المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحج عرفة قال جابر رضي الله عنه: "ثم ركب رسول الله - الركن الخامس

[محمد محيي الدين حمادة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌ ‌الحج عرفة قال جابر رضي الله عنه: "ثم ركب رسول الله

‌الحج عرفة

قال جابر رضي الله عنه: "ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه (1)، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غَرَبَتْ الشَّمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص":

عند هذه النقطة يبدأ الوقوف بعرفة الذي يُمَهَّدُ له بتعجيل الاندفاع إلى أرض عرفات عقب الفراغ من الصلاة مباشرة، وهنا لا بدّ لنا من ذكر آداب وأحكام أعظم يوم من أيام الحج قاطبة لقول رسول الله:"الحج عرفة"؛ لأنه اليوم الذي لا بديل عنه، ولا كفارة فيه، ولا يقوم بنيان الحج إلّا بالوقوف فيه.

وإليك مختصر ما يتصل بالوقوف في هذا اليوم من أعمال:

أولا: عرفة كلها موقف إلّا بطن عرنة كما مر (2)، وهو ما لا يجوز التساهل فيه وإلا ذهبت الفريضة في أودية البطلان، ووجب التحلل منها بعمرة؛ لأن عرفات ليست من أرض الحرم فحدودها تنتهي عند منتهى الحرم بما يعرف بالشاخص المنصوب هناك المكتوب على رقعته الخضراء عند منتهى المأزِمَين الجبلين اللذين بين مزدلفة وعرفة: "بداية

(1) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 8 ص 342: "فروي حبل بالحاء المهملة وإسكان الباء وروي جبل بالجيم وفتح الباء وقال القاضي عياض رحمه الله الأول أشبه بالحديث".

(2)

قال الإمام ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن من وقف فيه لا يجزئه". اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2233.

ص: 334

عرفات" (1).

ثانياً: واجب الوقوف بعرفة شيئان:

أحدهما كونه في وقته المحدود وهو من زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع فجر ليلة العيد بدليل ما أخرجه الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن يَعْمُرَ أن ناساً من أهل نجد أتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه فأمر منادياً فنادى: "الحج عرفة. من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثةٌ .... "(2).

وقد قال وكيع بن الجراح شيخ الشافعي: هذا الحديثُ أُمُّ المناسك (3).

والدليل الآخر رواه الترمذي عن عروة بن مُضَرِّس بن أوس بن حارثة بن لامٍ الطائيّ قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يارسول الله: إنني جئت من جَبَلَي طيِّء أَكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي. والله ماتركت من حَبْلٍ إلّا وقفتُ عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح ص 314 وفيه يذكر الإمام ابن حجر أن ظاهر كلام النووي أن أرض الحرم تتصل بأرض الحل من عرفات لكنه نقل لنا رأيا مفاده أن ثمة مسافة قصيرة تفصل بين الحل والحرم وأنها تمتد بين حدود عرفات حتى الجدار القبلي لمسجد إبراهيم وهي تصل إلى نحو ألف ذراع إلا نحو خمسة وأربعين ذراعاً حيث انتصب هناك علمان كُتِبَ عليهما أن المظفر صاحب اليمن حدد ذلك فصلاً بين الحل والحرم. وقد علق العلامة ابن حجر على هذا بعد أن ساقه: "ومثل هذا لا يفعل إلا عن تثبيت من خبر مستفيض أو علامة قائمة قاله التقي الفاسي". أقول: وأيّا ماكان، فإن الأرض المتاخمة لعرفات - سواء قلنا هي من الحدود الفاصلة بين الحل والحرم أو من الحرم- لاتصلح للوقوف يوم عرفة.

(2)

سنن الترمذي برقم (889 - 890) وقال: "العمل على حديث عبد الرحمن بن يَعْمُرَ عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج ولا يجزئ عنه إن جاء بعدطلوع الفجر، ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. كما قال: هذا أجود حديث رواه سفيان الثوري. أقول: كما رواه أبو دود برقم (1949).

(3)

سنن الترمذي في تعليقه على الحديث برقم (890).

ص: 335

حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد أتمَّ حجّه، وقضى تفثه" (1).

فمن حصل له بعرفة وقوف في لحظة لطيفة من هذا الوقت صح وقوفه وأدرك الحج، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج (2).

الثاني: كون الحاج أهلا للعبادة وهو ما يعني اشتراط العقل لذلك فهو يشمل الصبي (3) والنائم، فالحج منهما صحيح، أما المغمى عليه جميع وقت الوقوف والمجنون (4) والسكران (5) فلا يصح وقوف كلٍّ لانتفاء أهلية العبادة عندهم كما في الصوم لكن قالوا: يقع حج المجنون نفلا (6).

ولو كان المسلم ماراً في عرفات في طلب آبق فقد صح حجه وإن قَصَدَ صرف حضوره عن الوقوف شرط كونه محرماً بالحج وكونه أهلاً للعبادة، وذلك أنّ مجرد الوقوف مع توفر هذين الشرطين يجزئه في هذا (7).

(1) سنن الترمذي برقم (891) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال أبو عيسى الترمذي:"قوله تفثه يعني نسكه". قوله: "ما تركت من حَبْلٍ إلا وقفت عليه" إذا: كان من رمل يقال له حبل، وإذا كان من الحجارة يقال له جبل".

أقول الحديث استدلّ به الحنبلية على أن وقت الوقوف يبدأ من فجر يوم عرفة فقوله نهاراً يشمل أجزاء النهار.

(2)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 314.

(3)

يدخل في هذا الباب الصبي ولو كان غير مميز. اُنظر نفس المرجع والصفحة.

(4)

المجنون في هذا أولى من المغمى عليه، ولهما حكم واحد.

(5)

السكران هو كالمغمى عليه، وإن تعدى بسكره.

(6)

سواء جُنّ عند إحرامه أم بعده وهو ما قاله الشيخان الرافعي والنووي وقد جزم في المجموع أنه يقع لهما نفلاً كحج صبي لا يميز، وقد نص الشيخان على أنّ الفوات يقع على الفرض فهو كمن أحرم بالصلاة قبل وقتها جاهلاً بالوقت فإن صلاته تنعقد له نافلة وتلغو نيّة الفرضية ولا تبطل خلافاً لمن زعمه. اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح ص 314 ـ 315 ـ وانظر المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية لابن حجر أيضا ص 425 ـ 426.

(7)

اُنظر المنهاج القويم لابن حجر ص 425 ـ وتهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفَشْني في الركن الثاني ص 202.

