الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَمْرَ الْعَبْدِ (لِلْإِمَامِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ) الْمُلْتَقِطُ (مُسْتَحِقَّهُ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ - أَيْ مَالِكَهُ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ فَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا آنِفًا وَذَلِكَ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَخْ فَإِنْ عَرَفَ مُسْتَحِقَّهُ لَمْ يَحْتَجْ لِرَفْعٍ وَمَحَلُّ الرَّفْعِ لِلْإِمَامِ (إنْ لَمْ يَخْشَ ظُلْمَهُ) وَإِلَّا لَمْ يَرْفَعْ.
(وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ) أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ مِنْ قُطْرٍ إلَى قَاضِي قُطْرٍ آخَرَ عِنْدَهُ آبِقٌ (بِكِتَابِ قَاضٍ) مِنْ قُطْرِهِ مَضْمُونُهُ (أَنَّهُ قَدْ)(شُهِدَ عِنْدِي أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ) الْفُلَانِيُّ، خَبَرُ أَنَّ الثَّانِيَةِ:(هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ وَوَصَفَهُ) فِي مَكْتُوبِهِ (فَلْيُدْفَعْ إلَيْهِ) وُجُوبًا (بِذَلِكَ) حَيْثُ طَابَقَ وَصْفُهُ الْخَارِجِيُّ مَا فِي الْكِتَابِ وَلَا يَبْحَثُ عَنْ بَيِّنَتِهِ وَلَا غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
(دَرْسٌ)
(بَابٌ) فِي الْقَضَاءِ وَأَحْكَامِهِ
. وَهُوَ لُغَةً يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا الْفَرَاغُ كَمَا فِي وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَمِنْهَا الْأَدَاءُ كَمَا فِي قَضَى زَيْدٌ دَيْنَهُ أَيْ أَدَّاهُ وَوَفَّاهُ وَمِنْهَا الْحُكْمُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَالْقَاضِي الْحَاكِمُ أَيْ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالْفِعْلِ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ شَرْعًا إلَّا مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ أَشَارَ لِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (أَهْلُ الْقَضَاءِ)(عَدْلٌ) أَيْ مُسْتَحِقُّهُ عَدْلٌ أَيْ عَدْلٌ شَهَادَةً وَلَوْ عَتِيقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالْعَدَالَةُ تَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ وَالْحُرِّيَّةَ وَعَدَمَ الْفِسْقِ (ذَكَرٌ) مُحَقَّقٌ لَا أُنْثَى وَلَا خُنْثَى (فَطِنٌ) ضِدُّ الْمُغَفَّلِ الَّذِي يَنْخَدِعُ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ وَلَا يَتَفَطَّنُ لِمَا يُوجِبُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ وَتَنَاقُضَ الْكَلَامِ فَالْفَطِنَةُ جَوْدَةُ الذِّهْنِ وَقُوَّةُ إدْرَاكِهِ لِمَعَانِي الْكَلَامِ (مُجْتَهِدٌ إنْ وُجِدَ) فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْمُقَلِّدِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ (وَإِلَّا) يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ (فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ) هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقَضَاءِ وَهُوَ الَّذِي لَهُ فِقْهٌ كَامِلٌ بِضَبْطِ الْمَسَائِلِ الْمَنْقُولَةِ وَاسْتِخْرَاجِ مَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ بِقِيَاسٍ عَلَى الْمَنْقُولِ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَصْلٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
الْعَبْدَ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: أَمْرَ الْعَبْدِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ دَعْوَاهُ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ. (قَوْلُهُ: فَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ) أَيْ وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ الْتَقَطَ عَبْدًا لَا يَعْرِفُ سَيِّدَهُ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ لِلْإِمَامِ وَإِلَّا كَانَ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ " فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَ لِلْإِمَامِ ". (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَخْشَ ظُلْمَهُ) أَيْ انْتَفَتْ خَشْيَةُ ظُلْمِهِ أَيْ خَوْفُ ظُلْمِهِ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ ظُلْمًا وَأَوْلَى إذَا تَحَقَّقَ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ وَإِلَّا تَنْتَفِ خَشْيَةُ ظُلْمِهِ بِأَنْ ظَنَّ، أَوْ تَحَقَّقَ أَخْذَهُ ظُلْمًا لَمْ يَرْفَعْ.
(قَوْلُهُ: خَبَرُ أَنَّ الثَّانِيَةِ) لَا يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ مَحَطُّ الْفَائِدَةِ وَإِنَّمَا مَحَطُّهَا هَرَبَ إلَخْ فَالْأَوْلَى نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ اسْمِ أَنَّ وَأَنَّ " هَرَبَ " هُوَ الْخَبَرُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْخَبَرُ قِسْمَانِ قِسْمٌ تَتِمُّ الْفَائِدَةُ بِهِ نَفْسِهِ وَقِسْمٌ تَتِمُّ بِهِ الْفَائِدَةُ مَعَ تَابِعِهِ نَحْوُ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وَمَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ فِي عَامِلِهَا وَوَصْفٌ لِصَاحِبِهَا. (قَوْلُهُ: هَرَبَ مِنْهُ) حَالٌ مِنْ " فُلَانٌ " عَلَى تَقْدِيرِ قَدْ؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْعِلْمِ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةِ. (قَوْلُهُ: فَلْيُدْفَعْ إلَيْهِ بِذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَبْحَثُ عَنْ بَيِّنَتِهِ) أَيْ عَنْ حَالِهَا وَلَا يَطْلُبُ إحْضَارَهَا وَشَهَادَتَهَا عِنْدَهُ ثَانِيًا وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا لَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي الْقَضَاءِ وَلَمْ يَفِدْ وَحْدَهُ أَيْ لَمْ يَفِدْ كِتَابُ الْقَاضِي وَحْدَهُ لِاحْتِمَالِ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِهَذَا وَذَلِكَ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ هُنَا أَلَا تَرَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ سَيِّدَهُ يَأْخُذُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ، أَوْ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى قَوْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ طفي وَالثَّانِي ظَاهِرُ بْن. .
