المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌النفرة إلى مزدلفة

‌النفرة إلى مزدلفة

قال جابر رضي الله عنه: "وأرْدَفَ أسامةَ خلفه، (1) ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، (2) وقد شنق للقَصْوَاء الزمام، حتى إنّ رأسها ليصيب مَوْرِكَ رَحْلهِ، (3) ويقول بيده اليمنى: "أيها النَّاس، السَّكينةَ السَّكينةَ، (4) كلما أتى حَبْلاً من الحبال (5) أرخى لها قليلاً حتى تصعد، (6)

حتى أتى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، (7) ثم

(1) هو أسامة بن زيد وفي هذه الفقرة قال الإمام النووي: "فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث". اُنظر النووي على شرح مسلم ج 8 ص 342.

(2)

أي إلى مزدلفة.

(3)

قال الإمام النووي: "معنى شنق ضم وضيَّق وهو بتخفيف النون، ومَوْرِكُ الرَّحْلِ قال الجوهري قال أبو عبيد: المورك والموركة يعني بفتح الميم وكسر الراء هو الموضعِ الذي يُثْني الراكبُ رِجْله عليه قُدَّام واسطة الرَّحْلِ إذا ملَّ من الركوب. وضبطه القاضي بفتح الراء قال: "وهو قطعة أَدم يتورك عليها الراكب تُجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة، وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة". اُنظر النووي على شرح مسلم ج 8 ص 342. أقول: وفي القاموس المحيط: الأديم الجلد أو أحمره أو مدبوغه، والأَدَم اسم للجمع.

(4)

ذكر ذلك النووي مرتين منصوباً أي الزموا السكينة وهي الرفق والطمأنينة.

(5)

قال الإمام النووي: "الحبال هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضخم". اُنظر النووي على شرح مسلم ج 8 ص 342.

(6)

قال الإمام النووي: "وقوله حتى تصعد هو بفتح الياء المثناة فوق وضمّها يقال صعّد في الحبل وأصعد، ومنه قوله تعالى:{إِذْ تُصْعِدُونَ} [آل عمران: 153] نفس المرجع والجزء ص 343 ..

(7)

قال الإمام النووي: "فمعناه لم يصلّ بينهما نافلة والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح ففيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين ولا خلاف في هذا لكن اختلفوا هل هو شرط أم لا؟ والصحيح عندنا أنه ليس بشرط بل هو سنة مستحبة. وقال بعض أصحابنا: هو شرط أما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف". اُنظر نفس المرجع والجزء ص 344.

ص: 361

اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء (1) حتى أتى المشعر الحرام، (2) فاستقبل القبلة فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزلْ واقفاً حتى أسفر جداً، (3) فدفع قبل أن تطلع الشمس":

بعد موقف طويل رائع تمتزج فيه دموع الحب والخشية والتوبة، وتصدح معها حناجر الداعين المتضرعين سائلين المولى عفواً شاملاً، وفلاحاً كاملاً عاقدين العزم على عهد جديد مع الله في علاقة تقوم على معنى العبودية والتذلل بين يديه وصدق الالتجاء إليه، وتحرير البواعث والعواطف من رق مَنْ سواه.

بعد طول قرع للأبواب، وكثير مناجاة وسؤال، وحسن طلب إلحاح يؤذن لحجاج بيت الله الحرام بالدخول إلى أرض الحرم بعد أن جمعوا دون استثناء على أبوابه واقفين في مغتسل الأمة الأعظم مغتسل عرفات الكبير وقد تطهروا فيه من رجس الخطايا والذنوب، ورانِ الغفلة والتقصير والعيوب، حيث نظفوا قلوبهم فيه للدخول على علام الغيوب في بيت العقيدة والتوحيد من بوابة الخير مزدلفة، التي أجمع الفقهاء على أنها كلها من الحرم، (4) وهو ما تفسره هيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة دخوله على مزدلفة بما يتناسب مع جلال المكان، وبما يليق بتقديره لقدسيته فَشَنْقُ زمام الناقة بشدِّ رأسها إليه حتى انخفض

(1) قال الإمام النووي: "ففيه أن السنة الركوب وأنه أفضل من المشي".

(2)

قال الإمام النووي: "وأما المشعر الحرام فبفتح الميم هذا هو الصحيح وبه جاء القرآن وتظاهرت به روايات الحديث ويقال أيضا بكسر الميم والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة وهو جبل معروف في المزدلفة وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح. وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع مزدلفة".

(3)

قال الإمام النووي: "وقوله أسفر جداً الضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولاً وقوله جداً بكسر الجيم أي إسفاراً بليغاً". نفس المرجع والجزء ص 345.

(4)

الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص 96. وصحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 343.

ص: 362

وكاد يصيب الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه إذا ملّ الركوب، وأدّى إلى تباطئ حركتها ودفعها للسير بسكينة وهدوء دون جلبة كل ذلك صورة تحكي ما أقول ترفدها النصيحة التي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها أصحابه وهم ينفرون من عرفات يشير بيده اليمنى ويقول:"أيها النَّاس السكينةَ السكينةَ"، وكأنه بهذا الوقار العظيم يشكر ربه أن أذن لرواد موقف عرفات بالدخول إلى حرمه الآمن من بوابة القبول والأنبياء بوابة المشعر الحرام.

ولم لا يقصد الحجاج مزدلفة على هذه الهيئة وهي التي سميت باسمها أخذاً من الزلفةِ بمعنى القربةِ وهو التقرب؛ لأن الحجاج يتقربون فيها إلى الله تعالى بالدعاء (1)

على غرار دعاء عرفات لكن تضرّعهم في صعيد عرفة نهاراً أما تضرعهم في صعيد مزدلفة فيقع ليلاً، فكأنهما موقفان يتقاسمان بركة الليل والنهار كل له من ذلك نصيب، يدل على هذا ما رواه الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة: إن الله يَطَوَّل عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلّا التبعات فيما بينكم، ووهب ميتكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، فادفعوا باسم الله، فلما كان بجمع قال: إن الله قد غفر لصالحيكم، وشفع صالحيكم في طالحيكم تنزل الرحمة فتعمهم، ثم تفرق المغفرة في الأرض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده، وإبليسُ وجنوده على جبل عرفات

(1) قال الإمام ابن حجر العسقلاني: "وقيل: وصفت بفعل أهلها؛ لأنهم يجتمعون ويزدلفون إلى الله أي يتقربون إ ليه بالوقوف فيها". اُنظر فتح الباري ج 8 ص 661.

أو هي من التزلف والازدلاف وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتقربوا منها وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات منه، وتسمى جمعاً بفتح الجيم وإسكان الميم سميت بذلك لاجتماع الناس فيها أو لجمع صلاتي المغرب والعشاء فوق جنبات أرضها. اُنظر الحج والعمرة للدكتور عتر نفس الصفحة وصحيح مسلم بشرح النووي نفس الجزء والصفحة.

ص: 363

ينظرون ما يفعل الله بهم، فإذا نزلت المغفرة دعا هو وجنوده بالويل يقول:"كنت أستفزهم حقباً من الدهر ثم جاءت المغفرة فغشيتهم فيتفرقون وهم يدعون بالويل والثبور"(1). ولما رواه أبو يعلى عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تطوّل على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة يقول: ياملائكتي انظروا إلى عبادي شُعثاً غُبراً، أقبلوا يضربون إليّ من كل فج عميق، فأُشهدكم أني قد أجبتُ دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبتُ مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم، فإذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله، فيقول: ياملائكتي: عبادي وقفوا فعادوا في الرغبة والطلب فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني، وكفلتُ عنهم التبعات التي بينهم"(2).

فمزدلفة جميعاً موقف (3) لضيوف الرحمن يحطون عندها رحالهم، ويؤدون فيها صلاتهم، تلهج فيها بالدُّعاء والابتهال ألسنتهم، وترقص من الفرحة قلوبهم، فهاهم يوفقون إلى موقف التذلل والنور والرجاء في مزدلفة كما وفقوا من قبل في عرفة، وها هي أبواب الحرم المكي تفتح لهم على مصراعيها فيدخلون ويبيتون ويتخذون من المشعر الحرام محطة نسك، ونقطة استعداد للوصول إلى قلب مكة المكرمة لتتويج تلك الفريضة بطواف الزيارة حول الكعبة المشرفة في اختتام ممسَّك لأركان هذه الفريضة التي بدأت من أرض

(1) قال صاحب مجمع الزوائد ج 3 ص 256 - 257. رواه الطبراني في الكبير وفيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح.

(2)

قال صاحب مجمع الزوائد ج 3 ص 257. رواه أبو يعلى وفيه صالح المري وهو ضعيف.

(3)

روى الإمام أحمد في مسنده برقم (562) في الحديث الطويل: "هذا الموقف. عرفة كلها موقف

" ثم قال صلى الله عليه وسلم: "هذا الموقف، وجمع كلها موقف

" ثم قال صلى الله عليه وسلم: "هذا المنحر، ومنى كلها منحر

". قال في الموسوعة الحديثية في دراسته لهذا الحديث: إسناده حسن وفي رواية أخرى عند أحمد رقمها (564): هذا الموقف وكل مزدلفة موقف".

ص: 364

الحل عرفات وانتهت إلى جوهرة الحرم المكي المسجد الحرام الذي تزهو في وسطه بإجلال وإكبار كعبة الطهر والشموخ والرحمة والخلود.

تلك مزدلفة بوابة مكة في بقعة من الأرض تقع بين نهاية عرفات من جهة الحرم وبين وادي مُحَسِّر الذي يفصل بينها وبين منى، وهو ما يعني أن مزدلفة لا تتصل بكل من عرفة ومنى مباشرة وإنما يفصلها عن كل منهما فرسخ (1). ولقد عرف الإمام النووي حدها بقوله: "وحد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة المذكورين (2) وقرب محسر يميناً وشمالاً من تلك المواطن القوابل والظواهر والشعاب والجبال فكلها من مزدلفة وليس المأزمان ولا وادي محسّر (3) من مزدلفة (4).

ومن الأدلة على ذلك ما رواه أحمد في مسنده بلفظ: "كل عرفات موقف وارفعوا عن بطن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسّر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح"(5).

(1) اُنظرما قاله العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على نور الإيضاح للنووي ص 334. وما جاء في كتاب الحج والعمرة للدكتور نور الدين عتر ص 96. هذا وقد قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ج 5 ص 86. عن محسّر: "وليس هو من مزدلفة ولا من منى بل هو مسيل بينهما وقيل: إنه من منى".

(2)

المأزم كمنزل يطلق على الأرض وفي القاموس المحيط: "المأزمات مضيق بين جمع وعرفة، وآخر بين مكة ومنى ".

(3)

وادي محسّر واد بين مزدلفة ومنى وبالضبط بين المشعر الحرام (جبل قزح) ومنى بقدر رمية الحجر بالمقلاع من قوي وهو ليس من مزدلفة وقد سمي بطن محسر بهذا الاسم؛ لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا وكَلَّ عن المسير. اُنظر نفس المرجع لابن حجر ص 335 ونفس المرجع ص 38. والفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي حـ 8 ص 2155. وصحيح مسلم بشرح النووي ج 3 ص 343.

(4)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 334.

(5)

مسند الإمام أحمد برقم (16751) وقد قال في الموسوعة الحديثيةعلى مسند أحمد: "حديث صحيح لغيره وهذا إسناد ضعيف". أقول وقد وجدت في صحيح ابن خزيمة شاهد له رقمه (2816) كما وجدت عند ابن ماجة رواية من طريق جابر رقمها (3012) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ما وراء العقبة".

ص: 365

لهذا ينبغي على الحاج إذا كان حريصاً على أداء مناسكه على أتم وجهٍ موافقٍ للسنة أن ينتبه في موقفه الجديد وهو مقبل من عرفات صوب مزدلفة فيراعي هذه الحدود والتي تعرف اليوم بشاخصات كبيرة عن يمين وشمال الطريق كتب عليها أولاً: نهاية عرفات ثم بعد مسافة قصيرة تظهر شاخصة أخرى كتب عليها بداية مزدلفة.

ومما يؤسف له ما شاهدته مراراً من آلاف الحجاج الذين يبيتون في المنطقة الفاصلة بين عرفات ومزدلفة التي لا تنتمي إلى هذا الموقف ولا إلى ذاك، ويجلسون هناك، ويظنون أنهم على شيء، ومما يزيد الطين بِلّهَ ما عاينته بنفسي من تقصير متعمد من رجال يسمون أنفسهم شيوخاً يشيرون إلى سائقي حافلاتهم للتوقف هناك في المكان الذي لا يتحقق فيه المبيت لصلاة المغرب والعشاء قبل أمتار من الشاخصة المكتوب عليها: بداية مزدلفة وهم يعلمون! ولكنهم مستهترون يغريهم بذلك أنهم وجدوا موقفاً لا ازدحام فيه على مقربة من ماء الشرب والوضوء يليق بمقامهم الكريم وذواتهم التي ملئت غروراً.

وكما يقع بعض حجاج بيت الله الحرام ضحية الجهل والاستهتار في وجه الطريق إلى مزدلفة كذلك يقع آخرون في شباكهما في أقصى مزدلفة بالنسبة لمن يجدّ السير بعد بلوغه أرض الموقف الجديد سعياً منه للوقوف في مقدمة قافلة الحجيج فيخلّف وراءه كل ما سبقه من ضيوف الرحمن ولا يرنو بصره إلّا إلى شيء واحد هو أن يصل إلى رأس الركب عند آخر المزدلفة وهو رأي صائب لمن كان فقيهاً ورعاً أما إن كان يجهل أن الموقف له حدود لا يصح تجاوزها فما يلبث أن يجد نفسه خارج أرض مزدلفة خلف الشاخصة المكتوب عليها نهاية مزدلفة وقبل انتصاف ليلة النحر فإذا به ينفر من حيث حط رحاله هناك صوب منى دون أن يحقق المبيت في مزدلفة في الزمن المجزئ على نحو ما سأبينه لك من أقوال العلماء بعون الله تعالى.

ص: 366

والخلاصة أن موقف جمع تماماً كموقف عرفة له ما يخصه من الزمان والمكان المجزئ، وما يحيط به من الأحكام والمناسك والآداب التي أستطيع تلخيصها بالفقرات التالية:

الفقرة الأولى:

هيئة الدفع إلى مزدلفة:

من السنة المطهرة أن يغلب على هيئة الحجاج لدى نفرتهم من عرفات إلى مزدلفة سمة السكينة والوقار، وأن يكون سيرهم بين الإبطاء والإسراع على نحوٍ فيه رفق بأنفسهم وبمن حولهم وبالحافلات التي يمتطون مقاعدها.

هذه السنة أوردها أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل"(1).

وفي رواية عند البيهقي: "أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار فإن البر ليس بإيضاع الإبل"(2).

وفي رواية عند البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دفع مع النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجراً شديداً وضرباً وصَوْتاً للإبل فأشار بسَوْطه إليهم وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع"(3).

(1) أبو داود في سننه برقم (1920). وفي القاموس أوجف دابته يوجفها إيجافاً إذا حثها على سرعة السير.

(2)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9569) ومن تمام الحديث قول أسامة بن زيد: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وأنا رديفه فجعل يكبح راحلته حتى إن ذِفْرَيْها لتكاد تصيب قادمة الرحل وهو يقول:

"، ثم ساق الحديث وفي القاموس ذِفْرَي البعير أصل أذنه، وقادمة الرحل هي الخشبة التي في مقدمة كُوْر البعير، وقد سبق بيان ذلك.

(3)

البخاري باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة عند الإفاضة وإشارته إليهم بالسوط برقم (1671) أقول: الزَّجر هو الصياح لحث الإبل، أما السير كما قال الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري فالمراد به السير بالرفق وعدم المزاحمة وأما الإيضاع فهو الإسراع كما قال البخاري ومنه قوله تعالى {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} [التوبة: 47] أي لأسرعوا بينكم، قال الإمام العسقلاني:"وخص الراكب؛ لأنه أسرع من الماشي". اُنظر فتح الباري ج 3 ص 659 - 660.

ص: 367

يؤيد هذا ما رواه البخاري ومسلم عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: "سئل أسامة وأنا جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فجوة نصّ"(1). ورواه مالك بلفظ "فرجة".

فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأمته أن الفضيلة ليست في الإيضاع الذي هو الإسراع في السير، وأن ذلك لا يعد من البر الذي يتقرب به الحاج إلى ربه، وإنما الرأفة بأنفسهم وجموعهم ودوابهم هو أحد تلك القربات، وأن اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم هو قربة أخرى، أما الوقار في أداء العبادة بعد أن ملئت القلوب خشية من الله في نهار موقف عرفات، وها هي تلك القلوب ترنو إلى غنيمة أخرى ترفد زاد أفئدة مؤمنة في موقف ليل مزدلفة فهذه قربة ثالثة، فأنى لمن هذا شأنه أن يخرج عن أدب السكينة والوقار إلى خُلُق المزاحمة والايذاء والطيش الذي تأباه مائدة عرفات وبوابة مزدلفة وصفاء ليل المشعر الحرام؛ لذلك قال عمر بن عبد العزيز لما خطب بعرفة:"ليس السابق من سبق بعيره وفرسه لكن السابق من غفر له"(2).

(1) الحديث من رواية البخاري برقم (1666) ولفظه في باب: السير "إذا دفع من عرفة، ومن رواية مسلم برقم (1286/ 282). قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ج 5 ص 75: "العَنَقُ بفتح المهملة والنون وهو السير الذي بين الإبطاء والإسراع. وفي المشارق أنه سير سهل في سرعة". وقال في فتح االباري ج 5 ص 654. "وقيل المشي الذي يتحرك به عُنُق الدابة. وفي الفائق: العَنَق: الخطو الفسيح. وانتصب العَنَق على المصدر المؤكد من لفظ الفعل أما النص فهو فوق العَنَق كما قال النووي الذي أضاف: "وهما نوعان من إسراع السير، وفي العنق نوع من الرفق". اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 411 وقال العلامة ابن حجر العسقلاني في قوله: نصّ أي أسرع" ثم قال: "قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها ـ أي من السرعة" ـ ثم قال: وأصل النص غاية المشي ومنه نصصت الشيء رفعته ثم استعمل في ضرب سريع من السير". اُنظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 3 ص 654.

(2)

نفس المرجع ص 660.

ص: 368

وقال المهلب: "إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة"(1).

وقال الإمام ابن حجر العسقلاني: "فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن تكلف الإسراع في السير ليس من البر أي مما يتقرب به"(2).

ولبيان هذه المعاني الرائعة مجتمعة قال أسامة عن هيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فما يزال يسير على هيئته تلك حتى أتى جمعاً (3).

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ولا يزال مضرب المثل في الذوق الرفيع الذي تشد إليه أبصار صحبه وأمته والإنسانية جمعاء فإنه في سيره إلى المزدلفة كان كعادته في كل الأمور وسيطاً فلم يكن يطلق لناقته القصواء العنان ولم يكن يمشي بطيئاً؛ لأن الطريق طويل والوظائف في مناسك الحج تتوالى لذلك جاء سيره بين الإسراع والإبطاء بما عرف بسير العَنَقِ إلّا إذا وجد متسعاً أو فرجة فإنه يزيد من سرعته بما يسميه العرب نصّاً.

ويبدو لي أن سيره صلى الله عليه وسلم لم يكن عادياً وإنما فوقه بسرعة معتدلة لا تخدش وقار الحاج الراكب بدليل قول إمامنا النووي في العنق والنص: وهما نوعان من إسراع السير وفي العنق نوع من الرفق.

وفي هذا دعوة إلى حجاج بيت الله الحرام عامة ولسائقي الحافلات خاصة أن يراعوا لهذه الشعيرة هيئتها وحرمتها، وأن لا يغتروا بمزيد إسراع أو جرأة اقتحام لزحمة الجموع فالعبرة هي بمن غفر ذنبه، وستر عيبه، وعُفي عن ذلته، وفتحت له أبواب

(1) نفس المرجع والصفحة.

(2)

نفس المرجع والصفحة.

(3)

صحيح مسلم برقم (1286/ 282).

ص: 369

الرحمة وأسرار التوفيق، وليست فيمن أطلق لمحرك وسيلة نقله العنان فأدخل الرعب في قلب هذا وبث الذُّعر في فؤاد ذاك، أو تأذى في حافلته ضيف من ضيوف الرحمن، أو تحطمت بسببه مركبة إخوة له في موقف الرحمة العامة، ولو جزئياً! فهل هذا إلّا من علامات التقصير وإشارات الإعراض عن العبد في مواطن الإقبال.

اللهم لا تجعل مناسك الحج ونفحات تلك البقاع حجة علينا بل اجعلها حجة لنا وبرهاناً ونوراً وضياء في دار دنيانا وأخرانا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا من أدب حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم نجترع من كيزانه صنوفاً وألواناً لنكون لندائك مجيبين، ومن حضرتك قريبين.

الفقرة الثانية:

في زمن الدفع من عرفة إلى مزدلفة:

روى أبو داود في سننه عن أسامة بن زيد رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم في دفعه من عرفات قال: "ودفع حين غابت الشمس"(1) وهي المسألة التي تناولتها معك في الوقوف في أرض عرفة نهاراً وجزءاً من الليل ولو لحظة لطيفة.

الفقرة الثالثة:

في ذكره صلى الله عليه وسلم أثناء المسير إلى جمع ووقت المبيت فيها:

جاء في صحيح ابن خزيمة قال: "ووقف (2) ـ يعني بعرفة ـ حتى إذا وجبت الشمس

(1) سنن أبي داود برقم (1922).

(2)

أي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 370

أقبل يذكر الله ويعظمه ويهلله ويمجده حتى ينتهي إلى المزدلفة" (1).

إن موقف جمع هو موقف عظيم يجمع بين قداسة الحرم المكي الذي تقع المزدلفة داخل حدوده، وقداسة الزمان الذي يمتد برواقه على سائر ليلة النحر، وقداسة الجمع المبارك الذي يضم ضيوف الرحمن ووفد الأرض إلى بيت ملك الملوك، وقداسة الاتّباع بما في ذلك من تهليل وتكبير ودعاء وتلبية يتوجه بها الحاج إلى ربه بفؤاد شفاف نظيف بعد أن جلا في موقف عرفة عن سطح قلبه ران الخطايا والآثام ليبدأ في مزدلفة عهداً جديداً من ذكر الله يلهج به لسان الحاج فيمخر صداه الطيّبُ عباب أعماق نفسه استجابة لقوله تعالى:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] وهي الآية التي يقول الإمام القرطبي في تفسيرها: "أي اذكروه بالدعاء والتلبية عند المشعر الحرام"(2) كما قال الإمام النووي في إدامة التلبية من عرفات إلى رمي جمرة العقبة قوله: "قال عبد الله ونحن بجمع"(3):

"سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة (4) يقول في هذا المقام: لبيك اللهم لبيك، فيه دليل على استحباب إدامة

(1) اُنظر صحيح ابن خزيمة للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري برقم (2846).

(2)

اُنظر الجامع لأحكام القرآن الشهير بتفسير القرطبي للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج 2 ص 418.

(3)

في هذا إشارة إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه برقم (1283/ 269) عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: "لبيك اللهم لبيك" ..