ص: 336

ولبيان مزيد من الفائدة أنقل لك ما نص عليه الإمام النووي حول هذه النقطة: "فمن كان من أهل العبادة وحصل في جزء يسير من أجزاء عرفات في لحظة لطيفة من وقت الوقوف المذكور صح وقوفه حضرها عمداً أو وقف مع الغفلة أو مع البيع والشراء أو التحدث واللهو أو في حالة النوم أو اجتاز في عرفات في وقت الوقوف وهو لا يعلم أنه عرفات ولم يلبث أصلاً بل اجتاز مسرعاً في طرف من أرضها المحدودة أو كان نائماً على بعيره فانتهى به بعيره إلى عرفات فمر بها البعير ولم يستيقظ راكبه حتى فارقها أو اجتازها في طلب غريم هارب بين يديه أو بهيمة شاردة أو غير ذلك مما هو في معناه صح وقوفه في جميع ذلك ولكن تفوته كمال الفضيلة"(1).

شرط الأهلية الذي قال به الشافعية وافقهم في القول به الحنبلية بخلاف الحنفية والمالكية الذين أجازوا وقوف المغمى عليه ولو كان إغماؤه مطبقاً بحيث أُدخل إلى عرفة وهو في حالة فقدان الوعي ولم يُفِقْ حتى خرج منها؛ لأنهم لم يشترطوا للوقوف نية ولا طهارة، وبالتالي لا يشترط عندهم كونه أهلاً للعبادة، فيصح في اجتهادهم وقوف المغمى عليه والمار بها ولو لم يعلم أنها عرفة ما دام قد مر في زمن الوقوف المذكور (2).

وفي رأيي هذا تيسير من الله على عباده بوجود فتاوى من هذا النظير لأئمةٍ معتمدين من رجال السلف الصالح، فما نشاهده كل عام يوم عرفة من سيارات إسعافية تحمل بمجموعها الكثير من الحجاج المرضى الذين فجأتهم أزمات فإذا بهم يدخلون معها في سبات تام وهم لا يزالون في حالة إحرام فهؤلاء يصح وقوفهم على

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 315 - 316.

(2)

اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج 3 ص 2234 والحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص 70.

ص: 337

مذهبي الإمامين الجليلين أبي حنيفة ومالك رحمها الله تعالى ولله الحمد والمنة.

ثالثاً: الأصح في مذهب الشافعية أن الوقوف راكباً هو الأفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لقول جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (1) قالوا: ؛ ولأنه أعون على الدعاء وهذا هو المهم في عرفات.

رابعاً: الأفضل تحري موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب جبل الرحمة المنتصب بوسط جبل عرفات حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات الكبار المفروشة أسفل الجبل بحيث يكون الجبل قبالة الواقف إذا استقبل القبلة ويكون طرف الجبل تلقاء وجهه (2).

يفعل الحجاج هذا مالم يخشَ أحدهم مزاحمة بعضهم بعضاً، أو إيقاع الأذى فيما بينهم، أو التيه عن الرفقة والصحبة فحينئذ الابتعاد أولى مراعاة لمصلحة المسلمين العامة.

أما صعود جبل الرحمة بقصد السنة والخصوصية فهذا مما لا أصل له وهو عمل غير مشروع إن كان المقصود تحصيل فضل زائد عن الموقف لذلك قال الإمام النووي: "وأما ما اشتهر عند العوام من الاعتناء بالوقوف عند جبل الرحمة الذي بوسط عرفات كما سبق بيانه وترجيحهم له على غيره من أرض عرفات حتى ربما توهم كثيرٌ من جهلهم أنه لا يصح الوقوف إلّا به فخطأ مخالف للسنة ولم يذكر أحد ممن يعتمد عليه في صعود هذا

(1) في هذه المسألة خلاف بين العلماء، وعند الشافعية قول آخر يذهب إلى أن غير الراكب أفضل، وقول ثالث يذهب إلى أن الراكب وغير الراكب سواء. اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 341.

(2)

قال ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح نور الإيضاح للنووي ص 312: "وأحسن من حرر ذلك البدر بن جماعة وجمع فيه بين الروايات ونقله عن العزّ وغيره وأقروه، فقال: إنه الصخرة المستعلية المشرفة على الموقف وهي من وراء الموقف صاعدة في الرابية هي التي عن يمينها وورائها صخر ناتئ متصل بصخرة الجبل المسمى جبل الرحمة وهذه الصخرة بين الجبل المذكور والبناء يساره وهي إلى الجبل أقرب بقليل فمن ظفر بذلك وإلا فليقفْ بين الجبل والبناء المذكور على جميع الصخرات والأماكن التي بينها لعله أن يصادف الموقف النبوي اهـ قال الفاسي والبناء المربع المشار إليه هو المسمى بيت آدم وكان سقاية للحاج عمّرَتْها والدة المقتدر العباسي

".

ص: 338

الجبل فضيلة إلّا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فإنه قال يستحب الوقوف عليه وكذا قال أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري صاحب الحاوي من أصحابنا: يستحب أن يقصد هذا الجبل الذي يقال له جبل الدعاء قال: وهو موقف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا الذي قالاه لا أصل له ولم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف والصواب الاعتناء بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي خصه العلماء بالذكر والتفضيل وحديثه في صحيح مسلم وغيره وقد قال إمام الحرمين: في وسط عرفات جبل يسمى جبل الرحمة لا نُسُكَ في صعوده وإن كان يعتاده الناس.

فإذا عرفت ما ذكرناه فمن كان راكباً فليخالط بدابته الصخرات المذكورة وليداخلها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كان راحلاً قام على الصخرات أو عندها على حسب الإمكان بحيث لا يؤذي أحداً، وإذا لم يمكنه ذلك الموقف فيقرب مما يقرب منه ويتجنب كل موضع يؤذي فيه أو يتأذى

" (1).

هذا في حق الرجل أما المرأة فالمستحب لها أن تكون في حاشية الموقف لا أن تقف عند الصخرات أو في الزحمة؛ لأنه يستحب أن تؤدي الوقوف في عرفات قاعدة؛ لأنه أستر لها (2).

خامساً: من السنة استقبال القبلة في وقوف عرفات سيان في ذلك وضع الدعاء أو غيره (3)؛ لقول جابر: "واستقبل القبلة"، وهكذا فالكعبة والبيت والحرم يظل هذا كله حاضراً بقوة في وقوف ضيوف الرحمن في أرض الحل عرفة حتى ولو لم يكونوا في صلاة أو دعاء وفي هذا ترويض للمسلم ليبقى قلبه مشدوداً وبصره ممدواً إلى حيث المحور

(1) اُنظر نفس المرجع ص 316 - 317.

(2)

هذه المسألة نص عليها الماوردي من الشافعية. اُنظر نفس المرجع ص 318.

(3)

اُنظر المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي ص 427.

ص: 339

الإسلامي الجامع كعبة الله المشرفة.