[بَابٌ فِي الْقَضَاءِ وَأَحْكَامِهِ]
(بَابٌ فِي الْقَضَاءِ)(قَوْلُهُ: أَهْلُ الْقَضَاءِ) أَيْ الْمُتَأَهِّلُ لَهُ وَالْمُسْتَحِقُّ لَهُ عَدْلٌ فَغَيْرُ الْعَدْلِ لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ. (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْجُمْهُورِ) أَيْ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ حَيْثُ قَالَ يُمْنَعُ تَوْلِيَةُ الْعَتِيقِ قَاضِيًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُسْتَحَقَّ فَتُرَدَّ أَحْكَامُهُ. (قَوْلُهُ: تَسْتَلْزِمُ إلَخْ) أَيْ مِنْ اسْتِلْزَامِ الْكُلِّ لَا جُزْئِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ وَصْفٌ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ وَلَا يُغْنِي عَنْ الْعَدْلِ قَوْلُهُ: مُجْتَهِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ عَلَى الصَّحِيحِ. (قَوْلُهُ: لَا أُنْثَى وَلَا خُنْثَى) أَيْ فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُمَا لِلْقَضَاءِ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُمَا. (قَوْلُهُ: جَوْدَةُ الذِّهْنِ) أَيْ الْعَقْلِ فَمُجَرَّدُ الْعَقْلِ التَّكْلِيفِيِّ لَا يَكْفِي لِمُجَامَعَتِهِ لِلْغَفْلَةِ وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْقَاضِي غَيْرَ زَائِدِ فِي الْفَطَانَةِ كَمَا يَأْتِي فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَصْلُ الْفَطَانَةِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَطِنٌ أَيْ ذُو فَطَانَةٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ النَّسَبِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ لَبِنٌ وَتَمِرٌ أَيْ صَاحِبُ لَبَنٍ وَتَمْرٍ لَا مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ، أَوْ أَنَّ " فَطِنٌ " بِمَعْنَى فَاطِنٍ أَيْ جَيِّدِ الذِّهْنِ. (قَوْلُهُ: مُجْتَهِدٌ) أَيْ مُطْلَقٌ إنْ وُجِدَ قَالَ ح يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْعِلْمَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. (قَوْلُهُ: فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ) أَيْ فَأَفْضَلُ مُقَلِّدٍ وَهُوَ مُجْتَهِدُ الْفَتْوَى وَالْمَذْهَبِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْأَمْثَلُ بَلْ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مَعَ وُجُودِهِ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْعَالِمِ حَيْثُ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ. (قَوْلُهُ: لَهُ فِقْهٌ) أَيْ فَهْمٌ كَامِلٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ بِاعْتِبَارِ أَصْلٍ) أَيْ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِقِيَاسٍ. (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ إلَخْ) أَيْ كَمَا أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَمْثَلِ مَعَ وُجُودِهِ كَمَا عَلِمْتَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ كَوْنَهُ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا إنْ وُجِدَ غَيْرُ شَرْطٍ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ وَكَذَلِكَ
(وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) وَهُوَ الْخَلِيفَةُ وَصْفٌ خَامِسٌ وَهُوَ أَنَّهُ (قُرَشِيٌّ) فَلَا تَصِحُّ خِلَافَةُ غَيْرِ الْقُرَشِيِّ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ» وَقُرَيْشٌ قِيلَ هُوَ فِهْرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ النَّضْرُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَبَّاسِيًّا وَلَا عَلَوِيًّا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ - وَهُوَ تَيْمِيٌّ وَعُمَرَ - وَهُوَ عَدَوِيٌّ - وَعُثْمَانَ - وَهُوَ أُمَوِيٌّ وَعَلِيٍّ - وَهُوَ هَاشِمِيٌّ -، وَالْكُلُّ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ الْخِلَافَةُ فِي بَنِي أُمَيَّةَ مَعَ كَثْرَةِ الْفِتَنِ، ثُمَّ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ.