(4)

قال الإمام النووي: وأما قول عبد الله بن مسعود سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة فإنما خص البقرة؛ لأن معظم أحكام المناسك فيها فكأنه قال: هذا مقام من أنزلت عليه المناسك وأخذ عنه الشرع وبين الأحكام فاعتمدوه وأراد بذلك الرد على من يقول بقطع التلبية من الوقوف بعرفات وهذا معنى قوله في الرواية الثانية إن عبد الله لبى حين أفاض من جمع فقيل: أعرابي هذا، فقال ابن مسعود ما قال إنكاراً على المعترض ورداً عليه والله أعلم". اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 406.

ص: 371

التلبية بعد الوقوف بعرفات وهو مذهب الجمهور كما سبق" (1). كما قال في كتابه الأذكار: "ويكثر من قراءة القرآن ومن الدعاء ويستحب أن يقول: لا إله إلّا إلا الله والله أكبر ويكرر ذلك ويقول: إليك اللهم أرغب وإيّاك أرجو فتقبل نسكي ووفقني وارزقني فيه من الخير أكثر ما أطلب ولا تخيبني إنك أنت الله الجواد الكريم" (2). لهذا فإنّ الدعاء هو من شعائر الحج ومناسكه عند المشعر الحرام الذي سمي مشعراً من الشعار وهو العلامة. قال الإمام القرطبي: "لأنه معلم للحج والصلاة والمبيت به والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف بالحرام لحرمته" (3).

فالأفضل أن يتخذ من المشعر الحرام موضعاً لذكر الله تعالى بشتى ألوان الذكر دعاء وتكبيراً وتهليلاً وتلبية وتوحيداً اقتداء بالحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم لكن المشعر الحرام الذي هو جبل قزح أزيل بسبب توسعات المناسك وأقيم مكانه مسجد عظيم (4) يحمل اسم مسجد المشعر الحرام فيمكننا أن نقف هناك نذكر الله عز وجل.

هذا الذكر يستحب فيه استقبال القبلة والوقوف هناك إلى الإسفار عملاً بحديث جابر: "ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً (5) ".

(1) اُنظر نفس المرجع والجزء والصفحة.

(2)

الأذكار النووية المسماة حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار المستحبة في الليل والنهار ص 232.

(3)

تفسير القرطبي ج 2 ص 418.

(4)

الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر ص 98.

(5)

أي أضاء يعني ضوء النهار ظهوراً بليغاً.

ص: 372

الفقرة الرابعة:

في صلاة المغرب والعشاء في مزدلفة:

بعد أن يدخل وقت المغرب في عرفة يدفع الحجاج نحو مزدلفة دون أن يؤدوا صلاة المغرب هناك وإنما ينوون بعد الغروب جمع الصلاتين المغرب والعشاء جمع تأخير على أن يبدؤوا بهما كأول عمل يؤدونه بعد الوصول وقبل أي شيء آخر.

ولقد توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند شعب من الشعاب فمال إليه وبال فيه، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء ولم يصلّ فظن أسامة بن زيد وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته القصواء أن النبي صلى الله عليه وسلم نسي صلاة المغرب لتأخره لها عن العادة المعروفة لوقتها في غير هذه الليلة فذكّره بها فإذا بالرسول صلوات الله وسلامه عليه يجيبه بما يفيد أنه لم يذهل عنها ولم ينسها وأن وقت فعلها في هذا اليوم تأخر عن زمنه المعهود إلى زمن مؤخر عنه يمتد إلى ما بعد دخول وقت العشاء، وأن أرض عرفة ليست المكان الذي تصلى فيه صلاة المغرب لكن صعيد مزدلفة هو مكان الصلاة في هذه الليلة (1) لذلك قال صلى الله عليه وسلم له:"الصلاة أمامك". هذا ما سرده علينا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه قال: "دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة فنزل الشِّعْبَ فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاةُ أمامكَ فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله (2) ثم

(1) جاء في صحيح البخاري برقم (1683) باب: متى يصلي الفجر بجمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن هاتين الصلاتين حُوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء فلا يَقْدَمُ الناس جمعاً حتى يُعْتِمُواً

".

(2)

قال الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج 3 ص 658: "وكأنهم صنعوا ذلك رفقاً بالدواب أو للأمن من تشويشهم بها وفيه إشعار بأنه خفف القراءة في الصلاتين وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتينن اللتين يجمع بينهما ولا يقطع ذلك الجمع".

ص: 373

أقيمت الصلاة فصلى ولم يصلّ بينهما" (1).

ولقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم صادقي المتابعة لأدق جزئيات حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يتبيّن لنا مما رواه البخاري عن نافع مولى ابن عمر قال: كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشِّعب الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخل فيتبول ويتوضأ ولا يصلي حتى يصلي بجمع" (2). أي كان يعرّج على الشِّعب الذي بال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقضي فيه حاجته ويتوضأ كوضوئه صلى الله عليه وسلم حرصاً منه على أدق تفصيلات الاتباع.

يؤكد هذا أنه لمّا وقع من بعض الخلفاء صلاة المغرب في الشِّعب الذي ذكرته الأحاديث بالمخالفة منهم في ترك تأخير والمغرب العشاء أنكر عليهم عكرمة وهو الذي أخرج له الفاكهي قوله: اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الشعب- مبالاً واتخذتموه مصلّى. قال الإمام ابن حجر بعد أن ساق الرواية: وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة في ذلك (3).

فصلاة المغرب في عرفة تؤخر إلى مزدلفة وصلاة الجمع في مزدلفة هي أول شيء يبدأ به الحاج حين وصوله إليها وذلك قبل حط الرحال وإناخة الجمال (4). والمعتمد في

(1) صحيح البخاري باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة برقم (1668) ومسلم برقم (1280/ 266) والبيهقي برقم (9571).

(2)

صحيح البخاري باب النزول بين عرفة وجمع، برقم (1668).

(3)

فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 3 ـ ص 656 ـ 657.

(4)

قال الإمام النووي: "وإذا وصل المزدلفة فقد استحب الشافعي رحمه الله تعالى أن يصلي قبل حط رحله ولا يُنيخ الجمال ويعقلها حتى يصلي؛ لأنه ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا المغرب والعشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحطوا رحالهم حتى صلوا العشاء والله أعلم". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 337.

ص: 374

مذهب الشافعية أنه يؤخر الصلاتين إلى المزدلفة (1) ما لم يخشَ فوت وقت الاختيار لصلاة العشاء الذي ينتهي بثلث الليل على القول الأصح (2).

قال الإمام النووي: "فإن خافه (3) لم يؤخر بل يحمع بالناس في الطريق"(4).

والسنة في هذا الجمع أن يؤديه بأذان وإقامتين وهو المذهب الثابت عند الشافعية برواية مسلم التي أتى جابر على ذكرها وهي مقدمة على رواية أداء الجمع بإقامتين فقط أو بإقامة واحدة؛ لأن رواية جابر فيها زيادة، وزيادة الثقة مقبولة فكيف إذا جاءت على لسان من اعتنى بحج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفصيلاته الدقيقة التي لا تجدها ضمن هذه الإحاطة عند غيره. قال الإمام النووي عن رواية جابر:"وهذه الرواية مقدمة على الروايتين الأوليين (5)؛ لأن مع جابر زيادةَ علم، وزيادة الثقة مقبولة؛ ولأن جابراً اعتنى الحديث ونقل حجة النبي صلى الله عليه وسلم مستقصاة فهو أولى بالاعتماد وهذا هو الصحيح من مذهبنا أنه يستحب الأذان للأولى منهما ويقيم لكل واحدة إقامة فيصليهما بأذان وإقامتين ويتأول حديث إقامة واحدة أن كل صلاة لها إقامة ولابد من هذا ليجمع بينه وبين الرواية الأولى وبينه أيضاً وبين رواية جابر .. "(6).

ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في أي موضع

(1) ويكون هذا التأخير بنية الجمع كما صرح بذلك النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 8 ص 343.

(2)

وفي قول عندهم لنصف الليل.

(3)

إي إن خاف فوات وقت الاختيار لصلاة العشاء لم يؤخر الصلاة إلى مزدلفة.

(4)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 337.

(5)

الرواية الأولى بإقامتين ذكر ذلك البخاري برقم (1673) في باب من جمع بينهما ولم يتطوع، ومسلم برقم (1285/ 276) أي بإقامة لكل صلاة أما إقامة واحدة فقد رواها مسلم برقم (1288/ 289) وكذا ما بعده من الحديث.

(6)

صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 408. أقول: أما القول الذي يذهب إلى أذان واحد وإقامة واحدة لمجموع الصلاتين فقد قال الإمام القرطبي في تفسيره عن الحديث المرتبط به إنه ليس بالقوي. اُنظر تفسير القرطبي ج 2 ص 420.

ص: 375

آخر أو صلى كل واحدة في وقتها جاز وفاتته الفضيلة، وكذا لو صلى وحده لا مع الإمام، أو صلى إحداهما وحده والأخرى مع الإمام ففي كل هذا فعل خلاف الأفضل مع كونه جائزاً. هذا مذهب الشافعية وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين كما قال به الإمام الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء مدرسة الحديث (1).

أما عن عدد ركعات كل صلاة فيحكيها لنا الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة (2). أي يصليهما جمعاً وقصراً (3).

يفهم من هذا أن الجمع بين الصلاتين في مزدلفة سنة عند الشافعية واجب عند الحنفية مستدلين بحديث أسامة بن زيد حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة أمامك، لذلك قال الحنفية يجب تأخير صلاة المغرب ذلك اليوم إلى المزدلفة لتصلى مع العشاء جمع تأخير وأنه من صلاها في عرفة أو في الطريق إلى المزدلفة وجب في حقه إعادتها (4) ما لم يطلع الفجر عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف يجزيه: وقد أساء (5).

(1) أما أبو حنيفة وغيره من الكوفيين فقالوا: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لايجوز أن يصليهما قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذر فله ذلك بشرط كونه بعد مغيب الشمس.

(2)

صحيح مسلم برقم (1288/ 290) وأنبه هنا إلى أنه لا يسبح بين صلاتي المغرب والعشاء كما جاء في حديث جابر أي لا يتنفل، وكذا لا يتنفل على إثر كل واحدة منهما بما في ذلك العشاء كما جاء في رواية البخاري باب: من جمع بينهما ولم ويتطوع. قال الإمام ابن حجر العسقلاني: ويستفاد من هذا أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون لم يتنفل عقبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سنة العشاءين عنهما. فتح الباري ج 3 ص 661.

(3)

الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 213.

(4)

وقد علل المالكية ذلك بأنها بمنزلة من صلى الظهر والعصر جمع تقديم قبل الزوال فالواجب في حقه الإعادة ما لم يكن ثمة عذر. اُنظر الجامع لأحكام القرآن الكريم للإمام القرطبي ج 2 ص 418.

(5)

الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص 99. وقد نقل عن الحنفية أنه لا تشترط عندهم الجماعة لهذا الجمع؛ لأن صلاة المغرب مؤخرة هنا عن وقتها بخلاف الجمع بعرفة؛ لأن العصر مقدم على وقته.

ص: 376

حجة الشافعية أن الجمع شرع لعلة السفر فلا يجوز إلّا في حق مسافر سفراً يبلغ فيه مسافة القصر وهو مرحلتان وما كان رخصة في سفر فلا يكون واجباً أما الإمام أبو حنيفة ومن وافقه فقالوا: إن الجمع في مزدلفة هو بسبب النسك فلا يصح فيه غير الاتباع، وما كان كذلك فهو واجب، وقد قال بهذا بعض الشافعية بينما قال الشافعي في قول ضعيف عنده يجوز الجمع في كل سفر ولو كان قصيراً لم يبلغ مسافة القصر وعلى هذا وذاك يمكننا الجمع في مزدلفة ولو كنا شافعية وهو ما يفعله اليوم كل الشافعية من علماء وطلاب علم ودعاة وأمناء أفواج أنهم يجمعون في مزدلفة تقليداً لأبي حنيفة وتقليداً لمن وافقه من الشافعية وإبراء للذمة ومتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أداه من أعمال الحج. هذا والله تعالى أعلم.

والخلاصة أن جمع الصلاتين الظهر والعصر في عرفة، والمغرب والعشاء في مزدلفة شرط لكمال الصلاة عند الشافعية، بينما هي شرط لصحة الصلاة عند غيرهم. ثم الخلاف في جمع التأخير مفاده: هل صحيح قبل مزدلفة؟ والإجابة على نحو ما بيَّنّا.

الفقرة الخامسة:

حكم الوقوف بالمزدلفة بعد صلاة الصبح والمبيت فيها بالليل:

أجمع علماء الإسلام أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام ووقف فيها بعد صلاة الصبح إلى الإسفار بعد أن وقف من قبل بعرفة أن حجه تام؛ لأنه أتى بالصفة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)؛ ولأنه وافق بفعله قول الله عز وجل {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198].

(1) اُنظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام الفقيه والفيلسوف الإسلامي الكبير الشيخ محمد بن رشد القرطبي ص 349.

ص: 377

لكن اجتهادات الفقهاء اختلفت في تكييفها الفقهي بالنسبة للمبيت في المزدلفة ليلاً والوقوف فيها بعد الصبح نهاراً: إنّ معظم فقهاء الأمصار وأئمة المذاهب يرون أن الوقوف في مزدلفة ليس من فروض الحج (1)؛ لأن نبينا صلوات الله وسلامه عليه قدّم ضَعَفَة أهله ليلاً ودفع بهم إلى رمي جمرة العقبة ومنها إلى مكة لصلاة الفجر هناك، فلو كان المبيت ركناً لما صار إلى تركه كما هو حال الوقوف بعرفة. يوضح هذا ما رواه مسلم في صحيحه أن ابن عمر كان يقدّم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).

كما يؤيده حديث آخر من رواية مسلم عن عائشة أنها قالت: استأذنت سودةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حَطْمَةِ الناس (3) وكانت امرأة ثبِطَةٍ "يقول القاسم: والثَبِطَة الثقيلة"(4) قال: فأذن لها فخرجت قبل دفعه وَحَبَسَنَا حتى أصبحنا فدفعنا بدفْعه؛ ولأَن أكونَ استأذنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنَتْهُ سودْةُ فأكونَ أدفع بإذنه

(1) هذا قول الجمهور وخالف في ذلك الأوزاعي وجماعة من التابعين الذين قالوا: هو من فروض الحج ومن فاته كان عليه حج قابل والهدي. وبمثل ذلك قال إمامان كبيران من أصحاب الشافعية هما أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي وأبو بكر بن خزيمة. عمدة هؤلاء الحديث المتفق على صحته: من أدرك معنا هذه الصلاة يعني صلاة الصبح بجمع وكان قد أتى قبل ذلك عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه. اُنظر نفس المرجع ص 349 - 350. وصحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 415.

(2)

صحيح مسلم برقم (1295/ 304).

(3)

بفتح الحاء أي زحمتهم.

(4)

تقول امرأة ثبطة بفتح المثلثة وسكون الموحدة وبكسرها أي ثقيلة الحركة بطيئة من التثبيط وهو التعويق. اُنظر سبل برقم للأمير الصنعاني ص 744. والنووي على صحيح مسلم ج 9 ص 414.

ص: 378

أحبُّ إلي من مفروح به" (1).

وفي رواية عنده عن عائشة قالت: وددتُ أني كنت أستأذنْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأَذَنَتْهُ سودة فأصلي الصبح بمنى فأرمي قبل أن يأتي الناس (2).

وروى مسلم أيضاً عن عبد الله مولى أسماء قال: قالت لي أسماء وهي عند دار مزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارحل بي فارتحلنا حتى رمت الجمرة ثم صلت في منزلها فقلت: لها أي هَنْتاه (3) لقد غلّسنا، قالت: كلا أي بُنَي إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ للظُّعُنِ" (4).

قال الإمام النووي في ثمرة استشهاده بطائفة من الأحاديث كان ما تقدّم بعضاً منها:

"وفيه دليل لجواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر" ثم قال: "واختلف العلماء في مبيت الحاج بالمزدلفة ليلة النحر، والصحيح من مذهب الشافعي أنه واجبٌ مَنْ تركه لزمه دم وصح حجه وبه قال فقهاء الكوفة وأصحاب الحديث"(5).

(1) صحيح مسلم برقم (1290/ 293).

(2)

صحيح مسلم برقم (1290/ 295) وفي رواية أخرى: "وكانت عائشة رضي الله عنها لا تفيض إلا مع الإمام". اُنظر صحيح مسلم برقم (1290/ 294).

(3)

قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 9 ـ ص 415 ـ قوله: يا هَنْتَاهُ أي يا هذه هو بفتح الهاء وبعدها نون ساكنة ومفتوحة وإسكانها أشهر ثم تاء مثناة من فوق. قال ابن الأثير: وتسكن الهاء التي في آخرها وتضم وفي التثنية يا هنتان وفي الجمع يا هنتات وهنوات وفي المذكر هن وهنان وهنون.

(4)

الظُّعُن على وزن السفن الواحدة ظعينة كسفينة. قال الإمام النووي: "وأصل الظعينة الهودج الذي تكون فيه المرأة على البعير فسميت المرأة به مجازاً واشتهر هذا المجاز حتى غلب وخفيت الحقيقة وظعينة الرجل امرأته". اُنظر شرحه على صحيح مسلم ج 9 ص 416.

صحيح مسلم برقم (1291/ 297).

(5)

شرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 414 - 415.

ص: 379

نخلص من هذه الدراسة إلى أن المزدلفة بوابة الحرم المكي، وبعض منه، وأنها المكان الذي دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم بسكينة ووقار ودعاء وتلبية وتوحيد وذكر للغفار، وأن أول شيء بادر إليه فيها قبل حط الرحال كان الصلاة التي أخّر مكانها إلى أرض المشعر الحرام وهي التي أمرنا القرآن الكريم بذكر الله بها عند جبل قزح خاصه (المشعر الحرام).

فمزدلفة هي التي يقف فيها المندفعون من عرفات داعين متضرعين لله تعالى.

ومزدلفة هي التي يتجلى فيها ربنا على عباده حتى تعم الرحمة أهل الموقف جميعاً وتشملهم بركة عفو الله ومغفرته ورضوانه ثم تنتشر من هناك لتدرك كل تائب في الأرض حفظ يده ولسانه من إيذاء الناس.

ومزدلفة ساحة كبرى لطائفة من السنن بعضها قال العلماء بوجوبها وأنه يأثم تاركها وبأنها تجبر بدم كما في الوقوف فيها تلك الليلة على نحو ما سأفصله لك في الفقرة التالية (1)، فهل يعرّض الحاج نفسه للإثم والكفارة وقد جاء طالباً العَفو والصفح والقبول في مواطن تنزل الرحمات وإقالة العثرات؟ .

وهل يتجاهل ضيوف الرحمن على مائدة الرحمن آداب القدوم وشعائر الخضوع والولاء؟ أوهل يليق بضيف الله في بيت الله أن يُغَرّر به شيطانه بقوله: هذه سُنّة ولا ضير في ترك السنة؟ وهل يليق بالمسلم المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقصر في سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؟ .

وهل الاتباع إلّا ثمرة من ثمرات الحب؟ .

وإذا لم يتذوق المسلمون طعم المتابعة لإمامهم وقائدهم وحبيبهم وأسوتهم وقرة

(1) العلماء في هذا الوقوف بين قائل بركن وقائل بوجوب وقائل بسنة والأخير هو أحد قولي الشافعي وهو ضعيف والمعتمد الوجوب عنده. اُنظر نفس المرجع والجزء ص 415.

ص: 380

عيونهم محمد صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال والتقريرات في مجاهدات الركن الخامس التي يقوم جوهرها على قاعدة التلقي المباشر لمناسك الحج من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدق تفصيلاتها في حجة الوداع (1) فمتى يتذوقون ذلك؟ .

أليست رائحة المصطفى العطرة تفوح من ربوع مزدلفة وتلبيته ما يزال صداها يتردد فوق السهل والجبل؟ .

بوسع أحدنا أن يلقي نظرة ويجري مقارنة بين حجاج يختارون لأنفسهم في هذه الأيام الطريق الدائري الذي يلتف بهم حول المزدلفة وصولاً إلى المسجد الحرام مباشرة دون أن يعرج بهم إلى المزدلفة وما فيها من خير عميم وواجب جسيم، وبين وقوف ابن عمر كلما حج وقف عند الشِّعب الذي مال إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقضاء الحاجة والوضوء فينزل الصحابي الجليل في ذات المكان لينقض وضوءه هناك ويتوضأ بعده دون أن يسبغ الوضوء مبالغة منه في المتابعة من غير أن تعرض له في ذاك المكان حاجة.

مزدلفة هذه ليست مجرد منزل كسائر المنازل لا مزية فيه ولا خصوصية كما يروق للبعض أن يدعي! فهذا القول باطل رده العلماء (2) ودحضته البراهين والوقائع ويكفي

(1) هذا ما صرح به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. أخرجه مسلم برقم (1297/ 310) وابن خزيمة (2877) وأبو داود برقم (1970) والنسائي (5/ 270) وأحمد بن حنبل في مسنده برقم (14419) كما أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده بلفظ آخر برقم (14553) جاء فيه عن جابر قال: "دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وأَوْضع في وادي محسّر فأراهم مثل حصى الخذف، وأمرهم بالسكينة، وقال: لتأخذ أمتي مَنْسِكَها فإني لا أدري لعلي لا ألقاهم بعد عامهم هذا". قال في الموسوعة الحديثية على مسند أحمد: إسناده صحيح على شرط مسلم كسابقه.

(2)

هذا القول نقله الإمام النووي عن عطاء والأوزاعي بلغة التمريض أي الحكاية وهو ما يعني أنه لاتثبُّتَ في نسبته إليهما، ثم صرح بأنه باطل. قال النووي: وحكي عن عطاء والأوزاعي أن المبيت بالمزدلفة في هذه الليلة ليس بركن ولا واجب ولا سنة ولا فضيلة فيه بل هو منزل كسائر المنازل إن شاء تركه وإن شاء لم يتركه ولا فضيلة فيه وهذا قول باطل. اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 415.

ص: 381

هذه البقعة فخراً أنها من أرض الحرم الذي شرفه الله، ومرّ به الأنبياء، وجاء ذكره في محكم التنزيل، ووقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة وجمعاً وسؤالاً وتكبيراً وتهليلاً وتلبية وسائر صنوف الذكر حتى طلع الفجر وأسفر جداً فلو كان الحال كما زعم القائل لقضى فيها حاجته ثم تابع المسير من هناك إلى منى لرمي جمرة العقبة. قال الإمام النووي:"وهذه الليلة هي ليلة العيد ليلة عظيمة جامعة لأنواعٍ من الفضل منها شرف الزمان والمكان فإن المزدلفة من الحرم كما سبق وانضم إلى هذا جلالة أهل الجمع الحاضرين بها وهم وفد الله وخير عباده ومن لا يشقى بهم جليسهم فينبغي أن يعتني الحاضر بها بإحيائها بالعبادة من الصلاة والتلاوة والذكر والدعاء والتضرع"(1).

