المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه - الركن الخامس

[محمد محيي الدين حمادة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

قال جابر رضي الله عنه: "ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة، فأتى بني عبد المطلب يسقُوْنَ على زمزم، فقال: انْزِعُوْا بني عبد المطلب، فلولا أن يَغْلِبَكُمُ الناسُ على سقايتكم لنَزَعْتُ مَعَكُم، فناولوه دَلْوَاً فَشَرِبَ منه":

هذا النصّ الخاتم من كلام جابر رضي الله عنه سأدع الحديث فيه لإمامنا المتفق على قدوته في العلم والورع والفهم والإحاطة، الذي صاحبنا متفضلاً في هذا البحث المتواضع، منذ بدايته لذلك أحببتُ منشرح الصدر أن يقع بكلام العلامة النووي مسك الختام، لعلّ ربي يكتب لهذا السفر القبول بنفحة إخلاصه، وإخلاص أمثاله من الأئمة الأوفياء الأعلام (1).

قال الإمام العلامة أبو زكريا يحيى بن شرف النووي:

"قوله: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلّى بمكة الظهر" هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين، وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي والحلق ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا آخر لوقته، بل يصح ما دام الإنسان حياً، وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ليلة

(1) اللَّهمّ إلّا إضافات ذات ارتباط بشرب ماء زمزم فسأتصرف في ذلك بما يفتح الله عليَّ ببركة الصادقين الذين أرجو من مولاي الكريم أن لا يحرم أبحاث هذا الكتاب من حضور قلوبهم، وقلوب من لفَّ على شاكلتهم.

ص: 497

النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه؛ لأنه قدمه على الوقوف.

واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رمل ولا اضطباع إذا كان قد رمل واضطبع عقب طواف القدوم.

ولو طاف بنية الوداع أو القدوم أو التطوّع وعليه طواف إفاضة وقع عن طواف الإفاضة بلا خلاف عندنا، نصّ عليه الشافعي، واتفق الأصحاب عليه كما لو كان عليه حجة الإسلام فحج بنية قضاء أو نذر أو تطوّع فإنه يقع عن حجة الإسلام، وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء: لا يجزي طواف الإفاضة بنية غيره.

واعلم أنّ طواف الإفاضة له أسماء، فيقال أيضاً طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، سماه بعض أصحابنا طواف الصدر، وأنكره الجمهور، قالوا: وإنما طواف الصدر طواف الوداع، والله أعلم.

وفي هذا الحديث استحباب الركوب في الذهاب من منى إلى مكة، ومن مكة إلى منى ونحو ذلك من مناسك الحج، وقد ذكرنا قبل هذا مرات المسألة، وبيَّنّا أنّ الصحيح استحباب الركوب، وأنّ من أصحابنا من استحبّ المشي هناك" (1).

كما قال الشيخ محيي الدين يحيى بن شرف النووي بعد ذلك:

وقوله: "فأفاض إلى البيت فصلى الظهر" فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه، وأما قوله:"فصلى بمكة الظهر" فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الإفاضة من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر فصلى الظهر بمنى ووجهه الجمع بينهما أنه

(1) صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 347 - 348.

ص: 498

- صلى الله عليه وسلم طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته صلى الله عليه وسلم ببطن نخل أحدُ أنواع صلاة الخوف فإنه صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أُخرى فكانت لهم صلاتان وله صلاة وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث وقد بسطت إيضاح هذا الجواب في شرح المهذب والله أعلم" (1).

كمال قال الإمام النووي عقب هذا:

"قوله فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انْزِعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلواً فشرب منه" أما قوله صلى الله عليه وسلم انزِعوا فبكسر الزاي ومعناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء (2). وأما قوله فأتى بني عبد المطلب فمعناه لولا خوفي أن يعتقد الناس أن ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء وفيه فضيلة العمل في هذا الاستقاء، واستحباب شرب ماء زمزم فهي البئر المشهورة في المسسجد الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعاً (3) قيل: سميت زمزم لكثرة مائها يقال: ماء زمزم وزمازم إذا كان كثيراً وقيل: لضم هاجر رضي الله عنها لمائها حين

(1) صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 348.

(2)

الرِّشاء الحبل وجمعه أرشية. أما رِشا ورُشا فجمع رِشوة وهي عن بحثنا بمعزل.

(3)

أي 24 و 18 متراً بتقدير الذراع بـ 48 سنتميترا كما جرى بذلك عرف الفقهاء.

ص: 499

انفجرت وزمها إياه. وقيل: لزمزمة جبريل عليه السلام وكلامه عند فجره إياها. وقيل: إنها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها في تهذيب اللغات مع نفائس أخرى تتعلق بها منها أن علياً رضي الله عنه قال: خير بئر في الأرض زمزم وشر بئر في الأرض بَرَهَوْتُ والله أعلم" (1).

وفي ذيل مسك الختام لا أملك إلّا أن أنظر بعمق في هذا الذي ساقه جابر في حديثه في آخر ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستعرضاً من خلاله ما ورد فيه من أحاديث، وما نقل في فضله من روايات، وما جاء في حكمه من مسائل وأشياء أخرى تدندن حول هذا الموضوع وتصب في مجراه:

أول ما أبدأ مقالتي به ما ورد عن زمزم من كلام جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:

"فصلى بمكة الظهر فأتى بني المطلب يسقون على زمزم فقال انزعِوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلواً فشرب منه".

وثاني ما أعرج عليه ما رواه أحمد في مسنده عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فنزعنا له دلواً فشرب، ثم مجّ فيها، ثم أفرغناها في زمزم، ثم قال: لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي" (2).

وبهذا نعلم أن ماء زمزم اجتمع فيه ما ورد في فضله من الخير واليمن، وما جاء في هذا الحديث من مخالطة ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريف لمائه المبارك بعد أن حلّ فيه، وبهذا ينال من يأتي بعده من أمته نصيباً من سؤر المصطفى رضي الله عنه، وبركة طهوره.

وفي قصة إسلام أبي ذر الغفاري أكثر من شاهد صحيح على فضل ماء زمزم فقد

(1) صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 348 ـ 349 أقول: بَرَهُوْتُ وادٍ بحضرموت. اُنظر مجمع الزوائد في زمزم 3/ 286.

(2)

مسند الإمام أحمد بن حنبل برقم (3527). قال محققوا مسند أحمد في الموسوعة الحديثية: إسناده صحيح على شرط مسلم.

ص: 500

روى الإمام مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة عن أبي ذر أنه دخل مكة وجلس فيها زمناً طويلاً حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول من استلمه وحياه، وهاكَ الحديث ابتداء من هذا الجزء منه "

وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه (1)، ثم صلّى، فلما قضى صلاته قال أبو ذر: فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام قال: فقلت: السلام عليك يارسول الله فقال: وعليك رحمة الله: ثم قال: من أنت؟ قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت: في نفسي كره أن انتميتُ إلى غفار فذهبتُ آخذُ بيده فَقَدعَني صاحبه (2) وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه ثم قال: متى كنت ههنا؟ قال: قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين ليلةٍ ويومٍ قال: فمن كان يطعمك قال: ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم فسمنت حتى تكَسَّرَتْ عُكَنُ بطني (3) وما أجد على كبدي سُخْفَةَ جوع (4). قال: "إنها مباركة إنها طعام طعم (5) "(6)

فقال رسول الله: يارسول الله ائذن لي في طعامه الليلة

" (7)

إذن ظلَّ الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة رضي الله عنه في مكة المكرمة ثلاثين يوماً وليلة وليس في حوزته طعام ولا شراب إلّا ماء زمزم ومع ذلك فقد سمن

(1) اُنظر إلى فضل أبي بكر رضي الله عنه كيف كان ملازماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤيداً وتابعاً وصحابياً ومخلصاً لم يصل أحد من الصحابة الكرام - وكلهم على الرأس والعين - إلى رتبته وحظوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

أي كفني.

