة التي أنيطت بكل زوج تدفعه لهكذا غَيْرَةٍ، فيسأل ويستفسر عن هذا الذي يراه منها وهي التي دخلت مكة محرمة بالحج إلى بيت الله الحرام، فتخبره بأنها تأتمر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمر الصحابة بفسخ الحج إلى عمرة ممن لم يسق الهدي معه. وهنا يندفع مسرعاً إلى رسول البشر قاطبة مستفتياً عن هذا الذي يسمعه من ابنة أمير هذه القافلة صلى الله عليه وسلم مغرياً بها عند أبيها بما تنال به العتاب وهو الذي لم يكن يدور في خلده ولا في خلَد غيره من الصحابة الكرام مسألة الفسخ إلى عمرة بعد أن أهلَّ المسلمون من المدينة بالحج.
ويفاجأ هناك في حضرة سيد الخلق يجيبه: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ" أي فيما نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول.
إن متابعة الأهل ضمن ضوابطِ الشريعة، والتوثق من انضباط الأسرة المسلمة بالأحكام الإسلامية من قبل المختصين الموثقين الذين تلقتهم الأمة بالقبول، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام، كل هذا من الفوائد التي تجنيها من مشهد رسمه لقاء لحظة مباركة في مسيرة أسرة مسلمة بطلاها صهر وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وثمارها ذرية آل البيت الأبرار حملة النور والبر على خُطا سنن الهدى.
الفائدة الثانية: جواز تعليق الإحرام وهو القول الذي ذهب إليه الشافعية في
مذهبهم، وهو أن يقول قاصد مكة في إهلاله: أحرمت بإحرام فلان، أو أحرمت كإحرامه، فيصح إحرام المعلِّق، ويكون إحرامه كإحرام فلان فإن كان فلان محرماً بحج كان المعلِّق محرماً بحج، وإن كان متمتعاً كان متمتعاً أو قارناً فهو كذلك، أما إن كان إحرام فلان معلَّقاً فإحرامه معلّق أيضاً لكن في هذه الحالة له أن يصرف إحرامه إلى ما صرف إليه فلان إحرامه إليه وله كذلك أن يصرفه إلى غيره (1).
يؤيد هذا رواية صحيح مسلم الأخرى: "فقدم عليٌّ من سِعَايته" فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهلَّ به النّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأَهْدِ، وا مكث حراماً
…
" (2).
كما يؤيده رواية عند مسلم في شأن أبي موسى الأشعري قال: لبيك بإهلالٍ كإهلال النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أحسنت (3).
إنهما القسيمان في رحلة واحدة إلى اليمن حيث أوْكل صلى الله عليه وسلم بكل منهما مهمة هناك وبالتالي فالرجلان كانا خارج قافلة النور المتوجهة من المدينة إلى مكة بقيادة أمينها العام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قائداً ونبياً ومفتياً.
والرجلان سلكا الطريق إلى مكة كل عند إنجاز الوظيفة المناطة به، وكلاهما لم يعلمْ بما أهلّ به نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام وهو ما جعل الحيرة ترتسم على معالم
(1) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 325 ـ 326 الذي قال: "وفي هذين الحديثين دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يصح الإحرام معلقاً بأن ينوي إحراماً كإحرام زيد فيصير هذا المعلِّق كزيد، فإن كان زيد محرماً بحج كان هذا بالحج أيضاً، وإن كان عمرة فبعمرة، وإن كان بهما فبهما، وإن كان زيد أحرم مطلقاً صار هذا محرماً إحراماً مطلقاً فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، ولايلزمه موافقة زيد في الصرف".
(2)
صحيح مسلم برقم (1216/ 141).
(3)
صحيح مسلم برقم (1221/ 154).
وجه الصحابيين الجليلين علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري لدى وصولهما إلى ميقات الحج من جهة اليمن كل في وقته الخاص به.
وهنا يفعلان دون ترتيب أو تنسيق بينهما فعلاً واحداً في مشهد لا يجوز لنا أن نمرّ به دون أن نحمل منه في جعبتنا العديد من العبر:
إن أي مسلم صادق في إسلامه لا ترنو عيناه إلى أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتدي به في كل جزئية من تفصيلات حياته اليومية فكيف إذا كان الشأن مرتبطاً بنسك الركن الخامس الذي يؤديه المسلمون لأول مرة بعد أن افترضه الله عليهم في السنة التاسعة للهجرة لكنهما لا يدريان ما أهلّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس ثمة وسائل اتصال، فيُهلّ كل واحد منهما - وهو لم ير الآخر ولم يستشره ولم يلتق به - بإهلالٍ كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بوسع الزمن الذي يفصلهم عن مكة أن يخبرهم أخيراً بالنبأ اليقين، فما أعظمها من لوحة ساحرة، وما أرسخها من رابطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ وكم هي شامخة صادقة تلك النفوس التي تستطيع بالعقيدة أن تتحكم بدوافع الهوى بداخلها، وتمسك بدفة قيادة نفوسها ثم تسير وفق منهج الاتّباع السليم.
