الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المثال الرابع: معنى الدين
.
الدين في المصطلح الإسلامي يعني الإسلام الشامل، الذي يدخل فيه الإيمان بالقلب والقول باللسان والعمل بالأركان، وتدخل فيه الشعائر الدينية والشرائع العملية، من معاملات مالية واقتصادية وقضائية وسياسية واجتماعية، وبالجملة يدخل فيه كل ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو ما قال الله عنه:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (1)
ولكن أنصار الباطل، وأعداء الحق المحاربين لشريعة الله، خططوا لإزالة هذا المفهوم من عقول أبناء المسلمين، بحيث جعلوا الدين لا يتجاوز معنى العبادة بمفهومها الضيق، وهو أنها صلة بين العبد وربه فقط، وكل إنسان حر في أداء تلك العبادة واعتقادها أو عدم ذلك، فمن أراد أن يتطهر ويصلي فليفعل ومن لم يرد فهو أمير نفسه.
أما شؤون الحياة الاجتماعية - عدا بعض أحكام الأسرة - والاقتصادية والسياسية والتعليمية والإعلامية والعسكرية وغيرها، فلا تدخل في الدين ولا للدين فيها حَلٌّ ولا ربط.
(1) المائدة: 3.
ولهذا حُصِر الدين في مناهج التعليم والإعلام والفتوى ونحوها، في أبواب الطهارة والصلاة والحج والصوم، وخصصت له وريقات في المدارس الابتدائية يدرسها الطالب الصغير دراسة ممسوخة، وتسمى مادة:"الدين" التي تجعل الطالب وأسرته ومجتمعه لا تفهم من الدين إلا ذلك. (1)
وهكذا شأن الإعلام الذي تقدم فيه فتاوى مشابهة لما في مناهج التعليم، إذ الغالب أن تكون الفتاوى تتعلق ببعض أبواب الفقه الإسلامي، كالطهارة من وضوء وغسل وحيض ومسح على الخفين، وصلاة وحج وصوم، ونحو ذلك مما هو جزء من الدين، وبنشره يأذن قادة الباطل لوسائل الإعلام، مما لا يعارض مصالحهم معارضة مباشرة كبعض أحكام الأسرة....
أما ما يعتبره قادة الباطل متعارضا مع مصالحهم، كأبواب الاقتصاد والسياسة الشرعية، والولاء والبراء، والجهاد في سبيل الله، والشورى، والعلاقات الدولية ونحوها، فلا تكاد تذكر في أجهزة إعلام أعداء الحق المحاربين للإسلام، خشية من أن يسبق الحقُّ الباطلَ إلى عقول الناس. والذي تهتم به وسائل الإعلام من هذه الأبواب هو ما يخدم مصالح قادة الباطل مما يخالف كثير منه دين الله وشريعته
…
(1) هذا في غالب البلدان الإسلامية.
وبسبب ذلك أصبحت عقول كثير من أبناء المسلمين غير إسلامية على الحقيقة، لأنها لم تفقه حقيقة الإسلام الشامل، بل صُوِّر لهم أن دين الإسلام يعني التأخر والرجعية، وأنه يخالف روح العصر والتقدم، وأنه شبيه بالحكومة الإلهية التي حاربها الغرب عندما كانت الكنيسة تتدخل في كل شيء، وتزعم أنها تمارس نشاطها نيابة عن الله، وأنه لا يمكن أن يتقدم المسلمون ويتحضروا إلا إذا حاربوا دينهم من الناحية التشريعية، كما فعل الأوروبيون مع الكنيسة ومنعوها من التدخل في حياتهم.
ولهذا تجد أجهزة أعداء الحق تشن غارتها على أي بلد يطبق شيئا من أحكام هذا الدين (1) ، كالقصاص والحدود
…
ومن هنا لبسوا عقول أبناء المسلمين مناظير مضللة غير مناظير الإسلام، فأصبح بذلك الحق عندهم باطلا والباطل حقا، وانقلبت عليهم الموازين، وتغيرت الجهات، فأصبح العلو سفلا والسفل علوا، والأمام وراء والوراء أمامَ، فاحتاجوا إلى من يشمر عن ساعد الجد وينبههم على هذا الخطر الذي أحاط بهم وهم لا يعلمون، لأن أعداء الحق سبقوا بباطلهم إلى عقولهم وحالوا بينهم وبين وصول الحق إليها.
(1) مثل المملكة العربية السعودية.
فلْيَحْدُ حادي الحق تلك العقول المضَلَّلَة، ليربأوا بأنفسهم عن البقرة التي لبسها صاحبها نظارة خضراء، لترى العشب اليابس أخضر، فيكثر درها، وليقل لأصحاب تلك العقول ناصحا:
فتح عينيك يا راجي
…
تبصر في الليل الساجي
والبس دوما منظارك
…
يهدي فيه (1) أبصارك
هل تدري ما المنظار
…
وحيَ الله تختار
واسلك نهجا يرضاهُ
…
للمخلوقينَ اللهُ
وافتح أذنك يا راجي
…
واتبع من يحدو الناجي
نحو الفردوس العالي
…
والزم خير الأعمال
حرِّكْ عقلَك يا راجي
…
تفقه قصد المنهاجِ
واحذر شؤم التقليدِ
…
نهج الأعمى المنكودِ
واصحب قوما صلاحا
…
منهم مسكٌ قد فاحا
أهل التقوى والسنَّهْ
…
والرضوان والجنَّهْ
(1) في الليل، والمقصود ظلمة الجهل.
وإن من أعظم المصائب أن يقع في هذا التقليد من يزعم أنه مجتهد يحارب التقليد، بحيث إذا خالف بعضَ كبار الأئمة - كالأئمة الأربعة - بدون تمحيص في مسألة شرعية، وإذا طلب منه التأمل في آرائهم وأوجه استدلالهم، صعر خده وأشار بيده إلى صدره قائلا: نحن رجال وهم رجال! وإذا سمع قولا يهواه من زميل له أو متعالم صغير، أسرع في الأخذ به ونشره والدفاع عنه، دون تمحيص - أيضا - ولم يشعر بأنه قلد من لا يستحق التقليد، ونسي أن يقول: نحن رجال وهم رجال!
وإذا لم يتدارك دعاة الحق عقول الناس بسبق الحق إليها، فإن أهل الباطل يتربصون بها، وقد أحاطوا بها من كل جانب ليضلوها، ويقودها إلى دمارها أوغاد جهلة لا يألون جهدا في إهدار ضرورات حياتها:
هل قد علمت بما جرى
…
أو أنت سائل من درى
أرباب أحلام صغار
…
صاروا رؤوسا للورى
وإذا سبرت عقولهم
…
بانت أقل وأحقرا
وهي التي ألقت بهم
…
في قعر بحر لا يرى
وهناك في ظلماته
…
ظنوا الأمام هو الورى
وبنوا على الظن الردي
…
سيرا حثيثا منكرا