(3)

أي انثنت عُكَنُ بطني لكثرة السمن وانطوت. والعُكَنُ جمع عُكْنَة وهو الطيّ الذي يحدث في البطن من السمن.

(4)

سُخْفَةُ الجوع بضم السين وفتحها رقة الجوع وضعفه وهزاله.

(5)

طُعْم بضم الطاء وإسكان العين ومعناها كما قال النووي: أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.

(6)

هذه هي رواية مسلم وزاد الطيالسي من الوجه الذي أخرجه مسلم برقم (457) وشفاء سقم أي روى قطعة مسلم وزاد ما ذكرت .. اُنظر فتح الباري 3/ 622، والموسوعة الحديثية على مسند أحمد ج 23 ص 142.

(7)

صحيح مسلم برقم (2473/ 132).

ص: 501

حتى بدت تثنياتُ بطنه فهل فوق هذا من فضل وخصوصية لهذا الماء في حق شاربيه.

أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أجاب بما يوافق كلام أبي ذر حين صرح في حديثه الشريف بأن ماء زمزم بالفعل بمنزلة الطعام لمن لم يطعم سواه ورديف للطعام في حق من جمع بينهما.

هذا المعنى النبوي توثيق لما كان اشتهر بين أهل مكة قبل الإسلام من إطلاق لقب الشَّبَّاعة على بئر زمزم وفي هذا أنشد العلامة الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الله الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة 842 هـ رحمه الله تعالى:

بيرٌ مباركةٌ وبيرٌ طيْبَةٌ

شَبّاعةُ أُمِّ العيال وزمزمُ (1)

أي تسمى زمزماً وشَّباعة وبئراً طيبة وهكذا.

وبهذا المعنى روى الطبراني عن أبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعته يقول: "كنا نسميها شبَّاعةً ـ يعني زمزم ـ وكنا نجدها نعم العون على العيال"(2).

فالسقاية من زمزم سنه ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي لبني المطلب حق وشرف لاينزعها منهم إلّا ظالم وهو ما دفع أبا السائب ليقول "اشربوا من سقاية العباس فإنه من السنة"(3).

إن ماء زمزم هو خير ماء على وجه الأرض على الإطلاق بالنص الصحيح على ذلك من جهة الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى علمه شديد القوى. روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير ماء على وجه الارض ماء زمزم فيه طعام الطعم وشفاء السقم

" (4).

(1) كتاب فضل ماء زمزم بقلم سائد بكداش (236).

(2)

أورده صاحب مجمع الزوائد الإمام الحافظ نور الدين الهيثمي 3/ 286 وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.

(3)

نفس المرجع والجزء والصفحة وأنه رواه الطبراني في الكبير وفيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات.

(4)

قال صاحب مجمع الزوائد رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وصححه ابن حبان. اُنظر نفس المرجع والصفحة. هذا وقد جاء في كتاب الباحث سائد بكداش المسمّى: "فضل ماء زمزم" ص 92 قال: "قال المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 209: رواه الطبراني في الكبير 11/ 98، ورواته ثقات، وابن حبان في صحيحه ومثله في مجمع الزوائد 3/ 286، ولم أجده في صحيح ابن حبان وحسنه السيوطي في الجامع الصغير (مع الفيض) 3/ 489، ونقل المناوي عن ابن حجر قوله: "ورواته موثقون، وفي بعضهم مقالة، لكنه قوي في المتابعات، وقد جاء عن ابن عباس موقوفاً" اه."

ص: 502

ثم ألا يكفي أن ندرك فضل ماء زمزم من كونها نبعت في أقدس بقعة على وجه الدنيا أرض التوحيد أرض الإيمان أرض المعبد الإسلامي الكبير الذي اتخذه ربّ العالمين له بيتاً يؤمه ضيوف الرحمن من سائر أرض الدنيا.

ألا يعني لنا الكثير أنها ظهرت بواسطة الأمين جبريل عليه السلام وهو ما يجليه لنا الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه أن هاجر عليها السلام وهي تبحث عن ماء مترددة بين الصفا والمروة حتى أتمت سبعة أشواط سمعت عندها صوتاً من ناحية الكعبة (ولم تكن قد بنيت يومئذ وفي تلك الجهة كانت قد تركت الرضيع إسماعيل)(1) فقالت "أغث إن كان عندك غواث"(2).

وفي رواية عنده "إن كان عندك خير"، فإذا جبريل فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض قال: فانبثق الماء فَدَهَشَتْ أم إسماعيل فجعلت تحفر قال فقال أبو القاسم: "لو تركته كان الماء ظاهراً" وفي رواية عنده "قال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً"(3)

(1) في رواية البخاري المذكورة "فقالت: لو ذهبتُ فنظرتُ ما فعل فإذا هي بصوت

".

(2)

الغِوَاث بكسر الغين كالنداء، والصياح، أي: يا غِوَاثْ أما بالفتح والضم أي: (غُواث) فهو اسم الغوث، يقال: غوَّث الرجل أي قال: واغوثاه، أي فغوثاه دعاؤه، لذلك قال الفراء:"يقال: أجاب الله دعاءه".

(3)

صحيح البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب يزفون برقم (3364).

ص: 503

ومن تمام الخصوصية أنها على قولٍ من الآيات البينات (1) التي وردت في قوله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 96 ـ 97].

من كمال المزية التي لا يشاركها فيها ماء آخر، أنها شراب الأبرار بتصريح روايتين إحداهما عن ابن عباس، والأخرى قرئت عند أهل الكتاب. جاء في أخبار مكة للأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"صلّوا في مصلّى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار. قيل لابن عباس: وما مصلّى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب. قيل: وما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم"(2).

وعن وهب بن منبّه قال في زمزم: "وإنها لفي كتاب الله سبحانه شراب الأبرار"(3) أي في كتب الله السماوية السابقة.

وأياً ما كانت صحة هذه الروايات، فإنها في معنى لا يختلف عليه من أصحاب الإيمان اثنان؛ لأن مكة بلد الله الآمن الذي اختصّ باستقبال الأبرار في رحابه؛ ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب منه وهوإمام الأبرار المتقدمين منهم والمتأخرين، ثم هل خلق الله ماء زمزم أول ما أجراه إلّا لاثنين من خواص القوم الكرام البررة، وهما هاجر عليها السلام وولدها رسول الله إسماعيل صلى الله عليه وسلم.

ثم أليس يَقصد زمزمَ اليوم المؤمنون بالله وبرسوله وبسائر الرسالات السماوية

(1) نقل ذلك كثير من المفسرين كما ذكره صاحب فضل ماء زمزم لسائد السمان (89).