لم يعلما فلم يختارا إفراداً أو تمتعاً أو قراناً!
لم يعلما فسلَّما لإهلالٍ لم يدركا كنهه بدافع الاتّباع الصحيح مع أنهما لم يكونا على موعد مع بعضهما لا في الميقات ولا في مكة لكنه الحب الخالص من شوائب الأغراض والمصالح الدنيوية المستند إلى القناعة الكاملة والإيمان المطلق بشخص القائد النبي الذي لا ينطق عن الهوى وهو ما هيمن على الصحابة الكرام فملكوا به كل ما يدور في فلك هذا الوجود المحيط بهم حتى نفوسهم، فاستحقوا بذلك أن تدين لهم الدنيا والعروش بعد أن تحرروا بالإيمان من عبودية ما سوى الله.
بداية الرحلة واحدة لدى كل من علي وأبي موسى الأشعري وما تأخُّر الأول عن اللحاق بركب القافلة إلّا إقامته أميراً على سِعَاية الصدقة وأما الآخر فقد أخره عين ما أخر علياً في مهمة أنيطت به في اليمن، فأنجزها وجدّ السير يطوي الأرض طيا يقصد مكة وعندما قدم يستفسر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إهلاله فيجيب: لبيك بإهلالٍ كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: له فقد أحسنتَ، طُفْ بالبيت، وبالصفا والمروة، وأَحِلَّ (1).
أما خاتمة تلك الرحلة فقد اختلفت لدى كل من الرجلين بسبب أن علياًّ كرم الله وجهه ساق الهدي، أما أبو موسى فلم يسق الهدي معه بدليل ما جاء في الرواية الأخرى:"هل سقت من هدي؟ قلتُ: لا، قال: طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلّ"(2).
لذلك أمره صلى الله عليه وسلم أن يتحلل من إحرامه بعمرة فانتسب بهذا إلى الفريق الثاني. يؤيد هذا ما جاء في الرواية الثانية "قال: فطفت بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من بني قيس فَفَلَتْ رأسي، (3) ثم أهللت بالحج"(4).
وبمناسبة تقديم صورة عن هذا الفريق أو ذاك من إحرام الصحابة الكرام أجد من الخير أن أتطرق لإحرام من اختلفت الروايات فيما أهلّتْ به اختلافاً كثيراً لذلك لا بد لي من ذكر ما انتهى إليه جهابذة العلماء المحققين في إحرام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها:
(1) صحيح مسلم باب جواز تعليق الإحرام برقم (1221/ 145).
(2)
صحيح مسلم برقم (1221/ 145).
(3)
قال الإمام النووي: "هذا محمول على أن هذه المرأة كانت محرماً". اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي باب جواز تعليق الإحرام 3/ 352.
(4)
صحيح مسلم برقم (1221/ 154).
إن الذي ينظر لما ساقه لنا الإمام مسلم في صحيحه في إهلال السيدة عائشة - زادها الله تشريفاً وتكريماً- يقف لأول وهلة موقف المتحير التائه إلّا أن حيرته لن تطول كثيراً فيما لو بذل شيئاً من العناء في فحص ما دوّنه الفقهاء الكبار في هذه المسألة حتى جعلونا - بفضل الله - نصل إلى شاطئ الأمان في تحقيق علمي مفيد يوفق بين الروايات دون أن يقصي منها شيئاً ليكون هو الأنموذج الثالث في بيان وجوه الإحرام في رصد الصحب الكرام في صدر هذا التمحيص، وبهذا أسرد بين يدي القارئ الكريم معظم الروايات التي أتى مسلم على ذكرها ضمن دراسة التوفيق فيما بينها على نحو يستقيم به أمرها جميعاً بعد الاستعانة بفضل الله وتوفيقه (1):
الرواية الأولى: عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يَحِلّ حتى يَحِلّ منهما جميعاً. قالت: فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة (2)، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انقُضِيْ رأسك وامتشطي (3)،
وأهِلّي بالحج، ودَعِيْ العمرة. قالت: ففعلتُ، فلما قضينا الحج أرسلني رسول
(1) استعراض روايات مسلم أرجو منه أكثر من هدف بسهم واحد:
فهو أولا نور نبوي أقدمه للقراء الأعزاء من خلال روايات يُغَذّون بها أفكارهم ومحفوظاتهم وقلوبهم وعيونهم.
