المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك - الركن الخامس

[محمد محيي الدين حمادة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌بين يدي الركن الخامس

- ‌فضيلةُ مكة المكرمة

- ‌حجّةِ الوداع

- ‌في إكرام الضيف عامة وأهل بيت رسول الله خاصة

- ‌متى فُرضَ الحج إلى البيت الحرام

- ‌طاعة المحبين

- ‌النظافة من أصول حضارة الإسلام

- ‌مواقيت الإحرام

- ‌قافلة الرحمن

- ‌كمال الدين وتمام النعمه

- ‌التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى

- ‌صور الإحرام

- ‌إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه

- ‌أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:

- ‌ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:

- ‌ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة

- ‌رابعاً: أن يتوضأ:

- ‌خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:

- ‌سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:

- ‌الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه

- ‌مقام إبراهيم

- ‌ما يقرأ في ركعتي الطواف

- ‌استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم

- ‌الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله

- ‌فضل شعيرتي الصفا والمروة

- ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

- ‌دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى

- ‌التحلّل

- ‌النزول بنمرة

- ‌عرفة وخطبتها الجامعة

- ‌مواثيق حقوق الإنسان

- ‌أحكام الموقف العظيم

- ‌الحج عرفة

- ‌النفرة إلى مزدلفة

- ‌الهدي والأضاحي والكفارات

- ‌خاتمة العقد من حديث جابر طيب الله ثراه

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

‌مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك

قال جابر: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتُها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليَحِلّ ولْيجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جُعْشُمْ، فقال يا رسول الله: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدةً في الأخرى وقال: دخلتِ العمرةُ في الحج مرتين لا بل لأبدٍ أبد":

من الخير أن أبدأ بتوضيح هذه الفقرة على وجه الإجمال، ثم أتبع ذلك بتسليط الضوء عليها فقهاً واستنباطاً وفوائد أخرى مستعيناً بتوفيق ربي لي متسلحاً بزاد الصبر والأناة والبحث وأقول:

نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج مفرداً بدليل حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنّا مَن أهلّ بعمرة ومنّا مَن أهلّ بحج وعمرة ومنّا مَن أهلّ بالحج وأهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج

" (1).

ثم شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العديد من أصحابه كراهة فعل العمرة في أشهر الحج بسبب ما كانت تزعمه العرب في جاهليتها من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور يدفعها إلى هذا الافتئاتِ خوفها من انقطاع الزوّار عن البيت بانقضاء موسم

(1) صحيح مسلم برقم (1211/ 118).

ص: 256

الحج فيه مما يهدد رواج بضائعهم ويوقف إقبال الناس على مشترياتهم، فابتدعوا حرمة العمرة في الأشهر المذكورة ليضمنوا معاودة الناس للزيارة والعمرة فتنشط الحركة التجارية في أسواقهم، وهو ما أدى مع الزمن إلى ترسيخ الحرمة في قلوب العرب حتى فوجئ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بكراهة الكثير من أصحابه لها في هذا الوقت بالذات بالرغم من أنه صلى الله عليه وسلم ترك لهم القرار في اختيار صور الإحرام التي يهلّون بها، فأذن بالإهلال بالعمرة، كما أذن بالإهلال بالحج، كما أذن لمن جمع في إهلاله في أشهر الحج بهما جميعاً، ولا أدلّ على هذا من حديث سيدتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

رواسب الجاهلية هذه عالجتها الحكمة النبوية بشتى الوسائل التربوية التي تستأصل بخبرة المربي قناعة فاسدة دون أن تقيم في نفس صاحبها اضطراباً يدفعه إلى خطأ أكبر منه.

البداية كانت من الذي ذكرت لك، فأول ما هزّ به النبي صلى الله عليه وسلم المتأثرين ببعض أتربة الماضي المتراكمة تلك الإباحة التي أجاز بها إحرام المحرم بما شاء في أشهر الحج سواء أتى بالحج مفرداً أو قرنه بالعمرة التي أحرم بها معه، أو اقتصر فيها على العمرة وحدها.