سادساً: ومن السنة التطهر للوقوف بعرفة ولا يجب ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للسيدة عائشة رضي الله عنها فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: "افعلي كل ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالحرم حتى تطهري" فلو وقف محدثاً أو جنباً أو عليه نجاسة أو مكشوف العورة صح وقوفه وفاتته الفضيلة (1). وقد مر معك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل على أبواب عرفات استعداداً للموقف الكبير كما أنه ورد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: اغتسلتُ مع ابن مسعود يوم عرفة تحت الأراك (2).

إن الاغتسال الذي يتكرر فصولاً في شتى مواقف الحج إلى بيت الله الحرام هو مظهر حضاري ينبه إلى تقدير الدين الإسلامي للنظافة العامة والخاصة، وإلى مراعاته آداب اللقاء والاجتماع التي تعد إحدى مرتكزات العلاقات الاجتماعية اليوم ذلك أنه في كل مناسبة تشتهر بازدحام الناس تبرز في أفق المسلم سنة الاغتسال نجد ذلك في موضع صلاة الجمعة التي يدخل وقت الاغتسال فيها بالفجر الصادق ليوم الجمعة، وفي العيد؛ لأنه يوم زينة وتلاق، ويدخل وقت الاغتسال له بنصف ليلة العيد، وفي خطبة وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء، وكذا لقاصد الدخول بالإحرام بحج أو عمرة (3) أو قاصد الدخول لمكة المكرمة تعظيماً لها وتأدباً مع ضيوفها وروادها وإزالة

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 318.

(2)

أخرجه الإمام الحافظ عليُّ بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد في غسل يوم عرفة ولم يذكر سواه وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه الحجاج بن أرطأة وفيه كلام. اُنظر ج 3 ص 253.

(3)

أو بهما ولو في حال حيض المرأة أو نفاسها.

ص: 340

لشعث السفر قبل دخولها (1). وكذلك يستحب الاغتسال للوقوف بعرفة والأفضل كونه بنمرة ويحصل أصل السنة في غير نمرة ووقته كالجمعة بطلوع الفجر الصادق لليوم التاسع وكونه قبل الزوال أفضل وأليق بجمع عرفة الغفير (2).

وإن الاغتسال كذلك هو لون من ألوان تعظيمه صلى الله عليه وسلم لشعائر الحج قبل عرفات وللمبيت في مزدلفة (3) وفي منى سائر أيامها لرمي الجمار الثلاث في كل يوم من أيام التشريق (4) ولطوافي الإفاضة والوداع مِن قول مَن ذهب إليه (5).

ومن تعظيم مناسك الحج وشعائره تطيُّبه صلى الله عليه وسلم بعد الغسل وقبل الإحرام بأطيب طيب وجده كما في حديث زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل (6).

وروت السيدة ـ عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم"(7) وفي رواية: "بأطيب الطيب"(8) وفي رواية: "كأني اُنظر

(1) حتى ولو كان حلالاً على المنصوص في الأم.

(2)

اُنظر تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفشني ص 48 - 50.

(3)

قال الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفَشْني في المرجع السابق ص 50 "ونص الإمام على استحبابه للوقوف بمزدلفة بعد صبح يوم النحر وهو الوقوف بالمشعر الحرام".

(4)

لكن لا يغتسل لرمي جمرة العقبة يوم النحر اكتفاء بغسل العيد؛ ولأن وقته متسع بخلاف رمي أيام التشريق. اُنظر نفس المرجع والصفحة.

(5)

قال العلامة الفشني في نفس المرجع والصفحة: "وهذا ما جرى عليه الإمام النووي: في "المنسك الكبير" وهو خلاف الراجح، والمعتمد عدم الاستحباب كما يقتضيه كلام المنهاج".

(6)

سنن الترمذي برقم (830) وقال عنه أبو عيسى: هذا حديث حسن.

(7)

صحيح مسلم برقم (1189/ 37) وفي رواية بأطيب ما وجدت برقم (1189/ 38).

(8)

صحيح مسلم برقم (1189/ 36).

ص: 341

إلى وبيص الطيب في مَفْرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم" (1).

في هذه اللفتة دعوة إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في تقديسه لفريضة الركن الخامس وتعظيمه لشعائرها وتحريضه ضيوف الرحمن على صيانة حرمتها حتى ينالوا ثواب الحج المبرور والذي لا يكون كذلك إلّا بهذا لكن المتأمل لحج المسلمين اليوم يجد بين شرائح منهم انتهاكاً صارخاً لحدود الله وحرماته واستهانة جلية بأعماله ومواضعه وما ذلك إلّا بسبب التقصير في تهيئة الحجيج لهذه الفريضة تعليماً وتذكيراً وهذا من عموم تقصير المسلمين في حقوق الله وشعائره التي قال الباري عز وجل فيها: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)} [الحج: 32].

وخير من نبه إلى ذلك وحذر منه الإمام ابن القيم رحمه الله في كلام نفيس له حين قال: "لم يُقَدّره حقّ قدره من هان عليه أمره فعصاه ونهيه فارتكبه وحقُّه فضيّعه، وذِكْره فأهمله، وغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق

(1) صحيح مسلم برقم (1190/ 39) وفي نفس الرواية: "وذاك طيب إحرامه". "ومعنى وبيص الطيب أي بريقه ولمعانه. أقول: ومن مظاهر تعظيمه صلى الله عليه وسلم لشعائر الحج ومناسكه تعظيمه الذي مر معنا لزمان النسك ومكانه حين قال صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" وحين قال: "إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يومُ النحر ثم يوم القرّ" أبو داود برقم (1765).

ويوم القرّ هو اليوم التالي ليوم النحر وسمي بذلك؛ لأن الناس يَقِرّون فيه بمنى.

كما يتجلى تعظيمه صلى الله عليه وسلم في قوله: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهلَ الإسلام وهي أيام أكل وشرب" الترمذي برقم (773) وقال حسن صحيح، وأبو داود برقم (2419).

ومن تعظيمه صلى الله عليه وسلم دعوته المطلقة للتقوى في فريضة الحج وأنها خير زاد في هذه الرحلة، وذلك من خلال قوله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)}. [البقرة: 197].

ص: 342

أهمَّ عنده من طاعة الله، فللهِ الفضلةُ من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله وسواه المقدم في ذلك؛ لأنه المهم عنده" (1).

لذا فواجبنا التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في إجلاله شعائر ربه وحدود شرعه ومناسك حجه والقيام بذلك على أتم وجه وبإخلاص تام لوجهه الكريم، وأن نصبر على هذا ونتواصى على ذلك.

سابعاً: من السنة أن يقف الحاج يوم عرفة مفطراً لما رواه البخاري في صحيحه عن أمّ الفضل بنت الحارث أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتُ إليه بقدَحِ لبن وهو واقف على بعيره فشربه (2).

فلا يصوم يوم عرفة سواء كان يضعف فيه أم لا (3)؛ لأن الموقف عبادة لها تميزها وتحتاج من أصحابها استعداداً من نوع خاص لاسيما في هذا الزحام الشديد واقتران ذلك بالطقس الحار غالباً هناك فالفطر يعين على أداء العبادة وهو ما يتفق مع السنة المطهرة.