وهو ثانياً تعريف بهذه الفريضة من مصادرها التي منها استنبطت أحكامها في حين أن جِلّ ما يكتب اليوم عن أحكام الحج تُرسم صورته بأحكام مجردة غالباً عن مصادرها وجذورها وينابيعها التي تمدها بعين الحياة.
وهو ثالثاً إطلالة على العديد من المسائل الهامة في فقه الحج واللغة من خلال نقول موثقة عن جهابذة العلماء.
(2)
السيدة عائشة رضي الله عنها لم تطف بالبيت يوم وصل المسلمون مكة؛ لأن الحيضة عاجلتها على تخوم الأرض الحرام.
(3)
قال الإمام النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "انقضي رأسك وامتشطي" فلا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الرأس والامتشاط جائزان عندنا في الإحرام بحيث لا يَنْتف شعراً، ولكن يكره الامتشاط إلّا لعذر. وتأوّل العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذورة بأن كان في رأسها أذى فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عُجْرة الحلق =
الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرتُ، فقال: هذه مكان عمرتك، فطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجّهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً (1) " (2).
الرواية الثانية: هي كذلك عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فَمِنّا مَنْ أهلَّ بعمرة ومِنّا من أهلَّ بحج، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحرم بعمرة ولم يُهْدِ فليحللْ، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يَحِلَّ حتى ينحر هديه، ومن أهلّ بحج فليتم حجه، قالت عائشة رضي الله عنها: فحضت فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة ولم أهْلِلْ إلّا بعمرة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أَنْقُضَ رأسي، وأمتشط وأُهِلّ بحج وأترك العمرة.
= للأذى. وقيل: ليس المراد بامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغُسل لإحرامها بالحج، لاسيما إنْ كانت لبَّدتْ رأسها كما هو السنة، وكما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح غسلها إلّا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه. والله أعلم". اُنظر شرح النووي على مسلم ج 8 ص 306.
كما قال النووي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "دعي عُمرتك" التي أوردتها الرواية الرابعة، وغيرها، وفي قوله صلى الله عليه وسلم "ارْفضي عمرتك": "ليس معناه إبطالها بالكلية والخروج منها، فإن العمرة والحج لايصح الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يخرج منها بالتحلل، بل معناه: ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس، فأمرها صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن تحرم بالحج فتصير قارنة، وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلّا الطواف فتؤخره حتى تطهر، وكذلك فعلت
…
". نفس المرجع والجزء ص 305.
كما قال النووي عن قوله صلى الله عليه وسلم: "يسعك طوافك لحجّك وعمرتك" الذي أوردته الرواية الحادية عشرة: "تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزية، وأنها لم تلغها، ولم تخرج منها، فبقي تأويل: ارفضي عمرتكِ ودعي عمرتكِ على ما ذكرناه من رفض العمل فيها، وإتمام أفعالها والله أعلم". نفس المرجع والجزء والصفحة.
(1)
قال الإمام النووي في هذا هذا دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد عن طواف الركن. نفس المرجع والجزء ص 306.
(2)
صحيح مسلم برقم (1211/ 113).
قالت: ففعلتُ ذلك حتى إذا قضيت حجتي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أَحْلِلْ منها (1).
الرواية الثالثة: عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ولم أكن سقت الهدي
…
". (2).
الرواية الرابعة: قال الإمام مسلم حدثنا أبو كريب حدثنا أبو نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا موافين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال ذي الحجة لا نرى إلّا الحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب منكم أن يُهلّ بعمرة فليهل بعمرة فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة. قالت: فكان من القوم من أَهلّ بعمرة، ومنهم من أهل بالحج قالت: فكنتُ أنا ممن أهل بعمرة فخرجنا حتى قدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أَحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهِلّي بالحج". قالت: ففعلتُ. ولما كانت ليلة الحَصْبة (3)، وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، وأردفني، وخرج بي إلى التنعيم، فأهللتُ بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم (4)
" (5).
(1) صحيح مسلم برقم (1211/ 112).
(2)
صحيح مسلم برقم (1211/ 113).
(3)
قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم 8/ 307: "قولها: فلما كانت ليلة الحصْبة هي بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين وهي التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصّب وباتوا فيه".
(4)
قال الإمام النووي "هذا محمول على إخبارها عن نفسها أي لم يكن عليّ في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم ثم إنه مشكل من حيث إنها كانت قارنة والقارن يلزمه الدم، وكذلك المتمتع ويمكن أن يتأول هذا على أن المراد: لم يجب عليّ دم ارتكاب شيء من محظورات الإحرام كالطيب وستر الوجه وقتل الصيد وإزالة شعر وظفر وغير ذلك أي لم أرتكب محظوراً فيجب بسببه هدي أو صدقة أو صوم هذا هو المختار في تأويله
…
" ثم قال: "ظاهره في الرواية الأولى أنه من كلام عائشة ولكن صرح في الرواية التي بعدها بأنه من كلام هشام بن عروة فيحمل الأول عليه ويكون الأول في معنى المدرج".
