الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صور الإحرام
قال جابر رضي الله عنه: "لسنا ننوي إلَّا الحج لسنا نعرفُ العمرة":
للدخول في عبادة الحج أو العمرة نبدأ من الإحرام، الذي هو ركن لا بد منه في كلا العبادتين؛ لأنه نية الدخول في النُسك، والنية هي الميزان الذي يميز لنا بين العادة والعبادة، فكما أنّ الصلاة لا يدخلها الإنسان إلّا من خلال تكبيرة الإحرام فكذلك الحج لا يدخله الحاج إلّا بنية الإحرام. والإحرام بهذا المعنى شيء، والتجرُّد من ثياب الصنعة شيء آخر، وهما المعنيان اللذان يختلطان في ذهن كثير من الناس، والصحيح أنَّ الإحرامَ هو نية الدخول في نسك الحج أو نسك العمرة تصحبه التلبية التي هي شعار الحاج، ويصحبه التجرد من المخيط والمحيط من الثياب، ويستعيض الحاج عن ذلك بثياب الإحرام البيضاء التي هي من مظاهر الإحرام وتجلياته، وليست هي الإحرام بدليل أنّ المرأة لا ترتدي شيئاً منها، وهو ما سنفصل فيه القول، في موضعه بإذنه تعالى.
والحج إلى بيت الله الحرام يتم الإحرام فيه على أكثر من صورة:
الأولى الإحرامُ مفرداً: والإفراد إحرام المسلم بالحج في أشهر الحج، حتى إذا ما فرغ منه خرج إلى أدنى الحلّ واعتمر.
الثانية الإحرامُ متمتعاً: وهو على عكس الإفراد، أي يحرم المسلم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يتحلل منها، ويتمتع بكل ما حظر عليه بسبب إحرامه بها، حتى إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج من داره في مكة.
الثالثة القران: وهي أن يحرم من الميقات بالحج والعمرة جميعاً.
كلام جابر فيه دليلٌ على أن الحج بالإفراد أفضل، وأنه فِعْلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وفيه تصريح
بأنهم ما كانوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، بدليل قوله: لسنا نعرف العمرة، لسنا ننوي ـ أي لسنا نقصد ـ إلّا الحج.
وبأفضلية الإفراد قال الشافعي ومالك وكثيرون.
أما أفضلية التمتع فقد ذهب إليها الإمام أحمد.
وأفضلية القران مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان رحمهم الله جميعاً.
إذن اختلف الأئمة الأجلّاء ومن تابعهم في إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل كان مفرداً أو متمتعاً أو قارناً؟ والسبب أنَّ المصطفى عليه السلام كان أول الأمر مفرداً، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج، انتزاعاً منه لعادة جاهلية بالية تحرّمُ العمرة في أشهر الحج، ينتظر معها الحاج دخول صفر فحينئذ يجوز له أداؤها في زعمهم. قال الإمام النووي: بعد أن ساق المذاهب الثلاثة: "والصحيح تفضيل الإفراد"(1)، ثم ساق أدلة الترجيح، وها أنذا أختصرها لك اختصاراً:
أولاً: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحج مفرداً، والدليل هي روايات جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة. أما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لحجة الوداع؛ لأنه ذكرها من حين خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر هذه الفريضة، فهو أضبط من غيره.
وأما ابن عمر رضي الله عنه فقد صح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أَنكر على من رجح قول أنسٍ على قوله، محتجاً بأنه رضي الله عنه كان يقف تحت ناقة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يمسه لعابها، وهو يستمع لتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما ابن عباس رضي الله عنه فهو حَبر هذه الأمة، وهو من هو في شهرته في الحفظ والعلم
(1) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام ج 8 ص 301.
وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما عائشة رضي الله عنها فقُرْبُها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى على أحد.
ثانياً: ترجيح الخلفاء الراشدين للإفراد فصلٌ في المسألة، فجميعهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفردوا الإحرام في الحج، وواظبوا على إفراده، وهم قادة الإسلام، والأئمة الأعلام، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، ودعا أُمته إلى الاستنان بهديهم فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما الخلاف عن علي رضي الله عنه في هذه المسألة إلّا لبيان الجواز وقد ثبت في الصحيح ما يوضح ذلك.
ثالثاً: التمتع والقران يوجب الدم لجبر فوات الميقات، فما لا جبر فيه أفضل.
رابعاً: كراهة عمر وعثمان للتمتع، وكراهة آخرين للتمتع والقران، بينما الإفراد أجمعت الأمة على جوازه من غير كراهة (1).