(2)

نفس المرجع ص 165، وقد نقله عن أخبار مكة للأزرقي 1/ 318، و 2/ 52 - 53

(3)

نفس المرجع والصفحة، وقد نقله عن أخبار مكة للأزرقي واللفظ له 2/ 49، والفاكهي ح 2 ص 44، ومصنف عبد الرزاق 5/ 117

ص: 504

فقط من سائر البشر؟

ألا يُحمل الماء المبارك من مكة إلى الأبرار من هذه الأمة في شتى بقاع الأرض، ممّن لم يكتب لهم معاينته في أرضه التي منها نبع؟

ألا يعني لنا الكثير أن زمزم هوسقيا ضيوف الرحمن ووفده من الحجاج والعمار، وفيهم العارفون المحبون من أبرّ الأبرار؟ لا بل هكذا جرت سنة أهل مكة في سلف هذه الأمة فعن مجاهد قال: ما رأيت ابن عباس رضي الله عنهما أطعم ناساً قط، إلّا سقاهم من ماء زمزم (1). وروي موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم (2). لا بل ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما نسبة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث وإن كان فيه مقالة، لكن يعضده عموم وخصوص ما ذكر قبل (3).

ومن أكثر ما يدفع المسلم إلى بركة ماء زمزم بعد قول وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق ما أورده الإمام أحمد في مسنده عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماء زمزم لما شُرِبَ له (4)، وهوالحديث الذي روي في سنن ابن ماجة (5) أيضاً وغيره، وتلقّته

(1) نفس المرجع ص 171

(2)

نفس المرجع والصفحة

(3)

نفس المرجع والصفحة وقد ذكر في تخريجه أنه ذكره أبونعيم في الحلية 3/ 403، وأن السيوطي رمز في الجامع الصغير ج 5 ص 96 بالضعف، وأنه خرّجه الفاكهي في تاريخ مكة ج 2 ص 46 موقوفاً. كما نقل عن الفاسي في العقد الثمين ج 1 ص 92 عن الحافظ الدمياطي تصحيح إسناده، وأن الحافظ ابن طولون ذكره في التزام ما لا يلزم (مخطوط) وأنه حديث حسن، أما نص الحديث فعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يُتحفَ الرجلَ بتُحفةٍ سقاه من ماء زمزم.

(4)

مسند الإمام أحمد برقم (14849) وبرقم (14996)، وقد جاء في الموسوعة الحديثية على مسند أحمد: حديث محتمل للتحسين، عبد الله بن المؤمّل ضعيف، لكنه متابع، وأبوالزبير صرّح بسماعه من جابر عند البيهقي في السنن، لكن في الإسناد إليه من لم نتبيّنه، وقد نقل السخاوي عن الحافظ ابن حجر أنه قال فيه: إنه باجتماع طرقه يصلح للاحتجاج به. وحسنه ابن القيم في زاد المعاد 4/ 393، والمنذري في الترغيب والترهيب: 2/ 210

وقد ساقا فيه كلاماً طويلاً يفيد التحسين من ذلك قولهما: قلنا: رواية مجاهد الموقوفة أخرجها عبد الرزاق في مصنفه (9124)، عن سفيان بن عينيه، وأخرجها كذلك الأزرقي في تاريخ مكة 2/ 50 عن جده، عن سفيان. وأخرجها عبد الرزاق (9123) عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن مجاهد قولَه. وهذا الأثر يعتضد به الحديث المرفوع، فمثل هذا لا يقال بالرأي. اُنظر الموسوعة الحديثية ج 23 من ص 140 - 142.

(5)

سنن ابن ماجة (3062) وقد قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي: قال السيوطي في حاشية الكتاب: هذا الحديث مشهور على الألسنة كثيراً. واختلف الحفاظ فيه، فمنهم من صححه، ومنهم من حسنه، ومنهم من ضعفه والمعتمد الأول ثم قال: قال السندي: قلت: وقد ذكر العلماء أنهم جربوه فوجدوه كذلك. اُنظر سنن ابن ماجة ج 2 ص 1018.

ص: 505

الأمة بالقبول، ويرتقي إلى درجة الحسن، باجتماع طرقه، وبالمتابعات التي تعضده، وبالآثار الصحيحة؛ لأنّ مثل هذا الكلام لا يقال من قبيل الرأي.

ومن تلقي الأمة لهذا المتن النبوي الشريف بالقبول العمل به من فقهاء الأمصار، وعامة الأمة في كل العصور، وعلى مدار الوقت دون انقطاع عن ذلك في ليل أونهار، وهوما يجعل مسألة الإجماع واردة الوقوع في هذا، والأمة كما تعلم لا تجتمع على ضلالة.

ومن توثيق علمائنا لحديث تحسَّنت طرقه فاحتضنوه، أنهم جرَّبوا العمل به كما نقلتُ لك عن السندي في الحاشية فوجدوه كما دلَّ عليه لفظه. ومن هؤلاء ترجمان القرآن وحبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي كان إذا شرب قال: اللهم! إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء (1).

ومنهم الإمام الأعظم أبوحنيفة النعمان، الذي شرب ماء زمزم على نية أن يوفقه ربه ليتقدم علماء زمانه في الفقه، فكان كذلك.

(1) جاء في الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد: وقد رُوي عن ابن عباس: "أنه كان إذا شرب من زمزم قال: .. ". أخرجه عبد الرزاق (9112) عن سفيان الثوري، عمن يذكر أن ابن عباس

، وأخرجه الدارقطني (2/ 288) من طريق حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن عتيبة، عن عكرمة، عن ابن عباس، وحفص ضعيف. وأخرجه الحاكم 1/ 473 بإثر رواية الجارودي، و .... ج 23 ص 141.

ص: 506

ومنهم العارف بالله، الإمام الحافظ عبد الله بن المبارك، شيخ الإسلام وأحد أعلام السلف الصالح، حيث أتي زمزم فاستقى منها شربة، ثم استقبل القبلة، ثم يقول:"إن عبد الله بن المؤمل حدّثني عن ابن الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ماء زمزم لما شرب له، اللهم! إني أشربه لعطش يوم القيامة". قال: ثم شرب ما شاء الله له أن يشرب" (1).

ورُوي عن الإمام الحافظ الحجة ابن خزيمة محمد بن إسحاق صاحب الصحيح، أنه سئل من أين أُوْتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماء زمزم لما شُرِبَ له وإني لما شربتُ، سألتُ الله علماً نافعاً.

وذكر عن الإمام الحافظ المحدّث أبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله المتوفى سنة 405 هـ أنه شرب ماء زمزم لحسن التصنيف، ولغير ذلك، فصار أحسن أهل عصره تصنيفاً.

أما الإمام الخطيب البغدادي أبوبكر أحمد بن علي محدّث الشام والعراق، المتوفى سنة 463، رحمه الله تعالى، فذكر أنه لما حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شُرْبات، وسأل الله عز وجل ثلاثَ حاجات، أخذاً بالحديث، فقضى الله له ما نوى.

نوى بشربه أن يحدّث بتاريخ بغداد بها، ونوى أن يُملي الحديث بجامع المنصور، ونوى أن يُدْفن عند قبر بشرٍ الحافي المتوفى سنة 227، فكان له ما نوى بفضل الله.