الخطوة التالية كانت في ذي الحليفة من وادي العقيق ويومها قال صلى الله عليه وسلم إنّ جبريل عليه السلام قال له: "صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة"(1).

ولمّا لم تقف المسألة عند هذا الحد ولمّا لم يكف لها ما وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من جُرعة فقد انتقلت بنا حكمة نبينا صلوات الله وسلامه عليه إلى مرحلة متقدمة من العلاج النافع

(1) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 303 وانظر صحيح البخاري برقم (1461) وتتمته أن عمر رضي الله عنه قال سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آت من ربي فقال صلِّ في هذا الوادي المبارك

".

ص: 257

بعد أن تبين أنه ما يزال في نفوس بعض الصحابة كراهية أداء العمرة في هذه الأشهر على خلفية قناعات مضت عليها سنون وسنون، وتعاقب عليها أجيال وأجيال، فما كان من أمير هذه القافلة الكريمة إلّا أن توجه إلى أصحابه بعد دنوهم من مكة في مكان معروف يقال له سَرِف بمناداتهم:"ومن كان معه هدي فليهلل بالحج مع عمرته ثم لا يحلُّ حتى يحلَّ منهما جميعاً"(1).

هذا ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بتخيير دون عزيمة، ثم انتظرهم حتى دخلوا مكة وطافوا حول بيتها الحرام ثم سعوا جميعاً بين الصفا والمروة حتى انتهى بهم المطاف إلى جبل المروة، ولم يبق أمام من أحرم بعمرة إلّا التحلل بركن الحلق أو التقصير وحينئذ خاطب جماهير الصحابة بعزم أوحاه الله إليه لا تردد فيه ولا إهمال وفيه قال:

"لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة":

إنه التلطف والتحبب الذي كان يسوس به رسول الله به أصحابه لذلك أدخل على مسمع من أصحابه العمرة على الحج فصار به قارناً وبهذا أتى بالعمرة في أشهر الحج، ثم علل لهم أنه لو لم يسق الهدي لفسخ حجه إلى عمرة على النحو الذي أتى على ذكره جابر في حديثه. كما أخبر صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لما ساق الهدي ولجعل حجه عمرة تأكيداً منه على جوازها في هذا الوقت بالذات من السنة الهجرية، وتصميماً على اقتلاع عادة جاهلية لا تمت إلى شرع الله بصلة وهو الذي قدّم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم شتى الوسائل وبألوان البيان والتربية، وهو ما جعل عبارته المباركة تقطر

(1) صحيح مسلم برقم (1211/ 113).

ص: 258

حباً ومواساة لجيل ما زال الكثير من شرائحه حديثي عهد بالإسلام، وما زالت فريضة الركن الخامس غريبة عنهم مقارنة بما ألفوه من موروثات الجاهلية فيما اعتقدوه أنه ملة إبراهيم وحجه، وهو ما تحكيه لنا الرواية الأخرى التي يسردها على مسامعنا جابر بن عبد الله بقوله:"فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرّكم، ولولا هديي لحللت كما تَحِلّون .... "(1).

ولم لا يواجههم صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة وهي من جوهر الحج ونسيجه، وعائشة تروي دخوله صلى الله عليه وسلم عليها لأَربع أو خمسٍ مضين من ذي الحجة وهو غضبان فتقول:"من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. قال: "أو ما شعرْتِ أنيّ أمرتُ الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهَدْيَ معي حتى أشتريَهُ ثم أحلّ كما حَلُّوْا" (2).

