الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بين يدي الركن الخامس
المدخل إلى هذا الركن يستلزم المرور من قنطرتين:
الأولى: فضيلة الحج.
والثانية: فضيلة الأرض التي تؤدى فيها مناسك الحج.
لكن لما كانت المدينة المنورة المكان الذي انطلقت منه جموع الحجاج من الصحابة الكرام تحت راية قائدهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولما تضمه بين جنباتها من مسجد نبوي، وروضة مشرفة ومواقع إيمانية جهادية داخل حدودها التي اختطها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أتبعتُ الحديث عن فضيلة الحج ومكة بالحديث عن مكانة المدينة المنورة وساكنها عليه السلام، لكن في كتاب مستقل يحمل عنوان:"حرمُ الحبّ والسلام".
فضيلةُ الحج إلى بيت الله الحرام:
شدُّ الرحال إلى المسجد الحرام بنية أداء الفريضة من أركان الإسلام ومبانيه، فهو كما قلنا سابقاً ـ عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، فيه أَنزل الله عز وجل:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] وهي آيةٌ عظيمة صرَّحت بكمال وتمام الدين الخاتم، لذلك قال أحدُ اليهود لعمر بن الخطاب:"يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها لو علينا أُنزلت معشر اليهود لاتَّخذنا ذلك اليوم عيداً؛ قال: وأيُّ آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فقال عمر: "إني لأعلمُ اليوم الذي أُنزلت فيه والمكان الذي أُنزلت فيه؛ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعَرَفة
في يوم جُمعة" (1) وفي رواية للنَّسائي: "ليلة جمعة" (2).
وكأني بالفاروق الشهيد عمر بن الخطاب يتوجه بهذا إلى جموع الواقفين في ربا عرفات في كل عام، يذكرهم بحقيقة كمال الدين الخاتم، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وقدرته الثابتة على تحقيق الرقي والسعادة لبني الإنسان محذراً أمة الإسلام أن تصرفها الأهواء أو تتلاعب بها الأفكار الجانحة عن أداء التزامات البيعة التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين وأجيالهم في حجة الوداع.
وفي وجوب فرضيَّته يقول المولى جلَّ شَأنه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ! } [البقرة: 196] أي أدُّوْهما وائتوا بهما، وهو نظير قوله تعالى:{فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] أي: أدَّاهنّ، وقوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، أي: أدُّوْا الصيام إلى الليل، والأمرُ بالأداء دليلُ الوجوب؛ لأنَّ مقتضى الأمرِ الوجوب. وفي هذا المعنى نزل وحيُ الباري:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَبُرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، فاللام في قوله تعالى {وَلِلَّهِ} للوجوب والإلزام، وهي مؤكَّدة بلفظ {عَلَى} وهذا من الأُسلوب البليغ عند العرب، بل هو من أوْكدِ ألفاظ الوجوب عندهم، فالعربيّ إذا قال لآخر:"لزيدٍ عليَّ كذا" فقد أوجبه ووكّده، وهذا يعني أن الحج مذكور في القرآن الكريم بأبلغ ألفاظ الوجوب تعظيماً
(1) أخرجه البخاري في صحيحه بالأحاديث التي تحمل الأرقام: 45 - 4407 - 7268 ومسلم برقم (3017/ 4) والترمذي برقم 3043 والنسائي ج 8 ص 114 ومسند الإمام أحمد برقم (188).
(2)
السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 251 باب ما ذكر في يوم عرفة.
لحرمته، وتثبيتاً لحقه (1).
ويأتي البيانُ الإلهي على تاريخ بناء البيت لأداء فريضة الحج من خلال قوله تعالى في سورة الحج: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)} [الحج: 26].
المخاطَبُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أي: اذكر يا محمد حين مكّنّا لإبراهيم مكان البيت وأريناه أصله ليبنيه بعد أن دُرس بالطوفان، أو بعد ذلك لأسبابٍ أُخرى. وتذكر الروايات أن إبراهيم جعل يطلب أثر البيت في بطن مكة يوم كانت دارسة فبعث الله ريحاً كشفت عن أساس البيت، فما كان من إبراهيم إلّا أن رتب القواعد عليه، ثم رفع البنيان فوقها، ومن ثَمَّ عمل على تطهيره من كلِّ ما يُنافي التوحيد من نجاسة حسية أو معنوية، لهذا قال الإمام القرطبي:"وتطهيرُ البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء"(2).
وتعرضُ الآيةُ الأُخرى من سورة الحج لبداية جديدة في ارتباط فريضة الحج بالعهد الإبراهيمي (3): {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُونَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 27 - 28].
(1) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج 4 ص 139.
(2)
نفس المرجع ج 12 ص 36.
(3)
ارتباط الحج بالعهد الإبراهيمي يعطي هذه الفريضة بعداً إنسانياً عميقاً؛ لأن أتباع جميع الديانات من بوذيه ويهودية ونصرانية يعظمون إبراهيم عليه السلام، ويحاولون الانتساب إليه بطريقة أو بأخرى، ونحن من خلال الركن الخامس نخاطب الغرب، وجميع الناس قائلين: إننا نعظم إبراهيم الذي تعظمونه ونتلمس خطاه، ونقتفي أثره، ونهتدي بسنته، أفلا يوحي لكم هذا إلى طبيعة هذا المؤتمر العالمي الذي لايحمل أيَّ بصمة لِتَفْرِقة سياسية تزرع بين الناس؟ أفلا يوحي ذلك إلى إنسانية الرسالة في مؤاخاتها بين الناس ودعوتهم للتجرد بين يدي خالقهم؟ .
قال الإمام القرطبي: "لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، وقيل له: أذِّنْ في الناس بالحج، قال: يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّنْ وعليَّ الإبلاغ، فَصَعِدَ إبراهيم خليل الله جبل أبي قُبَيْس وصاح: يا أيها الناس إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليُثيبكم به الجنة، ويُجيرَكم من عذاب النار، فحجُّوا فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء لبيك اللهمّ لبيك! فمن أجاب يؤمئذ حجّ على قدر الإجابة، إنْ أجاب مرّة فمرة، وإنْ أجاب مرتين فمرتين، وجرتِ التلبيةُ على ذلك؛ قاله ابن عباس وابن جبير"(1).
الآية تتضمن مؤكدات على تبليغ الله لنداء إبراهيم:
أحدها: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} ، وفيه تأكيد على إيصال الأذان للناس، وفيه نسبة الإتيان إلى إبراهيم {يَأْتُوكَ} مع أنهم يأتون الكعبة وهذا للتشريف من حيث إنه المؤذن بالحج. ورجالاً جمع راجل، كتجار جمع تاجر.
الثاني: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ} ، والضامرُ معناه الضوامر، وهي النوقُ الهزيلة التي أتعبها السفر، فهي نوقٌ قوية، لكنّ أمرها آل إلى الضمور بعد أن انتهت إلى مكة في رحلة شاقة وطويلة أثَّرَت فيها، بدليل ما ختمت به الآية:
{يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} ، والفجُّ هو الطريق الواسعة، والجمع فجاج، وهذا يدخل في توكيد ما بدأته الآية، فشتى فجاج الأرض ستسلكها قوافلُ الحجاج التي تشق طريقها راجلة ـ إنْ لم يجد أصحابها مركوباً أو أُجرته، أو راكبة إن وجدوا إلى ذلك
(1) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج 4 ص 37.
سبيلا، من أبعد المسافات بدليل اللفظ القرآني:{عَمِيقٍ} ، وصولاً إلى بيت الله الحرام في رحلةٍ كرم الله فيها كل من يدور في فلكها حتى وسيلة النقل التي تحمل ضيوف الرحمن؛ لأنها سعت بهم إلى بيته، فأعاد البيانُ الإلهيُّ الضمير إلى النوق وقال:{يَأْتِينَ} ، تشريفاً لها.