أقول جاء في الرواية (1211/ 117) قال عروة في ذلك: إنه قضى الله حجها وعمرتها قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة.
(5)
صحيح مسلم برقم (1211/ 116) وأما قوله في الحديث: موافين لهلال ذي الحجة أي موافين لاستهلاله، وكان خروجهم كما تعلم من الرواية الثامنة لخمسٍ بقين من ذي القعدة. أي وصلوا مكة مع هلال ذي الحجة ..
الرواية الخامسة: روى مسلم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلّا الحج حتى إذا كنّا بِسَرِف أو قريباً منها حضت .... (1).
الرواية السادسة: عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلّا الحج (2) حتى جئنا سَرِفَ فَطَمِثْتُ، (3) فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال ما يبكيكِ؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال: ما لكِ؟ لعلك نَفِسْتِ؟ (4) قلت: نعم. قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم. افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. قالت: فلما قدمتُ مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اجعلوها عمرة. فأحلّ النّاس إلّا من كان معه الهدي. قالت: فكان الهدي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة، ثم أهلّوا حين راحوا. قالت: فلما كان يوم النحر طَهُرْتُ، فأمرني رسول الله، فأفضتُ.
قالت: فأتينا بلحم بقر،
(1) صحيح مسلم برقم (1211/ 119).
(2)
وفي رواية أخرى "لا نرى إلّا الحج" قال الإمام النووي: "معناه لا نعتقد أنّا نحرم إلّا بالحج؛ لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج". 8/ 308.
(3)
أي حضت ويقال بهذا المعنى: حاضت وطمثتْ وعَرَكت وضَحِكت وأعصرت وأكبرت. وتقول: هي حائض، وتقول في لغة غريبة: هي حائضة. نفس المرجع والجزء ص 311.
(4)
نفست بفتح النون في الأفصح ويجوز ضمها والفاء مكسورة، وأما النفاس بمعنى الولادة فهو بضم النون لا غير. فتقول: نُفِسَتْ المرأة غلاماً على مالم يُسَمّ فاعله، فالنَّفاس ولادة المرأة إذا وضَعَتْ، فهي نُفَسَاء، ونسوة نِفاس، وليس في الكلام العربي فُعَلاء يجمع على فِعال غيرَ نُفَسَاء وعُشَراء. نفس المرجع والجزء ص 309. ومختار الصحاح باب: ن ف س.
فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر فلما كانت ليلة الحَصْبَةِ قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله قالت: فإني لأذكر وأنا جارية حديثة السن أنْعَسُ فتصيبُ وجهي مؤخرةُ الرَّحْلِ حتى جئنا التنعيم فأهللتُ منها بعمرة جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا" (1).
الرواية السابعة: عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلّين بالحج في أشهر الحج، وفي حُرُمِ الحج وليالي الحج، حتى نزلنا بسَرِف فخرج إلى أصحابه فقال: من لم يكن معه منكم هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعلْ، ومن كان معه هدي فلا. فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدي، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه الهدي ومع رجال من أصحابه لهم قوة فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي
…
". إلى أن قالت: "فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: أُخرجْ بأختك من الحرم فلْتُهِلّ بعمرة، ثم لِتَطُفْ فإني أنتظركما ههنا (2)
…
" (3).
الرواية الثامنة: عن يحيى ـ وهو ابن سعيد ـ عن عَمْرَةَ قالت: سمعت عائشة رضي
(1) صحيح مسلم برقم (1211/ 120).
(2)
قال الإمام النووي 8/ 314: "فيه دليل لما قاله العلماء أن من كان بمكة وأراد العمرة فميقاتها أدنى الحل ولا يجوز أن يحرم بها من الحرم، فإن خالف وأحرم بها من الحرم وخرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه ولا دم عليه، وإن لم يخرجْ وطاف وسعى وحلق ففيه قولان: أحدهما لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف ويسعى ويحلق والثاني وهو الأصح: يصح وعليه دم لتركه الميقات. قال العلماء: وإنما وجب الخروج إلى الحل ليجمع في نسكه بين الحل والحرم، كما أن الحاج يجمع بينهما فإنه يقف بعرفات وهي في الحل، ثم يدخل مكة للطواف وغيره.
هذا تفصيل مذهب الشافعي
…
وقال عطاء: لا شيء عليه. وقال مالك: لا بد من إحرامه من التنعيم خاصة. قالوا: وهو ميقات المعتمرين من مكة، وهذا شاذ مردود، والذي عليه جماهير العلماء أن جهات الحل سواء، ولا تختص بالتنعيم، والله أعلم".