(فَحُكْمُ) الْمُقَلِّدِ وُجُوبًا مِنْ خَلِيفَةٍ أَوْ قَاضٍ (بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ لَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ وَلَا بِالضَّعِيفِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَكَذَا الْمُفْتِي فَإِنْ حَكَمَ بِالضَّعِيفِ نُقِضَ حُكْمُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ وَكَانَ الْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ وَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِمُرَجِّحٍ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ فَلَا يُنْقَضُ كَمَا لَوْ قَاسَ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَهُوَ أَهْلُهُ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ ذَا بَصَرٍ وَكَلَامٍ وَسَمْعٍ فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْأَعْمَى، أَوْ الْأَبْكَمِ أَوْ الْأَصَمِّ (وَ) إنْ وَقَعَ (نَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ) الْوَاوُ بِمَعْنَى، أَوْ أَيْ لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ ابْتِدَاءً وَلَا فِي صِحَّةِ دَوَامِهَا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ وَلِذَا قَالَ (وَوَجَبَ عَزْلُهُ) وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَمْرَانِ: عَدَمُ جَوَازِ وِلَايَتِهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَصِحَّةُ حُكْمِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
(وَلَزِمَ الْمُتَعَيَّنَ) أَيْ الْمُنْفَرِدَ فِي الْوَقْتِ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
كَوْنُهُ مُقَلِّدًا أَمْثَلَ. (قَوْلُهُ: وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَصْفٌ خَامِسٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الْخَمْسَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي وِلَايَةِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ابْتِدَاءً لَا فِي دَوَامِ وِلَايَتِهِ؛ إذْ لَا يَنْعَزِلُ بَعْدَ مُبَايَعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لَهُ بِطُرُوِّ فِسْقٍ كَنَهْبِ أَمْوَالٍ؛ لِأَنَّ عَزْلَهُ مُؤَدٍّ لِلْفِتَنِ فَارْتُكِبَ أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ، وَسُدَّ الذَّرِيعَةُ نَعَمْ إنْ طَرَأَ كُفْرُهُ وَجَبَ عَزْلُهُ وَنُبِذَ عَهْدُهُ. (قَوْلُهُ: وَقُرَيْشٌ) أَيْ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي الْخَلِيفَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ هُوَ فِهْرٌ إلَخْ وَلُقِّبَ بِقُرَيْشٍ تَصْغِيرِ قِرْشٍ حَيَوَانٍ مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ يَفْتَرِسُ غَيْرَهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْبَحْرِيَّةِ لِافْتِرَاسِهِ لِأَعْدَائِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَبَّاسِيًّا) بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ طفى أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا أَفْضَلِيَّةَ لِعَبَّاسِيٍّ عَلَى غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لعبق.
(قَوْلُهُ: بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ) لَا خُصُوصِيَّةَ لِقَوْلِهِ " مُقَلَّدِهِ " بَلْ وَكَذَا قَوْلُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِمَشْهُورِ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الشَّارِحِ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلَ إمَامِهِ، أَوْ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. (قَوْلُهُ: لَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ غَيْرِ مُقَلَّدِهِ أَيْ بِمَذْهَبٍ غَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَإِنْ حَكَمَ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِقَوْلِ إمَامِهِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ مُقَلَّدُهُ رَسُولًا أُرْسِلَ إلَيْهِ بَلْ حَكَوْا خِلَافًا إذَا اشْتَرَطَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِمَذْهَبِ إمَامِهِ فَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ الشَّرْطُ وَقِيلَ بَلْ ذَلِكَ يُفْسِدُ التَّوْلِيَةَ وَقِيلَ يَمْضِي الشَّرْطُ لِمَصْلَحَةٍ اُنْظُرْ ح. (قَوْلُهُ: أَيْ بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ) أَيْ كَرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِوَايَةِ غَيْرِهِ فِيهَا عَنْ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لِتَقْدِيمِ رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ فِيهَا وَأَوْلَى فِي غَيْرِهَا وَكَذَا عَلَى رِوَايَتِهِ فِي غَيْرِهَا عَنْ الْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْ الْإِمَامِ أَحَدٌ فِيهَا شَيْئًا قُدِّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي غَيْرِهَا عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمُفْتِي) أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ إلَّا بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ لَا بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ وَلَا بِالضَّعِيفِ مِنْ مَذْهَبِهِ نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ إذَا تَحَقَّقَ الضَّرُورَةَ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي الْإِفْتَاءُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ كَمَا يَتَحَقَّقُهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ سَدُّوا الذَّرِيعَةَ وَقَالُوا بِمَنْعِ الْفَتْوَى بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ خَوْفَ أَنْ لَا تَكُونَ الضَّرُورَةُ مُتَحَقِّقَةً لَا لِأَجْلِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالضَّعِيفِ وَلَوْ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ يَوْمًا مَا قَالَهُ بْن وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ صَدِيقَهُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ إذَا تَحَقَّقَ ضَرُورَتَهُ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الصَّدِيقِ لَا يَخْفَى عَلَى صَدِيقِهِ اهـ قَالَهُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَةِ عبق. (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَهْلُهُ) أَيْ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَاسِ وَإِلَّا رُدَّ.