فإن قيل: كيف اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في صفة حجته صلى الله عليه وسلم وهي واحدة؟ ذكر القاضي عياض في معرض جوابه:
"أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها، ولو أمر بواحد لكان غيره يظنّ أنه لا يُجزي، فأضيف الجميع إليه، وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له، ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إما لأمره به، وإما لتأويله عليه. وأما إحرامه صلى الله عليه وسلم بنفسه فأخذ بالأفضل، فأحرم مفرداً بالحج، وبه تظاهرت الروايات الصحيحة. وأما الروايات بأنه كان متمتعاً فمعناها أمرَ به، وأما الروايات بأنه كان قارناً فإخبارٌ عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه، بل إخبارٌ عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم وقلبه إلى عمرة
(1) هذه الأدلة نقلاً عن النووي في شرحه على صحيح مسلم في الباب والجزء ص 301 - 302.
لمخالفة الجاهلية إلّا من كان معه هديٌ، وكان هو صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه هدْيٌ في آخر إحرامهم قارنين، بمعنى أنهم أدخلوا العمرة على الحج، وفعل ذلك مواساةً لأصحابه وتأنيساً لهم في فعلها في أشهر الحج، لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج، ولم يمكنه التحلل معهم بسبب الهدي، واعتذر إليهم بذلك في ترك مواساتهم فصار صلى الله عليه وسلم قارناً في آخر أمره" (1).
خلاصة المسألة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً، ويبدو أنه وجد كراهة القيام بعمرة من بعض أصحابه انسياقاً منهم لما اعتادت عليه العرب في جاهليتها حيث كانت تمتنع عن العمرة في أشهر الحج وترى فعلها فيها من أفجر الفجور، فأمرهم بفسخ الحج إلى عمره ليخنق تلك العادة إلى الأبد، واستثنى من ساق الهدي معه، وكان صلى الله عليه وسلم ممّن ساق الهدي، فأدخل العمرة على الحج، وصار بذلك قارناً، فالقران في الأحاديث إخبارٌ عن حال من كان معه في حجه هديٌ، وقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أي إدخال العمرة على الحج ـ مواساة لأصحابه وتأنيساً لهم في فعلها في أشهر الحج، كما جاء التمتع إخباراً عن حالة من لا هدي معه حيث فسخ حجه إلى عمرة.
قال الإمام النووي في معرض توسعه في هذه المسألة: "قال القاضي: وقد اتفق جمهور العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه، وقال: لايدخل إحرام على إحرام، كما لا تدخل صلاة على صلاة. واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فجوزه أصحاب الرأي، وهو قولُ الشافعي لهذه الأحاديث، ومنعه آخرون، وجعلوا هذا خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم لضرورة الاعتمار حينئذ في أشهر الحج"(2).
(1) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام ج 8 ص 302.
(2)
شرح الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي على صحيح مسلم ج 8 ص 303.
ومن تمام البحث في هذا المقام جواز الاشتراط عند الإحرام، أي: جواز أن يشترط مريد النُسك في إحرامه أنه إن مرض أو حبسه حابس فإنه يتحلل بسبب ذلك، ويستدل عليه بالحديث المشهور في صحيح البخاري ومسلم وكذا في سنن أبي داود والترمذي والنّسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة (1)، من أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على ضُباعة رضي الله عنها يسألها: أما تريدين الحج العام؟ قالت: قلت: إني لعليلةٌ يا رسول الله، فقال لها عليه الصلاة والسلام:"حجّي واشترطي أنّ مَحِلِّي حيث تحبسني" قال الإمام مسلم: "وفي رواية إسحاق: أمرَ ضُباعة"(2).
أقول: وفي رواية أُخرى لابن ماجة: "أهِلِّي واشترطي أنّ مَحِلِّي حيث حبستني"(3).
إن القول بجواز الاشتراط هو مذهب سيدنا عمر بن الخطاب وابن مسعود وآخرين من الصحب الكرام رضوان الله عليهم جميعاً، ومذهب جماعة من التابعين، وهو قولُ الإمام أحمد، والصحيح من مذهب الشافعي رضي الله عنهما، وحجتهما هذا الحديث. وقال الإمام أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصح الاشتراط. قال الإمام النووي: "وحملوا الحديث على أنها قضيةُ عين، وأنه مخصوص بضُباعة"(4).
* * *
(1) أقول هذا رداً على من ضعف الرواية لئلاّ يغتر بقوله.
(2)
صحيح مسلم برقم (1208/ 105)، وضُباعة هي ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، ومَحِلِّيْ هو المكان الذي أنحر وأتحلل فيه لقوله تعالى:{شَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]، وهي بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك الإمام النووي على شرحه في هذا الحديث.
(3)
أخرجه ابن ماجة في سننه برقم 2937 و 2938.
(4)
النووي على شرح مسلم 8/ 299.