(3)
صحيح مسلم برقم (1211/ 123) ومن تتمة الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عودة عائشة آذن بالرحيل فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح أي الوداع ثم خرج إلى المدينة ..
الله عنها تقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ولا نرى إلّا أنه الحج، ." (1)
الرواية التاسعة: وعن القاسم عن أم المؤمنين قالت: قلت يا رسول الله: يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد؟ قال: انتظري فإذا طَهُرْتِ فاخرجي إلى التنعيم، فأَهِلّي منه ثم اِلقَيْنَا عند كذا وكذا ولكنها على قَدْرِ نَصَبِكِ أو قال نفقتك (2)." (3).
الرواية العاشرة: روى مسلم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلبي لا نذكر حجاً ولا عمرة
…
" (4).
الرواية الحادية عشرة: عن عبد الله بن طاوُس عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أهلّتْ بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلّتْ بالحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النَّفْر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبتْ، فبعث بها مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج"(5).
الرواية الثانية عشرة: عن عائشة رضي الله عنها أنها حاضت بِسَرِف، فتطهرتْ بعرفة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يجزئ عنك طوافُك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك"(6).
الرواية الثالثة عشرة: عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة رضي الله عنها: يا
(1) صحيح مسلم برقم (1211/ 125).
(2)
قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم 8/ 314: "وهذا ظاهر في أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع وكذا النفقة".
(3)
صحيح مسلم برقم (1211/ 126).
(4)
صحيح مسلم برقم (1211/ 126).
(5)
صحيح مسلم برقم (1211/ 132).
(6)
صحيح مسلم برقم (1211/ 133).
رسول الله: "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن ينطلق بها إلى التنعيم قالت: فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلتُ أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بِعِلّةِ الراحلة (1) قلت: وهل ترى من أحد؟ قالت: فأهللتُ بعمرة، ثم أقبلنا حتى انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحَصْبَةِ"(2).
الرواية الرابعة عشرة: عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن عائشة رضي الله عنها في حجة النبي صلى الله عليه وسلم أهلّتْ بعمرة ثم قال: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً سَهْلاً (3) إذا هوت الشيء تابعها عليه (4)، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلّتْ بعمرة من التنعيم. قال مطر: قال أبو الزبير: فكانت عائشة إذا حجت صنعت كما صنعت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم "(5).
الرواية الخامسة عشرة: عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد بحج فلْيُهِلّ، ومن أراد أن يهل بعمرة فلْيُهِلّ (6). قالت عائشة رضي الله عنها: فأهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) أي بنعلة السيف كما نقله النووي عن القاضي كما ذكر قولاً آخر وهو أن قولها بعلّةِ الراحلة أي بسببها بمعنى أنه يضرب رجلها بسوط أو عصا أو غير ذلك فهو يضرب رِجْلَها عامداً لها في صورة من يضرب الراحلة. اُنظر النووي على صحيح مسلم 8/ 319.
(2)
صحيح مسلم برقم (1211/ 134).
(3)
قال الإمام النووي: "وقوله سهلاً أي سَهْلَ الخلق، كريم الشمائل، لطيفاً ميسراً في الخلق كما قال تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4] وفيه حسن المعاشرة للأزواج، قال تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] لاسيما فيما كان من باب الطاعة، والله أعلم. اُنظر صحيح مسلم بشرح النوويج 8 ص 320.
(4)
قال الإمام النووي في نفس المرجع والجزء والصفحة: "معناه إذا هَوِيَتْ شيئاً لا نقص فيه في الدين مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه".
(5)
صحيح مسلم برقم (1213/ 137).
(6)
قال الإمام النووي: "فيه دليل لجواز الأنواع الثلاثة، وقد أجمع المسلمون على ذلك وإنما اختلفوا في أفضلها كما سبق". اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 307.
بحج، وأهلَّ به ناس معه، وأهلّ ناس بالعمرة والحج، وأهلّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلّ بعمرة (1).
الرواية السادسة عشرة: عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أراد منكم أن يُهِلّ بعمرة فلْيُهِلّ، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة (2). قالت: فكان من القوم من أهلّ بعمرة ومنهم من أهلّ بالحج. قالت: فكنتُ أنا ممن أهلّ بعمرة
…
" (3).
إن هذه الروايات المباركة التي بلغت ست عشرة رواية نقلتها لك عن سيدتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي كما ترى تختلف كل حزمة من الأحاديث فيها اختلافاً كثيراً عن حزمة أخرى تضم طائفة من مروياتٍ عن أُمّنا عائشة عليها سلام الله وبركاته.