الفقرة السادسة:

الوقت المجزئ للمبيت في المزدلفة:

الوقوف بالمزدلفة واجب باتفاق المذاهب وليس ركنا فمن تركه لزمه دم، أما المبيت بالمزدلفة فهو واجب عند الشافعية والحنبلية سنة عند المالكية والحنفية (2). ومحل الدم لمن فاته المبيت عند من قال بوجوبه حيث لا عذر، أما المعذورون فلا دم عليهم جزماً.

ومن الأعذار: أن يأتي الحاج عرفة متأخراً أي في الليل فيشتغل بالوقوف في عرفة عن المبيت بالمزدلفة، ومنها أن تخشى المرأة طروء الحيض أو النفاس فتبادر إلى مكة بالطواف. ففي هاتين الحالتين يقدم الوقوف بعرفة في الأولى والطواف في الثانية، لأن كلا

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 340.

(2)

إذن عندهم هناك واجبان في مزدلفة: الأول واجب الوقوف، والآخر واجب المبيت.

ص: 382

منهما ركن لا يتم الحج إلّا به، أما الوقوف والمبيت بالمزدلفة فهو واجب (1).

والمبيت عند الشافعية يجب بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، والمبيت هو المكث بعد نصف الليل فيكون هو الواجب أخذاً من الاستدلال اللغوي؛ ولأن السنة بينت هذا المبيت من خلال الدفع الذي رخص فيه صلى الله عليه وسلم لأصحاب الأعذار بعد منتصف الليل فلو كان المبيت قبل منتصف الليل لأذن لهم بالدفع قبل ذلك وهو ما صرحت به أسماء في رواية مسلم عنها حين قالت:"إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن"(2).

يؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود عن عائشة أنها قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم[تعني] عندها"(3).

فالمبيت هناك نسك، وهو يحصل في أي بقعة كانت من مزدلفة التي سبق تحديدها، فإن دفع من جمع (4) بعد نصف الليل فلا شيء عليه، أما إن دفع قبل نصف الليل أو ترك

(1) اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2245. والمنهاج القويم على المقدمة الحضرمية في فقه السادة الشافعية للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي الذي ذكر طائفة من الأعذار منها ما سردته عليك أعلاه ومنها الاشتغال عن المبيت بالرعي أو بسقاية الناس. وقد ذكر العلامة الغمراوي في السراج الوهاج على متن المنهاج ص 163. ما يلي: "أما المعذور بما يأتي في مبيت منى فلا دم عليه جزماً" ثم ذكر في أعذار منى ص 165. ما يلي: ولأصحاب الأعذار كخائف على نفس أو مال أو متعهد لمريض أو لسقاية.

(2)

مرّ تخريجه في الفقرة التالية عن صحيح مسلّم برقم (1291/ 29). وقد قال الأمير الصنعاني في سبل برقم ص 742. "إن النساء كالضعفة لهذا الحديث".

(3)

سنن أبي داود السجستاني الأزدي برقم (1942)، وقد قال فيه الإمام ابن حجر العسقلاني باب: الوقوف بعرفة في ليل أو نهار والوقوف بمزدلفة. رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم.

(4)

قال الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج 3 ص 661: وسميت جمعاً؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها".

ص: 383

المبيت من أصله فعليه دم لترك واجب المبيت ليلتئذ. قال الإمام النووي: "وإن ترك المبيت من أصله أو دفع قبل نصف الليل ولم يعد (1) أو لم يدخل مزدلفة أصلاً صح حجه وأراق دماً (2). ثم قال: "ولو لم يحضر مزدلفة في النصف الأول أصلاً وحضرها ساعة في نصف الثاني من الليل حصل المبيت. نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى في الأم" (3).

وعلى الحاج الذي صدق عهد هذه الفريضة مع ربه أن يعتني بهذا المبيت ويوليه ما يستحقه من الاهتمام ويتذكر معي قول إمامنا النووي: "ويتأكد الاعتناء بهذا المبيت سواء قلنا واجب أم سنة (4) فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم "(5).

هذا مذهب الشافعية أما مذهب المالكية فعندهم زمان الوقوف في أي جزء من أجزاء الليل بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين وتناول شيء من الأكل أوالشرب، والمبيت ليلة النحر هناك فعندهم سنة (6).

أما الحنفية فذهبوا إلى أن المبيت ليلاً في مزدلفة سنة وليس واجباً أو ركناً وأن زمن الوقوف الواجب فيها يقع في لحظة ما بين طلوع الفجر الصادق يوم النحر وطلوع الشمس بعده، وأن من لم يحصل له هذا فقد فاته الوقوف؛ لأن حديث عروة بن مُضَرّس ينقل لنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من شهد صلاتنا هذه .... " فقد ربط تمام الحج

(1) لأنه إذا دفع قبل نصف الليل وعاد قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 338.

(3)

نفس المرجع والصفحة.

(4)

هما قولان للشافعي والوجوب هو المعتمد. قال الإمام ابن حجر الهيتمي: المعتمد كما يأتي له وصححه في الروضة أنه واجب بل قوّى السبكي القول بأنه ركن". اُنظر ص 338.

(5)

نفس المرجع ص 339.

(6)

الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2248. والحج والعمرة في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر ص 97.

ص: 384

بشهود صلاة الفجر فدل على وجوبها (1).

الفقرة السابعة:

في سائر السنن والمستحبات ليلة النحر في مزدلفة:

أولاً: أن يغتسل في مزدلفة بعد منتصف الليل ليلة النحر وذلك توطئة للوقوف بالمشعر الحرام والعيد لما في الموقفين من اجتماع الناس، فمن لم يجد ماء تيمم كما نص على ذلك إمامنا النووي رحمه الله (2).

ثانياً: إحياء ليلة النحر في المزدلفة بالعبادة من الصلاة والتلاوة والذكر والتضرع والدعاء وهو لا يحصل إلّا بمعظم الليل وإنما يسن ذلك؛ لأنها ليلة عيد (3).

ثالثاً: التأهب بعد نصف الليل لأخذ حصى الجمار لجمرة العقبة يوم النحر وهي سبع حصيات والاحتياط أن يزيد ـ كما قاله النووي ـ فربما سقط منها شيء، ويسن أن يلتقطها من غير تكسير لشيء من حجر مزدلفة، أما حصى بقية الجمار لأيام التشريق فيأخذها من وادي محسّر أو من غيره من منى (4) ويكره أن يأخذها من المرمى ـ كما سيأتي ـ وقد علل العلامة ابن حجر ذلك بقوله: "لأن ما تُقُبِّلَ رفع كما ورد وشوهد، ولولا ذلك لسد الحصى على توالي

(1) نفس المرجع والصفحة للدكتور عتر حفظه الله.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 349 - 340.

(3)

نفس المرجع ص 340 - 341. هذا وقد قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته: "وإنكار العز بن جماعة كابن الصلاح لسنة إحيائها لمشقته الشديدة على الحاج لكثرة أعماله قبلها وبعدها؛ ولأنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم فيه شيء لاضجاعه عقب صلاته جميعاً إلى الفجر مردود بما مر من الترغيب الشامل لهذه الليلة ومن قال يحمل على ما عداها يحتاج لسند وبأنه لا يلزم من اضجاعه صلى الله عليه وسلم عدم الإحياء لحصوله بالذكر والتفكر

" ص 340 - 341.

(4)

نفس المرجع ص 341. والمنهاج القويم لابن حجر الهيتمي ص 430.

ص: 385

الأزمان المتطاولة ما بين الجبلين" (1).

ولو أخذ حصى جمار كافة الأيام من مزدلفة جاز ذلك وهو ما قال به بعض الشافعية فيجمع على هذا القول سبعين حصاة لمن لم يرد التعجيل في نفرته من منى.

قال الإمام النووي: "وكلاهما قد نقل عن الشافعي رحمه الله لكن الجمهور على هذا الثاني"(2).

والسنة أن يأخذ حصى الجمار ليلاً، وأن لا يفعل ذلك بعد الصبح؛ لأنه وقت له وظائفه التي ما ينبغي أن يشغله عنها شيء (3).

رابعاً: الوقوف بالمشعر الحرام عملاً بالآية الكريمة {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، وفي رواية البيهقي عن نافع عن ابن عمر أنه قال: في هذه الآية هو الجبل وما حوله اهـ (4)، لكنني وجدت في حديث جابر الطويل أنه صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة ثم صلى العشاءين ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فهل كان قريباً من المشعر الحرام ثم صعد عليه بعد صلاة الصبح بواسطة ناقته القصواء يبدو لي ذلك والله تعالى أعلم.

ثم بعد صلاة الفجر السنة أن يرقى عليه إن أمكنه وإلَّا وقف عنده أو تحته (5).

(1) المنهاج القويم للعلامة ابن حجر الصفحة.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 341. أما قوله لكن الجمهور على هذا الثاني أي إن الأولى أن يأخذ حصى التشريق من غير المزدلفة.

(3)

نفس المرجع ص 341 - 342.

(4)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9590).

(5)

حديث جابر هو الذي تناولته في هذا الكتاب وقد ذكر البيهقي هذا في السنن الكبرى برقم (9601) كما ذكر هذا ابن خزيمة في صحيحه برقم (2856).

ص: 386

خامساً: أن يرقد بعد صلاتي المغرب والعشاء إلى ما قبيل الفجر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اضطجع بعد الصلاتين كما أخبرنا بذلك جابر في حديثه الطويل (1).

سادساً: صلاة الصبح في أول وقتها بغلس بدليل الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله رضي الله عنه قال: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة لغير ميقاتها إلّا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء وصلى الفجر قبل ميقاتها"(2).

وليس مقصود الراوي بقوله: "وصلى الفجر لغير ميقاتها" إيقاع صلاة الفجر قبل طلوعها، وإنما عنى به أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في أول وقتها عقب أذان الفجر مباشرة على خلاف وقتها المعتاد لا قبل صلاة الفجر؛ لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين فيتعين تأويله على ما ذكرته وهو ما نص عليه الإمام النووي الذي أيد كلامه بقوله:"وقد ثبت في صحيح البخاري في هذا الحديث في بعض رواياته أن ابن مسعود صلى الفجر حين طلع الفجر بالمزدلفة ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الفجر هذه الساعة"(3).

وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن حجر العسقلاني: "فليس معناه أنه أَوْقع الفجر قبل طلوعها وإنما أراد أنها وقعت قبل الوقت المعتاد فعلها فيه في الحضر ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح؛ لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدّم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر

(1) السنن الكبرى للبيهقي برقم (9601).

(2)

البخاري باب متى يصلي الفجر بجمع، ومسلم برقم (1289/ 292).

(3)

صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 413.

ص: 387

نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه وهو بيَّنَ في رواية إسرائيل الآتية حيث قال: "ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر وقائل يقول: لم يطلع (1) "(2).

سابعاً: الدعاء عند المشعر الحرام قبل وبعد صلاة الصبح مستقبل القبلة فيحمده تعالى ويهلله ويكبره ويوحده ويكثر من التلبية حتى يسفر جداً وهو ما نقلته لك من حديث جابر.

نبدأ أولاً بما يدعوه في الليل في مزدلفة. قال الإمام النووي: "ومن الدعاء المذكور فيها - أي في ليلة النحر - اللهم! إني أسألك أن ترزقني في هذا المكان جوامع الخير كله، وأن تصلح شأني كله، وأن تصرف عني الشر كله، فإنه لا يفعل ذلك غيرك، ولا يجود به إلّا أنت"(3).

أما الدعاء بعد صلاة الصبح فجر يوم النحر في مزدلفة فقد قال فيه إمامنا النووي: "ويستحب أن يقول: اللهم! كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ

(1) رواه البخاري في الباب 99 باب متى يصلي الفجر بجمع برقم (1683).

(2)

فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 3 ـ ص 664 ـ هذا وقد قال الإمام ابن حجر العسقلاني في تمام كلامه بعد هذا مباشرة: واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود هذا على ترك الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وجمع لقول ابن مسعود: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين". وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من حديث عمر وأنس وابن عباس وغيرهم وتقدم في موضوعه بما فيه كفاية، وأيضا فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم وهم لا يقولون به وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق". نفس المرجع والجزء والصفحة.

(3)

اُنظر الأذكار النووية للإمام المحدث الفقيه أبي زكريا يحيى بن شرف النووي في كتاب أذكار الحج ص 233. قال المحقق الشيخ محيي الدين مستو: قال الحافظ لم أره مأثوراً لكن تقدم الدعاء بصلاح الشأن.

ص: 388

عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)} [البقرة: 198 ـ 199] ويكثر من قوله {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].

ويستحب أن يقول: "اللهم! لك الحمد كله، ولك الجلال كله، ولك التقديس كله.

اللهم! اغفر لي في جميع ما أسلَفْتُه، واعصمني فيما بقي، وارزقني عملاً صالحاً ترضى به عني يا ذا الفضل العظيم (1).

اللهم! إني أستشفع إليك بخواص عبادك وأتوسل بك إليك.

أسألك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأن تمن علي بما مننت به على أوليائك وأن تصلح حالي في الآخرة والدنيا يا أرحم الراحمين (2)(3) ".

ثامناً: الإفاضة من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس بعد أن يسفر الفجر جداً مخالفة للمشركين الذين كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس لما روى الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن عمرو بن ميمون يقول: "شهدت عمر بن

الخطاب رضي الله عنه بجمع بعد ما صلى الصبح وقف فقال: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أَشْرِقْ ثبير، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس"(4).

(1) نفس المرجع والصفحة وفيه يقول المحقق محي الدين مستو في الحاشية: "قال الحافظ: لم أره مأثوراً وورد بعضه غير مقيد في حديثٍ لأبي سعيد، أخرجه ابن منصور في "مسند الفردوس" مرفوعاً فذكره وقال: وفي سنده خالد بن يزيد العمري وهو متروك" الفتوحات 5/ 16.

(2)

نفس المرجع وفيها يقول المحقق مستو: قال الحافظ: لم أره مأثوراً.

(3)

وانظر هذه الأدعية كذلك في كتاب "الحج والعمرة في الفقه الإسلامي" لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر، ص 227.

(4)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9603) وقال: رواه البخاري في الصحيح عن الحجاج بن منال عن شعبة.

ص: 389

آداب الاختلاط المباح في الحج ونفائس أخرى

قال جابر رضي الله عنه: "وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشَّعْرِ، أبيضَ وسيماً (1) فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرّت به ظُعُنٌ يجرينَ فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفَضْلِ فحوّل الفضلُ وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسّر فحرّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخَذْفِ رمى من بطن الوادي

":

هذا الفصل ينطوي على فوائد جمة:

أولها: الفضل بن عباس وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته القصواء من مزدلفة أو من وادي محسر بينما كان أسامة بن زيد رديفه رضي الله عنه من عرفات إلى مزدلفة وهو ما أفاده النص السابق من حديث جابر رضي الله عنه.

ثانيها: أن الفضل بن عباس كان بصفة من تفتتن النساء به لذلك قال عنه جابر: "وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً". قال الإمام النووي: "وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لوى عنق الفضل فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما"، فهذا يدل على أن وضعه صلى الله عليه وسلم يده الشريفة على وجه

(1) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 8 ص 345: "أي حسناً".

ص: 390

الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها. وفيه أن من رأى منكراً وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه ولم ينكفّ المقول له وأمكنه بيده أثم ما دام مقتصراً على اللسان والله أعلم" (1).

ثالثها: غض البصر عن الأجنبيات وغضهن عن الرجال. أما عن كشف الظُّعُنِ عن وجوههن أو المرأة الخثعمية كما جاء في رواية فإن ذلك بسبب إحرامهن؛ لأن ستر الوجه للمرأة المحرمة من محظورات الإحرام تُبذَل في سبيل كفارة خطيئته الفدية، وهو ما يفصّل فيه القول بإذن الله.

رابعها: عندما يبلغ الحجاج وادي محسِّر في طريقهم من مزدلفة إلى منى في الموضع الفاصل بينهما (2) فإنه يندب لهم الإسراع بتنبيه دوابهم وتحريكها لقطع عرضه بسرعة أو بالخبب بالنسبة للماشي، وذلك قدر رمية حجر (3) ثم يخرج الحاج منه إلى منى سائراً.

روى الإمام البيهقي عن جابر قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأَوْضَعَ في وادي محسّر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخَذْف وقال:"خذوا عني مناسككم"(4). وفي رواية عنده "حتى أتى مُحَسِّراً ففزّع ناقته حتى جاوز

(1) صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 345.

(2)

قال الإمام النووي: وليس وادي محسر من المزدلفة ولا من منى بل هو مسيل ما بينهما. اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 349.

(3)

قال الإمام ابن حجر في حاشيته على كلام النووي: "المراد بهذا الوادي بعض محسّر خلافاً لما توهم عبارة المصنف سواء قلنا إن محسّراً خمسمائةٌ وخمسٌ وأربعون ذراعاً أو جميع ما بين مزدلفة ومنى إذ لو أريد به محسّر وأن الإضافة تنافيه كما في غير هذا المحل نافى قولهم: إنّ عرضه رمية حجر ولا مانع من أن بوادي محسّر وادياً صغيراً عرضه ما ذكر بل المشاهدة قاضية بذلك". اُنظر نفس المرجع ص 348.

(4)

السنن الكبرى لإمام المحدثين أحمد بن الحسين بن علي البيهقي برقم (9608).

ص: 391

الوادي فوقف، ثم أردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها" (1).

وذكر الإمام ابن حجر علة الإسراع في ذلك الوادي فقال: وصح أنه صلى الله عليه وسلم سار فيه سريعاً، وفي رواية كالخبب، ولعله سار فيه النوعين، والعلة فيه كما في المجموع أن النصارى كانت تقف هناك فنسرع نحن مخالفة لهم، وعبر الغزالي بالعرب بدل النصارى ولا مانع أن كلاً كان يقف ثَمَّ، أو مراده بالعرب العرب من النصارى، وقيل: ومشى عليه المصنف فيما مر؛ لأنه محل هلاك أصحاب الفيل (2)، وبحثه الإسنوي لعدم روايته له منقولاً، ثم قال: هو كديار ثمود إذ يسن لمن مر بها الإسراع (3) " (4).

خامسها: التوجه إلى منى من طريق يختلف عن الطريق الذي سلكه من منى إلى عرفات، أي يخالف بين الطريقين فيذهب إلى عرفات في طريق ضَبّ ويرجع منها إلى منى في طريق المأزمين، وفي ذلك ترسيخ حكمة التفاؤل بتغير الحال إلى أحسن وهو ما صرح به النووي تعليلاً بقوله: "وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق المأزمين ليخالف الطريق تفاؤلاً بغير الحال كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في دخول مكة حين دخل من الثنيَّة العليا وخرج من الثنيَّة السُّفلى، وخرج إلى العيد في

(1) السنن الكبرى للبيهقي برقم (9609).

(2)

قال ابن الأثير: إن أبرهة لم يدخل الحرم، وقال بعضهم: إن نزول العذاب بأصحاب الفيل كان بمحل بمحاذاة عرفة يسمى المَغمس (بفتح الميم وقد تكسر). قالوا: إن الفيل المذكور لم يدخل الحرم أصلاً. فعلى هذا القول يكون الإسراع في وادي محسر مخالفة للنصارى.

لكن أقول: سواء أدركنا الحكمة من هذا الإسراع أو لا فإننا نفعله اقتداء برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 348.

(3)

حكم ترك الإسراع أنه خلاف الأولى، ونقل ابن جماعة عن بعض الشافعية أن ترك الإسراع مكروه. اُنظر نفس المرجع والصفحة.

(4)

نفس المرجع والصفحة.

ص: 392

طريق ورجع في طريق آخر وحول رداءه في الاستسقاء" (1).

فهذه الطريق التي سلكها صلى الله عليه وسلم هي التي سماها جابر الطريق الوسطى، وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى مباشرة.

سادسها: حد منى: ما بين وادي محسّر وجمرة العقبة، وكلا الحدين ليس من منى وقد نص النووي في المجموع أن جمرة العقبة ليست من منى ونقل ذلك عن الأزرَقي والأصحاب واعتمده، كما نص على ذلك الشافعي رحمه الله وهو من أهل مكة كالأزرَقي وهما أدرى بشعابها (2).

ومنى شعب طوله نحو ميلين، وذَرْعُهُ ما بين محسّر والعقبة، وهو كما قال الأرزقي سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع أما عرضه فيسير ومنه الجبال المحيطة به ما أقبل منها عليه، أما ما أدبر منها عنه فليس من منى (3).

ومسجد الخَيْف (4) من منى أما العقبة فليست منها كما ذكر، وهي الجمرة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها الأنصار قبل الهجرة (5)، وهي التي عند الشجرة كما جاء في رواية جابر، ويبدو أنه كان يومذاك بالقرب منها شجرة معروفة.

كان قبلكم الغلوّ في الدين" (6).

فالنّبيّ صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى وقال: بمثل هذا فارموا ـ كما هو صريح رواية النسائي (7) ـ

(1) صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ـ ص 346.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 350 ـ 351.

(3)

نفس المرجع ص 350.

(4)

في القاموس: الخَيْف ما انحدر من غِلَظ الجبل، وارتفع عن سيل الماء، ومنه سُمِّيَ مسجد الخَيْف بمنى.

(5)

حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 350.

(6)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9619) والنسائي ج 5 ص 268. باب التقاط الحصى.

(7)

النسائي ج 5 ص 269. باب قدر حصى الرمي.

ص: 393

فدل قوله على الذي ذهب إليه فقهاء الشافعية.

ويجزيه كذلك أن يحمل حصى الجمار من أي مكان من عرفات أو مزدلفة أو منى أو من المرمى ولو من موضع نجس إلّا أن السنة في حصى جمرة العقبة أن تكون من مزدلفة (1)، وهو ما علل به نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر كان يأخذ الحصى من جمع كراهية أن ينزل (2)

أي لئلا ينزل من راحلته عند بلوغه جمرة العقبة، وهو ما أخذ منه الشافعية سنة أن يرمي الجمرة يوم النحر راكباً إن كان قد أتى راكباً؛ لأنه صح أنه صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة راكباً (3).

(1) على الحاج أن يأخذ سبع حصيات من مزدلفة، وأن يحتاط في الأمر، فلربما وقع منه شيء، أما سائر حصى الجمار فبعض الشافعية قال: تؤخذ من مزدلفة وهي ثلاث وستون حصاة، وبعضهم قال: لا تؤخذ منها، وكلاهما منقول عن الشافعي، والمعتمد أنها لا تؤخذ منها لعدم ثبوت ذلك إذ لم ترد سنة في تعيين المحل الذي يؤخذ منه حصى رمي أيام الشريق. أما الذين قالوا: السنة أن تؤخذ من وادي محسّر والآخرون الذين قالوا: السنة أن تؤخذ من منى حيث استدل الفريق الأول بحديث: عليكم بحصى الخَذْف وذلك لما وصل صلى الله عليه وسلم محسِّراً واستدل الفريق الثاني بما في مسلم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما وصل لمحسِّر وهو في منى قال: عليكم بحصى الخذف الذي ترمى به الجمرة. والدليلان لايصلحان للاستحباب؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم""هو بمعنى""الزموا" فيكون أمراً منه صلى الله عليه وسلم بحفظ ما أخذوه من مزدلفة بسبب اقتراب موقف رمي جمرة العقبة، كما يمكن أن يحمل على معنى التذكير لمن غفل أن يحمل الحصى من مزدلفة فيكون الاستدلال واقعاً في دائرة الجواز وهذا يضعف قول الحنابلة الذين كرهوا أن يحمل حصى الجمار من سائر الحرم. اُنظر تحقيق العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح نور الإيضاح ص 341 - 342. واُنظر الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي فيما نقله عن الحنابلة ج 3 ص 2259.