ثامناً: الأفضل أن لا يستظل الواقف بشيء بل يبرز للشمس؛ لأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استظل بعرفات مع العلم أن الرواية التي صحت عنه صلى الله عليه وسلم هي استظلاله بثوب وهو يرمي الجمرة.

تاسعاً: ومن سنن الوقوف الجمع بين الليل والنهار بحيث يبقى واقفاً حتى تغرب

(1) الجواب الكافي لابن قيم الجوزية ص 98.

(2)

صحيح البخاري باب الوقوف على الدابة بعرفة برقم (1661)، والسنن الكبرى للبيهقي باب ترك الصوم يوم عرفة وعرفات برقم (9554).

(3)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 319.

ص: 343

الشمس ويدرك جزءاً من الوقت بعد الغروب ولو لحظة لطيفة منه، فلو أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه وحجه واستحب له أن يجبر هذا التقصير بدم في أصح قولي إمامنا الشافعي رحمه الله، وهو المفتى به، وخروجاً من خلاف من أوجبه (1).

ولو وقف في جزء من الليل دون النهار صح وقوفه وحجه أيضاً.

أما لو وقف بعد الفجر نهار اليوم التاسع ودفع من عرفات قبل الزوال فوقوفه وحجه باطل ما لم يعد إلى عرفات في الزمن الممتد من زوال شمس اليوم التاسع إلى طلوع فجر يوم النحر (2).

(1) أوجب الحنفية في اجتهاد مذهبهم إدراك جزء من الليل ولو للحظة منه تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وقف ودفع من عرفة بعد الغروب والذي جاء عنه فيما رواه لنا الشافعي في مسنده ج 1 ـ ص 255: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما بعد فإن أهل الشرك كانوا يدفعون من هذا الوضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال وإنا ندفع بعد أن تغيب" قالوا: فإن دفع قبل الغروب فعليه دم حتى لو نفر قبل الغروب ثم عاد بعد الغروب فعليه دم لكنه إذا عاد قبل الغروب فلا دم عليه أما المالكية فوقت الوقوف عندهم هو الليل فمن لم يقف جزءاً من الليل عندهم لم يجز وقوفه وحجه باطل وعليه العود للحج من قابل، أما الوقوف نهاراً فواجب عند المالكية لو تركه عمداً بغير عذر فعليه دم جبراً للخلل. والخلاصة أنه لا يصح عند مالك الوقوف نهاراً بل لا بدّ من الوقوف في جزء من الليل بقدر الجلسة بين السجدتين قائماً أو راكباً أو جالساً أو محمولاً في عرفات عالماً بها أو جاهلاً نائماً أو مفيقاً فإن اقتصر على الليل كفاه.

اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 3 ـ ص 341 ـ 342 ـ والفقه الإسلامي وأدلته د. وهبة الزحيلي ج 3 ص 2235 - 2237 والحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص 66 ـ 69 ـ وبداية المجتهد ونهاية المقتصد للعلامة الشيخ الفيلسوف الإسلامي محمد بن رشد القرطبي ج 1 ـ ص 348 ـ 349.

(2)

مذهب الحنبلية أن وقت الوقوف يبدأ من طلوع فجر يوم عرفة وقد استدلوا على ذلك بحديث ابن مُضَرس السابق "وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً" فقالوا: قوله: نهاراً يدخل فيه كل أجزاء النهار بما في ذلك الوقت الممتد من طلوع الفجر إلى زوال الشمس في منتصف النهار فيكون ابتداء الزمن المجزئ للوقوف من طلوع الفجر الصادق لذلك اليوم وقد أُجيب عن استدلالهم هذا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصل عرفة قبل الزوال فمكث وانتظر وكان بامكانه أن يدخل منذ لحظة وصوله عليه السلام فهذا فعل يقيد إطلاق الحديث ويفسره.

أقول وربما أجابوا بأنه صلى الله عليه وسلم فعل السنة مع إجزاء ذلك قبل الزوال لكن يجاب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدفع أحداً قبل ذلك على سبيل الترخص فدلّ على ما قاله الجمهور.

والنتيجة أن الوقوف الذي لا يختلف في صحته هو الذي يدرك به صاحبه جزءاً من النهار قبل الغروب وجزءاً منه بعد الغروب فهذا صحيح باتفاق المذاهب ولموافقته للسنة والخروجُ من الخلاف هو الذي يطمئن له القلب يقيناً خصوصاً عندما يكون أكثر العلماء على اجتهاد يخالف اجتهاد البعض ثم يأتي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يستقيم معه اجتهاد هؤلاء البعض، هذا والله تعالى أعلم.

ص: 344

ولدى النظر في كلام الشافعية نجده على اتفاق مع صريح الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن عروة بن مُضَرِّس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد أتم حجه وقضى تفثه"(1).

عاشراً: يوم عرفة هو أعظم الأيام عند الله تعالى فيه يجتمع سر المكان الذي اختاره ربنا لضيوفه من رسل وأنبياء وأولياء ووافدين من لدن آدم إلى أن يقوم الناس لرب العالمين (2)، وسر الزمان الذي تدنوا في ساعاته المباركة رحمة الله من عباده الشعث الغبر المتذللين إليه بحاجتهم وسحائب فضله وكرمه، وسرّ الأشخاص بما يجمع فيه الباري من الخواص، لذلك فإن هذا المجمع العظيم والموقف الجسيم هو أعظم مجامع ومواقف الدنيا على الإطلاق لما يفيض فيه ربنا سبحانه وتعالى من فيوضات إيمانية تنسكب في أفئدة عباده الواقفين تحرك فيه قلوباً لطالما تجمدت بصقيع المادة ولهيب الشهوات الجانحة، فتذرف من عيونهم دموع لطالما حبست فلم تخرج ببواعث الرغبة والرهبة.

فالموقف في زمانه المعهود ومكانه المقصود وواقفيه المخصوصين هو نفحة إيمانيه

(1) اُنظر الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد برقم (16208) وقد جاء فيها حديث صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين.

(2)

روى الإمام البيهقي في السنن الكبرى برقم (9559) عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: "لا إله إلا الله". قال الإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف ولم يدرك أخوه علياً رضي الله عنه.