وعن الإمام المالكي ابن العربي أبي بكر محمد بن عبد الله الأندلسي، صاحب أحكام القرآن، المتوفى سنة (543) رحمه الله تعالى أنه قال:

كنت بمكة مقيماً سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكنتُ أشربُ ماءَ زمزم كثيراً، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، حتى فتح الله لي ببركته في المقدار الذي يسّره لي من العلم،

(1) اُنظر "شخصيات استوقفتني" لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص 58.

ص: 507

ونسيتُ أن أشربه للعمل، وياليتني شربته لهما، حتى يفتح الله عليَّ فيهما، ولم يقدّرْ، فكان صفوي إلى العلم أكثر منه إلى العمل، ونسأل الله الحفظ والتوفيق برحمته.

وعن الإمام الحافظ المقرئ محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة 833 هـ جاء في كتابه جامع الأسانيد وهو يعدد شيوخه ما نصه عن والده وهوأحد شيوخه قال: أخبرني أنه ولد سنة 725، وحج سنة 748، وقال لي: شربتُ ماء زمزم لأن يرزقني الله ولداً ذكراً يكون من أهل القرآن، وتزوجتُ بوالدتك سنة (750)، فوُلِدْتَ لي في 25 رمضان سنة 751.

ثم نظير هذه الأمثلة عن الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ، والإمام الكمال ابن الهمام المتوفى سنة 861 هـ، والإمام السيوطي المتوفى سنة 911 هـ وغيرهم كثير، وهومايمكنك قراءته بالتفصيل في كتاب فضل ماء زمزم فعد إليه فإنه مفيد (1).

بئر زمزم معجزة إلهية خالدة (2)،

لم نتعلّم بعد كيف نوظّفها في خدمة الدعوة

(1) كل هذه الأمثلة عن الكتاب المذكور بقلم سائد السمان مع عزوه للنقول والمعلومات إلى مصادرها بتوثيق دقيق من ص 134 إلى ص 146 تحت عنوان: جملة من أخبار الشاربين لزمزم ونياتهم عند ذلك.

(2)

بئر زمزم يقع على مقربة من الكعبة المشرفة، على عمق (1.56) متراً من أرض الطواف، خلف مقام إبراهيم إلى اليسار، وأنت تنظر إلى البيت. عمق البئر ثلاثون متراً من مستويين: الأول على عمق (12.8 م) عن فتحة البئر. والثاني منقور في صخر الجبل بعمق (17.2 م). أما عن عمق الماء عن مستوى فتحة البئر فيصل إلى حوالي أربعة أمتار، وأما عن عمق العيون التي تغذي البئر عن تلك الفتحة فتصل إلى (13 م). ويتراوح قطر بئر زمزم باختلاف العمق بين (1.5 - 2.5 م). ثم العيون الرئيسية التي تغذي البئر ثلاثة: أقواها عين حذاء الركن الأسود، والأخرى حذاء جبل أبي قبيس في الصفا، والثالثة عين حذاء المروة. هذا هو التحديد الذي تم في القرن الثالث وما قبله، وهو ما أيده البحث العلمي حديثاً. اُنظر المرجع ص 51 - 53.

ثم إن أول ظهور لزمزم وقع على يد أم إسماعيل وجرى الماء يومها على وجه الأرض فحوطته بيدها على هيئة تشبه فتحة البئر، ثم ما لبث أن انخفض منسوبها إلى أن أخذ لاحقاً شكل البئر الحقيقيي. أما الظهور الثاني فقد حصل على يد عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم الذي حفر البئر التي تعرف اليوم حتى بلغ حافتها. أما نضوب زمزم فيما بين هذين الزمنين فقد حصل بسبب ما انزلقت إليه جُرهم من المظالم حين استحلت أمور عظاماً واستخفت بحرمة البيت حتى أكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، وظلموا من دخلها من غير أهلها فسلط الله عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم فصاروا أذلّ العرب بعد أن كانوا أعز حي جاهاً ورجالاً ومالاً وسلاحاً. هذا ما رواه الأزرقي، وهذا ما نحذر به كل مستبيح لحرمة البيت أن تطاله يد العدالة الإلهية في الدنيا والآخرة.

ومع الأيام وتوالي السيول القوية عَلَت الرمال والأحجار بئر زمزم إلى أن أذن الباري بعودته مرة أخرى إلى أرض الحرم حين أتى عبد المطلب في الليل وهو نائم آتٍ فقال له: احفر طيبة. قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فرجعتُ إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برّةـ فقال: قلت: وما برّة؟ قال ثم ذهب عني فلما كان الغدُ رجعتُ إلى مضجعي، فنمتُ فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، قال: قلتُ: وما زمزم؟ قال: لا تُنزف أبداً ولا تُذَمّ، تسقي الحجيج الأعظم عند قرية النمل. قال: فلما أبان له شأنها غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ليس له يومئذ غيره، فحفر فلما بدا لعبد المطلب الطي (حواف البئر) كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته. اُنظر نفس المرجع الفصل الثاني ص 39 - 43.

ص: 508

الإسلامية؛ لأن الغرب، وشرائح من أتباعه ومقلّديه، لم يعد يؤمن بالغيب، بسبب سيطرة الرؤية المادية على الحياة هناك! بيد أن هذا الرجل الغربي نفسه كثيراً ما يسجد لله رب العالمين، وينطق بالشهادة طَلْقاً بها لسانه، أمارةً على إيمان جديد بالله والغيب، وذلك عندما تطالعه آية قرآنية ناطقة، أوحديث نبوي شريف، في إثبات حقيقة علمية وصل إليها العلم الحديث بعد رحلة طويلة شاقة جُنّدت فيها كل إمكانيات العصر وعلومه المتطورة الضخمة، فإذا ما خرج علماؤه فرحين بسبق علمي حققوه فاجأهم الإسلام بالتصريح بذلك قبل ألف وأربعمائة عام في زمن كانت الوسائل العلمية فيه بدائية جداً، لكن زمن الوحي مع ذلك كان الأسبق إلى هذا السبق العلمي الذي يتفاخر به جهابذة المتخصصين فيه. فهل يسعُ الموضوعي منهم حينئذ إلّا أن يرى فيها دلالة كافية على أن دين الله الإسلام ليس منتجاً بشرياً صاغته أيدٍ متمرسة ثم نسبته إلى السماء وإنما هو خطاب إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما فيه الخير في الحال، والفلاح في المآل، وأنّ يد البشر أعجز وأضعف من أن تصيغ في جزيرة

ص: 509

البداوة، ما يعد فتحاً في عصر العلوم ووسائلها؟

أمام هذه اللوحة المتماسكة تتوارى الشكوك حول الإسلام والوحي والرسالة خلف قاعدة اليقين التي تحكيها إعجازات الكتاب والسنة، بما يفصح بجلاء عن صلاحية دين السماء هذا لكل زمان ومكان.