(2)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9628) ..

(3)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 356 ـ أقول: "ويؤيده رواية البيهقي (9638) عن جابر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار على راحلته. قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. واختار بعضهم أن يمشي إلى الجمار وقد روي عن ابن عمر أنه كان يمشي إلى الجمار، ووجه هذا الحديث عندنا أنه ركب في بعض الأيام ليُقتدَى به في فعله. اُنظر سنن الترمذي وما قاله حول الحديث برقم (899). والخلاصة التي ذهب إليها الشافعية جمعاً بين الأحاديث أن يرمي الحاج جمرة العقبة راكباً إن كان قد أتى راكباً وأنه يرمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق ماشياً؛ لأنه مقيم في منى حينئذ أما اليوم الثالث من أيام التشريق فإنه يرمي جمراته راكباً أيضاً؛ لأنه يوم النفرة من منى فسيأتيها راكباً فيرميها ويستمر في ركوبه؛ ولأنه لن يرجع بعد إلى محل إقامته في منى بدليل الحديث الذي صححه الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهباً وراجعاً وهذا لا ينطبق إلا على اليوم الأول والثاني من أيام التشريق؛ لأنه يذهب صلى الله عليه وسلم لرمي الجمار ثم يرجع منها إلى محل إقامته، وهذا يفهم منه ندب المشي في هذين اليومين وكذا يسن الرمي راكباً إن رمى متعجلاً اليوم الثاني من التشريق. اُنظر الحاشية لابن حجر ص 410 ـ 411 ـ وأياً كان الأمر فالمسألة دائرة بين الندب والجواز، بينما اليوم يتعذر أن يرمي راكباً ولو جاء راكباً إلّا قبل غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق لمن لم يتعجّل.

ص: 394

قال إمامنا الشافعي: "ومن حيث أخذ أجزأه إلّا أني أكرهه من المسجد لئلا يُخرج حصى المسجد منه، ومن الحش (1) لنجاسته، ومن الجمرة؛ لأنه حصى غير متقبل"(2).

ويستحب أن تكون الحصاة كحصى الخذف وهي ما دون الأنملة طولاً وعرضاً أي مثل حبة الباقلاء وهي أكبر من الحِمَّص ودون البندق كالفولة، وقيل: نحو النواة (3)، وهو ما نفهمه من كلام جابر.

وقولنا يستحب يفيد أن ما يسمى حصاة يجزئ صغر أو كبر (4)، لكن مع الكراهة لذلك قال إمامنا النووي: قال أصحابنا: "فلو رمى بأكبر منه أو أصغر كره وأجزأه"(5).

كما يسن أن يغسل حصى الجمار قبل رميها حتى وإن التقطها من محل طاهر وفي هذا السياق قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا أكره غسل حصى الجمار، بل لم أزلْ

(1) الحش بفتح الحاء وضمها، البستان وهو أيضا المخرج؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. اُنظر مختار الصحاح.

(2)

السنن الكبرى للبيهقي (9628) وقد زاد البيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً: "إنّ الحصى يناشد الذي يخرجه من المسجد". كما روى عن ابن عباس برقم (9629) قال: "ما تقبل منهم رفع وما لم يتقبل منهم ترك ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين". وروي كذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا من وجه ضعيف ثم قال: "وروي من وجه آخر ضعيف عن ابن عمر مرفوعاً". ج 7 ـ ص 282 ـ 283.

(3)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 342 ـ والفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ـ ص 2169 ـ 2258.

(4)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 342 ـ وبالمناسبة فإن المالكية في مذهبهم يقولون: لو كان الحصى أكبر من حصى الخذف كره ذلك وأجزأه أي باتفاق جمهور العلماء أما لو كان الحصى صغيرا فلا يجزئ عند المالكية. اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ـ ص 2262.

(5)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 433.

ص: 395

أعمله وأحبه" (1).

كما يكره أن يرمي بحجر أخذه من محل نجس وإن غسله لبقاء استقذارة في النفس فكراهته ككراهة استعمال إناء البول بعد غسله وهو ما نص عليه العلامة ابن حجر (2).

ويكره كذلك أن يرمي الجمار بما رمى به غيره فلو رمى بشيء منه أجزأه (3).

ومن المسائل التي يجب الانتباه لها هنا أنه يمكن للحاج رمي سبعين حصاة يوم النحر وأيام التشريق بحصاة واحدة فقط يرميها ثم يستردها، ثم يرميها ثم يستردها، وهكذا سائر الأيام لا بل إنّ رميَ فوج بكامله، بل قل إنّ رميَ حجاج الموسم جميعاً يجوز أن يتأتى بحصاة واحدة شرط أن يتسع الوقت وهو ما صرح به إمامنا النووي عليه رحمة الله الذي شبه ذلك بما لو دفع إلى فقير مداً ثم اشتراه منه ثم دفعه إلى فقير آخر وهكذا (4).

وكما لا يشترط طهارة الحصاة في الرمي كذلك لا تشترط طهارة الرامي (5).

تاسعها: وقت أداء جمرة العقبة وسائر الجمرات:

للرمي عند الشافعية وقت جواز ووقت فضيلة ووقت اختيار، بالضبط نظيرما نعرفه عن ذلك في أوقات الصلاة (6).

(1) نفس المرجع ص 344.

(2)

اُنظر المنهاج القويم للعلامة ابن حجر الهيتمي ص 433.

(3)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 361.

(4)

نفس المرجع ص 359 - 360.

(5)

الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2259.

(6)

فمثلاً فرض العشاء له وقت فضيلة هو أول الوقت ووقت اختيار لثلث الليل لحديث جبريل، وله وقت جواز يمتد إلى طلوع الفجر بحيث تؤدّى في الوقت كاملة، أما الفجر فوقت الفضيلة كسائر الصلوات يقع أول الوقت، ووقت الاختيار للإسفار أي الإضاءة لخبر جبريل أيضاً، ووقت الجواز يمتد إلى طلوع بعض الشمس بخلاف وقت الجواز في صلاة العصر فيمتد إلى غروبها كاملة. اُنظر تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب ص 80.

ص: 396

وبالنسبة لرمي جمرة العقبة فإن وقت الجواز يبدأ بنصف ليلة النحر وينتهي بغروب آخر يوم من أيام التشريق.

دليل الشافعية فيما ذهبوا إليه من بدء زمن رمي جمرة العقبة بنصف الليل الحديث المتفق على صحته من أنه صلى الله عليه وسلم قدّم ضعفة أهله بليل، وأجاز لأصحاب الحاجات من أهل السقاية ورعاء الإبل بالتوجه ليلاً لرمي تلك الجمرة دون أن يأمرهم بجبر هذا بدم فدل ذلك على أن واجب الوقوف يجزئ فيه مضي لحظة لطيفة بعد انتصاف ليلة العيد.

أما الدليل الأهم عند الشافعية والذي نقله عنهم الإمام ابن رشد القرطبي في بداية المجتهد هو حديث أم سلمة وحديث أسماء حيث أجاز فيهما الرميَ ليلاً لغير أصحاب الأعذار وحديث أم سلمة كما سيأتي علل ذلك بأنه صادف يومها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توافقه وحديث أسماء علل ذلك بأنهم كانوا يفعلونه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وإليك نص هذين الحديثين:

روى البيهقي عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة (2) وكذا ما رواه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) وفي رواية: وكان يومها فأحب أن توافقه (4).

(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد تأليف الإمام محمد بن رشد القرطبي ج 1 ـ ص 351.

(2)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9662).

(3)

السنن الكبرى للبيهقي (9658) قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام: رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم.

(4)

السنن الكبرى للبيهقي (9660).

ص: 397

وروى البيهقي عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: أخبرني مخبر عن أسماء رضي الله عنها أنها رمت الجمرة قلت: إنا رمينا الجمرة بليل قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).

ويؤيده ما مر معك في الحديث المتفق عليه عن عائشة أنها تمنت أن لو صنعت ما صنعته سودة وكانت ثَبِطَة أي ثقيلة الحركة. كل هذا يدل على أن جواز الرمي بعد منتصف ليلة النحر لم يكن خاصاً بذوي الحاجات بدليل أن عائشة لم تكن كذلك بل كانت فتاة صغيرة في عمرها عظيمة في شأنها رشيقة في حركتها ومع ذلك فقد تمنت بسبب ما لاقته من جهد ومشقة بالمبيت في مزدلفة أن لو سارت مع من سِرْن لجمرة العقبة ليلاً لهذا قال إمامنا الشافعي رحمه الله بجواز الرمي من بعد نصف الليل للقادر والعاجز (2).

وعن نهاية زمن رمي جمرة العقبة وسائر الجمرات يقول الإمام النووي:

"واعلم بأنه يفوت كلُّ الرمي بأنواعه بخروج أيام التشريق من غير رمي ولا يؤدّى شيء منه بعدها لا أداء ولا قضاء. ومتى تدارك فرمى في أيام التشريق فائتها أو فائت يوم النحر فلا دم عليه. ولو نفر من منى يوم النحر أويوم القرّ أو يوم النفر الأول ولم يرم ثم عاد قبل غروب الشمس من اليوم الثاني فرمى أجزأه ولا دم عليه. ومتى فات الرمي ولم يتداركه حتى خرجت أيام التشريق وجب عليه جبره بالدم (3).

(1) السنن الكبرى للبيهقي (9657).

(2)

لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات فيها والمبيت هو المكث بعد منتصف الليل فيكون هو الواجب. وقال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في الحج والعمرة في الفقه الإسلامي ص 104: "وجه الاستدلال أنه علق الرمي بما قبل الفجر وهو تعبير صالح لجميع الليل فجعل النصف ضابطاً له؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة مماقبل النصف".

(3)

حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 407 - 409.

ص: 398

فالأيام الأربعة من النحر إلى ثالث أيام التشريق هي وقت للرمي، وهي وقت جواز له عند الشافعية، ولو فاتت فلا أداء ولا قضاء.

ولو فات يوم منها تداركه في تاليه أو في سائر الأيام؛ لأنها كلها أيام رمي وهو مذهب السادة الحنبلية أيضاً (1).

أما وقت الاختيار فينتهي بغروب شمس يوم النحر (العيد). قال إمامنا النووي: "ويدخل وقت الرمي والحلق والطواف بنصف الليل من ليلة العيد ويبقى إلى غروب الشمس (2). وقيل يبقى إلى طلوع الفجر من ليلة أول أيام التشريق (3) "(4).

وأما وقت الفضيلة فهو ما يعبر عنه بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن يرميها بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح. قال العلامة ابن حجر: "عبر به في المجموع وظاهره أنه لا يدخل وقت الفضيلة إلّا بارتفاعها كذلك، فما اقتضاه ظاهر كلام

(1) وقت الرمي عند الحنفية والمالكية يبدأ من طلوع فجر يوم النحر وهو وقت جواز مع الإساءة عندهم، أما الوقت المسنون فمن طلوع الشمس إلى الزوال، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت جواز بلا إساءة، أما الرمي بالليل فهو وقت جواز مع الإساءة عندهم لكن لا جزاء ولا فدية فيه عند الحنفية فقط. وآخر وقت الرمي عند الحنفية إلى فجر اليوم التالي، وعند المالكية إلى الغروب لكن يجب الدم في المشهور عند أصحاب مذهب مالك إن أخره عنه. قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر بعد أن ساق هذا:"استدل أبو حنيفة بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال: رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج، أخرجه البخاري، وهو يدل على جواز الرمي بعد الزوال، وحديث ابن عباس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا ليلاً أخرجه ابن أبي شيبة". اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور عتر ص 103 - 105. أقول: وربما استدل الشافعية بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتى لمن رمى مساءً، وأفتى لمن رمى ليلاً بأن أيام التشريق والعيد هي وقت ممتد للرمي بليلها ونهارها وسيأتي.

(2)

قال العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 352: "وما صححه هنا كالروضة من بقاء الرمي للغروب مراده به وقت اختياره، وإلا فوقت أدائه لا يفوت إلا بآخر التشريق كما يأتي تحقيقه أخذاً من كلامه وله وقت فضيلة سيأتي".

(3)

أي لا ينتهي بغروب يوم العيد، بل يمتد إلى طلوع فجر اليوم الثاني من أيام العيد وفق هذا القول.

(4)

الحاشية لابن حجر على شرح نور الإيضاح ص 352.

ص: 399

الروضة والمنهاج من دخوله بمجرد الطلوع محمول على أصل الفضيلة لا كمالها. قال الماوردي: "ويستمر وقت الفضيلة إلى الزوال"(1).

يفهم من هذا أن من دخل منى قبل طلوع الشمس سن له تأخير الرمي حتى تطلع الشمس قدر رمح وهو ما لا يتنافى مع ما مر من أن تحية بقعة منى هو في رمي جمرة العقبة؛ لأن التأخير هاهنا لعذر تطبيق السنة في تأدية الرمي في وقت فضيلة، وهذا لا يفوّت تلك التحية بدليل ما صح من طرق متعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث ضعفة أهله وأمر أصحابه أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس (2) وإليك تفصيل ذلك:

روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس (3).

قال الإمام النووي: "المراد بيوم النحر جمرة العقبة فإنه لا يشرع فيه غيرها بالإجماع"(4).

أقول: يشهد لهذا الروايةُ الأخرى عند البيهقي في سننه عن جابر بن عبد الله قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة أول يوم ضحى وهي واحدة"(5).

وروى الخمسة وصححه الترمذي عن ابن عباس قال: قدَّمَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أُغَيْلِمَةَ بني عبد المطلب فجعل يَلْطَحُ (6) أفخاذنا ويقول: أُبَيْنِيَّ (7) لا ترموا حتى

(1) نفس المرجع ص 353.

(2)

اُنظر نفس المرجع والصفحة من كلام ابن حجر.

(3)

صحيح مسلم برقم (1299/ 314).

(4)

كما قال النووي: "وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم. وعندنا يجوز تقديمه من منتصف ليلة النحر". اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 9675.

(5)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9650).

(6)

قال الشوكاني في نيل الأوطار ج 5 ص 82: "قال الجوهري اللَّطْحُ الضرب الليّن على الظهر ببطن الكف اهـ وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم".

(7)

أُبَيْنِيَّ تصغير أبْنى مثل أُعيمى تصغير أعمى أما الياء المشددة في آخر "أُبَيْنِىَّ" فهي ياء النسب، أمّا أبْنَى فهو اسم مفرد يدل على جمع لفظة ابن، وقيل: إن ابناً يجمع على أَبْنى مقصوراً وعلى أبنَا ممدوداً وهذا كله أورده ابن الأثير في النهاية ج 1 ص 7. بعد أن قال: من حق هذه اللفظة أن تجيء في حرف الباء؛ لأن همزتها زائدة، وأوردناها هاهنا حملاً على ظاهرها وقال: قال أبو عبيدة هو تصغير بَنِيَّ جمع ابن مضافاً إلى النفس، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظة في الحديث: أُبَيْنِيَّ بوزن سُرَيجيَّ، وهذه التقديرات على اختلاف الروايات. اُنظر تعليق لجنة الدراسات لمكتب البحوث في دار الفكر من خلال حواشيها على السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 289.

ص: 400

تطلع الشمس" (1) ولفظه عند الترمذي: "قدّم ضعفة أهله وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (2).

وفي جمرات أيام التشريق تتكرر هذه المصطلحات الثلاثة مرة أخرى:

المصطلح الأول: وقت الفضيلة يقع بعد زوال الشمس مباشرة لما روى البخاري عن وَبَرَة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه. فأعدْتُ عليه المسأله. قال: كنّا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" (3). ولما رواه مسلم وغيره عن جابر قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس" (4).

فابن عمر يروي عن الصحابة الكرام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتحينون في موقع الجمرات - كما يفهم من الحديث - قبل زوال الشمس، فإذا زالت الشمس رَمَوْا؛ لأنه وقت الفضيلة الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما وقت الاختيار فيمتد إلى غروب شمس يوم الرمي، فإن كان الأول من أيام

(1) أخرجه أحمد في مسنده برقم (2082) وابن ماجة برقم (3025) وأبو داود برقم (1940) والنسائي ج 5 ص 270 - 272.

(2)

سنن الترمذي برقم (893)

وقال: حديث حسن صحيح.

(3)

البخاري في صحيحه باب رمي الجمار برقم (1746) ورواه أبو داود برقم (1972).

(4)

صحيح مسلم (1299/ 314) وأبو داود (1971).

ص: 401

التشريق فالاختيار في رمي الجمرات في ذلك اليوم إلى غروبه وإن كان الثاني منها فهو كذلك وهكذا.

قال الإمام النووي: "لا يصح الرمي في هذه الأيام إلّا بعد زوال الشمس، ويبقى وقته إلى غروبها (1). وقيل: يبقى إلى طلوع الفجر والأول أصح"(2).

ويستنبط من كلام ابن عمر: "نتحين" أنهم كانوا لا يقدمون على الرمي شيئاً لذلك قال الفقهاء: يستحب إذا زالت الشمس أن يُقدّم الحاج الرميَ على صلاة الظهر فلا يصليها حتى يرجع من رمي الجمرات. قال إمامنا النووي: "نص عليه الشافعي رحمه الله".

المصطلح الثالث: وقت الجواز، فإنه يمتد إلى آخر أيام التشريق وهو المفتى في فقه السادة الشافعية والحنبلية لذلك قال الإمام النووي:"إذا ترك شيئاً من الرمي نهاراً فالأصح أنه يتداركه فيرميه ليلاً أو فيما بقي من أيام التشريق سواء تركه عمداً أو سهواً وإذا تركه فيها فالأصح أنه أداء لا قضاء، وإذا لم يتداركه حتى زالت الشمس من اليوم الذي يليه فالأصح أنه يجب عليه الترتيب فيرمي أولاً عن اليوم الفائت، ثم عن الحاضر، وهكذا لو ترك يومَ العيد رمي جمرة العقبة فالأصح أنه يتداركه في الليل وفي أيام التشريق ويشترط فيه الترتيب فيقدمه على رمي أيام التشريق ويكون أداء على الأصح وإذا قلنا بالأصح أن المتداركَ أداءٌ لا قضاءٌ كان تعيين كل يوم للمقدار المأمور به وقت اختيار وفضيلة كأوقات الاختيار للصلاة"(3).

(1) قال العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي في حاشيته ص 405. "قوله: "ويبقى وقته" أي وقته الاختياري وإلا فوقت أدائه ممتد إلى آخر أيام التشريق على المعتمد".

(2)

نفس المرجع والصفحة.

(3)

نفس المرجع ص 406 - 407.

ص: 402

فهذه هي أوقات الرمي حسب تقسيم الفقهاء لها وهو مذهب معتمد تلقته الأمة بالقبول وانبرى للتعبد وفق أحكامه والاجتهاد وفق استدلالاته آلاف الأئمة من المحدثين والفقهاء وجهابذة العلماء وهو أيسر في هذا من مذهب الإمام مالك إمام دار الهجرة وشيخ الشافعي الذي يقول: "ينتهي الأداء إلى غروب كل يوم وما بعده قضاء له ويفوت الرمي بغروب الرابع ويلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع، وكذا يلزمه الدم إذا أخر شيئا منها إلى الليل".

علق أستاذنا الدكتور نور الدين عتر على هذا الكلام بعد أن ساقه:

"والقضية اجتهادية - كما ترى - ليس فيها نص مما يجعل الأمر واسعاً"(1).

ونعم ما ذكرتَهُ يا أُستاذَنا فإن المكان الذي تُرمى فيه الجمرات محدود لا يمكن توسيعه، والأعداد الغفيرة من الحجاج قد تصل اليوم في موسم الحج الواحد إلى أكثر من ألفي ألف حاج (مليوني حاج) فكيف يتأتى أداء العبادة بالنسبة لهذه الوفود والزمان في وقت الفضيلة لا يتجاوز الساعات القليلة؟ ! إن هذا في ميزان العمليات الحسابية البسيطة هو إقدام على الانتحار وانزلاق إلى الهلاك وهو ما نرى منه اليوم مشاهد تتفطر لها أكباد الغيارى، وتستثمرها نظرات الحاقدين في توظيف مشبوه لنسف هذه الفريضة أو تشويه جوهرها وأهدافها لذلك لا بدّ لنا من علاج هذه المعضلة التي باتت تؤرق أفئدتنا كلما شددنا رحالنا إلى بيت الله الحرام.

المعالجة في نظري تبدأ من ضبط أعداد الحجاج ضمن منهجية تراعي كل الحيثيات الشرعية وتقلل من أعداد الوافدين على الديار المقدسة بما يُبقي السيطرة على منطقة

(1) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور العتر ص 107.

ص: 403

الجمرات تامة ومأمونة.

الخطوة الثانية تأتي في توسيع زمان الرمي وفق ما تقتضيه الضوابط الشرعية أمام عجزنا عن توسيع مكان الرمي (1) وهنا يتبدّى أمامنا مذهب السادة الشافعية ومنهم النووي والرافعي والهيتمي والعسقلاني وطائفة من كبار فقهاء الأمة ومحدثيها فنتلمس عندهم في امتداد زمن الرمي إلى آخر أيام التشريق بغروب شمس يوم الرابع منها ترياقاً ناجعاً لا مثيل له حيث يمكننا أن نرمي في وقت الفضيلة ووقت الاختار الذي يختم بغروب شمس اليوم نفسه، ووقت الجواز الذي يصح معه الرمي بالليل أو الرمي باليوم التالي عن الأول أولاً، كما يصح أن يجمع رمي الأيام كلها في اليوم الأخير قبل غروب شمسه حسب ترتيب الأيام دون أن يُعَدَّ ذلك قضاء أو موجباً للإثم أو ملزماً لكفارة الدم.

هذا ما نفعله كل عام في فوج اليمان بتوفيق الله حيث نرمي عقب النفرة من مزدلفة جمرة العقبة ليوم النحر، ثم يرمي الشباب والفتيات في الليل في مجموعات عن كل يوم في زمانه أو عن يومين يُجمعان معاً، ثم ينتقل الفوج في اليوم الثالث من أيام التشريق - حيث لا نتعجل - بشبابه وعجزته ونسائه القادرات والعاجزات في مجموعات منظمة صوب الجمرات نبدأ باليوم الأول من أيام التشريق بجمراته الثلاث مرتبة: الصغرى فالوسطى فالكبرى (العقبة) فاليوم الثاني كذلك فاليوم الثالث، كل هذا بعد الزوال وقبل الغروب.

هذا ما أرتضيه لنفسي وأحمل عليه أصحابي من ضيوف الرحمن الملتحقين بفوج اليمان

(1) الحق أنه بعد كتابة هذا الفصل شاهدتُ اجتهاداً لفقهاء مكة ومَن لفّ لفّهم من فقهاء تلك البلاد تم تجسيده على أرض الواقع يقضي بتوسيع طول الشاخص الذي تتوجه إليه حصيات الرمي في المرمى مما يسهل اجتماع عدد كبير من الرماة الحجاج دون إحداث تزاحم أو تدافع يفضي إلى الإيذاء، فلله الحمد والمنة، والله تعالى أعلم.