ص: 345

عالية في يوم من أيام دهر الله لا تأتي بهذه الصورة في العام كله إلّا مرة واحدة لذلك ينبغي لك أيها الحاج هناك أن تقف حاضر القلب فارغ الذهن من الشواغل الدنيوية التي يندب في حقك أن تقضيها قبل الزوال لتكون مستعداً بباطنك وظاهرك عن جميع العلائق متفرغاً لنداء ربك ودعاء مولاك مستفرغاً وسعك بين يديه في بحار العبودية مناجياً وسائلاً وداعياً (1) وملبياً (2) ومكبراً ومهللاً وذاكراً وتالياً للقرآن ومصلياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم مظهراً التذلل والفقر ويداك إلى صدرك كالمستطعم المسكين في موقف قيوم السموات والأرض (3) في أنموذج مصغر للمحشر حين يقوم الناس في عرصات يوم القيامة حفاة عراة غُرْلاً ثم يتوَّج أهل الخير في الجنة ويساق أهل العصيان إلى النار.

فاملأ ساحة وقتك قائماً وقاعداً كالنحلة ترتشف من رحيق شتى الأزهار، فتارة اذكر، وتارة هلِّلْ، وتارة كبر، وتارة صلّ على نبيك وحبيبك وقدوتك صلى الله عليه وسلم، وتارة استغفر، وأعلنها توبة، وتارة لبِّ، افعل ذلك حال انفرادك عن إخوانك وحال اجتماعك بهم (4) اغتنم كل لحظة في وقوف الحشر الأصغر هذا واعلم أن الحج كله يفوت إن فات الوقوف فيه، وأن ثواب الحج في خطر عظيم إن خرج أحد من صعيد الموقف ولم ينل

(1) قال الإمام النووي: ولا يتكلف السجع في الدعاء ولا بأس بالدعاء المسجوع إذا كان محفوظاً أو قاله بلا تكلف ولا فكر فيه، بل يجري على لسانه بغير تكلف لترتيبه وإعرابه وغير ذلك مما يشغل قلبه. ويستحب أن يخفض صوته في الدعاء ويكره الإفراط في رفع الصوت. اُنظر الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 320.

(2)

قال الإمام النووي: يستحب أن يكثر من التلبية رافعاً بها صوته. نفس المرجع ص 321.

(3)

روى الإمام البيهقي في السنن الكبرى برقم (9558) عن عكرمة عن ابن عباس قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين". قال الإمام النووي: "ويرفع يديه في الدعاء ولا يجاوز بهما رأسه". اُنظر نفس المرجع ص 320.

(4)

هذا ما نص عليه الإمام النووي حين قال: "وينبغي أن يأتي بهذه الأنواع كلها فتارة يدعو وتارة يهلل

". اُنظر نفس المرجع ص 321.

ص: 346

من نفحات وبركات هذا اليوم فلم يغفر له، فالسعيد من كان حظه في هذا اليوم موفوراً وقلبه خاشعاً خاضعاً موصولاً، وجوارحه متواضعة محفوظة عن سوء الأدب ولو في نظرة لا تليق أو إطلاق لسان بما ينبو عن مثله أدب الحبيب (1)،

فالوظيفة في هذا الموقف واضحة محدودة والمرجو ثمرة لا مطلب للعبد الصادق في سواها، فمن قصر في هذه المعاني (2) واشتغل بالقيل والقال والمخاصمة والمشاتمة والكلام القبيح والجدال فقد ضل سعيه وفات جهده وذهب ماله في غير طائل، لا بل إن الفقهاء يوصون بالاحتراز عن الكلام المباح الذي لا مخالفة فيه؛ لأنه تضييع للوقت عن المهم الأسمى سداً للذرائع عن الانجرار إلى ما هو حرام.

قال الإمام النووي: "وليحذرْ كل الحذر من التقصير في ذلك، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره ويستحب الإكثار من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الاعتقاد بالقلب، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب

(1) قال الإمام النووي: "وينبغي أن يحترز غاية الاحتراز عن احتقار من يراه رثّ الهيئة أو مقصراً في شيء ويحترز عن انتهار السائل ونحوه. وإن خاطب ضعيفاً فليتلطف في مخاطبته فإن رأى منكراً محققاً توجه عليه إنكاره ويتلطف في ذلك وبالله التوفيق". نفس المرجع ص 326.

أقول ويشهد لهذا طبيعة هذه االعبادة الراقية وأهدافها السامية كما يشهد لهذا ما أورده الإمام أحمد في مسنده برقم (3041) عن ابن عباس قال: "كان فلان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة قال: وجعل الفتى يلاحظ إليهن، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أخي، إن هذا يوم مَنْ ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له". قال في الموسوعة الحديثية على مسند أحمد ج 5 ص 165. إسناده ضعيف كما ذكره الإمام أحمد في مسنده برقم (3350). قال: في الموسوعة الحديثية: "إسناده ضعيف" ج 5 ص 356. وقال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في الحج والعمرة في الفقه الإسلامي ص 220: "إسناده صحيح". واُنظر فتح القدير (2/ 22167) ".

(2)

قال الإمام النووي: وفي الحديث الصحيح الحج عرفة فالمحروم من قصر في الاهتمام بذلك واستفراغ الوسع فيه. اُنظر الحاشية على شرح الإيضاح ص 319.

ص: 347

العبرات، وتستقال العثرات، وترتجى الطلبات" (1).

كما قال: "وينبغي أن يكثر من التضرع فيه والخشوع وإظهار الضعف والافتقار والذلة ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة، بل يكون قوي الرجاء للإجابة، ويكرر كل دعاء ثلاثاً ويفتتح دعاءه بالحمد والتمجيد لله تعالى والتسبيح والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويختمه بمثل ذلك، وليكن متطهراً متباعداً عن الحرام والشبهة في طعامه وشرابه ولباسه ومركوبه وغير ذلك مما معه فإن هذا من آداب جميع الدعوات، وليختم دعاءه بآمين، وليكثر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل"(2).

فالدعاء يرافقه كثرة التضرع وصدق المناجاة له منزلة رفيعة في الإسلام إذ هو إظهار غاية التذلل والافتقار بين يدي الله لذلك عرّف النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بأنه مخ العبادة وجوهرها لدلالته على إقبال العبد إلى ربه والإعراض عماسواه وهذه هي العبودية الحقيقية التي تليق بالعاجز الفقير في علاقته مع الخالق الغني والكريم اللطيف بعباده وهو المعنى الذي أكده صلى الله عليه وسلم بإخبار أمته بأنه ليس شيء أكرم على الله من الدعاء (3)، ثم في تسمية أهم ركن من أركان الإسلام ـ أي الصلاة ـ باسم من أسماء الدعاء ما يشير إلى هذا المعنى الذي أحرره لك.

ولما كان الحج إلى بيت الله الحرام الفرض الذي يمتد رواقه إلى سائر أركان الإسلام ليظلها بطيفه فإن الدعاء كان وما يزال الأوفر حظاً والأكثر نصيباً في ساحة مناسكه لذلك أظهره رسول الله صلى الله عليه وسلم في كافة جنباته فتراه يؤديه في الطواف حتى يبدو لك أنه أصل

(1) اُنظر نفس المرجع ص 326.

(2)

اُنظر نفس المرجع ص 320.