النوق التي يختارها أصحابها من أفضل ما لديهم قوة وجلداً، عندما تنعتها الآية الكريمة بالضامر فإن في هذا إشارة إلى المشقة البالغة التي تصاحب هذه الفريضة وتجعل منها رحلة جهاد حقيقي لبناء جيل صالح يحمل أعباء الأمة على كاهله، وهو ما ينبغي أن يدركه كل قاصد للحج إلى بيت الله الحرام، فكم من هؤلاء مَن لا علم له بهذا، ولا استعداد عنده لأجل البذل والعطاء، وإن هي إلّا رسوم اجتماعية خادعة تدفع بالبعض إلى اقتحام غمار الركن الخامس حتى إذا وجد نفسه في قلب الزحام نقض غزله، وخرج دون ما جاء به.
وفي سورة الحج، وبعد آيتين من هذه الآية يقول مولانا العظيم:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ شَهْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30].
الخطاب القرآني في الآية يلتفت إلينا بالقول: إنَّ الفرض الذي أوجبه الله عليكم في الحج إلى حرمه الآمن لهو من حرمات الله المعظمة التي لا يجوز التساهل فيها، ولا في قدسية الأرض التي تؤدى عليها. قال الإمام القرطبي:"ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره. ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات امتثال الأمر في فرائضه وسننه"(1).
(1) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج 4 ص 53.
فمن امتثل أمر ربه فقد نأى بنفسه عن التهاون، ومن خالف الله في أمره فقد هتك حرمة البيت.
وفي بستان الحديث النبوي الشريف تفوح رائحةُ أزهار تسير على خط متوازن مع البيان الإلهي في ترسيخ فضيلة الركن الخامس:
ندخل بادئ ذي بدء إلى حديقة الإمام مسلم في صحيحه الجامع، ونضع فيها اليد على وردة نبوية نفتح أوراقها فإذا بداخلها:"العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة"(1).
رواية صحيحة ظاهرة في فضيلة العمرة والحج:
أما العمرة فهي مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين، والحديث موضعُ احتجاج لمن نصر مذهب إمامنا الشافعي في استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مراراً خلافاً لمذهب مالك وأكثر أصحابه في كراهة أن يعتمر في العام أكثر من مرة.
وأما الحج فيأتي على ضابطه الإمام النووي بقوله: "الأصح الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثمٌ، مأخوذ من البر وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيراً مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه. وقيل الذي لا يعقبه معصية (2)، وهما داخلان فيما قبلهما. ومعنى ليس له جزاء إلّا الجنة أنه لايقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لابد أن يدخل الجنة"(3).
(1) صحيح مسلم برقم: (1349/ 437) كما رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (7354) ولفظه عنده: "الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة، والعمرتان ـ أو العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما".
(2)
لكن يرى الإمام القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) أنّ الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده، كما نقل إمامنا القرطبي عن الحسن أنه قال:"الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة". اُنظر تفسير القرطبي 2/ 405.
(3)
صحيح مسلم بشرح النووي حـ 9 ص 478 ـ.
ومن حديقة مسلم إلى روضة الشيخين حيث نَشتَمُّ لدى دخولنا إلى ركن الحج فيها رائحة حديث شريف يملأ المكان بعبق بُشراه، يقول لنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أُمه"(1).
ونقصد زهرة أُخرى فإذا فيها: "بني الإسلام على خمس: شهادة أنْ لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً"(2).
وننتقل إلى رحيق ابن حبان في صحيحه فنقرأ بين سطوره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحجّاج والعمّار وفدُ الله، إنْ دعاهم أجابوه، وإنْ سألوه أعطاهم"(3) ومنه إلى باقة الحاكم فيما يرويه لنا على شرط مسلم: "اللهمّ اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج"(4).