ص: 404

وهو الأفضل من الأخذ بالأقوال الضعيفة والروايات المنسوبة إلى هذا الإمام أو ذاك بما يخالف جمهور أصحابه، أو رواياتٍ أخرى منقولة عنه ثابتة خلاف سياق الأولى، لكن حتى هذا لا نحجر عليه وإن كنا لا نفعله شرط صحة النسبة إلى أصحابها؛ لأن حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة الني يحج إليها المسلمون، ويتوجهون إليها في صلواتهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

من ذلك ما روي عن الإمام أبي حنيفة النعمان من جواز رمي اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الزوال مع أن الرواية المشهورة عنه والظاهرة في مذهبه حرمة الرمي قبل الزوال وهي المسألة التي اتفق عليها أئمة وجماهير الفقهاء.

قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر:

"الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة يجب فيهما رمي الجمار الثلاث على الترتيب يرمي أولاً الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخَيْفِ، ثم الوسطى، ثم يرمي جمرة العقبة يرمي كل جمرة بسبع حصيات.

يبدأ وقت الرمي في هذين اليومين من أيام التشريق بعد الزوال حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال باتفاق الأئمة وجماهير العلماء وهي الرواية المشهورة الظاهرة عن أبي حنيفة.

وروي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي بعد الزوال في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر وهما الأول والثاني من أيام التشريق، فإن رمى قبل الزوال جاز واستُدِلّ له بقياس أيام التشريق على يوم النحر؛ لأن الكل أيام رمي.

وروى الحسن عن أبي حنيفة: "إن كان مِن قَصْدِه أن يتعجل في النَّفْرِ الأول فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث من أيام النحر قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل

ص: 405

وإن لم يكن ذلك من قصده لا يجوز أن يرمي إلّا بعد الزوال وذلك لدفع الحرج؛ لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلّا بالليل فيحرج في تحصيل موضع النزول" (1). وقوى بعض متأخري الحنفية هذه الرواية توفيقاً بين الروايات عن أبي حنيفة (2).

ويقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في دندنته حول هذا الموضوع:

"لا شك أن ما حدث في موسم الحج هذا العام وما حدث منذ سنتين قبل ذلك من موت مئات من المسلمين عند رمي الجمرات أمر تنفطر له الأكباد حسرة، وتتقطع عليه القلوب حزناً وأنا أشهد أن المملكة قد بذلت - وتبذل - من الجهود والتيسيرات للحجيج ما لا ينكره لا مكابر ولا جاحد".

ثم قال في علاج ذلك:

"وأول هذه الحلول في نظري أن نقلل من عدد الحجاج ما أمكننا وخصوصاً الحجاج الذين حجوا قبل ذلك حجة الفريضة، وربما حج كثير منهم مرات ومرات وأن نوعّي هؤلاء بأن أفضل لهم من حج النافلة أن يتبرعوا بمبلغ الحج لإخوانهم المسلمين الذين يموتون من الجوع ولا يجدون ما يمسك الرمق أو يطفئ الحرق أو ....

"ولو فقه المسلمون الذين يحجون للمرة السابعة أو العاشرة أو العشرين دينهم حقاً وعلموا أن إطعام الجائع وكسوة العريان ومداواة المريض وتعليم الجاهل وتشغيل العاطل وإيواء المشرد وكفالة اليتيم وإغاثة اللهفان أحب إلى الله تعالى من حج النافلة، ما تزاحموا على الحج، وتركوا هذه القربات العظيمة التي أراها فرائض على المسلمين

(1) "دليل الجمهور أن هذا باب لا يعرف بالقياس بل بالتوقيف من الشارع الحكيم فلا يجوز العدول عنه وهو ما نقله فضيلته بعد أن ساق ما سبق. اُنظر نفس المرجع ص 106.

(2)

اُنظر نفس المرجع ص 105 - 106.

ص: 406

قصّروا فيها، وقد اتفق علماء الأمة على هذه القاعدة:(إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة)، وقد قال الربانيون: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور".

ثم قال: "وهناك أمر آخر في غاية الأهمية وهو منوط بأهل العلم والفقه في هذه الأمة وهو أن نوسع في (زمن الرمي) ما وسّع لنا الشرع في ذلك، حيث لانستطيع أن نوسع المكان إذ المرمى صغير كما هو معلوم، ثم لا بد أن يكون الرمي من مسافة قريبة حتى يقع الحصى بالمرمى ولا يصيب الناس فيؤذيهم.

وما دام العدد كبيراً والمكان محدوداً فليس أمامنا إلّا توسيع الزمان وهو إجازة الرمي من الصباح إلى ما شاء الله تعالى من الليل.

وقد أجاز الإمام أبو حنيفة الرمي يوم النفر من منى من الصباح فيرمي، ثم يحزم أمتعته لينزل إلى مكة (1).

وإذا كان معظم الناس يتعجلون في يومين كما قال تعالى {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203] فلم يبق إلّا يوم واحد هو اليوم الثاني من أيام النحر.

"وقد قال ثلاثة من كبار الأئمة بجواز الرمي قبل الزوال في الأيام كلها وهم عطاء فقيه مكة وفقيه المناسك وأحد فقهاء التابعين، وطاوُس فقيه اليمن وأحد فقهاء

(1) أشار أستاذنا الدكتور نور الدين عتر إلى أن فتوى الإمام أبي حنيفة تنص على جواز الرمي من بعد الفجر وليس قبل الفجر من بعد منتصف الليل كما يفعله الجهال الذين يراسل بعضهم بعضا بالفتاوى دون توثيق أو اطلاع، وفي هذا قال ما نصه:"لكن يجب التحذير أن الفجر هنا هو وقت صلاة الفجر وليس الساعة الثانية عشرة ليلاً كما فهمه بعض أغبياء العامة ورفعت إلينا الفتوى فيهم". اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي. ص 106.

ص: 407

التابعين، وهو وعطاء من تلاميذ حبر الأمة عبد الله بن عباس وكذلك هو رأي أبي جعفر الباقر من أئمة أهل البيت وفقهاء الأمة المعتبرين بل قال هذا بعض المتأخرين من فقهاء المذاهب من الشافعية والمالكية والحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد" (1).

ثم قال: "وقد قرر العلماء عدة قواعد كلها تنفعنا في هذه القضية منها قولهم: "التكليف بحسب الوسع"، "المشقة تجلب التيسير" "إذا ضاق الأمر اتسع" "الضرورات تبيج المحظورات"، "لا ضرر ولا ضرار"، ومما يؤكد ذلك أن المقصود من الرمي هو ذكر الله تعالى.

ثم قال: "

ولهذا كان الرمي بعد الزوال سنة عنه، ولكن لم يأت نهي منه عليه الصلاة والسلام عن الرمي قبل ذلك.

على أن الرمي ليس من أساسيات الحج فهو يتم بعد التحلّل الثاني من الإحرام بالحج وتجوز فيه النيابة للعذر، وأجاز فقهاء الحنابلة أن يؤخر الرمي كله إلى اليوم الأخير، وكل هذا يدل على التسهيل فيه وعدم التشديد.

وحديث عروة بن مضرّس الطائي الذي رواه أصحاب السنن، وقد أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر بمزدلفة وسأله عن حجه فقال:"من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع أي إلى منى وطواف الإفاضة وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه".

(1) وقد قال فيما بعد: "ونقل في (التحفة) عن الرافعي أحد شيخي مذهب الشافعي الجزم بجوازه قال وحقّقة الإسنوي وزعم أنه المعروف مذهباً، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يجوز الرمي قبل الزوال للمستعجل مطلقاً وهي رواية عن الإمام أحمد ساقها في (الفروع) بصيغة الجزم. وجوّز ابن الجوزي الرمي قبل الزوال". اُنظر مائة سؤال عن الحج والعمرة للقرضاوي ص 103 - 104.

ص: 408

ثم ذكر فضيلة الشيخ القرضاوي رسالة بعنوان: "يسر الإسلام" للعلامة

عبد الله بن زيد المحمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر أفتى فيها بهذا وأن من أدلته:

"فبما أنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نحر يوم العيد ضحى، وحلق يوم العيد ضحى، وطاف طواف الإفاضة يوم العيد ضحى، وسكت عن التحديد فجعله العلماء موسعاً يفعل في أي ساعة شاؤوا من أيام التشريق فكذلك الرمي.

ثم تابع قائلا فيما ينقله عن ابن محمود:

"فإذا طاف طواف الإفاضة فقد تحلل التحلل الثاني بحيث لو مات لحكم بتمام حجه فناسب التسهيل وعدم التشديد في التحديد إذ هي من فروع المسائل الاجتهادية".

ثم تابع عنه قوله: "فمتى كان الأمر بهذه الصفة وأن أيام منى كالوقت الواحد حسبما ذكروا فإذن لا وجه للإنكار على من رمى قبل الزوال".

ثم تابع عنه قوله: "وكل من تأمل الفتاوى الصادرة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد التحلل الثاني يجدها تتمشى على غاية السهولة واليسر فقد استأذنه ابن عباس في أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له على أن هذا الإذن مستلزم لترك واجبين وهما المبيت والرمي ولم يأمره أن يستنيب من يرمي عنه ولا من يسقي عنه على أن الاستنابة في كلا الأمرين ممكنة.

وقيل له: إن صفية قد حاضت قال: فهل طافت طواف الإفاضة؟ قالوا: نعم قال: فلتنفر إذن. فأسقط عنها طواف الوداع. وهو معدود من الواجبات، ولم يأمرها في أن تستنيب من يطوف بدلها.

ورخص لرعاة الإبل في المبيت عن منى بأن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا جمار الأيام

ص: 409

الثلاثة يرمونها يوم النفر في أي ساعة شاؤوا من ليل أو نهار" (1).

هذه النقول سقتها بين يدي قراء هذا الكتاب توثيقاً مني للاجتهاد الذي أشرت إليه وهو ما توخيته في مجمل أبحاث الكتاب كما اجتهدت في أن يجمع كتابي بين اجتهادات المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء والمعاصرين منهم لإكساء الكتاب حلة جديده أسأله سبحانه أن تكون مرضية عنده عنوانها التوفيق والإخلاص.

ومن الثمار التي رجوتها من وراء ذلك أيضا أن يعلم الحجاج الكرام خطورة الازدحام وطبيعة المشقة التي يسببها ويعانيها ضيوف الرحمن خاصة عند رمي الجمار لنتعاون جميعاً على فهم الاجتهادات الفقهية الموثقة المنقولة عن سلف هذه الأمة والمترابطة بأصلي الكتاب والسنة لنغترف منها ما يتمشى مع صلاح عصرنا، ويرفع الحرج عنا دون أن نخرج عن الضوابط التشريعية لهذه الفريضة وبهذا نملك من الزاد العلمي ما ننأى به عن اتهام العلماء الثقات بالتغرير بنا فيما يزعمون أنه حِجة فقهية لا حِجة نبوية! فإن هذا كلام إذا رميت بسهامه مصداقية الفقهاء المتنورين أحدث إساءة وسوء فهم في بيت الله الحرام واتهاماً لمن صانتهم علومهم وسيرتهم عن أمثال هذا الهراء الذي تبعث عليه العصبية والجهل بأحكام المناسك، والافتقار إلى فهم الواقع المصاحب لهذه الفريضة من جهد ومشقة بالغين (2).

(1) اُنظر نفس المرجع للدكتور يوسف قرضاوي ص 92 ـ 101.

(2)

لكن هذا ليس على إطلاقه فهناك من الذين يقفون على رأس هذه الفريضة ممن لاحظ لهم من العلم والخشية لله تعالى ولا همَّ عندهم سوى الرياسة الكاذبة والصدارة المزعومة وجمع المال ولو من حرام اتخذهم الناس رؤوساً جهالاً فصدّقوا أنفسهم، فضلّوا وأضلوا، ومن هؤلاء من يجمعون الرمي ليلة الثاني عشر من ذي الحجة بعد منتصف الليل فيرمون قبله بقليل عن اليوم الحادي عشر من ذي الحجة ويرمون بعده ليلاً عن اليوم الثاني عشر منه دون أيّ مستند فقهي سوى التوفير في نفقات الأجرة لنقل الحجاج مرة واحدة وفي وقت واحد عوضاً عن مرتين وفي وقتين مختلفين، وحتى دون الانتظار إلى الفجر وفق رواية أبي خنيفة التي أخذت بها السلطات السعودية اليوم تيسيراً وتخفيفاً.

ص: 410

عاشرها: كيفية الوقوف للرمي:

السنة أن يقف الحاج عند رمي جمرة العقبة في بطن الوادي بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه وتقع مكة المكرمة عن يساره وهو الصحيح الذي جاءت به الأخبار ومن ذلك ما أورده الإمام البخاري في صحيحه عن

عبد الله بن زيد قال: رمى عبد الله من بطن الوادي (1). ورواه عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود أيضاً رضي الله عنه أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم (2).

هذه هي السنة ويصح في المقابل الكيفيات الأخرى. قال الإمام النووي: "وهذا هو الصحيح في مذهبنا وبه قال جمهور العلماء. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل القبلة مستدبراً مكة. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه والصحيح الأول. وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو عن يساره أو رماها من فوقها أو أسفلها أو وقف في وسطها ورماها.

وأما رمي باقي الجمرات في أيام التشريق فيستحب من فوقها (3)(4) ".

(1) أخرجه البخاري في باب رمي الجمار من بطن الوادي برقم (1747) كما أخرجه مسلم برقم (1296/ 306) وفي لفظ للبخاري برقم (1750) عن ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى بالشجرة اعترضها فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة

قال الإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في فتح الباري ج 3 ص 734. في قوله (فاعترضها) أي الشجرة يدل على أنه كان هناك شجرة عند الجمرة.

(2)

صحيح البخاري باب رمي الجمار بسبع حصيات برقم (1748).

(3)

أي يأتي الجمرات من أسفل منى ويصعد إليها وهو يستقبلها فإذا ما وصلها استقبل القبلة ثم يرميها. اُنظر الحاشية لابن حجر ص 403.

(4)

صحيح مسلم بشرح النووي ج 3 ص 418.

ص: 411

حادي عشرها: في آداب أخرى تصحب الحاج في رميه:

من السنة أن يقطع الحاج التلبية مع أول حصاة يرميها (1)؛ لأنه بالرمي يشرع في التحلل من الإحرام، والتلبية شعار الإحرام فلا يأتي بها مع شروعه في التحلل منه كذا قاله النووي (2).

ويستدل لهذه السنة بما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس عن الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزلْ يلبّي حتى بلغ الجمرة" (3).

ومن السنة إذا قطع التلبية أن يكبر بدل تلبيته يفعل ذلك مع رميه كل حصاة يقول: الله أكبر (4). ولو قدم الحلق أو الطواف على الرمي فإنه يقطع التلبية في أول ما

(1) أما في العمرة فلا يزال يلبي من ميقاته الذي أحرم منه حتى يدخل مكة ويبدأ بالطواف فإذا شرع بالطواف قطع التلبية. اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح ص 426. وقد روى في هذا الإمام الترمذي في سننه برقم (919) عن ابن عباس (يرفع الحديث) أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حسن صحيح. وقال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم قالوا: لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر، وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح ص 355.

(3)

صحيح مسلم برقم (1280/ 128). أقول: والحديث دليل الشافعي والجمهور، أما أحمد وإسحاق فقالا: يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة وحجتهما الحديث الآخر عند مسلم برقم (1281/ 267) عن الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزلْ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. قال الإمام النووي في شرحه على مسلم ج 9 ص 405: ويجيب الجمهور عنه بأن المراد حتى شرع في الرمي ليجمع ين الروايتين". أقول: يشهد للشافعي الرواية التي عند البيهقي في السنن الكبرى (9691) عن عبد الله قال: "رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة".

(4)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح ص 154 - 355. هذا وقد زاد النووي هناك فقال: "واستحب بعض أصحابنا في التكبير المشروع مع الرمي أن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر".

ولدى النظر في الحاشية على شرح الإيضاح نجد العلامة ابن حجر الهيتمي يتعقب كلام النووي هذا بقوله: "تعقبه في المجموع أي النووي بأنه غريب، وإنما الذي في كتب الفقهاء والأحاديث الصحيحة يكبر مع كل حصاة ومقتضاه مطلق التكبير. قال وما ذكره هذا القائل طويل لا يحسن التفريق به بين الحصيات. ثم قال: قال الماوردي: قال الشافعي رضي الله عنه: يكبر مع كل حصاة فيقول: الله أكبر، ثلاثاً لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد اه. وظاهر كلام المجموع تقرير كلام الماوردي على ما قاله وهو ظاهر. اُنظر نفس المرجع ص 355.

أقول: وفي مسند ابن مسعود عند أحمد قال: يكبر مع كل حصاة وقال: اللهم! اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً. اُنظر نيل الأوطار للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني ج 5 ص 78.

ص: 412

قدمه؛ لأنهما من أسباب التحلل (1).

ومن الاتباع أن يرمي بيده اليمنى إن سهل عليه، وأن يرفع يده في رميه حتى يرى بياض إبطه. هذا في حق الرجل أما المرأة والخنثى فلا ترفعان يداً؛ لأن الأصل في حق النساء الستر (2).

ومنها أن لا يزاحم أحداً، ولا يطرد الناس عند رمي الجمار، ولا ينهرهم، ومن باب أولى أن لا يضرب غيره؛ لأن هذا مما يتنافى مع خلق المسلم ويتعارض مع رحلة السلام هذه، كما لا يتماشى مع لون من ألوان ذكر الله تعالى والذي جسده في هذه المحطة واجب الرمي عند الجمرات. روى الترمذي في سننه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله"(3).

ورُويَ كذلك عن قدامة بن عبد الله قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار على ناقة. ليس ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ ولا إِليكَ إِليك"(4).

وإذا كانت السنة أن يكون حصى الجمار مثل حصى الخذف - وقد بيَّنْتُه لك - فإن السنة نهت عن الرمي بما يسمى خَذْفاً (5) التي هي أشبه بما يفعله الأولاد اليوم في لعبهم بما

(1) نفس المرجع والصفحة.

(2)

نفس المرجع ص 354.

(3)

سنن الترمذي (902) وقال عنه أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.

(4)

سنن الترمذي (902) وقال عنه أبو عيسى: حديث قدامة بن عبد الله حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجة برقم (3035).

(5)

أي بالطريقة التي يسميها الرماة خَذْفاً.

ص: 413

يعرف عند أهل الشام بالدَّحل. علة النهي أن هذه الكيفية قد تفقأ العين أو تكسر السن، لاسيما وأن المرمى يكثر فيه الناس، فربما اندفعت الحصاة من تحت إصبع الرامي بغير اختياره فأصابت من بقربه من ضيوف الرحمن فآذته (1).

بهذا يتبيّن لنا أن الرمي كسائر عبادات الإسلام يصطبغ فيها ذكر الله تعالى بكل ما يتجلى به على قلب صاحبه من خشية وعلى نفسه من سكينة، وعلى جوارحه من وقار، وهو ما ينافيه ما يفعله بعض مسلمي اليوم من تدافع ومصادمة وإيذاء يدل على افتقارهم للذكر والعلم والتوعية على حد سواء، وعلى تراجع الذوق المحمدي الكريم في تصرفاتهم، وأنهم ينكفؤون خلف النصوص الحرفية دون مراعاة لروح الشرع ومقاصده وأولوياته وهو ما تقام عليهم به الحجة بما أورده إمام المحدثين البيهقي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت:"رأيت رسول الله يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل من خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن عباس وازدحم الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيّها الناس لايقتلْ بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخَذْف"(2).

(1) الحق أن هذا النهي ورد في أبحاث الصيد والذبائح وليس في معرض الحج وأحكامه ومنها الرمي وهو ما جعل الإسنوي من الشافعية يقول: إن الحج غير مراد به هذا النهي؛ لأن الخذف في الصيد لا يقتل الحيوان. بيد أن الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته رد عليه وعلى الزركشي القائل بقوله وذلك بالكلام التالي: "ولك ردّ ما قالاه بأن القاعدة أنه يستنبط من النص معنى يعممه وهو هنا خشية الإيذاء وهي موجودة". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح ص 356.

(2)

السنن الكبرى للبيهقي (9641) وأبو داود واللفظ له (1966).

وكأني بكلام المصطفى صلى الله عليه وسلم ينطوي على معجزة غيبية تضاف إلى سجل معجزاته التي لا تنتهي إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، حين يتحدث من وراء سجاف الغيب وكأنه بيننا اليوم، فينهي عن القتل الذي لم يكن له وجود آنذاك، بينما هو اليوم ظاهرة تكاد تلازم الرمي بمعدل كل عامين مرة تقع فيها فاجعة لطائفة من ضيوف الرحمن تقتل دهساً بالأقدام فأين هذا من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يقتل بعضكم بعضاً"

ص: 414

فالأدب الإسلامي في الرمي الملاطفة والسكينة والتكبير مع كل حصاة، ومَن ترك الملاطفة فآذى غيره فقد عصى، أما من ترك التكبير فرمى من غير ذكر فلا شيء عليه إلّا أنه تارك للسنة جعلنا الله من أهلها المستمسكين بها. قال الإمام الشوكاني:"قال في الفتح: وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه. انتهى"(1).

وبعد أن يرمي الجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخَيْف وهي أولهن من جهة عرفات بسبع حصيات مستقبلاً القبلة مكبراً مع كل حصاة فإنه يتقدم عنها وينحرف قليلا لجهة يساره ويجعلها في قفاه في موضع منها لا يصيبه المتطاير من الحصى الذي يرمى به هناك حيث يستقبل القبلة من جديد يحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو طويلاً واقفاً قدر قراءة سورة البقرة بقراءة الرجل المعتدل مع حضور القلب وخشوع الجوارح اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه الإطالة يحضر فيها بقوة الذوق الإسلامي الرفيع لذلك اشترط لها فقهاؤنا أن محلها حيث لا ضرر يتأتى للداعي وسط ازدحام الحشود، ولا إيذاء يمس غيره بسبب وقوفه حين تسد وفود الداعين الطريق مما يعرقل المسير نحو الجمرة التالية ويتسبب في بعض الأحيان بآلام ينتج عنها الأذى الشديد وما لا تحمد عقباه (2).

(1) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني ج 5 ص 81.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للإمام النووي ص 403 - 404. وهنا لي كلمة أطل بها على قاصدي بيت اله الحرام من أبناء أمتنا العظيمة وأقول: ليت حجاج مكة ينالون قسطاً من هذه التوعية فتستقر في مراكز الوعي عندهم هذه المعادلة الدقيقة في تقبيل الحجر الأسود والصلاة عند مقام إبراهيم والعبادات في حجر إسماعيل واستلام الركن اليماني وخاصة منهم النساء اللائي يعرّضن أنفسهنّ للتماس المباشر مع الرجال في معصية تغضب الله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً! ذلك أن المسلم لايبلغ أعتاب البيت العتيق إلا ليزيح عن كاهله جبال المعاصي التي اكتسبها في ليالي الغفلة وأيام الشرود تحت سلطان الهوى والشهوة، فكيف يرضى بأن يكتب له منها في عتبات بيت الله الحرام المزيد أضعافاً مضاعفة؟ ! .