هذا ما تكرر ويتكرر يومياً (1)، وهوالشيء الذي بالإمكان أن تتضاعف نسبته بشكل ملحوظ فيما لوأحسنّا تقديم ديننا الإسلامي لغيرنا تعريفاً وسلوكاً في عصرٍ يعلم كل مطلع حر أن المسلمين يملكون فيه المادة الأفضل لفكر إنساني خلّاق يقيم حضارة الاستقرار والطمأنينة والرخاء لبني البشر على دعائم قرآنية متوازنة تأخذ بالغيب وتتعامل مع قوانين المادة، تؤمن بالروح ولا تغفل حاجات الجسد. لكنّ الخلل الحقيقي هومن نصيب شرائح واسعة من المسوّقين للدين الإسلامي وشرائعه من الدعاة والشيوخ والعلماء الذين يعانون من جهلٍ واضح بوسائل العرض والنشر والتعريف، ومن تراجع في مضمار الإخلاص لله، واعتماد على توفيقه في وظيفة دينية لا تقوم إلّا بالارتكاز على العون الإلهي للعبد في مهمته.

وفي مقابل هذا فإن الغرب الذي يملك أسوأ منتج في عصرنا على صعيد الحضارة الإنسانية ونظريات تحقيق السعادة والرخاء والأمن لبني الإنسان (2)، حين لم يجرَّ على

(1) على سبيل المثال هناك الآلاف في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يعتنقون الإسلام سنوياً، رغم غفلة كثير من المسلمين عن جوهر الإسلام الحنيف، وجهل شرائح منهم لعظمة هذا الدين. ثم هناك 13 % من مسلمي العالم هم من العرب فقط. هذا يعني أن ثمة إساءة متعمدة للإسلام اليوم تصوّر المسلمين جميعاً من العرب.

(2)

لا أقصد المستوى الصناعي، فهذا لهم فيه موقع الصدارة، لكن حتى الإنجازات الصناعية بمقدار ما حققت للناس ألوان الرفاهية اليومية، بمقدار ما جرَّت على الإنسانية ويلات الهلاك، سواء على صورة حروب مدمرة، أوعلى هيئة فساد بيئي على مستوى البر والبحر والجووالغابات و

ثم إن تمكنهم منها مع فراغ بيئتهم من المرتكزات الحضارية جعل العالم اليوم يقوم على سيد قوي وضعيف مستعبد وبعد أن أُلغي نظام الرق على مستوى العالم بالنسبة للأفراد حضر بقوة على مستوى الأمم والشعوب! .

ص: 510

البشرية إلّا مزيداً من الخراب والدمار والإرهاب والتناقض النفسي والفكري والاجتماعي، وهوما جسدته حروب عالمية قامت بين الغربيين أنفسهم، وحروب صليبية جشعة قامت من قبلهم نحوبلاد الرافدين ومصر والشام، والمغرب، وغيرها من بلاد الإسلام، وما زالت فصولها تتوالى. الشئ الذي يمتاز به الغرب عن مجتمعاتنا الإسلامية هوامتلاكه لمسوّقين متخصصين من الطراز الأول، ذوي خبرة وكفاءة وقدرة على تلميع المنتج، وجذب الآخر إليه، وجَعْله يتبناه حتى ولولم يكن بداية من اهتماماته، وفي طور اللامبالاة.

بئر زمزم من الآيات البيّنات التي لا تزال باقية منذ قرابة خمسة آلاف سنة. ومن يدري فلعلها أقدم من ذلك. وهي اليوم تُفيض أكثر من ستين ألف ليتر في الساعة (1) ويشرب منها عشرات الآلاف في الثانية الواحدة، وأحياناً الملايين وتحمل إلى الموحدين وغيرهم في أنحاء الأرض، ضمن سنة منقولة عن السلف الصالح (2).

(1) نقلاً عن الباحث العلمي الإسلامي زغلول النجار في برنامج بلا حدود في بث قناة الجزيرة الفضائية.

(2)

روى الإمام الترمذي في سننه برقم (963) عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل من ماءزمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله. قال أبوعيسى الترمذي: هذا حديث حسن. وفي رواية للفاكهي في أخبار مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله في الأداوي والقِرَب، وكان يصبّه على المرضى ويسقيهم، لا بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعجل في طلب ماء زمزم من مكة، لئلا ينقطع عنه هذا الماء المبارك فقد روى الأزرقي والفاكهي كل في كتابه في تاريخ مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى سُهَيْل بن عمرو رضي الله عنه: إن جاءك كتابي هذا ليلاً فلا تصبحنّ، وإن جاءك نهاراً فلا تمسينّ حتى تبعث إليَّ بماء زمزم، فملأ له مَزَادَتين، وبعث بهما على بعير"، لذلك نص على استحباب نقله من مكة، وحمله والتزود منه فقهاء المذاهب الإسلامية باستثناء الحنبلية فقد نصوا على عدم كراهة نقله، دون أن يصرّحوا بالاستحباب وعلى هذا سارت سنة السلف الصالح من الحسن إلى الحسين إلى عطاء إلى كعب الأحبار وغيرهم فكلهم حملوه معهم إلى بلادهم. اُنظر فضل ماء زمزم للباحث سائد السمان، في الفصل الثالث ص 225 - 228.

ص: 511

بئر زمزم بالبرهان الحسي المشاهد لا يتبدل مستوى الماء فيه ولا يتغير زيادة أونقصاناً إلّا شيئاً يسيراً بما لا يؤثر في قيمة البحث في ميزان الدراسات العلمية، وقراءة العين تؤيد ذلك (1). فالمحافظة على منسوب ثابت تقريباً يتم رغم ما نعلمه من تدفق الملايين على مكة في وقت واحد غالباً، وبأعداد لا تقل عن مئات الألوف في الأيام التي يضعف فيها القدوم بسبب الحر أوالبرد أوغيرهما، هذا إلى جانب أهل مكة الذين يعدون أكثر من مليون، وفوق ذلك هناك الحركة اليومية من وإلى مكة من كل من جدة والطائف وسائر المحافظات القريبة والبعيدة، ومعظم هؤلاء يقصدون الحرم المكي الشريف، ويصلّون خلف إمامه، ويشربون من ماء زمزم المبرّد اليوم، قبل وبعد الصلاة، بكميات وافرة يدفع إليها ارتفاع حرارة الطقس غالباً في تلك الأرض المباركة. يرافق ذلك سَحْبُ كميات كبيرة من الماء بالمضخات إلى سِجال سعة أحدها عشرين ليتراً في الغالب، تحمل إلى أنحاء الأرض بوسائل مختلفة! فهلا توقفنا عند تلك الظاهرة، وأطلقنا النظر فيها على ضوء المشاهدة المادية هذه، حيث نرى أن كميات المياه المتدفقة في البئر لا تزداد إلى درجة يرتفع فيها منسوب الماء حتى يسيل على وجه الأرض، ولا تتراجع فيحبس الماء في البئر عن الناس، وإنما هي نسب تتدفق بمنسوب ثابت تقريباً، يتفق مع المقدار الذي يضخ من البئر للشرب والحمل إلى أصقاع الأرض، وكأن في جوف الأرض ساعة قياس تسمح بمرور ما يحتاجه البئر من ألتار المياه المفقودة ضمن معادلة المحافظة على منسوب معين.

(1) نفس المرجع لسائد السمان ص 176.

ص: 512

إن هذه المياه ما زالت في البئر المعهود لا تُنْزَفُ (1) ولا تُذَمُّ (2) منذ أن نبع الماء هناك بركضة جناح جبريل عليه السلام (3)، بإذن صاحب الأمر والعزة والحكمة والجبروت جلّ في عليائه.