فالحج من مزاياه أنه يكفر الذنوب ليرتقي بصاحبه البارِّ بأدائه إلى مقام الخالدين في جنة عرضها السموات والأرض أُعدتْ للمتقين، ومن ذلك ما جاء عن ابن شماسة قال: حضرْنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلاً، وقال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أُبسطْ يمينك لأُبايعك، فبسط يده، فقبضت يدي. فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يُغفر لي، قال:
(1) صحيح البخاري 1521، وصحيح مسلم:(1350/ 438).
(2)
أخرجه البخاري (8): ومسلم: (16/ 19). وفي رواية عند مسلم برقم (16/ 20)"أن يعبد الله ويكفر بما دونه"
(3)
قال الإمام أبو بكر الهيثمي صاحب مجمع الزوائد: ج 3 صـ 211، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحجاح والعمّار وفد الله دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم" رواه البزار ورجاله ثقات.
(4)
كما رواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (2516) كما ورد بلفظ "للحجاج ولمن استغفر له الحاج" أورده صاحب مجمع الزوائد ج 3 ص 211 باب: دعاء الحجاج والعمار قال: رواه البزار والطبراني في الصغير وفيه شريك بن عبد الله النخعي وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح.
"أما علمت يا عمرو أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحج يهدم ما كان قبله"(1).
الحج الذي يُكفِّر به ربنا ذنوب الحجاج هو المبرور الذي لم يخالطه إثمٌ من الإحرام إلى التحلل، وصاحبه ينالُ في الآخرة عفواً شاملاً للصغائر والكبائر من ذنوبه التي ارتكبها حتى التبعات على المعتمد من فقه السادة الشافعية، وذلك إنْ مات قبل أن يتمكن من أداء ما عليه، أما إنْ عاش بعد تمكنه من أداء التزاماته الدينية مثلاً كالصلاة التي قصّر فيها، ولم يقضها بعد، فلا تسقط عنه بالحج، أو الدنيوية مثلاً كالدين الذي ثبت في ذمته، وتمكَّن من أدائه ولم يفعل، فلا يسقط كذلك (2).
ومن فضائل الحج أن البشرية برمتها تشهد منافعه خاصة الحجاج وأهل مكة: أما الحجاج فما يتنزل عليهم من وارداتٍ إلهية، وما يتم بينهم من تبادلات ثقافية، وتعارف بعد جهالة، وخبرة في العلاقات الاجتماعية ناهيك عمّا يأتيهم من أرزاقٍ وخيرات، تعد منافع لهم.
وأما أهل مكة فما هم بصدده من صدقات وكفارات وألوان البيوع والتجارات لا يخفى على ذي بصيرة ولب.
وفي هذا المعنى يقول الباري عز وجل: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28].قال الإمام القرطبي: {مَنَافِعَ لَهُمْ} أي المناسك؛ كعرفات والمشعر الحرام. وقيل المغفرة. وقيل التجارة. وقيل هو عموم؛ أي ليحضروا منافع لهم،
(1) صحيح ابن خزيمة للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري برقم (2515).
(2)
تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ محمد أمين الكردي الإرْبلّيّ نسخة بتحقيق الشيخ محمود قطان ص 234. أقول: التكفير بالنسبة للآخرة، أما الدنيا فلا كما لو زنى ثم حج.
أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة؛ قاله مجاهد وعطاء واختاره ابن العربي فإنه يجمع ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأُخرى. ولا خلاف في أنّ المراد بقوله عز وجل: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 189] التجارة (1).
ومما جاء في فضيلته أنّ رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم عدَّه من صنوف الجهاد حين سألته السيدة عائشة: "هل على النساء جهاد؟ قال: نعم جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة"(2) وفي رواية أُخرى للبيهقي: (2902) عن أُم سلمة؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحج جهادُ كل ضعيف".
وفي صحيح البخاري: (1447) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: جهادٌ في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور".
وفي البخاري كذلك من حديث السيدة عائشة أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: "يا رسولَ الله: نرى الجهاد أفضلَ العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكنّ أفضلَ الجهاد الحج"(3).