(قَوْلُهُ: الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ) فَالْمَعْنَى وَنَفَذَ حُكْمُ مَنْ اتَّصَفَ بِوَاحِدَةٍ فَقَطْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ اتَّصَفَ بِاثْنَتَيْنِ مِنْهَا أَوْ بِالثَّلَاثَةِ فَلَا تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ كَمَا فِي ح عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي بْن رَجَّحَ الْبَاجِيَّ وَابْنُ رُشْدٍ صِحَّةَ وِلَايَةِ مَنْ لَا يَكْتُبُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَاضِي أَنْ يَعْرِفَ الْكِتَابَةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. (قَوْلُهُ: فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " وَاجِبٌ " أَيْ وَحَيْثُ كَانَ وَاجِبًا فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِمْرَارُ وِلَايَتِهِ إلَّا إذَا اتَّصَفَ بِعَدَمِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ اتَّصَفَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِمْرَارًا مَعَ صِحَّةِ مَا وَقَعَ مِنْهُ الْحُكْمُ هَذَا وَتَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْأَعْمَى فِي الْفَتْوَى كَمَا فِي فَتَاوَى الْبُرْزُلِيِّ. (قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ كَوْنِ عَدَمِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَاجِبًا بِالنَّظَرِ لِلِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ وَجَبَ عَزْلُهُ هَذَا إذَا كَانَ مُتَّصِفًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ حِينَ التَّوْلِيَةِ بَلْ وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَهَا. (قَوْلُهُ: فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ كَلَام الْمُصَنِّفِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى إلَخْ وَقَوْلَهُ وَوَجَبَ عَزْلُهُ. (قَوْلُهُ: عَدَمُ إلَخْ) هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ
(أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ عَلَى النَّاسِ (إنْ لَمْ يَتَوَلَّ، أَوْ) الْخَائِفَ (ضَيَاعَ الْحَقِّ) لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ (الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ) فَاعِلُ لَزِمَ أَيْ لَزِمَهُ الْقَبُولُ إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ وَلَزِمَهُ الطَّلَبُ مِنْ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا يَضُرُّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي طَلَبِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لِأَمْرٍ مُتَعَيَّنٍ عَلَيْهِ (وَأُجْبِرَ) الْمُتَعَيَّنُ لَهُ بِانْفِرَادِ شُرُوطِهِ (وَإِنْ بِضَرْبٍ، وَإِلَّا) يَتَعَيَّنْ وَلَا خَافَ فِتْنَةً وَلَا ضَيَاعَ حَقٍّ (فَلَهُ الْهَرَبُ، وَإِنْ عُيِّنَ) مِنْ الْإِمَامِ لِشِدَّةِ خَطَرِهِ فِي الدِّينِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَحَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَيَحْرُمُ دَفْعُ مَالٍ لِأَجْلِ تَوْلِيَتِهِ وَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ وَلَوْ صَوَابًا فَلَا يَرْفَعُ خِلَافًا.
(وَحَرُمَ) قَبُولُ الْقَضَاءِ، أَوْ طَلَبُهُ (لِجَاهِلٍ وَطَالِبِ دُنْيَا) مِنْ الْمُتَدَاعِيِّينَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " وَأَمَّا طَلَبُ مَالٍ مِمَّا هُوَ لِلْقَضَاءِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ وَقْفٍ عَلَيْهِ فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يُنْدَبُ إذَا كَانَ فِي ضِيقِ عَيْشٍ وَأَرَادَ التَّوْسِعَةَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ ذَلِكَ.
(وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) لِلنَّاسِ بِقَصْدِ إفَادَةِ الْجَاهِلِ، وَإِرْشَادِ الْمُسْتَفْتِي لَا الشُّهْرَةِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، ثُمَّ شُبِّهَ فِي النَّدْبِ قَوْلُهُ (كَوَرِعٍ) وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ الشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (غَنِيٍّ) أَيْ ذِي مَالٍ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْغِنَى مَظِنَّةُ التَّنَزُّهِ وَتَرْكِ الطَّمَعِ خُصُوصًا إذَا انْضَمَّ لَهُ وَرَعٌ (حَلِيمٍ) لَيْسَ سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ مَنْشَأٌ لِلظُّلْمِ وَأَذِيَّةِ النَّاسِ (نَزِهٍ) أَيْ كَامِلِ الْمُرُوءَةِ بِتَرْكِ مَا لَا يَلِيقُ مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ.