وتوسعاً مني في تبيان الكلام عن زمزم أنقل لك ما سطره المهندس الأستاذ يحيى كوشك في معرض حديثه عن ضخ مياه زمزم ونزحها بهدف تنظيف البئر عام (1400) هـ وذلك بعد تركيب أربع مضخات قوية جداً، كانت تعمل 24 ساعة متواصلة، وبمعدل (8000) ثمانية آلاف ليتر تضخها في الدقيقة:

"وكان منسوب المياه من الفوهة (3.23) متراً، وكانت القراءة تتم كل نصف دقيقة، حتى وصل منسوب المياه في داخل البئر إلى (12.72) متراً، ثم وصل إلى 13.39 متراً، وفي هذا العمق توقف هبوط الماء في البئر حيث هومكان عيون البئر ولما

(1) أي لا يفنى ماؤها على كثرة الاستقاء. ورواية لا تنزف ولا تذم عن الأزرقي في تاريخ مكة 2/ 44 - 46، والفاكهي 2/ 16 وطبقات ابن سعد 1/ 83، والروض الأنف 1/ 166. اُنظر نفس المرجع الفصل الثاني ص 39، والباب الثاني ص 70.

(2)

هناك أكثر من معنى لقولهم: لا تُذَمّ منها أنها لا تعاب، ولا تُلْقى مذمومة، واعترض عليه بأنه لا يصدق عليها لا "تُذم" بمعنى عدم المدح، لأن ماءها مذموم عند المنافقين، لكن يرد على هذا بأن المنافقين لا عبرة بذمهم؛ لأنهم يذمون الله، ورسوله وكتابه، ذم الكلاب في نباحها للعالي الرفيع من السحاب. ثم إن العبرة هي في الأدلة العلمية وليس بآراء تافهة لجماعات تسيرها رياح الأهواء، وعواصف الأحقاد والشهوات. وقيل (لا تُذَمُّ)

بأنها لا تؤذي، ولا يُخاف لمن أفرط في شربها ما يُخاف من سائر المياه، بل هي بركة على كل حال، فلا تذمّ عاقبة شربها، وهوما ذهب إليه في الروض الأنف. اُنظر نفس المرجع ص 71.

(3)

يقال عن زمزم إنها ركْضة جبريل، وهزمة جبريل، وهمزة جبريل، ووطأة جبريل، وكل ذلك قريب بعضه من بعض؛ لأن أصل الرّكض الضَّربُ بالرِّجل، أوتحرّك الجناح، وهومأخوذ من حديث البخاري الذي سبق ذكره في قصة هاجر وإسماعيل وزمزم حيث ضرب جبريل بجناحه فانفجر الماء. أما قوله هزمة جبريل فلأن الهزمة حَفَرَتْهُ في الأرض كما قلنا حيث يقال: هزمته في الأرض أي حفرته. اُنظر نفس المرجع ص 65.

ص: 513

تم توقيف المضخات، بدأ الماء يرتفع في البئر حتى وصل إلى (3.90) متراً خلال إحدى عشرة دقيقة".

كما قال:

"ولن أنسى ما حييتُ هذا المنظر الرهيب: كانت المياه تتدفق من هذه المصادر بكميات لم يكن يتخيَّلها أحد، وكان صوت المياه وهي تتدفق بقوة يُصِمُّ الآذان"(1).

وعن المصادر غير المباشرة التي تغذي العيون الرئيسية والفرعية التي تغذي بدورها بئر زمزم تبين للعلماء بالبحث العلمي الطويل أن ثمة شقوقاً وخيوطاً شعرية دقيقة تسري فيها المياه كما يسري الدم في العروق، تمضي في مسيرتها آلاف الكيلومترات، لتصب في آخر المطاف في تغذية العيون التي ترفد البئر المبارك. والدليل الذي استند إليه العلماء أنه لدى تحليلهم للماء الذي يمر من خلال تلك الشقوق ثبت أنها تحتوي على ذات الأملاح التي يحتويها ماء زمزم، مما يؤكد أن روافد البئر تمضي ضمن أقنية شعرية، وتلتف في أعماق الأرض لآلاف الكيلومترات (2)، وكأن البئر الزمزمي هوالقلب الذي تضخ إليه الدماء، فيقذف من جديد من الفتحة الخاصة به، فسبحان الله صاحب الخلق والأمر والإبداع الذي جعل مكة المكرمة مركز العالم كله، توزع منها سحائب الرحمة والرضوان، وترتحل من أرضها مياه البركة والشفاء والإطعام، وتختزن أرضها كميات المياه الاحتياطية التي تقدّم الحياة للبشرية كافة، فالحمد لله أولاً وآخراً، والسجود لعظمته في كل حادثة وبارقة.

(1) نفس المرجع ص 176

(2)

عن محاضرة للدكتور الباحث الإسلامي زغلول النجار في برنامج بلا حدود على أثير قناة الجزيرة.

ص: 514

ومياه زمزم كما أثبتت الدراسات غنية بالأملاح التي يحتاجها الإنسان في رحلة الحياة اليومية ومن ذلك أنه غني بمادة الكالسيوم، ذلك أن المياه المعدنية حتى تدخل في عداد المياه الغازية الهاضمة يجب أن تكون نسبة البيكربونات 250 ملغ في المتر المكعب، بينما نسبة البيكربونات في المتر الواحد من ماء زمزم 350 ملغ، أما نسبة المعادن في المياه المعدنية فهي تصل إلى 150 ملغ في المتر المكعب بينما نسبتها في زمزم 2000 ملغ في المترالمكعب الواحد. ولقد أثبتت الدراسات الطبية اليوم أن أمراض القلب التاجية أقل حدوثاً عند من يشربون ماء زمزم. كما تذكر الدراسات أن المياه المعدنية تزيد في معالجة أمراض الروماتيزم والحموضة وترميم العظام فكيف بماء زمزم.

بهذه الثمار العلمية نسلط الضوء بقوة على ما صرحت به الأحاديث الشريفة من أن زمزم ماءٌ مبارك، وأنه طعام طُعم، وشفاء سُقم، وأنه يسنّ التضلع (1) به عند الفراغ من المناسك، وتوديع البيت بالنسبة للحاجّ والمعتمر.

هذا الكلام يعدّ مقدمة لأبحاث أكثر تطوراً، ستثبت لاحقاً مزيداً من الحقائق العلمية التي سيسجد لجلائها وإعجازها عقل الإنسان الحر، في جادة استسلامه

(1) التضلع بماء زمزم معناه أن يكثر منه حتى يبلغ الماء أضلاع الشارب، وأن يمتلئ منه شِبَعاً أورِيّاً. والتضلع من ماء زمزم سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي براءة من النفاق لدلالة فاعله على أنه قام بفعله إيماناً وتصديقاً بما جاء به الشرع الحنيف، لما نعلمه من أن ماء زمزم ليس عذباً حلواً بل هو مائل إلى الملوحة، ومن طبيعة الإنسان أنه يميل إلى الماء الحلو العذب الزلال، لذلك لايندفع الإنسان إلى الإكثار من زمزم حتى تمتلئ منه ضلوعه إلّا بباعث الإيمان. روى ابن ماجة في سننه برقم (3061) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم. قال محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقاته على سنن ابن ماجة: في الزوائد: هذا إسناد صحيح، رجاله موثقون.