اختلاف المرويات عنها بهذه الهيئة من التعارض دفع بعض أهل العلم إلى إنكار حديث عروة عن عائشة وهو مذهب مالك الذي قال: ليس العمل على حديث عروة
(1) صحيح مسلم برقم (1211/ 114).
(2)
قال الإمام النووي: "هذا مما يحتج به من يقول بتفضيل التمتع ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي". ووجه الدلالة منهما أنه صلى الله عليه وسلم لا يتمنى إلّا الأفضل. وأجاب القائلون بتفضيل الإفراد بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا من أجل فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاص لهم في تلك السنة خاصة لمخالفة الجاهلية ولم يُرِدْ بذلك التمتع الذي فيه الخلاف، وقال هذا تطييباً لقلوب أصحابه وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إلى العمرة كما صرح به في الأحاديث التي بعد هذا فقال لهم صلى الله عليه وسلم هذا الكلام ومعناه: ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به إلّا سوقي الهدي ولولاه لوافقتكم ولو استقبلت هذا الرأي وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من أول أمري لم أسق الهدي وفي هذه الرواية تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متمتعاً". اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 308.
(3)
صحيح مسلم برقم (1211/ 115).
عن عائشة عندنا قديماً ولا حديثاً (1)! .
والحق أن كلام الإمام مالك ليس مطعناً بعروة ولا بالسيدة التي روى عنها، ولا بالصحيح الذي اعتمده العلماء والأمة قاطبة، لكنه ترجيح لغير رواية عروة عن خالته عائشة ضمن كمٍّ من الروايات.
والحق أيضا أن تغليط عروة خروجاً عن التعارض الظاهر بين الروايات لم يكن اجتهاداً موفقاً ولا رأياً سديداً، وبالتالي فالقول بأن عائشة كانت مفردة بالحج استناداً إلى رواية عمرة والأسود والقاسم ينافيه روايات عروة عن عائشة التي أخرجها مسلم في صحيحه. والحق أيضاً -كما تعلم - أن ما بين دفّتي مسلم في الحديث المروي هو الصحيح من أعلى درجات الصحة لا سبيل اليوم لغُرَابٍ ينعق خارج السرب أن يشككنا فيه أو يطعن في سنده أو متنه وهو الكتاب الذي صنفه الإمام الحافظ مسلم بن الحجّاج القشيري (2) نسباً النيسابوري وطناً الذي قال فيه النووي:"وهو أحد أعلام أئمة هذا الشأن وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان والمعترف له بالفضل فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان المرجوع إلى كتابه المعتمد عليه في كل الأزمان"(3).
ثم قال: "قلتُ: وَمنْ حقّقَ نظره في صحيح مسلم رحمه الله .... علم أنه إمامٌ لا يلحقه مَنْ بعد عصره، وقلَّ من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله
(1) اُنظر نفس المرجع والجزء ص 304.
(2)
نسبة إلى قبيلة قشيرة العربية.
(3)
صحيح مسلم بشرح النووي 1/ 21.
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (1).
إنه الكتاب الذي تلقته الأمة بالقبول كابراً عن كابر وجيلاً إثر جيل، واستند إليه العلماء والفقهاء والخطباء وطلاب العلم والعامة والمستنبطون على حد سواء في إجماع يعكس عصمة الأمة التي لا تجتمع على ضلالة من الحرمين إلى كل بقاع الإسلام ومن ذلك الزمان امتداداً إلى ما تلاه من الأزمنة، لم يزدد صحيح مسلم في القلوب إلّا رفعة وسمواً، لذلك قال النووي: "فصل: اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة
…
" (2).
كل هذا يبعد احتمال استبعاد رواية عروة ليحضر مكانه مسلك التوفيق بين روايات مسلم حول هذه المسألة، وهو القول الذي صرح به الإمام النووي وتبنّاه بعد أن عرض لقول القاضي عياض الذي ذهب إلى أن تضعيف رواية عروة عن عائشة:"لا يستقيم"(3).
بعد هذا التمهيد لا بد أنك شغوف لإدراك ما آل إليه تحقيق الإمام النووي في هذه القضية الشائكة وإليك خلاصة ذلك (4) مع زيادات فَتَحَ الكريم عز وجل بها على عبده
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 1/ 21.
(2)
اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 1/ 24 ولمزيد من الفائدة والتوثيق أذكرهنا أن الإمام النووي ذكر أنه تلقى رواية صحيح مسلم بجامع دمشق حماها الله على يد الشيخ الأمين العدل الرضي أبي إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي رحمه الله وأنه كان أحد ستة فصلوا النووي عن مسلم هم جميعاً غاية في العدالة والضبط والقبول وقد ترجم لهم النووي واحداً واحداً. اُنظر ص 18. من المرجع والجزء المذكور.
