الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حجّةِ الوداع
نصُّ حجّةِ الوداع كما رواها الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه
قال الإمام مسلم في صحيحه: "حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن حاتِمٍ قال أبو بكر: حدثنا حاتِمُ بنُ إسماعيل المدنيُّ عن
جعفرِ بن محمدٍ عن أبيه قال:
دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ: فقلتُ:
…
":
من أبرز ما يميز عصر السلف الصالح حرصهم على طلب العلم والتثبت منه، وهو ما يظهر جلياً من اللوحة التي يرسمها لنا هذا النص المثبت في صحيح الإمام مسلم عليه رحماتُ الله، في حكايته لنا عن طائفة دخلت على مجلس جابر بن عبد الله الصحابي الجليل الذي شهد حجة الوداع مع من شهدها من الصحب الكرام، وها هو يقصده الناس من كل صوب لمعرفة كل تفصيلاتها، والاستفسار عن أحداثها ومواقعها وأزمنة أدائها وما إلى ذلك من دقائق.
إنَّ العلم هو أول محطة في طريق الوصول إلى الله؛ لأنّ الذي لا يملك خريطة عن إحداثيات الخط الذي يسير فيه إلى هدفه، يخطئ القصد، ويضل السبيل، فيقع في المحظور بسبب جهله وهو لا يدري.
هذا هو الدرس الأول الذي نستفيده من هذا الحديث الجليل، وهذه هي الوصية الأُولى التي أتوجّه بها إلى كلّ من يَقصدُ الحج إلى بيت الله الحرام، فكم من مسلمٍ يستعدُّ
لهذه الفريضة من خلال البحث فقط عن الأوراق الرسمية! والسؤال عن وسيلة النقل! وموقع السكن! ونوعية الخدمات! في الوقت الذي ينشغل فيه تماماً عن تلقي الدروس العلمية في محيط هذه الفريضة، ويقصر في الاستفسار عن توثقه من علم وورع أمير القافلة التي هي محلّ اختيار هذا المسلم الغافل! ثم إذا أحسن الاختيار فإنه يُقدِّم الأعذار الواهية والمتتالية ليتخلف عن الدروس التمهيدية بين يدي هذه الفريضة! وكم يؤلمني عندما يصادفني أمثال هذا من المخلَّفين عن أهم حلْقة في هذه الرحلة العظيمة، وكم يزدادُ غضبي عندما يتقدم إليّ أحدهم بطلب تقرير عن كافة أفكار اللقاءات المتكررة معتذراً عن متابعة الدروس التحضيرية بنفسه! ! .
الحج إلى بيت الله الحرام ركنٌ أساسٌ في البناء الإسلامي الشاهق، يؤديه المسلم في زمانٍ مخصوص، ومكانٍ مخصوص، وعلى وجهٍ مخصوص، ضمن خطوطٍ محكمة تتفرع عنها جداول ثابتة تلتقي معها على تجسيد هذه الفريضة في كل عام، فهل يمكن الدخول في خضم هذا الركن القائم على الخصوصية في زمانه ومكانه وأدائه دون إدراك ما يقوم عليه الحج من أركان وواجبات وآداب؟
هذا هو المعنى الذي ترسخ في أذهان ووجدان سلفنا الصالح في حين غفلت عنه أُمتنا اليوم، ولو لم يكن ذلك صحيحاً لما قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم"(1)، ولما أجهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفسهم في البحث عمّن شهد الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما تكلفوا مشقة السؤال عن طريقة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لفريضة الركن الخامس، بل لو لم يكن ذلك كذلك لما انكبَّ العلماء على هذا الحديث - الذي تفرد
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (9608) وتتمته: "لعلّي لا أراكُمْ بعد عامي هذا".
مسلم بروايته دون البخاري - قراءة وبحثاً واجتهاداً وتأليفاً، حتى صنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءاً كبيراً خرج منه بمائة ونيف وخمسين نوعاً من الأحكام الفقهية، ناهيك عن تصنيف النووي في شرحه على صحيح مسلم، ومصنفات أخرى في هذه الفريضة على مذاهب الأئمة الأجلاّء بين مختصر وموسع ومتوسّع تعد بالآلاف (1).
وبهذه المناسبة فإنني أستحضر من تاريخنا المعاصر صورة توضيحية عن رجل اشتهر بالعلم والعمل والإخلاص، ذلكم هو العلامة مُلاّ رمضان البوطي الفقيه الشافعي، الذي لم يحجزه علمه عن الاستعداد للحج بطلب أحكامه من مصادرها الموثوقة قبل الرحلة إليه بأربعة أشهر! فما قولك فيمن لا علم له بشيء من أحكام هذه الفريضة الجماعية ثم يعتذر بسبب دنياه؟ ! .
قال الإمام النووي في كتابه "الإيضاح في مناسك الحج": "يجب عليه إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته، وهذا فرض عين، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها، ويستحب أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في المناسك جامعاً لمقاصدها وأن يديم مطالعته ويكرِّرها في جميع طريقه لتصير محقَّقَة عنده، ومَن أخلَّ بهذا خِفْنَا عليه أن يرجع بغير حجٍّ لإخلاله بشرط من شروطه أو ركن من أركانه أو نحو ذلك، وربّما قلّد كثير من الناس
(1) كما أنه ينبغي على الحاج قبل الخروج للحج أن يحرر نية الإخلاص لوجه ربه الكريم، فلا يدّعي أنه ذاهبٌ إلى تطهير قلبه من الدنيا ثم تكون دنياه هي الباعث الحثيث له لتلك الرحلة الطاهرة، ومن الأمثلة الناصعة في تاريخ هذه الأمة ومن رحم سلفها الصالح نقف عند أحد التابعين الصالحين: إنه عبد الله بن المبارك الذي قالوا فيه إنه كان إذا خرج إلى مكة حاجاً أو معتمراً قال:
بغض الحياة وخوف الله أخرحني
…
وبيع نفسي بما ليست له ثمناً
إني وزنت الذي يبقى ليعد له
…
ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
بعض عوامِّ مكة وتوهّم أنهم يعرفون المناسك فاغترّ بهم وذلك خطأ فاحش" (1).
ثم قال في الفقرة التالية كلاماً يدخل في هذا السياق وإن كان مقصوده شيئاً آخر:
"ينبغي أن يطلب له رفيقاً موافقاً راغباً في الخير كارهاً للشرِّ إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإنْ تيسَّر مع هذا كونه من العلماء العاملين فليتمسكْ به فإنه يعينه على مبارِّ الحج ومكارم الأخلاق
…
" (2).
* * *
(1)"الإيضاح في مناسك الحج" للإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي الباب الأول في آداب سفره وفيه مسائل، المسألة العاشرة.
(2)
نفس المرجع والباب، المسألة الحادية عشرة.