ص: 515

لسلطان الله رب العالمين (1).

(1) إن كل ما يتعلق بالحرم ومكة والبئر والحجر والمقام وما شابه هذا من أبحاث ما يزال يحبوحبواً، لم تنتصب قامته بعد في انتظار فتح علمي قادم ستدخل به البشرية منعطفاً عظيماً، وحينئذ سيدخل الآلاف في دين الله أفواجاً بإذن صاحب الخلق والأمر والإعجاز.

مكة مثلاً يمر بها خط طول هووحده الذي لا يتأثر بالذبذبات المغناطيسية من بين سائر خطوط الطول المنتشرة في خرائط الدنيا، وهوما يؤكد لنا أن خط غرينتش الذي يحمل الرقم (0) في تعداد خطوط الطول، والذي تنتشر سائر تلك الخطوط عن يمينه وشماله هوفي الموضع الخطأ؛ لأن خط غرينتش يجب في ميزان البحث العلمي الحديث واستنتاجاته القطعية أن ينتقل إلى خط الطول الذي يمر بالكعبة المشرفة، في دعوة ملحة من كل منصف متحرر لصياغة جديدة لخرائط العالم العسكرية والمدنية على ضوء هذا المعطى الذي نقدم اقتراحاتنا بشأنه بسلاح العلم، وليس بسلاح الغطرسة الذي استخدمته بريطانية يوم كانت عظمى في وضع الخط المار بقرية غرينتش قرب لندن محوراً للخرائط المرسومة.

هذا الإنجاز العلمي الكبير يجعلنا نحلق في آفاق جديدة لقوله تعالى: {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92]، وفي إشارة واضحة إلى أن مكة المكرمة هي أم مدن الدنيا كلها؛ لأن خطوط الطول الحقيقية إنما تنتشر عن يمين وشمال خط البيت العتيق؛ ولأن القرى إذا أطلقت في القرآن الكريم إنما تعني المدن كما أن هذا المعنى يردّ من هذا الوجه على المستشرقين في نبذ عقيدة إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة! الأمر الآخر هو أركان الكعبة حيث هي في الاتجاهات الأصلية للجهات، فالركن الأسود في الشرق بالضبط بالرغم من أن مكان شروق الشمس يختلف من يوم ليوم، ولكن لحظة الشروق الأولى دائماً هي على الركن الأسود. أما الركن الشامي فهو في الشمال تماماً وهكذا

أقول هذه الدقة في بناء أركان البيت مع ملاحظة أن الكعبة بنيت قبل آلاف السنين وبأساليب بدائية، فهذا إعجاز علمي آخر. أيضاً المدينة المنورة هي على ذات خط الطول الذي يمر بمكة المكرمة وهوالخط الذي ينتهي إلى بعض الجزر في الجهة المقابلة من الكرة الأرضية.

أيضاً بالنسبة لمكة المكرمة فإنها ضمن قانون حماية طبيعي أقامته القدرة الإلهية من أخطار الزلازل والبراكين التي تهددها بسبب انفتاح البحر الأحمر، وبيان ذلك أن درجة الحرارة الأرضية تحت الحجاز هي أعلى درجة حرارة في الأرض كلها مع ملاحظة أن سماكة القشرة الأرضية تحت تلك الأرض عادية، تصل إلى أربعين كيلومتراً، مع ذلك فإن درجة الحرارة عالية مما يجعل الصخر هناك يتصف بالليونة التي تسهل امتصاص الصدمات إضافة إلى هذا نجد حرم مكة على مقربة من البحر الأحمر حيث يقوم ماؤه بامتصاص الصدمات بسهولة، لذلك فإن معظم الزلازل والبراكين التي تجري اليوم لايشعر بها أحد؛ لأنها تحدث تحت سطح البحر، حيث يقوم ماء البحر بامتصاصها.

وهذا فيما يبدو لي من الآيات البينات التي تبعد احتمال حدوث زلزال أوبركان في مكة المكرمة، وإن كنا علمياً لا نستطيع أن نجزم بنفي ذلك عن أي بقعة في الأرض، مع تكرار قولنا بأن مكة تمتاز عن غيرها بنظام حماية إلهي. [باختصار وتصرف عن البحث السابق لزغلول النجار عن قناة الجزيرة].

ص: 516

ومع طي صفحة هذا الفصل في ماء زمزم لا يسعني إلّا أن أقف على آداب الشرب لهذا الماء المبارك، وما يترتبط بالمسألة من أبرز الأحكام:

أولى هذه الآداب يقدمها لنا حديث رواه ابن ماجة في سننه عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت عند ابن عباس جالساً، فجاءه رجل، قال من أين جئتَ؟ قال: من زمزم. قال: فشربتَ منها كما ينبغي؟ قال: وكيف؟ قال: إذا شربتَ منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله، وتنفسْ ثلاثاً (1)، وتضلّعْ منها (2)، فإذا فرغت فاحمد الله عز وجل، فإن رسول الله قال:"إن آية ما بيننا وبين المنافقين، أنهم لا يتضلعون من زمزم"(3).

ويسن عند الشافعية أن يشرب ماء زمزم قاعداً (4). قال العلامة ابن حجر الهيتمي:

(1) أي اشرب على ثلاثة أنفاس.

(2)

التضلع سبق تعريفه، وقد نص على استحبابه فقهاء المذاهب الأربعة.

(3)

سنن الإمام ابن ماجة القزويني برقم (3061) والحديث برتبة الحسن، وإسناده صحيح، ورجاله موثوقون.

(4)

هذا مذهب فريق من الحنفية أيضاً بينما نص المالكية والحنبلية على جواز شربه قائماً. ويبدوأنّ من أجاز أوذهب إلى سنة شرب زمزم قائماً استدل بما في صحيح مسلم برقم (2027/ 117) عن ابن عباس قال: "أسقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم، فشرب وهوقائم.". ومن كره شرب ماء زمزم قائماً فللأحاديث الصحيحة منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً. رقمه (2025/ 114). قال النووي وفي رواية: نهى عن الشرب قائماً. قال قتادة: فالأكل؟ قال: "أشرُّ أو أخبثُ" ثم قال النووي في جملة هذه الأحاديث: والصواب فيها أن النهي فيها محمولٌ على كراهة التنزيه، وأما شربه صلى الله عليه وسلم قائماً فبيان للجواز، فلا إشكال ولا تعارض ثم قال: فإن قيل: كيف يكون الشرب قائماً مكروهاً وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا كان بياناً للجواز لا يكون مكروهاً، بل البيان واجب عليه صلى الله عليه وسلم.اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ص 13 وص 169. وانظر فضل ماء زمزم للباحث سائد السمان ص 197.

ص: 517

وإنه يشرب منها جالساً ولا يعارضه شربه منها قائماً؛ لأنه كان لازدحام الناس (1).

كما يسن أن يصب من ماء زمزم على رأسه. قال العلامة ابن حجر: "ويسن أن يصب على رأسه منها، ويغسل وجهه وصدره، قاله الماوردي"(2).