إنَّ الجهاد الذي تناول به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم موضوع الحج لهو أصدقُ وصفٍ وأدقُّه؛ لأنَّ طبيعة البلدة الحرام وإلى جانبها طبيعة الأحكام التي انضبطت بها فريضة الحج من الزمان المخصوص، إلى المكان المخصوص، إلى الفعل المخصوص في أرضٍ قال الله عنها:
(1) الجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي حـ 2 ص 40.
(2)
أخرجه ابن ماجه: 2901، والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة.
(3)
صحيح البخاري: 1448.
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37] كل هذا الوصف يعطيك صورة صادقة عن طبيعة الرحلة إلى مكة ضمن إطار الركن الخامس، فالآية تصف مكة بالوادي وهذا تصوير دقيق؛ لأن مكة في واد تحيط به الجبال من كل جانب والآية تصف الوادي بغير ذي زرع، وهذا تعميق لذاك التصوير، وبوسعه أن يعطينا فكرة جادة عن الطبيعة المادية الشحيحة للماء، وما يلحق به من أشجار تكاد تكون معدومة في ظل انعدام سببها الرئيسي الذي جعله الله حياة لكل شيء، وبوسع هذا أن يعبر لك عن قسوة الأرض وصلابتها وجدوبتها، ويفي بغرض معرفتك عن الجو المحيط بها من حرارة عالية تلفح الناس، يزيد في شدتها رطوبة الأجواء بسبب قرب المدينة المقدسة من شواطئ البحر الأحمر.
هذه الظروف القاسية التي تقطع عن هذه المدينة أيّ سبب من وسائل العيش شظفه ورغده ما كانت لتنقلب مكة معها إلى سيدة مدن الدنيا لولا الكعبة المشرفة، وتحريم الله لأرضها، وإمدادها بالعناية والرحمة التي لا تنقطع عنها، وهنا تتجلى المعجزة، فالمقدمات الصحيحة ظاهرها تعني استحالة الحياة بمكة المكرمة، والواقع المشاهد أنها وحتى قبل المدنيّة الحديثة التي زحفت إليها كانت ولاتزال قبلة الزوار، ومهوى أفئدتهم، وملتقى التجار والثقافات، وهنا ننتقل إلى ما بدأنا الحديث به، وهي أنّ الذي يقصد مكة، يقصدها لأجل الله؛ لأنها بيته، ويسعى إليها وهو يعلم ما في أرضها وأجوائها وفريضتها من شدة يمتحن الله بها الحجاج والعمّار.
كل من لم يوطن نفسه لهذا النوع من الجهاد فإنه لم يعرف الحج، ولم يفهمه بعد! .
ومن فضائله أنه جمع بين عموم أحكام الإسلام:
فالحج نطلّ من نافذته على الصلاة وما فيها من حكم وأسرار وهي الركن الأول في الإسلام.
ونلمس في الحج الزكاة وأهدافها الإنسانية النبيلة وهي الركن الثاني في بناء الإسلام.
أما الصيام فيحضر بقوة في العديد من الكفارات.
وفي الحج يترسخ التوحيد باللسان والجنان مع كل خطوة يطوي بها الحاج شوطاً من هذه الفريضة الجليلة.
وفي الحج تكتحلُ العين بالنظر إلى الكعبة المشرفة التي ترمز إلى وحدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وفي الحج المواقع المقدسة التي سبق لإبراهيم وإسماعيل وربما لسائر أنبياء الله ـ كما جاء في الأثر (1)
ـ أنْ أدَّوْا فيها المنسك وفي هذا تجذيرٌ لفكرة امتداد الدين الإسلامي لكل
(1) قيل ما نبيّ إلّا حجَّ بيت الله الحرام، وقيل: إنّ أول من حجه هو آدم عليه السلام، وأنه تكرر منه ذلك أربعين مرَّة. اُنظر تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفشني، النسخة بعناية الشيخ قاسم النُوري ص 198. أقول وهذا ما أرجحه؛ لذلك فإنّ الحجّ إحياء لذكرى مئات الأنبياء والمرسلين الذين تعظمهم البشرية، لا سيما وأنه جاء في الأثر أنه في مسجد الخَيْف موضع سبعين قبراً من أنبياء الله ورسله، وأنَّ قبور نوحٍ وإسماعيل وصالحٍ في ساحة المسجد الحرام، قُرْبَ ماء زمزم، وعلى هذا فأداء الركن الخامس هو خطوة في الطريق الصحيح لتوحيد قلوب البشر، وتآخي أبناء الأسرة الإنسانية، وتجسيد مسيرة المتقدمين من رسل السماء إلى الناس في كل أمّة.