(نَسِيبٍ) أَيْ مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُرَشِيًّا لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ لِلطَّعْنِ فِيهِ كَابْنِ الزِّنَا وَاللِّعَانِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
وَوَجَبَ عَزْلُهُ، وَقَوْلُهُ وَصِحَّةُ حُكْمِهِ هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ وَنَفَذَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ كَمَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ الْعَطْفُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَوْ. (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَتَوَلَّ) أَيْ وَتَوَلَّى غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَزْيَدَ مِنْهُ فِقْهًا. (قَوْلُهُ: فَاعِلُ لَزِمَ)" وَالْمُتَعَيَّنَ " مَفْعُولُهُ " وَالْخَائِفَ " عَطْفٌ عَلَيْهِ " وَفِتْنَةً " بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ خَائِفَ أَوْ بِالْجَرِّ بِإِضَافَتِهِ لِخَائِفٍ وَقَوْلُهُ " أَوْ ضَيَاعَ " عَطْفٌ عَلَى " فِتْنَةً " وَفِيهِ الْحَذْفُ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ أَيْ أَوْ الْخَائِفَ ضَيَاعَ الْحَقِّ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: أَيْ لَزِمَهُ الْقَبُولُ إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ) لَكِنْ إنْ طَلَبَهُ مُشَافَهَةً لَزِمَهُ الْقَبُولُ فَوْرًا وَإِنْ أَرْسَلَ لَهُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُولِ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَقُولَ قَبِلْتُ سَوَاءٌ شَافَهَهُ، أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ بَلْ يَكْفِي فِي تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ شُرُوعُهُ فِي الْأَحْكَامِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي طَلَبِهِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، أَوْ خَافَ الْفِتْنَةَ أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ وَفِي بْن قَالَ الشَّيْخُ الْمِسْنَاوِيُّ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَالٍ، وَأَفْرَطَ قَوْمٌ كعج وَمَنْ تَبِعَهُ فَقَالُوا: وَلَوْ بِمَالٍ وَفِي ح مَا نَصُّهُ اُنْظُرْ إذَا قِيلَ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فَطَلَبَ فَمُنِعَ مِنْ التَّوْلِيَةِ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَذْلُ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يُعَانُ عَلَى الْحَقِّ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُعَنْ عَلَى تَرْكِهِ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ. (قَوْلُهُ: وَأُجْبِرَ الْمُتَعَيَّنُ لَهُ) أَيْ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْقَبُولِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِجَعْلِ نَائِبِ أُجْبِرَ الْمُتَعَيَّنَ لَهُ بِانْفِرَادِ شُرُوطِهِ مِنْهُ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَأُجْبِرَ بِضَرْبِ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ فِتْنَةً، أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ فَلَا يَتَأَتَّى فِي حَقِّهِ إلَّا الطَّلَبُ، أَوْ الْقَبُولُ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْجَبْرُ عَلَى الْقَبُولِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ الْإِمَامِ لَتَأَتَّى الْجَبْرُ عَلَى الْقَبُولِ عِنْدَ الْإِبَايَةِ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا عَلَّقَ الْخَوْفَ بِغَيْرِ الْإِمَامِ. (قَوْلُهُ: دُونَ غَيْرِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ الْهُرُوبُ مِنْهُ إذَا عُيِّنَ كَجِهَادٍ تَعَيَّنَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فُرُوضَ الْكِفَايَةِ كُلَّهَا تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ إلَّا الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ بَلْ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَذَلِكَ لِشِدَّةِ خَطَرِهِ فِي الدِّينِ كَذَا فِي بْن. (قَوْلُهُ: وَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ وَلَوْ صَوَابًا) مِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ دَافِعَ الرِّشْوَةِ لِأَخْذِ الْقَضَاءِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ قُضَاةِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُمْ نَافِذَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَحَرُمَ قَبُولُ الْقَضَاءِ، أَوْ طَلَبُهُ لِجَاهِلٍ) أَيْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَضَاءِ وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَى السُّلْطَانِ تَوْلِيَتُهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحُرْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ لَا عَلَى مَا لِابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ) أَيْ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى تَوْلِيَتِهِ. (قَوْلُهُ: لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) أَيْ لِكَوْنِهِ خَامِلًا لَا يُؤْخَذُ بِفَتْوَاهُ وَلَا يَتَعَلَّمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَتَوَلَّاهُ بِقَصْدِ إفَادَةِ الْجَاهِلِ وَإِرْشَادِ الْمُسْتَفْتِي. (قَوْلُهُ: لَا الشُّهْرَةِ إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَوْلِيَتَهُ لِأَجْلِ الشُّهْرَةِ لِرِفْعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ فَإِنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ لَا مَنْدُوبٌ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا الْأَوْرَعُ فَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْغِنَى مَظِنَّةُ إلَخْ) أَيْ وَلِهَذَا كَانَ وُجُودُ الْمَالِ عِنْدَ ذَوِي الدِّينِ زِيَادَةٌ لَهُمْ فِي الْخَيْرِ لَا سِيَّمَا مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ. (قَوْلُهُ: بِتَرْكِ) أَيْ بِسَبَبِ تَرْكِهِ مَا لَا يَلِيقُ فَلَا يَصْحَبُ الْأَرْذَالَ وَلَا يَجْلِسُ مَجَالِسَ السُّوءِ وَلَا يَتَعَاطَى مُحَقَّرَاتِ الْأُمُورِ.
(قَوْلُهُ: نَسِيبٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ تَوْلِيَةَ غَيْرِ النَّسِيبِ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ كَانَ انْتِفَاءُ نَسَبِهِ مُحَقَّقًا أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ لَيْسَ بِابْنِ لِعَانٍ اهـ وَحِينَئِذٍ فَتَجْوِيزُ سَحْنُونٍ تَوْلِيَةَ وَلَدِ الزِّنَا مُوَافِقٌ لِلْمَذْهَبِ زَادَ وَلَكِنْ لَا يَحْكُمُ
(مُسْتَشِيرٍ) لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمَسَائِلِ فَلَا يَسْتَقِلُّ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ بَلْ رُبَّمَا ظَهَرَ الصَّوَابُ عَلَى يَدِ جَاهِلٍ.
(بِلَا دَيْنٍ) عَلَيْهِ لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ.