دليل ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من أنه صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أطواف، من الحجر إلى الحجر وصلى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم، فشرب منها، وصب على رأسه، ثم رجع فاستلم الركنَ، ثم رجع إلى الصفا، فقال: أبدأ بما بدأ الله به (3). قال في الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد: إسناده صحيح على شرط مسلم.

ومن السنة استحباب الوضوء بماء زمزم. نقل العلامة الزركشي عن الإمام أحمد حديثاً في هذا فقال: وقد روى هوفي مسنده عن علي في حديث له: ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بسَجل (4) من ماء زمزم، فشرب منه، وتوضأ (5).

هذا وقد نقل الباحث سائد السمان عن المذاهب الأربعة في حكم الوضوء بزمزم التردد بين الجواز والاستحباب، وذلك في الكلام التالي:

"وقد نص على استحباب الوضوء من زمزم المالكية، وابن الزاغوني من الحنابلة،

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 442.

(2)

نفس المرجع والصفحة.

(3)

مسند الإمام أحمد برقم (15243).

(4)

السجل: الدلوالممتلئ.

(5)

إعلام الساجد بأحكام المساجد للعلامة محمد بن عبد الله الزركشي ص 135. كما قال الباحث سائد السمان في كتابه فضل ماء زمزم بعد أن ساق الخبر: رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند 1/ 76 واللفظ له، وإسناده صحيح كما قال الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند 2/ 19.

ص: 518

ونص الحنفية الشافعية والحنابلة على جواز الوضوء به، حيث قالوا بعدم كراهة الوضوء بماء زمزم" (1).

"أما الاغتسال بماء زمزم فالأئمة الأربعة على جواز الاغتسال به إزالةً للحدث (2). لكن كره بعض المتأخرين ذلك في صورة التفريق عندهم بين الوضوء والغسل، حيث رأوا الاغتسال يجري مجرى إزالة النجاسة من وجه، لذلك عم البدن كله لما صار جنباً. كما أن حدث الجنابة أكبر وأغلظ من حدث الوضوء"(3).

"كما استدلوا بالرواية التي أوردها الأزرقي في تاريخ مكة، عن العباس بن عبد المطلب حين حجر زمزم عن المغتسل بقوله: لا أحلها لمغتسل، وهي لمتوضئ وشارب حل وبل (4) "(5).

وأما إزالة النجاسة بماء زمزم فهي خلاف الأولى، لعدم ورود نص في التحريم، وربما خروجاً من خلاف العلماء الذين قالوا بالكراهة، أو أوْلئك الذين ذهبوا إلى التحريم. وقد نص إمامنا النووي على أن غيره أولى بالاستنجاء منه كما سيأتي.

قال العلامة الزركشي: وأما الاستنجاء به فحرام صرح به الماوردي في باب

(1) نفس الرجع لسائد السمان ص 214 - 215

(2)

نفس المرجع السابق ص 219

(3)

إعلام الساجد

للزركشي ص 135 - 136

(4)

حل أي حلال. أما البل فهوالمباح، وقيل شفاء من قولهم: بلَّ الرجل وأبلّ إذاً بَرَأ.

(5)

هذه الرواية قال عنها إمامنا النووي رحمه الله في كتابه المجموع ص 1 ص 92: لم يصح ما ذكره عن عن العباس بل حكيَ، عن أبيه عبد المطلب. اُنظر كتاب: فضل ماء زمزم للباحث سائد السمان ص 220. أقول: كلام ابن عباس - إن صح - لا يفهم منه بالضرورة كراهة الاغتسال بماء زمزم رفعاً للجنابة؛ ولأنه لانجاسة فيها، ولأن النجاسة ليست إزالتها محل اتفاق على التحريم، فالأكثر بين الكراهة وخلاف الأولى - كما سيأتي -؛ ولأن الرواية تتحدث عن رجل نزع ثيابه واغتسل عرياناً فقال في حقه ما ذكر، ولأن النهي قد يقع على هذا الصورة بالذات أي انغماسه بماء البئر، أوتقع على عُريه، والحديث إذا تطرق إليه الاحتمال، بطل به الاستدلال؛ ولأن الحديث لم يثبت عن العباس، بل هو محكي عن أبيه، كما مرَّ.

ص: 519

الاستطابة من الحاوي فقال: ولماء زمزم حرمة تمنع من الاستنجاء به انتهى (1). وكذلك من استعماله إلّا فيما وردت فيه الرخصة، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم توضأ به، وأمر أن تبرد به الحمى فلا يتعدّى به ما ورد. قال: لكن إن استنجى به أجزأ بالإجماع. وجزم المحب الطبري أيضاً بتحريم إزالة النجاسة به وقال: إن بعض الناس استنجى به فحدث به البواسير. وقال الروياني: تكره إزالة النجاسة به لحرمته. وقال العجلي: الأولى أن لا يتطهر به لكرامته، وفي شرح المهذب المسمى بالاستقصاء عن الصيمري: إن غيره من الماء أولى منه" (2).

وفي ختام البحث قال الإمام الزركشي: وقضية إطلاق الجمهور أنه كغيره (3)

ومن أحكام ماء زمزم جواز إخراجه وغيره من مياه الحرم، ونقله إلى جميع البلدان، بدليل أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تحمل ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله (4).

كما صرح الإمام النووي في شرح المهذب بقوله: ويستحب نقله للتبرك (5).

ومن المسائل الهامة أن ما يجري من بعض المسافرين حين ينفد الماء من بين أيديهم بينما زمزم في حوزتهم، فيعرضون عنه حفاظاً على نقله إلى بلدانهم، فيتيممون ولا

(1) اختلف الفقهاء في هذه الحرمة فبعضهم تأول بأن ماء زمزم من أنهار الجنة، وهو مردود لعدم ثبوته. قال العلامة الزركشي:"ولا قائل به". وقيل: لكونه نابعاً من منبع شريف أورده الزركشي أيضاً بأنه لو سُلّم به للزم القول بكراهية الاغتسال بماء عين حلوان في القدس، وسائر مياه الحرم، ولا قائل بذلك. إن الشيء الذي قال علامتنا الزركشي إنه يمكن أن يحتج به من قال بالتحريم أن ماء زمزم طعام بنص رواية مسلم عن أبي ذر، والطعام حرام، فيلتحق ماء زمزم بالمطعومات لما ذكر، وبهذا نعلل مأخذ الماوردي على من لم يقل بحرمة الاستنجاء خلافه. اُنظر "إعلام الساجد باحكام المساجد" للزركشي ص 136 - 137.

(2)

نفس المرجع ص 136.

(3)

نفس المرجع والصفحة.

(4)

أخرجه الإمام أبوعيسى محمد بن عيسى بن سُورة الترمذي في سننه برقم الحديث (963) وقال: هذا حديث حسن. كما نقل ذلك العلامة الزركشي وأضاف قوله: والحاكم وقال: صحيح الإسناد. اُنظر إعلام الساجد ص 137.

(5)

نفس المرجع والصفحة للعلامة الزركشي.

ص: 520

يتوضؤون به، فهذا حرام لا يصح؛ لأن زمزم يجب المصير إليه للشرب دفعاً للعطش إن تعين، ولا عبرة بالعادات الاجتماعية ولا بفضل ماء زمزم في إباحة التيمم مع وجوده.

ومن أحكامه جواز بيعه، أوإهدائه لغيره بعد حيازته من بئر زمزم.

ص: 521