بعد هذه المراحل المتلاحقة المتماسكة تثمر تربية سيد الناس في قيادته لأعظم فوج حج في العالمين، وتؤتي أكلها لتزكية نفوس طالما تشبعت في أيام جاهليتها بالتبعية المطلقة لخط الآباء والأجداد دون دراية أو تمحيص في جو من الجفاف والقسوة أثّر بعمق في شخصية المسلمين في جزيرة العرب إلّا أن الإسلام أخرج من هؤلاء نشئاً آخر حوّل خُطى التقليد بغير هدى إلى خطى اتباع للعلم وإلى انفتاح ببصيرة تعمل معها عين العقل والقلب والرأس مجتمعات لذلك ما كان لهذه الانعطافة الحاسمة في حياة الصحابة أن تفلح لولا الإيمان الراسخ بالله، واليقين الصادق بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحب الذي ملأ قلوبهم لنبيهم محمد عليه الصلاة والسلام الذي جعل منهم أخيراً قادة الدنيا وسادتها

(1) صحيح مسلم برقم (1216/ 141).

(2)

صحيح مسلم برقم (1211/ 130).

ص: 259

وحملة لواء الرحمة للعالمين وهم الذين كانوا من قبل يئدون بناتهم بأيديهم وهنّ على قيد الحياة!

نعم لولا الإسلام العظيم بمنهاجه القويم، ولولا المربي الأحكم، والنبي الأعظم الذي يتراجع علماء التربية والنفس متواضعين بين يدي جلال منهجه ومقصده ونتائجه لما استئصلت عادة مستحكمة في تلك النفوس القاسية.

أجل لقد كان عملاً عظيماً كُلِّلَ بالنجاح. كيف لا، وجابر يصوّر لنا مايجلي للناس طبيعة الموقف ذاك بقوله:"فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فما ندري: أشيء بلغه من السماء أم شيء بلغه من قبل الناس؟ فقال: أيها الناس أَحِلّوا فلولا الهديُ الذي معي فَعَلْتُ كما فَعلتُمْ"(1).

هذا التدرج في علاج المعضلة المستحكمة ختمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر - بما عزم به (2) على أصحابه في صبح رابعة من ذي الحجة أن يتحللوا ويصيبوا النساء فامتثلوا لندائه وبذلك أثمرت حكمته التربوية صلى الله عليه وسلم إذْعَاناً تاماً يستند إلى الإيمان والحب والحوار والخبرة في مخاطبة النفوس وترويضها مهما بلغ تمسكها برأيها، ولا أدل على هذا من الذي جاء في الرواية الأخرى التي يرويها لنا مسلم عن جابر قال:"فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال"(3). وكذا قوله: "فقلنا لمّا لم يكن بيننا وبين عرفة خمس أمرنا أن نُفضي إلى

(1) صحيح مسلم برقم (1216/ 142).

(2)

صحيح مسلم برقم (1216/ 141): قال: "حِلُّوا وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم". قال النووي: معناه لم يعزم عليهم في وطء النساء بل أباحه ولم يوجبْه أما الإحلال فعزم فيه على من لم يكن معه هدي 8/ 324.

(3)

صحيح مسلم برقم (1216/ 142).

ص: 260

نسائنا فنأتيَ عرفة تقطر مذاكيرنا المنيَّ" (1). قال الإمام النووي: "هو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء" (2).

وبالفعل فقد اغتنموا فرصة الأيام الحلال ليستمتعوا بوطء نسائهم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزم عليهم بوطء النساء بل أباحه لهم فقط، وإنما عزم عليهم في الإحلال من الإحرام لمن لم يسق الهدي. كل هذا أبرز الانسجام التام بين هؤلاء الغرِّ الميامين وقائد حملتهم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

قال الإمام النووي فيما نقله عن القاضي عياض بما يشير إلى جانب مما ذكرت: "قال القاضي عياض رحمه الله: الذي تدل عليه نصوص الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بِسَرِف كما جاء في رواية عائشة أو بعد طوافه بالبيت وسعيه كما جاء في رواية جابر ويحتمل تكرار الأمر لذلك في الموضعين (3) وأن العزيمة كانت آخراً حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة"(4).

ثم قال إمامنا النووي في موضع آخر: "قال العلماء خّيرهم أولاً بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم وإيناساً بالعمرة في أشهر الحج؛ لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثم حتَّم عليهم بعد ذلك الفسخ وأمرهم به أمر عزيمة، وألزمهم إياه، وكره ترددهم في قبول ذلك،

(1) صحيح مسلم برقم (1216/ 141).