(3)

صحيح ابن حبان برقم (870).

ص: 348

فيه ويمتد به إلى الوقوف على الصفا والمروة إلى أن يصير علامة فارقة عليه، ثم يطيل النبي صلى الله عليه وسلم دعاءه يوم عرفة متذللاً متخشعاً باكياً وهو على ناقته ويُمضي فيه من الوقت ما لم يقضه في أي مكان آخر من بعد الزوال عقب الخطبتين والصلاة إلى غروب الشمس.

وفي مزدلفة في المشعر الحرام أطال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التضرع بين يدي مولانا الكريم منذ أن صلى الفجر في أول الوقت بغلس إلى أن أسفر جداً قبل أن تطلع الشمس (1).

وفي أيام التشريق بعد رمي الجمرتين الأوليين كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة ويقوم قياماً طويلاً يدعو ويرفع يديه قدر سورة البقرة (2).

ومن الفوائد أن المنقول عن دعائه صلى الله عليه وسلم وثنائه على ربه في الحج قليل جداً بالنسبة لما لم ينقل؛ لأن الأصل في الدعاء أنه محض خطاب العبد لمولاه وأنه سر من أسرار عبوديته لربه، فالدعاء يتضمن حاجة الإنسان التي يرفعها إلى خالقه وهذا من خصوصيات كل مناجاة، كما تتضمن القائمة - بالنسبة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم صنوف الذنوب التي سقطت منه وهذا أشد خصوصية (3) ثم إن الدعاء الذي طال كثيراً يوم عرفة لم تغطه الأدعية المأثورة بما نقل لنا منها وهو قليل وبعضه ضعيف الإسناد ليس بقوي وإنْ ذلك كله إلّا نذر يسير في جنب كمٍّ هائل كبير من الدعاء المبارك الذي مارسه صلى الله عليه وسلم، ولا أدل على هذا من الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة ـ في عموم الدعاء ـ قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) هذا ما سيأتي معك في حديث جابر بإذن الله.

(2)

روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في السنن الكبرى ذلك برقم (9761) عن وبرة قال: قام ابن عمر حين رمى الجمرة عن يسارها نحو ما لو شئت قرأت سورة البقرة.

(3)

هذه الجزئية في عموم الناس وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم عن الخطأ الذي هو بمعنى المعصية صغيرها وكبيرها قبل البعثة وبعدها.

ص: 349

بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئاً فقال: "ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله؟ " تقول: "اللهم نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلّا بالله"(1).

فلو لم يكن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم طويلاً لما كان في حفظه عسر فكيف الحال لدعاء عرفة وهو الأطول في زمانه وعباراته فيما أعلم.

ومن تلك الأدعية المأثورة يوم عرفة ما رواه طلحة بن عبيد الله بن كَرِيْز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له"(2).

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم! اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً.

اللهم! اشرح لي صدري، ويسّرْ لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر.

اللهم! إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما يلج من النهار وشر ما تهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر" (3).

(1) أخرجه الترمذي في سننه الجامع الصحيح برقم (3521) وقال: هذا حديث حسن.

(2)

رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم (9557) وقال هذا مرسل وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولا ووصلُه ضعيف. كما ورد في مجمع الزوائد بلفظ "أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لا إله إلَّا الله .... " قال الإمام الحافظ الهيثمي فيه: رواه أحمد ورجاله موثوقون ج 3 ص 252.

(3)

السنن الكبرى برقم (9559) وقال الإمام البيهقي فيه: "تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف ولم يدرك أخوه عليا رضي الله عنه ". أقول: وقد سبق الكلام فيه.

ص: 350

وقد ذكر الإمام النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج فصلاً في الدعاء المختار في يوم عرفة جاء فيه: " (فرع): ومن الأدعية المختارة:

اللهم! آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم! إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً وإنه لا يغفر الذنوب إلّا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.

اللهم! اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة منك أسعد بها في الدارين، وتب علي توبة نصوحاً لا أنكثها أبداً، وألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبداً.

اللهم! انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك، ونوّر قلبي وقبري، وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله. استودعتك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيم عملي وجميع ما أنعمت به عليَّ وعلى جميع أحبّائي وجميع المسلمين" (1).

ومن آداب الدعاء أن يناجي ربه بلغة الدموع والبكاء. روى ابن الجوزي في صفة الصفوة عن مهران بن عمرو الأسدي قال: سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء يقول: "واسوأتاه وافضيحتاه وإن عفوتَ عني

".

وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري: وقفت مع الفضيل بن عياض بعرفات فلم أسمع من دعائه شيئاً إلّا أنه وضع يده اليمنى على خده وطأطأ رأسه يبكي بكاء خفيفاً

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 323 - 324.

ص: 351

فلم يزل كذلك حتى أفاض الإمام فرفع رأسه إلى السماء يقول: "واسوأتاه والله منكَ وإن غفرتَ. قالها ثلاث مرات (1).

ومن آداب الدعاء ترك الأَثَرَةَ فيه، فلا يخص به نفسه وينسى من حوله، ولا يرفع به حاجته ويعرض عن قضايا أمته، ولا يدعو لشخصه ويغفل والديه ومشايخه وأقاربه؛ لذلك نص الفقهاء على أن الحاج يدعو بأنواع الأدعية، ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه ولوالديه ولأقاربه ولشيوخه ولأصحابه وأصدقائه وأحبابه وسائر من أحسن إليه من الناس كما يدعو لجميع المسلمين (2).

وفي هذا الزمان فإن البخيل المتهاون، والمقصر الكسول هو الذي يتجاهل الدعاء لعرين هذه الأمة القدس الشريف سواء في ذلك شطرها الغربي أو الشرقي، فالناحيتان معاً يطلق عليهما قدس أمة الإسلام، وفي داخلهما قلب أمتنا النابض المسجد الأقصى بقبته قبة الصخرة ومصلاه المرواني وساحاته الإسلامية الشامخة.

ومن واجب كل مسلم أن يدعو لعودة كل ذرة تراب من أرض فلسطين إلى حظيرة هذه الأمة سواء في ذلك تراب تل أبيب أو حيفا ويافا أو صفد والجليل أو القدس والضفة وغزة فكلها أرض فلسطين التي بارك الله فيها للعالمين، وألزم كل المسلمين المضيّ قدماً لكي تضم الأسرة الإسلامية الكبرى إلى صدرها من جديد فلذة كبدها ومسرى نبيّها ومعراج رسولها صلى الله عليه وسلم، وسائر الأرض التي بارك فيها ربنا للعالمين.

(1) كتاب شخصيات استوقفتني لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الباب الأول: الفضيل بن عياض (105 - 187 هـ/723 - 308 م) فصل: أخيراً استقراره في مكة ص 36.