(وَ) بِلَا (حَدٍّ) أَيْ يُنْدَبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا فِي زِنًا، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ شُرْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ أَحَطُّ مِنْ رُتْبَةِ الْمَدِينِ عِنْدَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ أَنَّهُ تَابَ.
(وَ) بِلَا (زَائِدٍ) أَيْ زِيَادَةٍ، وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهَا (فِي الدَّهَاءِ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ هُوَ جَوْدَةُ الذِّهْنِ وَالرَّأْيِ فَالْمَطْلُوبُ الدَّهَاءُ وَيُنْدَبُ أَنْ لَا يَكُونَ زَائِدًا فِيهِ عَنْ عَادَةِ النَّاسِ خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْفِرَاسَةِ وَتَرْكِ قَانُونِ الشَّرِيعَةِ مِنْ طَلَبِ الْبَيِّنَةِ وَتَجْرِيحِهَا وَتَعْدِيلِهَا وَطَلَبِ الْيَمِينِ مِمَّنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَ) بِلَا (بِطَانَةِ سُوءٍ) أَيْ يُتَّهَمُ مِنْهَا السُّوءُ، وَإِلَّا فَالسَّلَامَةُ مِنْهَا وَاجِبَةٌ وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ فِي شَأْنِهِ.
(وَ) نُدِبَ لِلْقَاضِي (مَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ وَالْمُصَاحِبِينَ لَهُ) فِي غَيْرِ رُكُوبٍ بَلْ يَسْتَعْمِلُ الِانْفِرَادَ مَا أَمْكَنَ إذْ كَثْرَةُ الِاجْتِمَاعِ لَا خَيْرَ فِيهَا مَعَ اتِّهَامِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي عَلَيْهِمْ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ إلَّا لِضَرُورَةِ خَادِمٍ وَمُعِينٍ فِي أَمْرٍ مِنْ الْخُصُومَاتِ وَرَفْعِ الظُّلَامَاتِ وَلِذَا قَالَ (وَ) نُدِبَ لَهُ (تَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ) مِنْ عِنْدِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ غَالِبًا مِنْ تَعْلِيمِ الْأَخْصَامِ التَّحَيُّلَ وَقَلْبَ الْأَحْكَامِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُبْعِدَ عَنْهُ مَنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْخِدْمَةِ.
(وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ) مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ وَالصَّلَاحِ (بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ) مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ فَيَحْمَدُ اللَّهَ فِي الْأَوَّلِ وَيَتَنَحَّى فِي الثَّانِي أَوْ يُبَيِّنُ وَجْهَ الْحَقِّ لِلنَّاسِ (وَ) بِمَا يُقَالُ فِي (حُكْمِهِ وَشُهُودِهِ) لِيَعْمَلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ إبْقَاءٍ، أَوْ عَزْلٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ.
(وَ) نُدِبَ لَهُ (تَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاضِي فِي مَجْلِسِهِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْحُكْمُ لِنَفْسِهِ خَشْيَةَ انْتِهَاكِ مَجْلِسِ الشَّرْعِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
فِي الزِّنَا لِعَدَمِ شَهَادَتِهِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: مُسْتَشِيرٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمَسَائِلِ) أَيْ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا وَأَمَّا الَّتِي فِيهَا النَّصُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ قَالَ بْن إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ بَعْدُ " وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ وَشَاوَرَهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ كَانَ مُخَالِفًا لِهَذَا وَإِنْ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ كَانَ تَكْرَارًا مَعَ هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُخْتَارَ الثَّانِي وَالْمُرَادُ أَنْ يُوَلَّى مَنْ شَأْنُهُ الِاسْتِشَارَةُ وَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ بِرَأْيِهِ فِي الْأُمُورِ وَالْآتِي مَعْنَاهُ يُنْدَبُ لَهُ بَعْدَ تَوْلِيَتِهِ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الشَّأْنِ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ، أَوْ يُخْتَارَ الْأَوَّلُ وَالْمَعْنَى وَنُدِبَ تَوْلِيَةُ مَنْ شَأْنُهُ الِاسْتِشَارَةُ لِلْعُلَمَاءِ وَمَعْنَى الْآتِي وَوَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ الْعَمَلُ بِهَذَا الشَّأْنِ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ يَحْتَاجُ لِدِقَّةِ النَّظَرِ فِيهِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: بِلَا دَيْنٍ) لَا يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ " غَنِيٍّ " لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا بِأَشْيَاءَ إنَّمَا تَأْتِي لَهُ عِنْدَ تَمَامِ عَامٍ فَيَحْتَاجُ لِلدَّيْنِ فَذَكَرَ هُنَا أَنَّ مِنْ مَنْدُوبَاتِهِ كَوْنَهُ بِلَا دَيْنٍ.