(2)

صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 324.

(3)

الرأي الذي يذهب إلى تكرار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بأن يحلوا من إحرامهم مَنْ لم يسق الهدي هو الذي أَعَتمِدْهُ في هذا البحث فيما سبق من بيان.

(4)

صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 306 باب بيان وجوه الإحرام بيان حج الحائض.

ص: 261

ثم قبلوه وفعلوه إلّا من كان معه هدي والله أعلم" (1).

المبادرة إلى امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تمنع بعض الصحابة من الاستيضاح أكثر فهذا سراقة بن مالك بن جُعْشُم يسأل: هل فعلُ العمرة في أشهر الحج خاص بهذا العام أو هو للأبد؟ ويجيبه حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بأن حكم الجواز باق إلى قيام الساعة وهي المسألة التي وعدتك فيها بمزيد من التفصيل فإليك منه ما يسكبه الباري عز وجل في حبر قلمي من فيض وفتح:

أولاً: قوله: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: ..... ": في هذا الكلام مسألتان:

إحداها: دلالته على مذهب الشافعي والجمهور من أن السعي يبدأ بالصفا وينتهي آخراً بالمروة وتحسب المسافة بين جبليهما شوطاً وهكذا إلى سبعة أشواط والدليل أن ختام الأشواط السبعة كان على المروة (2).

الأخرى: أن العمرة تستكمل بالطواف والسعي ويتم التحلل منها بالحلق أو التقصير.

الدليل قول السيدة عائشة رضي الله عنها: "فأما مَن أهلّ بالعمرة فأَحَلُّوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة"(3).

كما يؤيده ما أخبر به جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمره لمن نوى الحج من أصحابه ولم يسق الهدي أن يتحلل بعمرة: "أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة،

(1) صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 313 باب بيان وجوه الإحرام: تحلل المعتمر المتمتع.

(2)

صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 303 باب بيان وجوه الإحرام.

(3)

صحيح مسلم برقم (1211/ 118).

ص: 262

وقصّروا وأقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم متعة" فقالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ فقال صلى الله عليه وسلم: افعلوا ما أمرتكم ولكن لا يَحِلُّ منّي حرام قبل أن يبلغ الهدي محله ففعلوا" (1).

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه جابر: "فمن كان منكم ليس معه هدي فليَحِلَّ ولْيجعلها عمرة"(2).

لقد أُمروا بالتحلل من عمرتهم بالطواف والسعي والتقصير فدل على أن الطواف وحده، أو دخول الحرم بعد الإحرام بعمرة أو الطواف وبعض السعي لا يجيز لصاحبه التحلل من عمرته بما ذكر ما لم يطف ويسع.

هذا وقد اختار مَنْ تحلّل من الصحابة الكرام من عمرتهم التقصير دون الحلق مع أن الأخير هو الأفضل؛ لأنهم سيحرمون بعد أيام (يوم التروية بالتحديد) بالحج وحينئذ سيتحللون منه بالحلق، فهم لذلك بحاجة لأن يبقى لهم شعر يتحللون به من فريضة الركن الخامس (3).

وبمناسبة ذكر العمرة فإنني أعرج على أهم أحكامها:

فهي أولاً فريضةٌ عند الشافعية والحنبلية والأدلة كثيرة وأقتصر منها هنا على ما ذكره أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حين قال: "واستدل القائلون بفرضية العمرة بما وقع في حديث عمر في سؤال جبريل عليه السلام: "وأن تحج وتعتمر" أخرجه بهذه الزياده

(1) صحيح مسلم برقم (1216/ 143).

(2)

صحيح مسلم برقم (1218/ 147).

(3)

صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 336.

ص: 263

الدارقطني" (1).

وهي ثانياً ذات خمسة أركان: إحرام وطواف وسعي وتحلل بإزالة الشعر حلقاً أو تقصيراً وترتيب بين هذه الأركان وفق النسق المذكور.