(2)

اُنظر تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفشني في الركن الثاني ص 230. واُنظر الحاشية لابن حجر على شرح نور الإيضاح للنووي ص 231 - 232.

ص: 352

الحادي عشر: في فضل يوم عرفة:

روى مسلم في صحيحه عن سعيد بن المسيب قال: قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثرَ من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء"(1).

وفي رواية في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يباهي الملائكة بأهل عرفات يقول: انظروا إلى عبادي شُعْثاً غُبْرَاً"(2).

فعرفة هو أفضل الأيام على الإطلاق لذلك قال الفقهاء: لو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام فإنها تطلق في يوم عرفة. والوجه الآخر أنها تطلق في يوم الجمعة لكن المفتى به الأول.

ويتأول الفقهاء حديث: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة" على أنه أفضل أيام الأسبوع (3).

وروى الإمام البيهقي في السنن الكبرى باب ما جاء في فضل عرفة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً قال لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال: أيُّ آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فقال عمر رضي الله عنه: فقد عرفنا ذلك

(1) صحيح مسلم (1348/ 436).

(2)

مسند الإمام أحمد برقم (9207) وقال في الموسوعة الحديثية عليه: "إسناده صحيح". أقول: أما الشُّعْثُ فجمع أشعث وهو المغبر الرأس المتفرق الشعر، والغُبْرُ جمع أغبر.

(3)

تتمة الحديث "

فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها". اُنظر صحيح مسلم برقم (854/ 17) وشرح النووي عليه ج 9 ص 455.

ص: 353

اليوم والمكان الذي أنزلت فيه. نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات يوم جمعة" (1).

وعن عباس بن مِرْدَاس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالرحمة والمغفرة فأكثر الدعاء، فأوحى الله تعالى إليه:"إني قد فعلتُ إلّا ظلمَ بعضهم بعضاً، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها" فقال: "يارب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيراً من مَظْلَمَتِهِ وتغفر لهذا الظالم" فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه الله عز وجل: إني قد غفرت لهم" فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له بعض أصحابه: "يا رسول الله قد تبسمتَ في ساعة لم تكن تبسَّم فيها، قال: تبسمت من عدوّ الله إبليس، إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثُّبور ويحثو التراب على رأسه" (2).

وقال النووي: " (وروينا) عن طلحة بن عبيدالله أحد العشرة رضي الله عنهم (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رؤي الشيطان أصغر (4) ولا أحقر ولا أدحر (5) ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلّا أن الرحمة تنزل فيه فيتجاوز عن الذنوب العظام".

(1) السنن الكبرى للبيهقي برقم (9562) و (9563) وهو من رواية الصحيحين البخاري ومسلم.

(2)

السنن الكبرى للبيهقي برقم (9565).

(3)

قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "اعترضه الولي العراقي أخذاً من كلام الطبري وغيره بأنه وهم وإنما هو طلحة بن عبد الله بن كريز بفتح الكاف وهو تابعي ثقة فيكون الحديث مرسلاً. قال البيهقي: لكن روي عن مالك موصولاً ثم قال: ووصله ضعيف انتهى. ورواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وللحديث تتمة وهي "

وما ذاك إلَّا مايرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله تعالى عن الذنوب العظام إلا مارأى يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر؟ قيل أمّا إنه رأى جبريل يزع الملائكة". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 323 ـ أقول ويزع الملائكة أي يقودهم للجهاد ونصر المؤمنين كما ذكره الهيتمي في الشرح على الحديث.

(4)

قال العلامة ابن حجر في نفس المرجع والصفحة وقوله: أصغر من الصغار أي الذل من صغر الجثة.

(5)

قال أيضاً: وأدحر ـ بمهملات ـ من الدحر وهو الدفع بعنف والطرد إهانة وإبعاداً ومنه {فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} المصدر السابق.

ص: 354

وعن الفضيل بن عياض رضي الله عنه أنه نظر إلى بكاء الناس بعرفة فقال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقاً أكان يردهم؟ قيل: لا. قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق (1).

وعن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه رأى سائلاً يسأل الناس يوم عرفة فقال: ياعاجزاً أفهذا اليوم تسأل غير الله تعالى؟ ! ! (2) وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال ليلة عرفة هذه العشرَ كلمات ألف مرة لم يسأل الله شيئاً الله إلّا أعطاه إلّا قطيعة رحم أو مُؤْثَم:

"سبحان الذي في السماء عرشه.

سبحان الذي في في الأرض موطئه.

سبحان الذي في البحر سبيله.

سبحان الذي في النار سلطانه.

سبحان الذي في الجنة رحمته.

سبحان الذي في القبور قساؤه.

سبحان الذي في الهواء روحه.

سبحان الذي رفع السماء.

سبحان الذي وضع الأرض.

سبحان الذي لا منجا منه إلّا إليه" (3).

(1) نفس المرجع والصفحة.

(2)

نفس المرجع والصفحة.

(3)

قال الإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج 3 ص 252: "رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير وفيه عزرة بن قيس ضعفه ابن معين".

ص: 355

وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة. قال: فقال رجل: يا رسول الله هن أفضل أم عدتهن جهاداً في سبيل الله؟ قال: هن أفضل من عدتهن جهاداً في سبيل الله إلّا عفير يعفر وجهه في التراب، وما من يوم عند الله أفضل من يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثاً غُبراً ضاحين جاؤوا من كل فج عميق، ولم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أر يوماً أكثر عتيقاً من النار منه في يوم عرفة" (1).

عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان عشية عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان إلّا غفر له". قلت يا رسول الله: "أهل عرفة خاصة؟ " قال: "بل للمسلمين عامة"(2).

وعن طالب ابن سلمى بن عاصم بن الحكم قال: حدثني بعض أهلنا أنه سمع جدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "ألا إن الله نظر إلى هذا الجمع فقبل من محسنهم، وشفّع محسنهم في مسيئهم، فتجاوز عنهم جميعاً"(3).

الحادي عشر: في التعريف يوم عرفة بغير عرفة:

التعريف يوم عرفة معناه أنه إذا صلى المسلم العصر نهار عرفة - خارج أرض

(1) قال الإمام علي بن أبي بكر الهيثمي في نفس المرجع والجزء ص 253 "رواه أبو يعلى وفيه محمد بن مروان العقيلي وثقه ابن معين وابن حبان وفيه بعض الكلام وبقية رجاله رجال الصحيح". ورواه البزار إلا أنه قال: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر".

(2)

قال الإمام الهيثمي في نفس المرجع والجزء ص 252: "رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو داود الأعمى وهو ضعيف جداً".

(3)

قال الإمام الهيثمي في نفس المرجع والجزء ص 253. رواه أبو يعلى وفي إسناده من لم أعرفهم.