(3)
نفس المرجع 8/ 304.
(4)
اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ص 304 إلى ص 306.
الفقير هذا:
ثمرة البحث عنده أن السيدة عائشة أحرمت بالحج أولاً تماشياً مع فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، وهو ما تؤيده روايات الأكثرين عنها، ويدعمه المنطق؛ لأن الصحب الكرام خرجوا مع نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج لأجل الحج بدليل قول عائشة:"لا نذكر إلّا الحج"، وفي أخرى:"لا نرى إلّا الحج" وهذا هو البدهي في حق قوم يتشرفون بأنهم أبناء الحرم، ولولا الهجرة في سبيل الله التي أرغموا عليها فراراً بدينهم لما كان عندهم بديل عن مكة البتة، وأما الأنصار فهم من أبناء الجزيرة العربية المجاورين للحرم نسبياً، والمعظمين لحرمته، شأنهم شأن سائر العرب حتى قبل بزوغ فجر الإسلام، فالفريقان مشتاقون إلى لقاء الله في بيته الحرام، وإلى لقاء الكعبة في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم والأهل والأمن ومظلة الإسلام، ثم إنّ الزمان هو ساحة لتحرك لواعج الشوق والحنين إلى بيتٍ جُعِلَ مثابة للناس وأمناً، وجعل لهم جوار عزّ وبركة وتشريف.
الأهم من هذا كله أن نبيهم صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج وأن العمرة ما كان لها رصيد آنذاك في رحلتهم؛ لأنها عندهم يومها من أفحش العمل!
فالسيدة عائشة رضي الله عنها كانت فرداً في ركب النور هذا الذي ينوي الحج اقتداء بمُعلّمه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك كان إهلالها بالحج مُفرِدَةً به إحرام أكثر رواد هذه القافلة اتّباعاً والتصاقاً بقائدها صلوات الله وسلامه عليه.
المنعطف الأول في فوج محمد صلى الله عليه وسلم هذا هو اطّلاع النبي المربي على عادة ذميمة أقلقته؛ لأنها من رواسب الجاهلية يوم كانوا يمتنعون عن العمرة في أشهر الحج، ويرون أنها من أفجر الفجور بتحريض من قريش الحريصة على أن تبقى مكة موئلاً للزوّار لئلا تنقطع تجارتهم وعطاياهم فيها! لذلك عالج أمين القافلة الحكيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذا الخلل
المستعصي في النفوس بدعوة من لم يسق الهدي إلى فسخ حجّه إلى عمرة بينما أدخل صلوات الله عليه العمرة على الحج؛ لأنه ساق الهدي، ومن فعل ذلك فلا فسخ في حقه حتى يبلغ الهدي محله (1).
بناء على ما ذكرت لا يستبعد أن يكون عروة قد أخبر عن عائشة بما كان من إهلالها آخر الأمر وهو العمرة استجابة منها لأمين هذه القافلة ونبيِّ هذه الأمة صلى الله عليه وسلم وبذلك لا يجوز لنا تضعيف قول عروة فقد ذكر عن خالته ما انتهى إليه أمرها دون أن يذكر مبتدأه.
إن إحرام السيدة عائشة بالعمرة استمر حتى اقتراب أُمنّا الصّدّيقة من مكة المكرمة، وحينئذ حاضت في مكان يقال له: سَرِفُ أو قريباً منه. ويبدو أنها حسبت هناك عادتها الشهرية والأيام التي تفصلها عن يوم عرفة فأيقنت أنها لن تدرك الوقوف فيه حاجّة؛ لأنها محرمة بعمرة وعليها أن تنتظر طهرها للتحلل منها، فأخذت تبكي، وتقسم بالله قائلة:"لَوَدِدْتُ أني لم أكن خرجت العام" وهو الحوار الذي ألقته على مسامعنا بتمامه الرواية السادسة في هذا المبحث (2).
يؤيد هذا التوجيه ما طلعت علينا به الروايات الثانية والرابعة والسابعة:
(1) في اجتهادي هذا دليل قوي للشافعية الذين ذهبوا إلى أن الإفراد بالحج أفضل من التمتع والقران؛ لأن كلاً منهما يتضمن العمرة في أشهر الحج، وهي في الموروث الجاهلي في تلك الأشهر من أفجر العمل، فكيف يحرمون بما هو فاحشة في رحلة الفضيلة الأسمى. إذن ما كان من السيدة عائشة ولا من غيرها أول الأمر إلّا الإحرام بالحج، ولا شيء سوى الحج، ثم طرأ ما سردته على مسامعكم فحدثت الانعطافة في رحلة كل حاج وفق ما ساق من هدي أوْ لا تبعاً ليساره أو عُسْره ..