وهي ذات ميقات زماني هو السَّنَةُ كلّها (2)، فجميع السنة دون استثناء وقت لإحرام العمرة ووقت لجميع أفعالها، لكن قال الإمام الرملي من الشافعية:"وهي في يوم عرفة والعيد وأيام التشريق ليست كفضلها في غيرها؛ لأن الأفضل فعل الحج فيها"(3).

وهي كذلك ذات ميقات مكاني، وميقاتها هو عين ميقات الحج لمن قدم إلى مكة، أمّا من كان بمكة أو حرمها فميقاته للعمرة أن يخرج إلى أدنى الحل إلى التنعيم أو الجعرانة أو الحديبية أو عرفة، أو ما شابه ذلك من حدود الحرم المكي من الحل المحاذي للحرم فيحرم المسلم بذلك من هناك، وأما من كانت إقامته في منطقة المواقيت أي بين الحرم والميقات من أي الجهات كان ذلك فإحرامه من حيث منزله أي من حيث أنشأ من القرية أو البلدة التي يسكنها (4).

وفي ختام هذه الفقرة فإنني أشير إلى أنه يبدو لي من دراستي التي سبرت فيها ما

(1) كما قال في حاشيته: "وقال الدارقطني: هذا إسناد ثابت صحيح". اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر الباب الخامس في العمرة ص 130.

(2)

وقال الحنفية تكره تحريماً يوم عرفة وأربعة أيام بعده (أي يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة) حتى يجب الدم على من فعلها في ذلك الوقت عندهم؛ لأن هذه الأيام مشغولة بالحجّ والعمرةُ تشغلهم عن ذلك، ولحديث أخرجه البيهقي. اُنظر نفس المرجع ص 131.

(3)

نفس المرجع والصفحة.

(4)

أما عند المالكية فيُحرِم من مسجده أو من داره لا غير وعند الحنفية ميقاته الحل كله. اُنظر نفس المرجع والصفحة.

ص: 264

وقع تحت يدي من نصوص الفقهاء أن العمرة لا تفسخ إلى الحج؛ لأنه لم يَرِد في ذلك شيء، ولأن السيدة عائشة عندما أتتها الحيضة وأدركت أنها لن تتحلل منها قبل يوم عرفة لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفسخ عمرتها إلى حج، وإنما وجهها إلى أن تدخل الحج على العمرة فتصير بذلك قارنة؛ ولأننا - كما مر من كلام عائشة وغيرها - لا نخرج من العمرة إلّا بالتحلل منها حلقاً أو تقصيراً بعد إتمام سائر الأركان، هذا والله تعالى أعلم.

ثانياً: قول جابر في الفقرة السابقة:

"فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرتُ لم أسق الهدْيَ وجعلْتُها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ فليحل وليجعلها عمرة":

عبارة خاطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، أمر من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ إهلاله بالحج إلى عمرة رجاء تأصيل حكم جديد في مستودع عقولهم وعاطفتهم وثقافتهم (1) وهي العلة التي لم تعد قائمة في الأجيال التي تلتهم إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة مماجعل الخلاف الفقهي يسري إلى هذه الجزئية حيث فهم من هذا جمهور العلماء من الشافعية والحنفية والمالكية الخصوصية بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتفع مما بينهم حاجز التهيب لفعل العمرة في أشهر الحج بعد أن فسخوا حجهم إلى عمرة فاقتدى بهم من بعدهم في إباحة العمرة في أشهر الحج.

الأدلة على هذا كثيرة منها ما ورد عن كثير من الصحابة أن الفسخ كان خاصاً

(1) من المعروف أن قريشاً كانت تخشى أن يقتصر وفود الناس على مكة على أشهر الحج فتقع في حضيض الفقر والفاقة وهي التي تقوم حياتها على مواسم الوفود القادمين إلى بيت الله لذلك أشاعت تحريم العمرة في أشهر الحج حتى تستجرهم إلى مكة على مدار العام ومع الأيام غدت تلك الشائعة لب عقيدتهم في تحريم ما أحل الله حتى أخرجهم من ظلماتها نورُ الإسلام على يد الهادي محمد صلى الله عليه وسلم.