جاء في كتاب إعلام الساجد بأحكام المساجد للعلامة محمد بن عبد الله الزركشي في الباب الخامس والسبعين منه أن البيهقي ذكر في مناقب أحمد بن حنبل أن أحمد بن حنبل روى فقال: "حدثنا
…
عن عبد الله بن ضمرة السلولي قال: ما بين المقام إلى الركن إلى بئر زمزم إلى الحجر قبر سبعة وسبعين نبياً جاؤوا حاجين فماتوا فقبروا هناك".
ثم قال: "وقد اشتهر أن قبر إسماعيل وأمه في الحجر ومع ذلك فلم يقل أحد بكراهة الصلاة فيه، بل فيه ما فيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل ثم نقل عن رواية الطبراني يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيه قبر سبعين نبياً. أقول: وقد ذكره صاحب مجمع الزوائد عن البزار 3/ 297 وقال: رجاله ثقات.
ثم قال العلامة الزركشي: "قال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي: مما وقع لي في تأمّلات الحج السلام على قبور الأنبياء كآدم ومن تبعه، فقد روي أنه ما من نبي خرج بعد عذاب قومه إلّا إلى مكة ودفن بها وأنّ بها مئين أو ألوفاً من الأنبياء".
أقول: ذكْرُ حج بعض الأنبياء ثبت في الأحاديث الصحيحة وسيأتي في أكثر من موضع من هذا الكتاب، أما ذكر حج الأنبياء قاطبة فإنه ورد في الآثار ولم يثبت في الأحاديث الصحيحة لكنني أستطيع أن أعتمده من خلال الاستقراء والاستنباط لا سيما وأن مكة هي أول بيت وضع للناس وأن الأنبياء المذكورين في السنة الموثقة هم نماذج للذكرى فقط من نحو موسى ويونس عليهما السلام مع توثيق هذا بوحدة الدين السماوي وحياً من عند الله، ورسالة حضارة أنزلت إلى البشرية قاطبة، وما الرسل والأنبياء إلّا منابر صدق لتبليغ ذلك للناس.
رسالات السماء.
وفي الحج إبرازٌ لرجال القدوة الأجِلاّء في تاريخ البشر.
وفي الحج تنسكب حقائق العبودية على قلب العبد المؤمن بما يُفيضه المولى عليه من واراداتٍ ومنح.
وفي الحج ارتباط الأرض بالسماء من خلال الدعاء والالتجاء، والانقياد والإتباع.
ومن فضيلته أن المسلم يدخل إليه بلباسٍ مخصوص ليس له عنه بديل ما لم يكن ثمة عذر.
ومن فضيلته أن من كان للحج مستطيعاً قادراً ولم يحج فإن الحبيب الأعظم محمداً صلى الله عليه وسلم يهدده بأن يختار بين ميتة هذا الصنف أو ذاك ممَّن ضلّوا عن صراط الأنبياء المستقيم، لذلك قال الإمام الغزالي:"فأعظِمْ بعبادة يعدم الدين بفقدها"(1).
ومن فضيلته أنَّ المسلم إذا وجد إلى الحج سبيلاً ولم يفعل فمات ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا، ولم يعطها، على ما ذهب إليه حبرُ هذه الأُمة ابنُ عباس الذي فسَّر بذلك قوله تعالى:{رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا} [المؤمنون: 99 - 100] وكان يقول فيها: "هذه الآيةُ من أشدّ شيءٍ على أهل التوحيد"(2).