ص: 415

ومع إتمام الرمي والدعاء يجدّ الحاج السعي الحثيث نحو الجمرة الثانية

-الوسطى - ليصنع فيها ما صنع في سابقتها ويقف للدعاء بعدها كما وقف في الأولى (1).

ومن الوسطى يأتي الحجاج جمرة العقبة التي رموها يوم النحر، فيقف الرامي تحتها من بطن الوادي ويرمي عندها بالكيفية السابقة، على النحو الذي بيناه في رمي يوم العيد ولا يقف عندها للدعاء أبداً لا في يوم النحر (2) ولا في سائر أيام التشريق اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاؤلاً بالقبول مع الفراغ منها وهي آخر الجمرات وأقربهن إلى مكة.

ولعل دفع الأذى عن نفسه وعن غيره قرينة أخرى على ترك الوقوف للدعاء والله أعلم (3).

روى البخاري في صحيحه عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ثم يكبر على إثر كل حصاة (4) ثم يتقدم فيُسْهِلُ (5)

(1) ذكر الإمام النووي بأنه يصنع فيها ما صنع في الأولى غير أنه لا يتقدم إلى يساره كما فعل بالأولى وقد تتبعت الأحاديث فوجدتها على خلاف ذلك ثم تتبعت ما قاله النووي وما تابعه عليه ابن حجر في حاشيته فوجدت أن ذلك لم يأْت الفقهاء على ذكره لأجل السنة وإنما بسبب الأذى الذي كان يلحق الحجاج آنذاك لما كانت عليه الأرض يومها من طبيعة وعرة عن يسار الجمرة الثانية. قال العلامة ابن حجر في حاشيته ص 403 - 404؛ إلَّا أنه لا يتقدم عن يساره كما فعل في الأولى أي لخشية السقوط من تلك الناحية المرتفعة هناك. قال الشافعي رضي الله عنه؛ لأنها على أكمة. ولعل هذا باعتبار ما كان

".

(2)

قال الإمام حجة الإسلام الغزالي في إحياء علوم الدين عن الدعاء يوم النحر ص 257 ـ "ولا يقف في هذا اليوم للدعاء بل يدعو في منزله".

(3)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 404.

(4)

وفي رواية أخرى عند البخاري في باب الدعاء عند الجمرتين برقم (1753) بلفظ: يكبر كلما رمى بحصاة - أي في الجمرة الأولى - ثم قال: يكبر عند كل حصاة أي في الثانية.

(5)

يُسْهِلُ أي يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. اُنظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني ج 3 ص 736.

ص: 416

فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو ويرفع يديه (1).

ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك فيأخذ ذات الشمال (2) فيُسْهِلُ ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة (3)، من بطن الوادي ولا يقف عندها، ويقول:"هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل"(4).

وروى الإمام البيهقي عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف عند الجمرتين الأوليين فيقف وقوفاً طويلاً، ويكبر الله، ويسبحه، ويحمده، ويدعو الله لا يقف عند جمرة العقبة" (5).

وروى عن وَبَرَة قال: "قام ابن عمر حين رمى الجمرة عن يسارها نحو ما لو شئت قرأت سورة البقرة (6) "(7).

(1) رواه البخاري برقم (1752). أقول: في هذا سنة رفع اليدين في الدعاء عند جمرة الدنيا والوسطى وهو ما تؤكده ترجمة البخاري للباب بذلك وهو الثابت عند جمهور الفقهاء إلا ما حكي عن مالك حيث رُدّ رفع اليدين بقولهم إن مالكاً عالم المدينة أنكره فكيف يخفى عليه مثل هذا؟ ! . وهو ما دحضه العلامة ابن حجر العسقلاني بأن الذي روى البخاري عنه هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر وهو أعلم أهل المدينة من الصحابة، وأن الذي رواه عن ابن عمر هو ولده سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة". اُنظر نفس المرجع ص 737. قال في فتح الباري ج 3 ص 737:"قال ابن قدامة: لانعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا مخالفاً إلَّا ما وري عن مالك".

(2)

أي يمشي إلى جهة شماله.

(3)

وفي رواية: ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة.

(4)

صحيح البخاري باب رفع اليدين عند جمرة الدنيا والوسطى برقم (1852).

(5)

السنن الكبرى للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (9759).

(6)

تأمل معي كيف كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يطيل الدعاء خاشعاً ضارعاً، وبين ما يفعله بعض الحجاج اليوم حين يركضون بعد الرمي من جمرة إلى أُخرى وكأنهم يؤدون طقوساً، أو يزيحون ثقلاً عن كواهلهم دون أن تخشع لهم قلوب، أو تلهج ألسنتهم بمناجاة علام الغيوب! .

(7)

السنن الكبرى للبيهقي (9761).

ص: 417

وروى عن أبي مِجْلَزِ في حِرْز قيام ابن عمر قال: وكان قدر قراءة سورة يوسف (1). كما روى عن ابن عباس أنه كان يقوم بقدر قراءة سورة من المئين (2).

قال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي: "وَرُوِّيْنَا عن عطاء بن أبي رباح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلو في الجمرتين إذا رماهما"(3).

قال إمامنا النووي: "وأما الدعاء وغيره مما زاد على أصل الرمي فسنة لا شيء عليه في تركه لكن فاتته الفضيلة"(4).

ومن السنة المرتبطة بالرمي استحباب الاغتسال عن كل يوم لرمي ذلك اليوم ولا يشترط لاغتساله دخول وقت الزوال خلافاً لاشتراط ذلك في الرمي إلّا أن تقريب الاغتسال من ذهابه إلى الرمي أكمل وأفضل كما في الجمعة لذلك قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته: "فالذي يتجه أنه يدخل بالفجر كغسل الجمعة بجامع أن كلاً لما يفعل بعد الزوال وبه يتجه أن غسل عرفة كذلك كما مر"(5).

ومن السنن الموالاة بين الجمرة الصغرى والوسطى ثم بين الوسطى والعقبة في رمي اليوم الواحد، كذلك الموالاة بين رميات الجمرة الواحدة على الأصح (6).

ثاني عشرها: فيما لا يصح معه الرمي البتة وما يصح:

(1) نفس المرجع (9761).

(2)

نفس المرجع (9762).

(3)

نفس المرجع (9763).

(4)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 404.

(5)

نفس المرجع ص 405.

(6)

(الأصح): هو مصطلح للمعتمد المفتى به بين الوجهين أو الأوجه للأصحاب يستخرجونها من قواعد الإمام، ويقابله قول غير مفتى به لكنه صحيح لذلك قال النووي بلغة التمريض وقيل: واجبة.

ص: 418

الواجب في رمي جمرة العقبة وسائر الجمرات أن يرمي كلاً منها بما يسمى حجراً وما يسمى رميا؛ لأن الرمي الصحيح المجزئ هو ما كان باليد، أما الذي يجري بالقوس أو المقلاع أو الدفع بالرِّجْل أو اللفظ بالفم فلا يصح من ذلك شيء ومثله ما لو وضع الحجر في المرمى بيده؛ لأن وضعه لا يسمى رمياً.

فالواجب أن يرمي الجمرة بسبع حصيات واحدة واحدة حتى يستكملهن، فلا يرمي جميع الحصى مرة واحدة وإلا حسبت رميته تلك عن حصاة واحدة، ولا يرمي الجمرة بأقل من سبع حصيات (1).

هذا ما جاءت به الأحايث الصحيحة من أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبر مع كل حصاة وهو تصريح بأن نبينا عليه السلام رمى كل حصاة وحدها كذا نص على استنتاجه الإمامان الجليلان الشوكاني من الزيدية والنووي من الشافعية وغيرهما من العلماء، كما يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:"لتأخذوا عني مناسككم"، ومن الاتباع فعل ذلك. قال الإمام الشوكاني:"قال النووي وغيره: هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: صلوا كما رأيتموني أصلي. قال القرطبي: ويلزم من هذين الأصلين أن الأصل في أفعال الصلاة والحج الوجوب إلّا ما خرج بدليل كما ذهب إليه أهل الظاهر وحكي عن الشافعي انتهى"(2).

(1) نفس المرجع ص 357 - 359. أقول: هنا يمكنني أن أضيف فيما ما لو رمى حصاتين ـ أو أكثر كأن رمى مثلاً سبع حصيات دفعة واحدة فوقعت في المرمى معاً أو بعضهن أو إحداهنّ حسبت حصاة واحدة عند الشافعية والحنفية. وروي عن عطاء أنه يجزئ ويكبر لكل حصاة تكبيرة أي بعد أن رماهن جميعاً معاً. وروي عن الأصم أنه يجزئ مطلقاً. وقال الحسن البصري: "يجزئ عن الجاهل فقط. وكل هذا غير المفتى به لما ذكرته لك في المتن، والصحيح المعتمد هو ما نقلته لك عن جمهور الفقهاء من وجوب ذلك حصاة حصاة. اُنظر نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 81. وصحيح مسلم بشرح النووي ص 8 ص 346.

(2)

نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 80.

ص: 419

وقال الإمام الشوكاني أيضاً "قوله: (ورمى بسبع): فيه دليل على أن رمي الجمرة يكون بسبع حصيات وهو يرد قول ابن عمر ما أبالي رميت الجمرة بست أو بسبع، وسيأتي في باب المبيت متمسَّك لقوله. وروي عن مجاهد أنه لا شيء على من رمى بست. وعن طاوس يتصدّق بشيء. وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم وعن الشافعية في ترك حصاة مد وفي ترك حصاتين مدان وفي ثلاثة فأكثر دم. وعن الحنفية: إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم"(1).

فلو شك في عدد الحصيات السبع هل رمى ستاً أو سبعاً مثلاً بنى على الأقل وحقق المطلوب يقيناً (2).

كما يشترط في الرمي قصد المرمى فلو رمى في الهواء دون أن يقصد رمي الجمرة فوقعت الحصاة صدفة في المرمى لم يعتد بها.

ومن تمام هذا أن لا يقصد الشاخص المنصوب ولا حائط الجمرة معتقداً أنه المرمى بل لا بد من أن يقصد مجتمع الحصى الذي سيأتي بيانه وهو ما بينهما، فلو قصدهما على فعل كثير من الجهلة لم يعتدّ بهذا الرمي وإن كان الزركشي أجازه؛ لأن العامة لا يقصدون بهما إلّا فعل الرمي الواجب، والمفتى به خلافه.

ولا يشترط في الحصاة الاستقرار في المرمى، فلو رمى الجمرة في حدود دائرتها فتدحرجت الحصاة من مجتمع الحصى إلى ما سال من الحصى، أو ذهبت بعيداً، لم يضرّه ذلك، بخلاف ما لو أصابت سائل الحصى ولم تصب مجتمع الحصى فإنها لا تجزئ (3).

(1) نفس المرجع والجزء ص 81.

(2)

الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2259.

(3)

هذا باعتبار ما كان ومجتمع الحصى قال فيه العلامة ابن حجر الهيتمي: حده الجمال الطبري بأنه ما كان بينه وبين أصل الجمرة ثلاثة أذرع فقط، ثم قال: وهذا التحديد من تفقهه وكأنه قرر به مجتمع الحصى غير السائل والمشاهدة تؤيده فإن مجتمعه غالباً لا ينقص عن ذلك. ثم قال في تعقيبه على كلام النووي: يدل على أن مجتمع الحصى المعهود الآن بسائر جوانب الجمرتين وتحت شاخص جمرة العقبة هو الذي كان في عهده صلى الله عليه وسلم وليس ببعيد إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يعرف خلافه وقد يؤيد ذلك قول الجمال الطبري: لا يشترط لصحة الرمي أن يكون الرامي في مكان مخصوص. نعم مر أنه لا يصح الرمي من وراء جمرة العقبة. أما ما سال من الحصى فهو من وراء ذلك. قال الإمام النووي: "قال الشافعي رحمه الله تعالى: الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى ..... ". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح للنووي ص 357 - 410. أقول: لم يعد الحال اليوم كما كان عليه بالأمس ابتداء من العام 1425 هـ الموافق للعام 2004 م حيث زيد في طول الشاخص كثيراً، وبالتالي زيد في جُدُر الجمرات، وفي مجتمع الحصى بفتوى تبنتها المملكة حفاظاً على أرواح الحجاج، والله تعالى أعلم.

ص: 420

ولو رمى الحصاة فارتمت بالأرض ثم ارتدت فوقعت في المرمى اعتد بها. وكذا فيما لو انصدمت بأي شيء آخر بعنق بعير أو بثوت إنسان أو بمَحْمِل أو حافلة واقفة إلى جانب المرمى ثم ارتدت إلى المرمى أو ردتها إليه الريح اعتد بها على الأصح لحصولها في كل ذلك في المرمى بفعله من غير معاونة بخلاف ما لو وقعت على ثوب إنسان مثلا فنفض هذا الإنسان ثوبه أو وقعت على حافلة فتحركت الحافلة فعادت بفعل ذلك إلى المرمى فإنه لا يعتد بذلك لحصول وصولها إلى المرمى بمعونة (1). قال النووي بعد أن ساق ما سبق: "ولوشك في وقوع الحصاة في المرمى لم يعتد بها على المذهب الصحيح"(2).

ثالث عشرها: حكم الرمي ووجه اشتراط العدد فيه:

الرمي واجب من واجبات الحج فإن تركه حتى فاتت أيام الرمي عصى ولزمه دم وصح حجه لذلك قال الإمام النووي: "ومتى فات الرمي ولم يتداركه حتى خرجت أيام التشريق وجب عليه جبره بالدم فإن كان المتروك ثلاث حصيات أو أكثر أو جميع رمي أيام

(1) نفس المرجع ص 357 - 358.

(2)

نفس المرجع ص 359.

ص: 421

التشريق ويوم النحر لزمه دم واحد على الأصح" (1).

أي إنْ تَرك جميع الجمار بما في ذلك يوم النحر وأيام التشريق لزمه دم واحد لا دماء متعددة وهو ما يؤيده ما رواه البيهقي في السنن الكبرى (9776) عن عطاء بن أبي رباح قال: من نسي جمرة واحدة أو الجمار كلها حتى يذهب أيام التشريق فدم واحد يجزئه.

وبالنسبة لترك حصاة واحدة أو أكثر من حصى جمرة العقبة (2) أو من إحدى الجمرتين الأولتين في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث من أيام التشريق يلزمه بهذا دم لوجوب الترتيب بين الجمرات فيبطل ما بعد الجمرة التي أنقص منها حصاة أو أكثر حتى يأتي بهذا النقص مراعاة للترتيب بين الجمرات الذي هو شرط من شروط صحة الرمي (3).

أما لو ترك حصاة واحدة من الجمرة الأخيرة في اليوم الأخير (4) لزمه مد طعام على الأظهر، ولو ترك حصاتين لزمه مدان ورميه السابق صحيح؛ لأن هذه الجمرة هي الثالثة من الجمرات الثلاث فلا يخدش هذا شرط الترتيب (5).

(1) اُنظر الحاشية لابن حجر الهيتمي على نور الإيضاح للنووي ص 409.

(2)

لا بد من رمي سبع حصيات لكل جمرة يقيناً فلو شك في وقوع الحصاة في المرمى لم يعتد بها، ولو شك هل رمى ستاً أو سبعاً بنى على الأقل وأخذ باليقين وهو الست ورمى السابعة. هذا ما سبق بيانه، وأضيف هنا الدليل حيث روى البيهقي في السنن الكبرى (9766) عن أبي مجلز أن رجلا سأل ابن عمر فقال: إني رميت الجمرة ولم أدر رميت ستاً أوسبعاً قال: ائت ذاك الرجل - يريد علياً رضي الله عنه فذهب فسأله فقال: أما أنا لو فعلت في صلاتي لأعَدْتُ الصلاة فجاء فأخبره بذلك فقال صدق أو أحسن. قال الشيخ: وكأنه أراد -والله أعلم- لأعدت المشكوك في فعله، كذلك في الرمي يعيد المشكوك في رميه. وقد مضى في كتاب الصلاة حديث أبي سعيد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم في البناء على اليقين وبالله التوفيق ج 7 ص 326. باب من شك في عدد ما رمى.

(3)

اُنظر الحاشية لابن حجر الهيتمي على نور الإيضاح للنووي ص 405 - 409 - 410.

(4)

اليوم الأخير بالنسبة لمن نفر النفر الأول وتعجل يقع في اليوم الثاني من أيام التشريق أما بالنسبة لمن لم يتعجل فاليوم الأخير للرمي عنده هو الثالث من أيام التشريق.

(5)

اُنظر الحاشية لابن حجر الهيتمي على نور الإيضاح للنووي ص 409.

ص: 422

والخلاصة أن الرمي واجب -كما قلنا- ليس بركن لكن نقل إمامنا النووي عن مالك في رمي جمرة العقبة قال: قال مالك: يفسد حجه (1).

وعن وجه اشتراط العدد أقول: إن العدد شرط في الرمي عند الشافعية تماماً كاشتراط الترتيب في صحة الرمي فيرمي الحاج يوم النحر سبع حصيات كل حصاة برمية كما تقدم بيانه (2).

رابع عشرها: النيابة في الرمي:

تجب النيابة في رمي الجمار على كل حاج عاجز عن الرمي بنفسه لشيخوخة مانعة تنعت صاحبها بالعجز عن واجب الرمي، أو لمرض أو لحبس (3) لا فرق في ذلك بين أن يكون العذر مزمناً كالمرض القديم أو طارئاً في أيام الرمي كالمرض الحادث، كما لا فرق بين أن ينيب الحاج غيره عن كل الجمار أو عن بعضها كما لو رمى جمرة العقبة ثم داهمه المرض وإنما يصح ذلك منه لعلة لا يرجى زوالها منه قبل انقضاء زمن الرمي بحيث يغلب على ظنه أن المانع من الرمي سيمتد رواقه إلى غروب شمس آخر أيام التشريق وذلك بإخبار طبيبين عدلين أو طبيب عدل واحد ولو عدل رواية فيجزئه حينئذ أن يستنيب من يرمي عنه (4).

(1) صحيح مسلم بشرح للنووي ج 8 ص 346.

(2)

اُنظر الحاشية لابن حجر الهيتمي على نور الإيضاح للنووي ص 405.

(3)

كل ما يسمى حبساً يبيح النيابة سواء كان حبساً بحق أو بغير حق ما لم يكن حبساً بدين يقدر على وفائه؛ لأنه حينئذ محبوس بما يستطيع إخراج نفسه منه بأداء ما عليه من دين وهذا بخلاف المحصر الذي قالوا: إنه لا يتحلل إذا حبس بحق؛ لأن الرمي أسهل من التحلل من فريضة تلبس بها فيغتفر فيه ما لا يتسامح في الآخَر. اُنظر نفس المرجع ص 361. من كلام العلامة ابن حجر.

(4)

عدل الرواية وعدل الشهادة يفترقان في أشياء: فالرواية لا تشترط فيها الذكورية مطلقاً بخلاف الشهادة في بعض المواضع. والحرية كذلك بخلاف الشهادة مطلقاً. والرواية لا يشترط فيها البلوغ في قول. تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته. لاتقبل شهادة من جرّت شهادته إلى نفسه نفعاً وتقبل ممّن روى ذلك. وهناك فروقات غيرها. اُنظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للإمام جلال الدين السيوطي ص 169.

ص: 423

أما لو أخبره الطبيب الثقة بأن عذره المانع سيزول بإذن الله قبل انقضاء وقت الرمي ولو في نهار اليوم الثالث من أيام التشريق فإن الاستنابة حينئذ تمتنع؛ لأن أيام التشريق كيوم واحد فلا يفوت وقت الأداء إلّا بانقضائها كلها (1).

هذه المسألة لا فرق في جانبها بين الرجال والنساء، إذ ليست الأنوثة نقصاً في المرأة، ولا عذراً يبيح لها الإنابة ما دامت قادرة، وهو ما يلقي بظلاله على أفواج تستمرئ إرسال النساء في حافلات يوم التعجيل إلى مكة، وتفتي - ظلماً وجهلاً - بإنابتهن للرجال! إذ كل هذا باطل لا رصيد له في شرع الله الحنيف.

الشرط الثاني لصحة الإنابة أن يرمي النائب عن نفسه رمي جميع اليوم، ثم يرمي بعده عن مستنيبه، وبالتالي فلا يجوز في فقه السادة الشافعية أن يرمي النائب عن نفسه الجمرة الأولى ثم يرمي عن غيره ثم ينتقل إلى الجمرة الوسطى فيرميها عن نفسه ثم يرمي عن غيره، ثم ينتهي إلى جمرة العقبة فيرميها عن نفسه ثم يرمي عن غيره على عادة ما يجري اليوم من بعض الناس تسهيلاً لأنفسهم فهذا مما لا يجزئ (2)؛

لأن رمي الجمرات

(1) نفس المرجع ص 361 - 362. هذا وقد ذكر العلامة اين حجر قولاً نص على ضعفه يذهب إلى أن الحاج العاجز عن الرمي لا يؤخر رمي اليوم إلى مغيب الشمس ولا إلى غيره وإنما يستنيب لعجزه بعد زوال شمس اليوم الذي يرمي فيه مباشرة وقد ذكر بأنه مبني على أن وقت الأداء يخرج بانقضاء كل يوم من أيام الرمي وحده.

(2)

للزكشي قول يقابل هذا بجواز هذه الصورة وهي أن يرمي الجمرة الأولى عن نفسه ثم يرميها عن مستنيبه وهكذا يفعل في الجمرتين الباقيتين! هذا القول ضعيف في فتوى الشافعية وإن كان موافقاً لبعض المذاهب الأخرى. ولقد بنى الزركشي قوله على عدم اشتراط الترتيب بين الجمرات خلافاً لمعتمد فقه المذهب الشافعي حيث قال: "إن الترتيب بينها للكمال ولا يشترط". بينما نجد الشافعية يؤكدون اشتراط الترتيب؛ لأنه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "خذوا عني مناسككم"، وفعل أصحابه والتابعين الذين أخذوا عنه تلك المناسك ورووها لمن بعدهم. من هنا فرّع الشافعية على هذا أنه لو كان على الحاج رمي يومين أي الثاني والثالث من أيام التشريق مثلاً فرمى كل جمرة بأربع عشرة حصاة، بحيث جعل سبعة منها للجمرة الأولى عن اليوم الثاني، وسبعة أخرى للجمرة الأولى نفسها لكن عن اليوم الثالث فقالوا: لا يقع شيء من رميه عن يومه أي الثالث؛ لأن رميه عن أمسه أي اليوم الثاني لم يتم بعد، لذلك يقع هذا الرمي عنه بسبع حصيات تخصه وتلغو الحصيات السبع الأخريات. هذا يدل على أن الجمرات الثلاث كالجمرة الواحدة، وأن الترتيب فيما بينها، والترتيب فيما بين أيام الرمي شرط لا بد منه للاتباع. اُنظر نفس المرجع ص 362 .. أقول: تعقيباً على قول العلامة الهيتمي: على أيّ حال فإن لقول الزركشي الشافعي مستنداً من المذاهب الأخرى، فقد أفتى بذلك الحنفية والمالكية الذين قالوا: لو رمى حصاة لنفسه وأخرى للآخر جاز مع الكراهة. اُنظر الحج والعمرة

". لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر ص 109.