ص: 265

بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حفظه الله: "قد ثبت بالأسانيد الصحيحة عن كثير من كبار الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام"(1).

أجل كان العمل يومها يحمل دمغة الخصوصية التي تمنع أن يتعدى مداه إلى غيره فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة"(2).

وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي ذر أيضاً: "كانت لنا رخصة"(3).

وفي رواية ثالثة عنه كذلك: "إنما كانت لنا خاصة دونكم"(4)، وفي رابعة عن أبي ذر:"لا تصلح المتعتان إلّا لنا خاصة يعني: متعة النساء ومتعة الحج"(5).

وقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "متعتان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء (6) ومتعة الحج"(7).

وقال سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه: "متعة الحج كانت لنا وليست لكم"(8).

وروى النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: "فسخ الحج

(1) دراسات تطبيقية في الحديث النبوي للدكتور نور الدين عتر قسم المعاملات فصل تحلل المعتمر ومسألة فسخ الحج ص 70 - 71.

(2)

أخرجه مسلم في باب جواز التمتع وأنها كانت خاصة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم (1224/ 160).

(3)

في نفس المرجع برقم (1224/ 161).

(4)

نفس المرجع برقم (1224/ 163).

(5)

نفس المرجع برقم (1224/ 162).

(6)

أي زواج المتعة.

(7)

الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي 3/ 2201.

(8)

الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي 3/ 2201، وصحيح مسلم بشرح النووي 8/ 327.

ص: 266

لنا خاصة أم للناس عامة. فقال بل لنا خاصة" (1).

الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ! } [البقرة: 196] والفسخ كما قال جمهور العلماء هو ضد الإتمام ويتنافى معه.

وقالت طائفة من العلماء: فسخ الحج إلى العمرة باق إلى يوم القيامة. قال الإمام النووي في معرض بيانه لمذهب الجمهور ومخالفيهم في هذه المسألة:

"فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصاً بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه إلى عمرة ويتحلل بأعمالها"(2).

كما قال إمامنا النووي:

"وقوله صلى الله عليه وسلم: ارفضي عمرتك ليس معناه إبطالها بالكلية والخروج منها فإن العمرة والحج لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج وإنما يخرج منهما بالتحلل بعد فراغهما بل معناه ارفضي العمل فيها وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس فأمرها صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أفعال العمرة وأن تحرم فتصير قارنة وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها إلّا الطواف فتؤخره حتى تطهر وكذلك فعلت

" (3).

ثالثا: قول جابر في الفقرة السابقة: فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال:"دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد":

فيه أن العمرة دخلت في الحج مرتين وهو ما تكرر في رواية أخرى أخرجها الإمام

(1) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي 3/ 2201، وصحيح مسلم بشرح النووي 8/ 327.

(2)

دراسات تطبيقية في الحديث النبوي د. نور الدين عتر ص 70.

(3)

صحيح مسلم بشرح النووي 8/ 305 باب من كان معه الهدي فليهلل بالحج مع عمرته.

ص: 267

مسلم عن جابر فيها أن سراقة سَئَلَ ذلك بعد أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عليّ بن أبي طالب: فَأَهْدِ وامكُثْ حراماً، وليس فيها: بل لأبد أبد وإنما فقط، فقال: لأبد (1).