ص: 356

عرفة في أنحاء البلاد والأمصار كالشام ومصر والحجاز والعراق وسائر بلاد العرب والإسلام والدنيا - جلس للدعاء وأخذ يذكر الله ويتضرع بين يديه على غرار يوم عرفة تشبهاً بهم علّه ينال من بركات هذا اليوم، وتجليات الله فيه.

هذا العمل محل خلاف الفقهاء قديماً وحديثاً:

فالإمام مالك بن أنس - إمام دار الهجرة، المدينة المنورة - كره ذلك، كما كرهه جماعة من كبار التابعين منهم نافع مولى ابن عمر وإبراهيم النَّخَعي والحكم وحماد وغيرهم. قال الإمام النووي بعد أن ساق ذلك:"وصنف أبو القاضي الطَّرْطوشيُّ المالكيُّ الزاهد كتاباً في البدعِ المنكراتِ وجعل منها هذا التعريف، وبالغ في إنكاره، ونقل أقوال العلماء فيها."(1).

وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يُسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء فقال: "ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع".

وروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يدعون فخرج نافع مولى ابن عمر فقال: "يا أيّها الناس إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة. أدركت الناس ولا يصنعون هذا".

وحين استخلف عمر بن عبد العزيز فحضر، فلما كان عرفة صلّى عمر العصر، فلما فرغ انصرف إلى منزله، فلم يخرج إلى المغرب، ولم يقعد للناس (2).

وعن شعبة قال: "سألت الحكم وحماداً عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد

(1) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 332.

(2)

ما نقلته لك عن ابن وهب ومحمد بن وضاح وعمر بن عبد العزيز نقله لنا فضيلة الشيخ قاسم النوري حفظه الله الذي شرفه الله بالاعتناء بكتاب: "تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب" للعلامة الفشني ص 203.

ص: 357

فقالا: هو مُحْدَث" (1).

وعن منصور عن إبراهيم قال: هو مُحْدَث (2).

وفي المقابل فقد نقل عن جماعة استحبابه وفعله لا سيما وأن منهم من ذهب إلى أن أول من صنع ذلك هو ابن عباس (3).

ومن الذي كانوا يفعلونه الحسن البِصْرِيُّ فقد روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي عن أبي عَوَانَة قال: "رأيتُ الحسن البِصْرِيَّ يوم عرفة بعد العصر جلس فدعا وذكر الله عز وجل فاجتمع الناس"(4).

وفي رواية: "رأيت الحسن خرج يوم عرفة من المقصورة بعد العصر فقعد فعرَّف"(5).

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن التعريف في الأمصار: "أرجو أن لا يكون به بأس"(6).

قال الإمام النووي: "وقد فعله غير واحد الحسنُ، وبكرٌ، وثابتٌ، ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة".

فما هو الحق الذي نرتضيه في خضم هذا الاختلاف الواضح؟

إن من يتتبع ما ذكرت لك من خلال الأسطر السابقة يتبين له أن رجال السلف الصالح الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية لم يجتمعوا على اجتهاد واحد يتفقون عليه في

(1) السنن الكبرى للبيهقي برقم (9561).

(2)

نفس المرجع والرقم.

(3)

نفس المرجع والرقم باب التعريف بغير عرفات.

(4)

السنن الكبرى برقم (9560).

(5)

نفس المرجع والرقم.

(6)

اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 332 وتهذيب تحفة الحبيب

ص: 358

هذه المسألة وهذا بحدّ ذاته علامة صحة وعافية لثقافتهم؛ لأن المسألة ليست في الأصول التي تخرج صاحبها من الملة، أو تطعن بديانته أو عقيدته، لكنها في مسألة فرعية اجتهادية فلا ضير في هذا الاختلاف ما دامت الثوابت مصانة محصنة، ولا اعتراض في ذلك ما دام أصحاب شتى الآراء الاجتهادية من القرون الذهبية الثلاثة، ولنا فيهم أسوة حسنة، فمن يأخذ برأي المنكرين فحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك وأكثر أصحابه لم يأتوا بمثله أبداً، ومن يأخذ برأي المؤيدين فحجته ما نقل عن ابن عباس ترجمان هذه الأمة والحسن البصري العلَم الذي يشار إليه بالبنان في العلم والصلاح والقدوة في كل زمان ومكان لا سيما وأننا اليوم بحاجة إلى ربط المسلمين بدينهم أمام طغيان الحياة المادية التي يتعمد أربابها دفع أبنائنا ليعيشوا حالة ذهول عن الذي يجري مع أمتهم في تطهير للقلوب وتوحيد للهدف السامي ورأْب للصدع، واتصال صحيح قوي بالله هناك في حمى البيت الحرام وعلى ربا عرفات وفي ساحات مزدلفة وفوق أرض منى والجمرات.

إن أمتنا تمر بعملية تجهيل وتعمية مقصودة لإشغالها وإلهائها وإقصائها عن أهدافها وغاياتها وينابيعها الصافية الثرة، لاسيما في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية لأكثر البلدان الإسلامية وارتفاع نسبة البطالة التي يُقتل فيها وقت ومستقبل شباب الأمة وفتياتها تحت أنقاض أقنية فضائية هدامة لا تعرف الانتماء، ولم تسمع بهوية الأمة بعد! تبث في ليالي النور والإيمان ما يحيل ظلامها إلى سواد حقيقي حين تستثار الشهوات البهيمية، وتنطلق المعاصي الشيطانية التي من أجل التحرر من قيودها انطلق وفد الله إلى بيت الله لينال من بركات رحمة الله في أيام الله.

فإن كان الكثير من العلماءسموها بدعة فإنها لا ترتقي إلى فاحشات البدع كما نص

ص: 359

على ذلك إمامنا النووي (1)، وإنه لا بأس بها كما صرح بذلك ناصر السنة الإمام أحمد بن حنبل (2)، وربما يكون في القصد الجليل ما يبرر ما يقع من التقصير، على أن الاتباع أولى وهو لِقَلْبِ المسلم أسلمُ وأحكم والله تعالى أعلم (3).

* * *

(1) قال الإمام النووي: "ولا شك أن من جعلها بدعة لا يلحقها بفاحشات البدع، بل يُخفَّفُ أمرها بالنسبة إلى غيرها". اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح نور الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص 332.

(2)

هذا ما نقله عنه أيضاً الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: "الجامع لأحكام القرآن" وكان قد قال في صدر حديثه: "ولابأس بالتعريف في المساجد يوم عرفة بغير عرفة، تشبيهاً بأهل عرفة". اُنظر ج 2 ص 415 من التفسير المذكور.

(3)

قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته في نفس الصفحة: "ليس منه ما يفعله كثير من الجهلة من شد الرحال إلى بيت المقدس قائلين: فاتنا الوقوف بعرفة فيقف بالمسجد الأقصى بل هو منكر وضلالة كما قاله ابن جماعة".

ص: 360