ص: 424

الثلاث واجب واحد له أجزاء فأشبه الطواف الذي لا يصح أن يطوف فيه عن غيره قبل أن يطوف أجزاء الطواف السبعة، فكذلك هنا لم يجز أن يرمي عن غيره حتى يرمي الأجزاء الثلاثة للرمي وهي، الجمرة الأولى والثانية والثالثة عن نفسه (1).

ولو أن النائب في الرمي خالف هذا الشرط فرمى عن غيره أولاً - أي عن الذي استنابه - لوقع ذلك الرمي عن نفسه كأصل الحج وهو ما نص عليه إمامنا النووي.

ولو صار الحاج عاجزاً عن الرمي وعاجزاً عن الإنابة في وقت واحد كأن أغمي عليه ولم يكن قد أذن لأحد ليرمي عنه لم يجز لغيره أن يرمي له (2).

أما لو أذن لغيره ثم دخل في سبات أو غيبوبة أو أصابه جنون أو انتهى به مرضه إلى الموت فإنّ رمي نائبه عنه يسري صحيحاً؛ لأن هذه الظواهر من فقد وعي أو ذهاب عقل أو قبض روح لا تبطل بها الاستنابة (3).

ولو رمى النائب بموجب توكيل العاجز له، ثم زال المانع، وارتفع العجز، وما يزال

(1) اُنظر الحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح ص 362.

(2)

هذا عند الشافعية أما عند غيرهم فقد قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر: "ومن عجز عن الاستنابة كالصبي والمغمى عليه فيرمي عن الصبي وليه اتفاقاً وعن المغمى عليه رفاقه عند الحنفية ولا فدية عليه وإن لم يرم عند الحنفية".

وقال المالكية: فائدة الاستنابة أن يسقط الإثم عنه إن استناب وقت الأداء وإلا فالدم عليه استناب أم لا إلا الصغير ومن ألحق به. وإنما وجب عليه الدم دون الصغير ومن ألحق به - كالمغمى عليه -؛ لأنه المخاطب بسائر الأركان". اُنظر الحج والعمرة

ص 110.

(3)

حاشية العلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 363.

ص: 425

الوقت باقيا للرمي، وصالحاً لإعادة المستنيب الرمي بعد رمي النائب عنه فإن المذهب الصحيح أن لا إعادة لهذا الرمي ولو كان في وقت الرمي بقية؛ لأنه فعل تم بناء على توكيل صحيح واستناداً إلى عذر شرعي لكن المذهب أنه يسن الإعادة كما في المجموع (1).

ومن سنن هذه المسألة أنه يسن للمستنيب أن يناول نائبه الحصى إن قدر على ذلك بأن يقف عند الجمرات إلى جانب كل جمرة يقدم له حصيات الجمار بيديه ويشهد نسكه وهو يؤدّى.

كما يسن أن يكبر الحاج عند تقديم الحصى إلى نائبه وهو غير التكبير المشروع عند رمي الجمرات من قبل النائب (2).

خامس عشرها: فائدة الحكمة من الرمي:

قبل أن نقف أمام الحكمة من الرمي أرى أنه من المستحسن أن نعرج معاً على ما قاله إمامنا النووي في هذا الموضوع:

"في حكمة الرمي: اعلم أن أصل العبادة الطاعة. والعبادات كلها لها معان قطعاً، فإن الشرع لا يأمر بالعبث. ثم معنى العبادات قد يفهمه المكلّف وقد لا يفهمه:

فالحكمة في الصلاة التواضع والخضوع والخشوع وإظهار الافتقار إلى الله تعالى.

والحكمة في الصوم كسر النفس.

وفي الزكاة مواساة المحتاج.

(1) نفس المرجع والصفحة. أقول: وقد ذكر العلامة ابن حجر أنه فارق المعضوب حيث تجب عليه الإعادة في فريضة الحج إذا زال العذر وبرئ المستنيب؛ لأن الحج أصل فاحتيط له، أما الرمي فهو تابع للحج لو تركه الحاج لم يؤثر ذلك في صحة حجه لذلك خُفّفَ في أمر التابع ما لم يخفف في أمر الأصل ودخله من الجبر ما لم يدخل على متبوعه.

(2)

نفس المرجع ص 361.

ص: 426

وفي الحج إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيتٍ فضّله الله تعالى وشرفه كإقبال العبد إلى مولاه ذليلاً.

ومن العبادات التي لا تفهم معانيها السعي والرمي فَكُلِّفَ العبد بها ليتم انقياده، فإنّ هذا النوع لا حظّ للنفس فيه، ولا أنس للعقل به، فلا يحمل عليه إلّا بمجرد امتثال الأمر وكمال الانقياد فهذه إشارة مختصرة يعرف بها الحكمة في جميع العبادات والله أعلم" (1).

هذا هو اجتهاد إمامنا النووي، وهو ما وافقه عليه ابن حجر في حاشيته مشيراً إلى استدلال بعضهم إلى أنه لو كان القصد بالرمي النكاية لجاز بنحو النشاب، أو الإهانة لجاز بنحو بعر الحيوان، أو الإكرام لجاز بنحو النقد من الذهب والورق، فلم يبق سوى التعبد المحض فلزم تحرير النص فيه على ذلك (2).

لكن المسألة في تقديري هي أبعد من هذا وإن كان التعبد لله العنوان البارز في هذه الفريضة المتجددة؛ لأن الحج إلى بيت الله الحرام فيه من الدقائق والأسرار ما لا يحيط به كتاب عالم ولا نظر فقيه ولا بحث عارف فهو المدرسة الراسخة والجامعة المتخصصة والحصن التربوي الفريد حيث أرستْ قواعده وقعّدَتْ مناهجه يد الحكمة الإلهية إحياء لمعان فات على كثير من النفوس تلقيها، وغاب عنهم - بترك التروض بها - جمال معانيها وعمق مقاصدها ونبل مراميها.

أولى تلك الأهداف وأسماها سعي رحلة الركن الخامس بروادها إلى تعريفهم على ربهم سبحانه وتعالى تذللاً بين يديه ورقاً، تذوقاً لمعاني العبودية وعتقاً، ولا سبيل إلى

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 414.

(2)

نفس المرجع ص 414.

ص: 427

ذلك إلّا بمجاهدة النفس بالكفّ عن الأهواء والحد من الملذات بحيث يتحكم المسلم بدفتها يأخذ منها ما صفا ويدع ما كدر دون أن يشغله شيء منها عن الوصال بمحبوبه الحقيقي وهو الله جل جلاله.

ولقد ساح الربانيون من أبناء الأمم السالفة في أنحاء الأرض متجردين لله سبحانه وتعالى يكتفون من المتع الدنيوية بالضروري منها زاهدين بما لا يقيم أود حياتهم مؤثرين الانحياز إلى العزلة والتفكر والأنس بالله عن الأنس بالخلق.

ولما جاء الإسلام جدد في هذه الأمة سلوك طريق الآخرة، وجدد في أبنائها سنة التعرف على الله بالمجاهدات بغية أن يقوم خلق المسلم على هذا النهج الذي لا تنقطع فيه غراس الإيمان التي ساحتها العقل عن جذورها التي مستقرها القلب لتبقى روافد التغذية متصلة وعملية الإرواء والتنقية متواصلة لذلك أبدل ربنا جلَّ في علاه سياحة السابقين التي قامت على التجرد من الدنيا لله إلى سياحة أخرى تحاكي الحياة ولا تتجرد عنها، تمتطي صهوتها دون أن تستوحش بها، وما ذاك إلّا لأن الإسلام دين جهاد، ومنهج حياة لذلك أقام المولى الحكيم من فرائض هذا الدين مدارس تخصصية لبناء صلة قوية بين العبد الفقير ومولاه الجليل ثم توج ذلك بمؤتمر الأمة السنوي الذي تحتفل فيه على مستوى القرى والمدن والأقطار والقارات وجعل منه أم الفرائض الإسلامية الذي يشتغل بتعميم الأهداف الإسلامية وترسيخها ونشر عبقها في العالمين.

فالحج إلى بيت الله الحرام رهبانية هذه الأمة، يسيح فيها حجاج بيت الله العتيق من كل فج عميق شعثاً غبراً قاصدين بتواضع ملك الملوك راجين عفوه ومتيمّنين داخل أسوار عرينه جميل صفحه، جالسين على مائدة ضيافته لذلك جاؤوا إليه في سياحة خاصة متجردين عن شارات الدنيا وأمارات الكبرياء مقبلين بتواضع ونشاط على مناسك هذه

ص: 428

الفريضة رغم ما يعتريها من جهد وما يصاحبها من مشقة رجاء أن يبلغوا بهذا الانقياد رتبة الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة.

ضيوف الرحمن يفعلون هذا سواء اهتدت إلى حكمته عقولهم، أو غاب عن ذلك قصورهم لتسليمهم بأن الداعي لهم إلى هذا اللقاء الحاشد هو الله، وليقينهم بأنهم إنما يجيبون بقدومهم نداء مولاهم جلَّ وعلا العلي الكريم والحليم الرحيم المنزه عن العبث فيما يأمر ويحظر، وأنه يكفي في قول لبيك وفعل لبيك أنه يرمز إلى حسن الانقياد وتمام الرضى واليقين والتسليم.

لأجل ذلك غلب على فريضة الحج لغة الرمزية التي تنطق بكلام لا حروف فيه، وتعبر ببيان تعجز عن الإحاطة به أقلام الباحثين وبلاغة المتكلمين.

إن أولى ما يرمز إليه رمي الجمار هو التذلل والانقياد لتعاليم الله، إظهاراً منه للرق والعبودية، وتشرفاً منه بتجلبب رداء التواضع والامتثال، وانتهاضاً لهمته للاستجابة لأمر الله فيما يستقبله من أيام وما يعترضه فيها من ابتلاء وأحكام، يحكي الرامي هذا بفعله، بعد أن حكاه لسانه بقوله: لبيك حقاً حقاً، لبيك تعبداً ورقاً.

وثاني ما نقرؤه في هيئة الرمي هي تلك الرمزية القوية التي يستحضر معها ضيوف الرحمن صورة التزييف والتأبي في حلقة ناطقة باستمرار معركة الصراع بين الخير والشر، والتي من محطاتها ما عرض على إبراهيم عليه السلام من أمر الشيطان الذي اعترضه منتصباً عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ذهب.

إنها إشارة إلى تلك المعركة التي تستعر نارها يومياً بين جنود الحق الداعين إلى الأخذ بتعاليم الإسلام على قاعدة: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَرْضُ} [الأعراف: 54]، وأهل الباطل

ص: 429

المنادين بالاغترار بالأهواء الآسرة، والشهوات الجانحة، واللذائذ الماجنة (1).

رمزية رمي الجمار لها أكثر من وجه صحيح:

فهي من جانب ترمز إلى التشبه بإبراهيم خليل الرحمن في ثباته أمام ما عرض له الشيطان من تزيين ما حرم الله عليه حين عمد إلى إدخال الشبهة على حجته، أو تسويغ الأمر لمعصية ربه، ومن جانب هي ترمز إلى أن لا حيادية في معركة مصيرية كهذه يمكن للانهزام فيها أن تضيع معه معالم الحق الإبراهيمي وتنزلق قدم العبد عن مدارج المعرفة الإلهية فيخسر بالملهيات لذة تذوقه لمعاني العبودية بين يدي مولاه، وتعرفه عليه، ثم يخسر ـ لا قدَّر الله ـ امتحانه الحقيقي يوم يقف مع الواقفين في عرصات يوم القيامة خالي الوفاض لا عمل ينجيه ولا طاعة يحصد ثمرتها في موقف يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.

ومن جانب آخر هي ترمز إلى أن رضوان ربنا الأعلى هو الهدف المنشود الذي يتقلب في أحضانه العبد المسلم، ويسعى حثيثاً إليه، فهو لله يحيا، ومن أجله يمضي وفي سبيله يفعل كل شيء، ويبذل كل نفيس، لذلك نجده لم يتردد في ارتداء ثياب تشبه الأكفان وفي رمي حصيات في الوقت والوجه المخصوص إرغاماً للشيطان، وإرضاء للرحمن.

كما يرمز الرمي إلى تعبئة روح المسلم معنوياً ليملك الزاد الكافي في مواجهته

(1) إنها المعركة المفتوحة على كل صعيد، ومن خلال كل نافذة، فهي حوار عقلي، وهي جهاد أخلاقي، وهي نبذ للرذيلة وتسويقها في الساحات والأسواق والأقنية الفضائية والأرضية باسم الانفتاح والحرية الشخصية، وهي تجسيد لرحى المعركة الضروس التي تمضي بقوة فوق ثرى أرض فلسطين الحبيبة بين من يقتدي بإبراهيم عليه السلام في تمسكه بحبل الله الذي لا ينقطع مدده، وبالحق الذي لا تفريط فيه، وبالثوابت التي لا نهضة بغيرها، وبين أدعياء ينتسبون إلى إبراهيم زوراً وبهتاناً يتوسلون بذلك سلب فلسطين من أهلها في الوقت الذي يمثلون فيه الوجه القبيح الذي رماه إبراهيم وسما فوق إغرائه.

ص: 430

اليومية مع شياطين الإنس والجن وهي التي تحتاج إلى طاقات متجددة، أمام ابتكار وسائل في الوسوسة جند لها أتباع إبليس كل إنجازات العصر الإعلامية في سبيل تسويقها إلى بني الإنسان.

وفي رمي الجمرات رمز للقوة التي أمرت والتي لا تتخلى عن المسلمين في الشدائد، وهي قريبة منهم يشعرون بها ويتلمسون مددها ويستنصرون على العدو بها، لذلك كان التضرع والتبتل طويلاً مع الإلحاح الشديد والتواضع والسؤال وطلب المدد والعون بعد رمي الجمرتين الصغرى والوسطى إشارة إلى هذا المعنى الدقيق.

إنَّ رمي الجمار وسيلة تربوية ناجحة تعتمد أسلوب الرمزية في تحقيق المراد وترتكز على إحياء نبذ الحبائل الشيطانية، وطرد مروّجيها الخارجين على سلطان الله المستبيحين لحرماته عن طريق تجسيد الرفض بهذه الصورة المادية الحاضرة ولا أدل على هذا من التكبير الذي يصاحب رمي كل حصاة، ذلك أن الله الذي أنعم على هذا العبد وعلى الوجود الإنساني كله بنعمتي الإيجاد والإمداد هو أكبر في عظمته وسلطانه وسطوته من جميع حشود الباطل مجتمعة التي يخيل لها أنها تتحرك على غير إرادة الله أو أنها قادرة على نسف مراده! وهي في حقيقة الأمر لن تعدو قدرها، وليست أكثر من نملة في كف إنسان تتحرك فيها ظانة أنها تصعد أو تهبط وهي أتفه من أن تقاوم ضم يده إلى بعضها لو شاء فتسحق دونما عناء ولله المثل الأعلى.

ثم لماذا يعيب بعض الجهلة نسك الرمي لحصى الجمار وهي تستند إلى أمرٍ إلهي لو كانوا يؤمنون، وإلى لغة فاعلة تحكي ما لا يراه أدعياء البصر والنظر.

إن أسلوب الرمزية تتعامل معه حكايات المؤلفين ومسلسلات المخرجين وسياسات الناس في العالمين أفراداً ودولاً على تنوع الثقافات وتباعد القارات، فلماذا

ص: 431

يرى هؤلاء المفتونون وأسيادهم من محترفي الغزو الفكري في لغة الرمزية لدى شعوب وأمم الأرض وسيلة تفاهم وأداة أداء، ثم لا يرون في فريضة الركن الخامس هذا المعنى الحضاري في بلاغته ومقاصده؟ ! (1).

إن هذا التوجه الذي اتبعته في البحث عن الحكمة المختفية خلف تلافيف النصوص في الرمي وغيره، تؤيدني فيه إشارات للإمام الغزالي في "الإحياء"، والعلامة ابن حجر في "حاشيته" كما تقوي حجتي مجموعة من الأحاديث الواردة في خصوص الرمي، ناهيك عن قوله تعالى:{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78]، والرمي مشي على هدي أبينا إبراهيم، وتشبه به صلى الله عليه وسلم في تأبيه على عرض إبليس، وطرده له، لذلك قال الحليمي: "ينوي عند رميه أنه يجاهد الشيطان، ويقول له: إن ظهرتَ لي حَصَبْتُكَ هكذا، ولو كنتُ حاضراً عندما اعترضتَ للخليل عليه السلام تريد إدخال الشك عليه فرماك ودحرك لرميتك مثل رميه هذا.

أو أنه رمى الموبقات أو تبرأ منها فليس بعائد إليها" (2).

(1) أليس استخدام أسماء المخلوقات الأخرى في حصص الأطفال من خلال وسائل الإعلام المرئية وسيلة لمخاطبة نواة المستقبل تجسيداً لهذه اللغة؟ أليس الرمز إلى أسماء وجهات وأحداث لمعالجة أوضاع اجتماعية وسياسية شاذة في الوسائل الإعلامية تجسيداً آخر؟ أليس على كل دولة قطعة قماش ملون؟ فلماذا تعلن الحروب وتراق الدماء وتستنفر الأمة فيما لو أنزل عَلَمها من سطح مبنى، أو ديس به تحت الأقدام وهو لا يعدو أن يكون خرقة لا قيمة لها لولا رمزيته؟ ! .

ولو لم يكن رمزاً لكرامة أمة ووجودها ترى هل كان يستدعي من الملتفين حوله كل هذا العناء؟ قلت هذا وتوسعت فيه؛ لأن شاباً مغترباً ممن كانوا يقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية زمناً طويلة أخذ يجادلني في سخافة عن الرمي ووسيلته وأدائه، لكنني بفضل الله بعد أن اطمأننت إلى قوله أنه ما يزال مسلماً ـ رغم ما يقول ـ وبعد أن حاورته وفق ما سردته عليك، ثاب إلى رشده وشكرني بعد طول نقاش ساخن، وقال لي: هذا أول لقاء أشعر بأنني تقدمت فيه، وتبدلت مفاهيمي دون أن ينهرني من أحاوره. أقول: فلله الفضل والمنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(2)

"الحاشية" للعلامة ابن حجر على "شرح الإيضاح" للنووي ص 415 ..

ص: 432

روى الإمام البيهقي في شأن عرض الشيطان لأبينا إبراهيم عند الجمرات عن ابن عباس أنه قال بعد أن ساق الحديث: "الشيطانَ ترجمون، وملة أبيكم تتبعون"(1)، وفي هذا إشارة إلى جانب من حكمة رمي الجمار.

ويؤيده الحديث الذي سبق ذكره وتخريجه عند الترمذي وأبي داود واللفظ له: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله".فهو لون خاص من ألوان ذكر الله تعالى، لذلك روعي فيه حكمة اتباع سيدنا إبراهيم عليه السلام وسائر الأنبياء في هذا الذي نسكه الله لنا في الرمي، وهو ما يتكرر في السعي بين الصفا والمروة اقتداء بزوج نبيينا إبراهيم هاجر عليها السلام.

سادس عشرها: ومن المسائل التي هي ذات ارتباط بالرمي في زمانه ومكانه مسألتان اثنتان:

الأولى: النزول بمنى، والمبيت فيها.

الثانية: زيارة مسجد الخَيف أيام منى.

نبدأ بالنزول بمنى، وحكم المبيت فيها:

النزول بمنى يوم النحر، والمبيت فيها ليالي التشريق أمر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس بمنى، ونزَّلهم منازلهم، فقال:"لينزل المهاجرون ههنا" وأشار إلى ميمنة القبلة، "والأنصار ههنا" وأشار إلى ميسرة القبلة، "ثم لينزل الناس حولهم"(2).

(1)"السنن الكبرى" للبيهقي (9791)، كما أخرج سعيد بن منصور أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن رمي الجمار فقال:"الله ربكم تكبرون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون، ووجه الشيطات ترمون". اُنظر "الحاشية" للعلامة ابن حجر الهيتمي على "شرح الإيضاح" ص 415.

(2)

"سنن أبي داود"(1951).

ص: 433

لذلك ذهب الأئمة الثلاثة إلى وجوب المبيت ليالي منى الثلاث لمن لم يتعجَّل، والمبيت ليلتين لمن تعجَّل فنفر النفر الأوَّل (1).

دليلهم فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائل: "لتأخذوا عني مناسككم"(2).

كما أخذوا بحديث عبد الرحمن بن فرُّوخ حين سأل ابن عمر قال: "إنا نبتاع، أو قال: نتبايع بأموال الناس، فيأتي أحدنا مكة فيبيت على المال، فقال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فباتَ، أو قال: قد بات بمنى وظلَّ"(3).

ومن ذلك الأثر الذي يرويه عبد الله بن عمر عن أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: "لا يبيتنَّ أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة"(4).

ومنه ما أخرجه البخاري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما "أنه صلى الله عليه وسلم طاف طوافاً واحداً ثم يقيل، ثم يأتي منى" يعني: "يوم النحر"(5).

(1) الذي يتعجل هو الذي ينفر النفر الأول في اليوم الثاني من أيام التشريق، وهذا يسقط عنه رمي اليوم الثالث، ومبيت الليلة الثالثة من ليالي التشريق، أي: الليلة الأخيرة من أيام العيد. علة ذلك أن الحاج حين يبيت ليلتين ويرمي يومين يكون قد أتى بمعظم العبادة، لذلك قال فقهاء الشافعية: لو لم يبت الليلتين الأولتين في منى لم يجز له النفر الأول، ولو رمى عن يومين، لأنه لم يأت بمعظم العبادة، فيلزمه التأخير مبيتاً ورمياً. اُنظر حاشية العلامة ابن حجر على "شرح الإيضاح" للنووي ص 412.

(2)

سنن أبي داود (1970).

(3)

السنن الكبرى للبيهقي (9787).

(4)

السنن الكبرى للبيهقي (9788).

(5)

صحيح البخاري: باب الزيارة يوم النحر برقم (1732) وبالمناسبة فإن زيارة مكة أيام منى جائزة، ومنها أيام التشريق فقد أفاض النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر كما مر؛ ولأن ذلك لا يتنافى مع المبيت بمنى، إذ المبيت في الليل، يؤيد ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في هذا الباب أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت أيام منى"، لا بل يجوز أن يأتي مكة ليلاً إذا قضى مبيته في منى لما روي عن قتادة قال: حدثني أبو حسان عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى"، قال الإمام ابن حجر العسقلاني بعد أن ساق الرواية بتفصيلها:"ولرواية أبي حسان هذه شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة: حدثنا طاوُس عن أبيه""أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُفيض كل ليلة". اُنظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 3/ 716 - 717.

ص: 434

هذا الطواف هو طواف الإفاضة لما جاء في الحديث الآخر عن عائشة

رضي الله عنها قالت: "حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر"(1)، كما قالت السيدة عائشة في رواية عند أبي داود:"أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلّى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث ليالي التشريق .... "(2).

كما استدلوا على الوجوب بالحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عمر

رضي الله عنهما "أن العباس بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له"(3).

قال الإمام العلامة ابن حجر العسقلاني في وجه الاستدلال بهذا الحديث: "وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد، أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور"(4).

في هذه الأيام المعدودات (5) يجب على الحاج أن يبيت بمنى معظم الليل (6)، فإن تركه

(1) صحيح البخاري، الباب السابق برقم (1733).