فما معنى دخلت العمرة في الحج مرتين؟

جمهور العلماء على أن المراد جواز فعل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة وهو ما يتناسب مع الفقرات السابقة من كلام جابر نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه أمر من لم يسق الهدي أن يجعل حجه عمرة، أما هو صلى الله عليه وسلم فقد أدخل العمرة على الحج. كل هذا من باب النبذ لعادة الجاهليين في تحريم العمرة في أشهر الحج، فلما قام سراقة مستفسراً عن دخول العمرة في أشهر الحج وجواز فعلها في تلك الأشهر هل هو خاص بهذا العام أو هو حكم باق إلى يوم القيامة؟ أجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لأبد أبد، أي أبطل الشرع ما كانت تزعمه العرب في جاهليتها وأجاز فعل العمرة في أشهر الحج إجازة سارية من عصر محمد صلى الله عليه وسلم إلى ما بعده لا خصوصية فيها حتى يرث الله الأرض وما عليها. هذا ما نقله الإمام النووي عن جماهير العلماء أما القول الثاني الذي ذكره فهو أن المقصود جواز القران إلى يوم القيامة حيث تدخل أعمال العمرة في أعمال الحج في نُسك واحد (2).

ويبدو لي أن قوله صلى الله عليه وسلم (مرتين) لا يقصد منه التثنية وإنّما التكرار فالمرة الأولى عندما شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه والثانية عندما تستجيب له أمته في كل حج قادم والله تعالى أعلم.

وبمناسبة القول الثاني وهو إدخال العمرة على الحج فقد اختلف فيه العلماء، فمن

(1) صحيح مسلم برقم (1216/ 141).

(2)

صحيح مسلم بشرح النووي باب بيان وجوه الإحرام تحلل المعتمر المتمتع 8/ 326.

ص: 268

جوّزه - وهم أصحاب الرأي - استدلوا عليه بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أمر به أصحابه ممن ساق الهدي، أما من منعه فقد جعلوا الأحاديث الواردة في المسألة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بسبب الضرورة التي أدت إلى ذلك وهو ما تؤكده شتى القرائن الواضحة والثابتة. هذا والله تعالى أعلم (1).

أما العكس وهو إدخال الحج على العمرة فقد اتفق جمهور العلماء على إجازته. قال الإمام النووي: "وقد شذ بعض الناس فمنعه، وقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة"(2).

وقد اشترط جمهور الفقهاء في صحة هذا الإدخال أن يقع قبل الشروع في طواف العمرة؛ لأنه بالطواف يصير شارعاً في التحلل من عمرته فلم يجز إدخال شيء عليها، وهو إذا لم يشرع بطوافه فدليل جوازه فعل ابن عمر الذي أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحج حيث جمعه بها ثم قال:"هكذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم ". (3)

هذا الإدخال يجعل المحرم قارناً بلا خلاف لكن اشترط الحنفية زيادة على مذهب الجمهور أن يُدخله قبل إتمام أربعة أشواط؛ لأن الأربعة عندهم تكفي في صحة الطواف؛ لأنها أكثر الطواف (4).

قال الحنفية: إضافة إحرام العمرة إلى إحرام الحج جناية توجب الدم، أما إضافة

(1) صحيح مسلم بشرح النووي باب بيان وجوه الإحرام 8/ 303.

(2)

نفس المرجع والباب والصفحة.

(3)

الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي، وفي تقديري من الأدلة فعل السيدة عائشة حين أدخلت الحج على العمرة يوم حاضت على أبواب مكة المكرمة.

(4)

نفس المرجع والجزء والصفحة.

ص: 269

إحرام الحج إلى إحرام العمرة فجائز لا جناية فيه (1).

وقال الحنفية أيضا: من فرغ من أداء عمرته ولم يبقَ عليه إلّا أن يتحلل بالحلق فأحرم بعمرة أخرى جاز مع الكراهة؛ لأن الجمع بين إحرامين في العمرة مكروه.

وقالوا: يلزمه دم باتفاق جمهورهم؛ لأن الإحرام بالعمرة الثانية يدخل وقته بعد الحلق والتحلّل من الأولى، ولم يحصل ذلك فوجب عليه لمخالفته هذه وأيضاً بسبب جمعه بين إحرامي عمرة معاً (2).

* * *

(1) نفس المرجع والجزء ص 2196.

(2)

نفس المرجع والجزء ص 2198.

ص: 270