(2)
في الرواية السابعة بتمامها عند مسلم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يبكيك؟ قالت: قلت سمعت كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة قال: وما لك؟ قلت: "لا أصلي" قال: "فلا يضرك، فكوني في حجك فعسى الله أن يرزقكيها
…
".
ففي الرواية الثانية نقرأ قولها: "فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة".
وفي الرواية الرابعة: "فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي".
وفي الرواية السابعة: "أنها لم تطهر حتى نزلت منى".
وفي الرواية السادسة: "أنها طهرت يوم النحر".
هذه الروايات ليس فيها مشكلة؛ لأنها تصرّح بأنّ سيدتنا عائشة إلى يوم عرفة لم تكن قد طهرت بعد، وأنها طهرت بعد ذلك يوم النحر في منى، ومن المعلوم بداهة أن أيام منى تبدأ من يوم النحر اليوم العاشر من ذي الحجة.
المشكلة هي في الرواية الثانية عشرة التي صرحت بأنها تطهرت في عرفة. وهذا برأيي غير ذي بال؛ لأن يوم عرفة متصل بيوم النحر فربما انقطع الدم في عرفة، ثم لم تجد الماء للاغتسال إلّا يوم النحر أو أنها طهرت ثم ارتد عليها الدم فصار طهرها النهائي في اليوم التالي.
وأيّاً ما كان الأمر فإن يوم عرفة لا يكفي لو طهرت فيه لأداء مناسك العمرة والتحلل منها ثم الإحرام بالحج والوصول إلى عرفة قياساً على إمكانيات ذلك العصر في المواصلات، وهذا أحد الأسباب في بكائها، لكن دموعها الغالية على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تجد من يمسحها ليَطيْبَ خاطرُها سوى حبيبها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فإذا بالحكمة النبوية المقتبسة من وحي السماء تشق طريقها إلى تأوّهها لتضع عليها بلسماً لا شك في نجاحه وهي التي بذلت جهوداً مضنية مذ خرجت في القافلة تريد الحج لخمس بقين من ذي القعدة، كما أوردته لنا الرواية الثامنة.
وجه الفتوى النبوية الحكيمة برزت في مخاطبة عائشة لإدخال الحج على عمرتها وبذلك تصير قارنة تجمع في ذات الوقت بين العمرة التي أهلّتْ بها، والتي لم تدخل في
طوافها وسعيها بعد، وبين الحج الذي أهلّتْ به أولاً ثم ما لبثت أن فسخته إلى عمرة انسجاماً مع الوصايا النبوية، وهو الذي تبكيه اليوم خشية الفوات، لكن الرحمة النبوية تميط عنها لثام ما تخشى، فها هي تحظى بشرف الحج والعمرة جميعاً في إحرام واحد، وها هي تعلّمنا أحكاماً ما كان لنا أن ندركها لولا هذه الرحلة الجهادية التي اختصت فيها السيدة عائشة بالكثير من المزايا، لذلك ليس لنا إلّا أن نقف عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النفر:"يسعك طوافك لحجك وعمرتك" وهو ما أوردته لنا الرواية الحادية عشرة، وهو ما فسره النووي بالقران، وأنه يكفي فيه طواف واحد وسعي واحد بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذه مكان عمرتك"(1)،
إشارة لما ذكرته لنا الرواية الأولى، إلّا أن حرص السيدة عائشة رضي الله عنها أن تكون لها عمرة مستقلة أُسوة بسائر أمهات المؤمنين وهي الجارية الحديثة السن التي لا ترضى أن تسبقها إحدى أخواتها في إطار أسرتها الكبيرة -زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، - وأسرتها الأكبر - قافلة الصحابة الكرام - وهو ما تترجمه لنا الرواية التاسعة من قولها:"يصدر الناس بنُسكين وأصدر بنُسك واحد"، كما تترجمه الرواية الحادية عشرة حين قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يسعك طوافك لحجك وعمرتك" قال: فأبت أي إلّا عمرة مستقلة أسوة بغيرها رضي الله عنها، فما كان من رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلّا أن استجاب لها ليقدم للأزواج درساً آخر في إكرام أزواجهن وحبّهن والاستجابة لمطالبهن فيما أباحه أو شرعه الإسلام الحنيف، وهو ما تفصح عنه الرواية الرابعة عشرة: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً سهلاً إذا هَوِيَتْ الشيء تابعها عليه
…
".
(1) قال الإمام النووي في قوله صلى الله عليه وسلم: "هذه مكان عمرتك" فمعناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، "ثم أحرموا بالحج". اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 306 ..
وبهذا أسدل الستار على أطول مسألة ناقشها العلماء في موضوعات الركن الخامس، هذا والله تعالى أعلم.
* * *