(2)

الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي 3/ 2266.

(3)

صحيح البخاري، باب: هل يبيت أهل السقاية وغيرهم بمكة ليالي منى، برقم (1745) وصحيح مسلم (1315/ 346).

(4)

فتح الباري شرح صحيح البخاري للعلامة ابن حجر العسقلاني 3/ 730.

(5)

أيام التشريق الثلاثة هي الأيام المعدودات لقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، وأما الأيام المعلومات فهي العشر الأُوَل من ذي الحجة، ويوم النحر منها، وهو آخرها وقد أطلق على أيام التشريق هذه التسمية؛ لأن الناس كانوا يُشْرقون فيها لحوم الهدايا والضحايا، أي ينشرونها في الشمس ويقددونها. وأيضاً؛ لإشراق نهارها بنور الشمس، ولياليها بنور القمر. اُنظر الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح. للنووي ص 397.

(6)

في القدر الواجب في هذا المبيت قولان عند الشافعية: أصحهما لا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وهو المفتى به، والثاني: ترددت فيه روايتا النووي بين ساعة وهو ما وجدته في شرحه على صحيح مسلم 9/ 434 في قوله: "والثاني: ساعة"، وبين ما وجدته في شرح الإيضاح في مناسك الحج حيث قال:"والثاني: المعتبر أن يكون حاضراً عند طلوع الفجر". اُنظر الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح ص 397.

ص: 435

لنسيان له، أو جهل بوجوبه، تعين عليه دم شاة جبراً للخلل (1).

هذا الدم لا يجزئ عن ترك المبيت في مزدلفة فيما لو ترك معه المبيت بمنى بل يلزمه على ذلك دمان على الأصح (2).

هذا فيمن لا عذر له، أما تارك المبيت بالمزدلفة أو بمنى لعذر، فلا شيء عليه وسيأتي بيان ذلك بعد هذا بعونه تعالى.

فإن ترك الحاج مبيت ليلة واحدة فالأصح أنه يجبرها بمدٍّ من طعام (3)،

وإن ترك مبيت ليلتين لزمه مدّان، فإن ترك لياليها الثلاث وجب عليه دم شاة كما قلنا، لكن هذا فيما لو لم ينفر النفر الأول في اليوم الثاني من أيام التشريق؛ لأنه إذا نفر وتعجَّل

(1) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح ص 397. نقلاً عن المجموع للنووي.

(2)

وفي قول: يجزئ دم واحد، اُنظر الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح ص 399.

(3)

قال النووي بعد هذا: "وقيل بدرهم، وقيل بثلث دم". أقول: وهذا الأخير هو الواجب أصالة كما قال الفقهاء؛ لأنه الموافق للقياس؛ لأن الدم الكامل إذا كان مجزئاً عن ترك مبيت ثلاث ليال، فالمناسب أن يكون ثلث دم مجزئاً عن ترك مبيت ليلة واحدة لكنه عدل إلى المد رفقاً ومسامحة؛ لتعسر تبعيض الدم؛ ولأنه لم يرد تبعيض بدله وهو الصوم قياساً لكفارة ترك المبيت أو الرمي على دم التمتع الذي بدله صيام عشرة أيام عند العجز عن دم شاة. فلم يرد تبعيض الصيام بجعل ثلاثة أيام هي الكفارة هكذا دون اتباعها بصيام أيام أخر، وفي هذا كلام طويل بإسهاب وعناية للعلامة الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي من ص 397 إلى ص 399.

ومن تمام القول أن نذكر أن الدم الكامل يجزئ أيضاً عن ترك مبيت ليلة واحدة؛ لأنه إذا أجزأ عن ترك الليالي كلها فإجزاؤه عن ترك ليلة واحدة هو أولى. هذا الإجزاء عن ترك مبيت ليلة واحدة هو عين ما ذهب إليه المالكية لكن على سبيل الوجوب. قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في الحج والعمرة في الفقه الإسلامي ص 155: "فالمالكية قالوا إن تَرَكَ المبيت بها جُلَّ ليلة فدم وكذا ليلة كاملة أو أكثر وظاهره ولو كان الترك لضرورة".

ص: 436

عملاً بقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203]، ثم لم يكن قد بات الليلتين الأولتين من أيام التشريق، فلا يقال في حق هذا: إنه ترك مبيت ليلتين بتعجله، فلزمه مدان! لأنه بهذا التعجيل الذي لم يسبقه مبيت يكون تاركاً لجنس المبيت، لذلك يلزمه دم في هذه الصورة. وذلك بخلاف من تأخر ولم يتعجَّل - وهو الأفضل (1) - بأن كان في منى وقت غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق (2)

فبات الليلة الثالثة فيها، مع تركه الليلتين قبلها، فإنه في هذه الهيئة يلزمه فقط عن كل يوم مدُّ طعامٍ، ولا دم عليه (3).

وجوب المبيت بمنى خالف فيه الحنفية، فقالوا: هو سنة، وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها وغيره، بأنه صلى الله عليه وسلم ثبت في منى ليسهل عليه الرمي في أيام التشريق، فليس من أفعال الحج، فتركه عندهم لا يوجب الدم، وهو القول المشهور

(1) قال الإمام النووي: "وهذا النفر وإن كان جائزاً فالتأخير إلى اليوم الثالث أفضل". قال العلامة ابن حجر في حاشيته على هذا الكلام ص 412: "قوله أفضل أي: إلاّ لعذر كغلاء أو غيره سواء في ذلك الإمام وغيره، لكن في المجموع عن الأحكام السلطانية أنه ليس للإمام النفر الأول؛ لأنه متبوع فلا ينفر إلا بعد تمام النسك".

(2)

لو رحل الحاج من منى فغربت عليه الشمس قبل انفصاله من أرضها فنفره صحيح وله الاستمرار في السير، ولا يلزمه المبيت آخر ليالي منى، ولا الرمي.

والحكم الشرعي ذاته فيما لو غربت عليه الشمس وهو في شغل الارتحال من منى، بحزم أمتعته وتهيئة نفسه لكن هذا على الأصح ويقابله قول بخلاف ذلك.

وكذا لو نفر من منى قبل الغروب وخلَّفها وراءه ثم عاد قبل الغروب أو بعد الغروب لحاجة ما جاز له كسابقيه النفر على الأصح ولا يلزمه مبيت ولا رمي، ويقابله قول بخلاف ذلك. اُنظر نفس المرجع ص 413.

(3)

اُنظر تفصيل ذلك في نفس المرجع فيما قاله العلامة ابن حجر الهيتمي ص 399. في شرحه لقول الإمام النووي: "قوله: وإن ترك المبيت ليلة المزدلفة إلخ".

ص: 437

عند أحمد (1).

مذهب الحنفية وافقهم عليه الشافعي في أحد قوليه وهو القول المرجوح، وأحمد في إحدى روايتيه. كما وافقهم في ذلك ابن عباس والحسن رضي الله عنهم (2).

بعد بيان حكم الشرع في مبيت منى، أنتقل بالقارئ الكريم إلى العذر الذي يبيح للحاج ترك المبيت بمزدلفة أو ترك المبيت بمنى، وهو على أقسام:

القسم الأول: أهل سقاية العباس الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف سقاية الحجاج إلى قيام الساعة لا ينزعها عنهم إلّا ظالم. جاء في صحيح البخاري "أن العباس بن عبد المطلب استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له"(3).

هذا الإذن بالسقاية لا يختص بالعباس رضي الله عنه، ومن قال بذلك فقد نسبه العلامة ابن حجر العسقلاني إلى الجمود، والصحيح أنه يدخل به آل العباس، ويدخل به قومه بنو هاشم، ليشمل العذر بعد ذلك كل من احتاج إلى السقاية أو قام بالعمل بها خدمة لحجاج بيت الله الحرام (4)، والعلة في ذلك انشغاله في إعداد الماء للشاربين، وهذا عام في آل العباس وغيرهم (5).

عذر السقاية عن واجب المبيت مرده أنّ شغل السقاة يتم ليلاً غالباً في عادة تلك

(1) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي، د. نور الدين عتر ص 127، وفتح الباري شرح البخاري لابن حجر العسقلاني 3/ 731.

(2)

صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 434، وفتح الباري شرح صحيح البخاري 3/ 730.

(3)

صحيح البخاري: باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة ليالي منى؟ رقمه (1745).

(4)

قال الإمام النووي: "يجوز لهم ترك المبيت بمنى ويسيرون إلى مكة لاشتغالهم بالسقاية سواء تولّى بنو العباس أو غيرهم". وأعقب ذلك بقوله: "ولو حدثت سقاية للحجاج فللمقيم بشأنها ترك المبيت كسقاية العباس". اُنظر الحاشية للعلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 400.

(5)

فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني 3/ 730.

ص: 438

الأيام، بسبب طبيعة المناخ القاسية نهاراً، لكن لو اشتغلوا بها نهاراً وأمكنهم العود إلى منى ليلاً فلا يسقط عنهم المبيت، بخلاف ما لو اشتغلوا بها نهاراً وكانوا بحيث لا يمكنهم العود إليها في الليل (1).

ومن الأحاديث الواردة في سقاية الحجاج ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن بكر بن عبد الله المزني قال: "كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ ! أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخلٍ. قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته، وخلفه أسامة، فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ (2)، فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم، وأجملتم كذا فاصنعوا (3)، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم "(4).

وفي هذا الحديث دليل لما قاله الشافعية من استحباب أن يشرب الحاج وغيره من نبيذ سقاية العباس (5).

القسم الثاني: رِعاء الإبل وهم في مقدمة أصحاب الأعذار. روى الإمام البيهقي بسنده عن أبي البدّاح بن عاصم بن عَدِيٍّ أخبره عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء

(1) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 400.

(2)

هذا النبيذ ماء محلى بزبيب أو غيره، بحيث يطيب طعمه وتظهر حلاوته دون أن يكون مسكراً أما إذا طال زمن التحلية، حتى صار الشراب إلى التخمر والسكر أقرب، فهو حرام. اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 434.

(3)

قال النووي في الجزء والصفحة: "معناه: فعلتم الحسن الجميل، فيؤخذ منه استحباب الثناء على أصحاب السقاية وكل صانع جميل، والله أعلم".

(4)

صحيح مسلم (1316/ 347).

(5)

النووي على صحيح مسلم (9/ 434).

ص: 439

الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد (1)، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر" (2).

ورواه كذلك بسنده هذا "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص للرِّعاء أن يرموا يوماً، ويَدَعُوْا يوماً".

كما روي عن ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص لرِعاء الإبل أن يرموا بالليل"(3).

وعن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار"(4).

وعن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر- رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص للرعاة أن يرموا بالليل"(5).

لهذه الأحاديث، جزم الجمهور بإلحاق رعاء الإبل بأهل السقاية (6).

وعند الشافعية لا فرق بين أن يكون الراعي مالكاً أو أجيراً أو متبرعاً (7).

(1) يبدو لي أن الواو بمعنى (أو) أي يرمون يوم النحر (العيد)، ثم يرمون يوم الغد - أي اليوم الأول من أيام التشريق عن ذاك اليوم، أو يرمون اليوم الثاني من أيام التشريق عن يومين، ثم يرمون يوم النفر في اليوم الثالث من أيام التشريق عن اليوم الأخير. يؤيد هذا ما جاء في الرواية الأخرى للبيهقي في سننه الكبرى برقم (9772) أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص للرِّعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر، ثم يَدَعُوْا يوماً وليلة، ثم يرموا الغد.

(2)

السنن الكبرى للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (9771).

(3)

نفس المرجع (9774). أقول: هذه الرواية دليل قاطع على جواز الرمي بليل وهناك المزيد في هذه المسألة.

(4)

نفس المرجع (9775).

(5)

نفس المرجع (9777).

(6)

فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني 3/ 730، هذا وقد ذكر العلامة ابن حجر بأن الشافعية توسَّعوا في مسألة الأعذار خلافاً لما ذهب إليه الجمهور، وهو ما سيأتي بيانه.

(7)

الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 400.

ص: 440

وشرط الراعي - كما في أهل السقاية - أن يتعسَّر عليه العود إلى منى (1)، أو يخشى من فراق الإبل ضياعها، ولو بسبب الجوع؛ أو لأنها لا تصبر على تقصير من يتعهدها ويرعاها تماماً كما لو خشي المتعهد على المريض تأذياً فيما لو فارقه، كما سيأتي (2).

فرِعاء الإبل يجوز لهم ترك المبيت بعذر الرعي ليالي منى جميعها، ولهم ترك رمي اليوم الأول من أيام التشريق بعد أن غادروا منى عقب رمي جمرة العقبة يوم النحر، وحينئذٍ يعودون إن استطاعوا في اليوم الثاني من أيام التشريق للرمي عن يومين بشرط الترتيب الذي ذكرناه، فإن لم يتح لهم الخروج إلى منى في اليوم الثاني من أيام التشريق جاز لهم الذهاب إلى موضع الجمرات، ورميها بالترتيب المشروط في اليوم الأخير من أيام التشريق؛ لأن ترك رمي يومين متتاليين لا يضر عند الشافعية سواء في ذلك المعذورون أو غير المعذورين؛ لأن غير المعذورين إذا جاز لهم ذلك، فالمعذورون لهم التأخير إلى ما قبل غروب شمس آخر أيام العيد من باب أولى، وكل هذا مبني على ما صححه فقهاء الشافعية من بقاء وقت الرمي أداء إلى آخر أيام التشريق.

أما إن اشتغل أهل الرِّعاء بالإقامة بمكة اليوم الثاني من أيام التشريق- من جهة أن عملهم ينقطع ليلاً غالباً بخلاف أهل السقاية - فإنهم (3) يبيتون في منى الليلة الأخيرة على سبيل الوجوب، ويرمون بعد زوال الشمس اليوم الأخير.

أما إن لم يتح لهم الإقامة بمنى بسبب احتياجات شغلهم فلا يجب عليهم المبيت

(1) ربما أخذوا هذا من الحديث السابق أعلاه: "الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار" لكن ذلك لا يتيسر له دائماً، لذلك وجدنا في الحديث الأول أعلاه تأخير الرمي للرعاة ليومين.

(2)

الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح ص 400.

(3)

أي أهل رِعاء الإبل.

ص: 441

حينئذ كأهل السقاية (1).

القسم الثالث: كل من له عذر بسبب آخر غير هذين القسمين، فقد توسع الشافعية في أمره فقاسوه على أهل السقاية، لذلك جزمتْ كتبهم بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو مريض يتعهده (2) يخشى إن تركه لأجل المبيت فوت مصلحته، أو كان مريضاً يشق معه المبيت، أو اشتغل عن ليالي منى بطلب عبد آبق أو بالبحث عن ضالة يرجوها.

ومن الأعذار ما لو كان مديناً لآخر بمال ويخاف من غريمه حبساً، ولا بينة له تشهد بعسره، ومثله ما لو كانت تنتظره عقوبة يرجو بغيبته العفو عنها، ويلحق بذلك ما لو عجز عن لباس لائق به، وإن كان عنده ما يستر به عورته وكذا خوفه إن بات ثَمَّ من سفر رفقته (3).

بناء على ما ذكره الشافعية فإن الحجاج الذين تقدمت بهم السن بحيث يشق معهم المبيت بمنى، يسقط عنهم ذلك المبيت، وكذا من يحتاجونه لتعهد شؤونهم ولو لم يكن طبيباً أو قريباً أو صديقاً، ولو لم يشرف أحدهم على الموت بل أولئك يعذرون من باب أولى (4)؛ لأن الشافعية ذكروا هذا في أعذار صلاة الجماعة ومنها الجمعة، وهي واجب

(1) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح ص 401.

(2)

اُنظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام العلامة أحمد بن علي بن حجر العسقلاني 3/ 730.

(3)

اُنظر دقائق ذلك تفصيلاً وتوثيقاً فيما أسهب في بيانه العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح للنووي ص 401 ـ 402.

(4)

ومعنى العذر أنه يسقط به الإثم والدم معاً، لكن يفوت معه تحصيل ما فات من فضل. هكذا نظر الشافعية للعذر سواء في المبيت أو الجمعة أوالجماعة أو في غير ذلك. نفس المرجع ص 403. أما المالكية فقد قالوا: يجب الدم في أصحاب الأعذار سوى رِعاء الإبل؛ فالعذر عندهم لم يسقط الدم إلا في أصحاب الرعاء. اُنظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للعلامة ابن حجر العسقلاني 3/ 73.

ص: 442

عيني كالمبيت بمنى، ومع ذلك فقد قالوا: إنَّ مجرد استئناس المريض بشخصٍ عذرٌ يسقط عنه الجماعة والمبيت ولو كان للمريض متعهد يرعاه (1).

وبناء على ذلك فإن الحجاج من أطباء المستشفيات والمراكز الإسعافية في مكة يعذرون بترك المبيت إن كان لديهم ما يشغلهم، ومثل هؤلاء الحجاج من موظفي الفنادق والأبنية المستأجرة وكذا من له مال أو أودع عنده مال يحفظه ويخشى من ضياعه (2)، ومن باب أولى إن خاف الحاج على نفسه لأي سبب من الأسباب، وهو نص عبارة إمامنا النووي الذي قال: "أو يخاف على نفسه، أو مالٍ معه

" (3).

وبناء عليه فإنَّ الحاج لو اشتغل عن المبيت بمنى بطواف الإفاضة كان ذلك عذراً له، وهو نظير ما قاله الفقهاء في عذر المشتغل عن المبيت بالمزدلفة بالوقوف بعرفة (4)، وكلا المسألتين مما نصَّ عليه الشافعية (5).

(1) نصَّ العلامة ابن حجر في حاشيته على شرح الإيضاح بإبطال الفرق بين الجمعة والمبيت بمنى، مستدلاً على إلحاق الثاني بالأول بأن كلاً منهما واجب عيني، فجاز قياس عذر المبيت على عذر الجمعة. وقد رد بذلك على من فرَّق بينهما، لا بل إنه توسع في ذلك فذكر المسأله التالية:" (وقد سئلت) عمن نزل بمكة فدخل عليه الليل بها فنام فلم يستيقظ إلا وقد ذهب معظم الليل! فهل النوم عذر هنا؟ وأجبت أخذاً مما تقرر بأنه إن غلبه النوم كان عذراً هنا نظير ما قالوه ثَمَّ، وإلا فإن غلب على ظنه أنه يستيقظ ويدرك معظم الليل بمنى فلم يتفق له ذلك فلا شيء عليه، وإلا لزمه الدم وأثم لإباحة النوم له في الأول دون الثاني نظير ما قالوه في النوم في وقت الصلاة ويأتي في النوم هنا قبل الوقت ما قالوه ثمَّ من الخلاف في أنه كالنوم في الوقت أم لا". ص 402.

(2)

جاء في المنهاج القويم ما هو أعم من المال حيث قال الإمام ابن حجر الهيتمي ص 429: (ولا يجب) ..... (على من له عذر) يمنعه منه: كأن يخاف على محترم.

(3)

الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 401.

(4)

قيد هذا وشرطه ما إذا لم يمكنه العود إلى مزدلفة ليلاً، مراعاة لوجوب الترتيب بين الوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة للقادر على الإتيان بهما. نفس المرجع من كلام العلامة ابن حجر ص 402.

(5)

نفس المرجع والصفحة، والمنهاج القويم ص 429.

ص: 443

وبناء عليه فإن من أقوى أعذار ترك المبيت بمزدلفة أو بمنى خوف مجيء حيض يمتد لرحيل الرُّفقة، فيتعذر معه طواف الإفاضة، فتتضرر المرأة حينئذ بطول ملازمتها للإحرام.

قال العلامة ابن حجر بعد أن ساق هذا: "بل هذا أولى من بعض أعذار ذكروها"(1).

المسألة الثانية: زيارة مسجد الخيف أيام منى:

في هذه المسألة أجد من الخير تقديم نقل موثق عن الإمامين النووي وابن حجر في فضل ذلك، وفضل مسجد الخيف، وما حوله:

قال الإمام النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج: "يستحب له الإكثار من الصلاة في مسجد الخيف (2)، وأن يصلي أمام المنارة عند الأحجار التي أمامها فقد روى الأزرقيُّ أنه مصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستحب أن يحافظ على صلاة الجماعة فيه مع الإمام في الفرائض، وقد روى الأزرقيُّ في فضل مسجد الخيف والصلاة فيه آثاراً"(3).

وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته حول كلام النووي:

" (قوله: أمام المنارة عند الأحجار التي أمامها): المراد بها المنارة المتصلة بالقبلة المستجدة بالمسجد سنة أربع وسبعين وثمانمائة التي وسَط المسجد، لا المنارة التي على بابه، ومحراب هذه القبة هو محل تلك الأحجار التي كانت أمام المنارة، وبقربها قبر آدم

(1) الحاشية على شرح الإيضاح: ص 403.

(2)

في القاموس المحيط للفيروزآبادي أن الخيف هو الناحية أو ما انحدر من غلَظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء، وأنه يطلق على كل هبوط وارتقاء في سفح جبل كما ذكر بأن الخيف هو غرة بيضاء في الجبل الأسود خلف أبي قبيس، وبها سُمّي مسجد الخيف، أو لأنها في سفح جبل.

(3)

الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 411.

ص: 444

- صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة".

ثم قال العلامة ابن حجر عقب ذلك مباشرة:

" (قوله: ويستحب أن يحافظ إلخ): أي: لخبر الترمذي وابن حبان في غير صحيحه عن يزيد: شهدت الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فصليت معه الصبح بمسجد الخيف .. الحديث، وأخرج أبو سعيد كالأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلّى فيه سبعون نبياً، وعن مجاهد: خمسة وسبعون، وأنه قال: فإن استطعت أن لا تفوتك الصلاة فيه فافعل".

ثم قال العلامة ابن حجر بعد ذلك بأسطرٍ:

"ومن المواضع المشهورة بمنى الغار الذي صح أن المرسلات أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، قال الطبري: وهو مشهور بمنى خلف مسجد الخيف في نحو الجبل مما يلي اليمين، كذلك يؤثره الخلف عن السلف. والسَّرْحة التي بين الأخشبين من منى لخبر مالك والنسائي وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كنت بين الأخشبين من منى ـ ونفخ بيده نحو المشرق ـ فإن هناك وادياً يقال له وادي السرر، به

سَرْحة (1) سُرّ تحتها سبعون نبياً"، أي: قطعت سررهم تحتها عقب ولادتهم، والسرر مثلث السين جمع سره وهي الباقي بعد القطع. ومسجد كبش إسماعيل صلى الله على نبيّنا وعليه وسلم، فقد أخرج الأزرقي أن الكبش هبط من ثبير على العرق الأبيض

(1) نقل صاحب القاموس المحيط أن السرحة بالسين اسم موضع، وهو ما ترجمه الشراح في حاشيتهم عليه.

ص: 445

الذي على باب شعب علي كرَّم الله وجهه. وروي أن إبراهيم عليه السلام أخذه وذبحه على الصفا الذي بأصل الجبل على باب الشعب المذكور وعليه بنت لبابة بنت ابن ابن عباس المسجد المعروف الآن بمسجد الكبش" (1).

* * *

(1) كل ما نقلته لك هنا هو عن ابن حجر في حاشيته على شرح الإيضاح للنووي ص 411 - 412.

ص: 446