هذا وثمة أحاديث في فضل الحج يستحسن أن نأتي على ذكرها لعل الله يجري فيها الخير على لسان كتاب "الركن الخامس" وينفع به أقواماً ما زالوا يترددون في أداء هذه الفريضة:
(1) إحياء علوم الدين للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي جـ 1 صـ 240.
(2)
تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة أحمد بن حجازي الفَشنيصـ 198، وفي رواية ابن عباس ذكرُ الزكاة أيضاً.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استمتعوا بهذا البيت فقد هدم مرتين، ويرفع في الثالثة"(1).
وعن الحسين بن علي قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إني جبان وإني ضعيف، فقال: هلم إلى جهاد لا شوكة فيه الحج"(2).
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جهاد الكبير والصغير والمرأةِ الحج والعمرة"(3).
وعن ماعز عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أيُّ الأعمال أفضل قال: "إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها"(4).
وعن الشفاء قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله رجل أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله وحج مبرور"(5).
وعن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة، قيل: وما بره؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام"(6).
وعن جابر بن عبد الله رفعه رضي الله عنه قال: "ما أمْعَرَ (7) حاجٌّ قط، قيل لجابر: ما الإمعار؟ قال: ما افتقر"(8).
(1) قال الإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله ثقات" 3/ 206.
(2)
قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات 3/ 207.
(3)
قال في مجمع الزوائد: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح 3/ 206.
(4)
قال في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح 3/ 207، أقول: أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (19010)، جاء في الموسوعة الحديثية عليه ج 31 ص 350:"حديث صحيح".
(5)
قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات 3/ 207.
(6)
قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن 3/ 207.
(7)
أصله من معر الرأس وهو قلة شعره.
(8)
قال ابن حجر في مجمع الزوائد ج 3 ص 208: رواه الطبراني في الأوسط والبزار ورجاله رجال الصحيح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة"(1).
وعن عمرو بن عبسة قال: قال رجلٌ يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: أن تُسلم قلبك وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأيُّ الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال: فأيُّ الإيمان أفضل؟ قال الهجرة، قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم، قال: فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده وأُهريق دمه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثم عملان هما أفضل الأعمال إلّا من عمل بمثلها حجة مبرورة أو عمرة"(2).
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، ليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة"(3)، وعند الطبراني في الكبير: فإن متابعة ما بينهما تزيد في العمر والرزق
…
" (4).
بعد هذه الدراسة عن فضل فريضة الحج هل يقصر عاقلٌ بأداء ما كلفه الله به تشريفاً لهُ؟ وهل يختلق مؤمن بالله ورسوله، الأعذار لتفويت هذا الركن عليه؟ وإذا ما
(1) قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وفيه جميل بن أبي ميمونة وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جَرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في الثقات 3/ 208.
(2)
قال في مجمع الزوائد ج 3 صـ 207: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(3)
مجمع الوائد ج 3 صـ 277 باب: المتابعة بين الحج والعمرة، هذا وقد ذكر الإمام الهيثمي فيه رواية بلفظ: أديموا الحج والعمرة
…
".
(4)
مسند الإمام أحمد برقم (167)، وبرقم (3669). وجاء في الموسوعة الحديثية عن الأولى:"الحديث صحيح لغيره" وعن الثانية "صحيح لغيره وهذا إسناد حسن" أقول: واللفظ أعلاه للرواية الثانية.
أداها فهل يدخل فيها من المخالفات ما يفسدُ عليه جوهرها وفقهها وأسرارها؟ ألا فليتنبه الغافلون، وليحذر المسوّفون، وليعلم المعاندون أن الذي افترض عليهم الحج هو ربّ العزة، وأنهم إليه راجعون، وبين يديه واقفون، فماذا عساهم يقولون؟ ! اللهمّ اجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا ربنا لصنوف الخيرمن الزاهدين.
* * *
الحرام مكة المكرمة