. (قَوْلُهُ: أَيْ يُنْدَبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا إلَخْ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ تَوْلِيَةَ الْمَحْدُودِ جَائِزَةٌ وَأَنَّ حُكْمَهُ نَافِذٌ وَظَاهِرُهُ قَضَى فِيمَا حُدَّ فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَوْ تَابَ وَتُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ إذَا تَابَ وَإِلَّا فَلَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ الْقَضَاءِ يُقْبَلُ مِنْ الْقَاضِي فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ فِي ذَلِكَ اسْتِنَادُ الْقَاضِي لِبَيِّنَةٍ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَبَعُدَتْ التُّهْمَةُ فِي الْقَاضِي دُونَ الشَّاهِدِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ إلَخْ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مَوْضُوعَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ تَابَ أَيْ إنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَدْبِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَحْدُودٍ حَكَمَ فِيمَا حُدَّ فِيهِ أَمْ لَا مَوْضُوعُهُ أَنَّهُ تَابَ مِمَّا حُدَّ فِيهِ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا كَانَ فَاسِقًا لَا تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهَا) قَدْ يُقَالُ يُمْكِنُ أَنَّ الْمَعْنَى وَبِلَا عَقْلٍ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ أَيْ فِي جَوْدَةِ الرَّأْيِ وَالْفِكْرِ. (قَوْلُهُ: هُوَ جَوْدَةُ الذِّهْنِ) أَيْ وَهُوَ الْفَطَانَةُ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَبِلَا زِيَادَةٍ فِي الْفَطَانَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالسَّلَامَةُ مِنْهَا) أَيْ وَإِلَّا نَقُلْ يُتَّهَمُ فِيهَا السُّوءُ بَلْ قُلْنَا الْمُرَادُ وَبِلَا بِطَانَةٍ مُحَقَّقَةِ السُّوءِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُحَقَّقَةِ السُّوءِ وَاجِبَةٌ لَا مَنْدُوبَةٌ. (قَوْلُهُ: وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى الْمُصَنِّفِ يُنْدَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ فِي أُمُورِهِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ لَا مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِالسُّوءِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْعُ الرَّاكِبِينَ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَمْنَعَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْكَبُونَ مَعَهُ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ مِنْ رُكُوبِهِمْ مَعَهُ بَعْدَهَا وَكَذَلِكَ الْمُصَاحِبُونَ لَهُ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ فِي غَيْرِ الرُّكُوبِ يُنْدَبُ لَهُ تَرْكُ مُصَاحَبَتِهِمْ بَعْدَهَا. (قَوْلُهُ: مَعَ اتِّهَامِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي إلَخْ) أَيْ فَيَمْتَنِعُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ مِنْ طَلَبِهِ. (قَوْلُهُ: تَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ) أَيْ تَقْلِيلُ الْأَعْوَانِ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمْ لِإِعَانَتِهِ كَالرُّسُلِ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمْ الْقَاضِي لِإِحْضَارِ خَصْمٍ، أَوْ سَمَاعِ دَعْوَةٍ نِيَابَةً عَنْهُ، أَوْ سَمَاعِ شَهَادَةٍ. (قَوْلُهُ: وَقَلْبَ الْأَحْكَامِ) أَيْ تَغْيِيرَ الْحَالَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وُقُوعُ الْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: أَنْ يُبْعِدَ عَنْهُ) أَيْ مِنْ الْأَعْوَانِ مَنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ فِي هَذِهِ الْخِدْمَةِ أَيْ لِأَنَّهُ يَزْدَادُ سُوءُهُمْ وَضَرَرُهُمْ بِالنَّاسِ.
(قَوْلُهُ: وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ إلَخْ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَّخِذَ شَخْصًا مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ وَالصَّلَاحِ يُرْسِلُهُ يَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا يَسْمَعُ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ فِي الْقَاضِي وَفِي حُكْمِهِ وَفِي شُهُودِهِ وَيَأْتِيهِ يُخْبِرُهُ بِمَا سَمِعَ مِنْهُمْ مِنْ ثَنَاءٍ عَلَيْهِ، أَوْ سُخْطٍ. (قَوْلُهُ: فِي سِيرَتِهِ) أَيْ غَيْرِ حُكْمِهِ. (قَوْلُهُ: بِمُقْتَضَى ذَلِكَ) أَيْ الْإِخْبَارِ وَقَوْلُهُ: مِنْ إبْقَاءٍ أَيْ لِلشُّهُودِ أَوْ عَزْلِهِمْ وَقَوْلُهُ: أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ أَيْ أَوْ أَمْرٍ لَهُمْ بِفِعْلِ مَا هُوَ لَائِقٌ وَنَهْيٍ لَهُمْ عَمَّا لَيْسَ بِلَائِقٍ.
(قَوْلُهُ: وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ كَقَوْلِهِ لَهُ ظَلَمْتَنِي، أَوْ كَذَبْتَ عَلَيَّ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤَدِّبُهُ إذَا قَالَهُمَا لِلْخَصْمِ، أَوْ لِشَاهِدٍ وَأَمَّا إذَا قَالَ: يَا ظَالِمُ
وَحُرْمَةِ الْحَاكِمِ وَلَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُسْتَنَدُ فِيهِ لِعِلْمِهِ وَالتَّأْدِيبُ بِمَا يَرَاهُ أَوْلَى مِنْ الْعَفْوِ كَمَا هُوَ مُفَادُ الْمُصَنِّفِ وَنَصَّ غَيْرُهُ: لَا بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ وَإِنْ شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بَلْ يَرْفَعُهُ لِغَيْرِهِ إنْ شَاءَ وَالْعَفْوُ أَوْلَى (إلَّا فِي مِثْلِ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي) ، أَوْ خَفْ اللَّهَ، أَوْ اُذْكُرْ وُقُوفَك بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ (فَلْيَرْفُقْ بِهِ) فَلَا يَجُوزُ تَأْدِيبُهُ وَمِنْ الْإِرْفَاقِ أَنْ يَقُولَ لَهُ أَنْتَ قَدْ لَزِمَك الْإِقْرَارُ بِقَوْلِك كَذَا، أَوْ أَنْتَ قَدْ رَضِيتَ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ عَلَيْك فَكَيْفَ تَجْحَدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَطْلُبُ عَدَمَ الْحُكْمِ عَلَيْك وَالْإِمْهَالَ.
(وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُوَلَّى مِنْ الْخَلِيفَةِ وَلَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى اسْتِخْلَافٍ وَلَا عَدَمِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ فِي جِهَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَوْ اتَّسَعَ عَمَلُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ مُسْتَخْلَفِهِ إلَّا أَنْ يُنْفِذَهُ هُوَ إلَّا أَنْ يَتَّسِعَ عَمَلُهُ فَيَجُوزَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لَكِنْ (فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) عَنْهُ بِأَمْيَالٍ كَثِيرَةٍ يَشُقُّ إحْضَارُ الْخُصُومِ مِنْهَا إلَى مَحَلِّهِ (مَنْ) أَيْ يَسْتَخْلِفُ رَجُلًا (عَلِمَ مَا اُسْتُخْلِفَ فِيهِ) فَقَطْ فَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فَإِذَا اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْأَنْكِحَةِ فَقَطْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَسَائِلِ النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَإِنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي الْقِسْمَةِ وَالْمَوَارِيثِ وَجَبَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ وَهَكَذَا.
(وَانْعَزَلَ) الْمُسْتَخْلَفُ بِالْفَتْحِ (بِمَوْتِهِ) أَيْ بِمَوْتِ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ وَالْوَكِيلُ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ وَبِعَزْلِهِ وَنَصَّ عَلَى الْمَوْتِ مَعَ أَنَّ عَزْلَهُ كَذَلِكَ أَيْ يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ بِعَزْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا كَانَ يَأْتِي بَغْتَةً لَمْ يَنْعَزِلْ النَّائِبُ بِمَوْتِ مُوَلِّيهِ وَلَا يَنْعَزِلُ النَّائِبُ بِمَوْتِ الْقَاضِي إذَا جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ الِاسْتِخْلَافَ، أَوْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ خِلَافًا لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ (لَا هُوَ) أَيْ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي (بِمَوْتِ الْأَمِيرِ) الَّذِي وَلَّاهُ
ــ
[حاشية الدسوقي]
أَوْ يَا كَاذِبُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ مُطْلَقًا قَالَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي، أَوْ لِلْخَصْمِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَدْبِ تَأْدِيبِ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَالْمُنْتَقِمِ لِنَفْسِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وُجُوبُ التَّأْدِيبِ لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَسَاءَ عَلَى الْقَاضِي وَأَمَّا إذَا أَسَاءَ عَلَى غَيْرِهِ أَيْ كَشَاهِدٍ، أَوْ خَصْمٍ كَانَ الْأَدَبُ وَاجِبًا قَطْعًا اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: وَحُرْمَةِ) عَطْفٌ عَلَى " مَجْلِسِ ". (قَوْلُهُ: وَنَصَّ غَيْرُهُ) أَيْ كَابْنِ عَاصِمٍ فِي مَتْنِ التُّحْفَةِ حَيْثُ قَالَ:
وَمَنْ جَفَا الْقَاضِيَ فَالتَّأْدِيبُ
…
أَوْلَى وَذَا لِشَاهِدٍ مَطْلُوبُ
أَيْ فَالتَّأْدِيبُ أَوْلَى مِنْ الْعَفْوِ، وَذَلِكَ التَّأْدِيبُ مَطْلُوبٌ أَيْ وَاجِبٌ إذَا أَسَاءَ عَلَى شَاهِدٍ أَيْ أَوْ خَصْمٍ. (قَوْلُهُ: لَا بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ) أَيْ لَا يُنْدَبُ لَهُ تَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ. (قَوْلُهُ: فَلْيَرْفُقْ بِهِ) أَيْ نَدْبًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْدِيبُهُ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي آيَةِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} [البقرة: 206] . الْآيَةَ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْإِرْفَاقِ أَنْ يَقُولَ لَهُ إلَخْ) أَيْ وَمِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنَا لَا أُرِيدُ إلَّا الْحَقَّ، أَوْ رَزَقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ تَقْوَاهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنُصَّ إلَخْ) أَمَّا لَوْ نَصَّ لَهُ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَوْ لِرَاحَةِ نَفْسِهِ وَلَوْ فِي الْجِهَةِ الْقَرِيبَةِ فَإِنْ نَصَّ عَلَى عَدَمِهِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ وَلَوْ فِي الْجِهَةِ الْبَعِيدَةِ وَلَوْ لِعُذْرٍ وَيَنْبَغِي أَنَّ الْعُرْفَ بِالِاسْتِخْلَافِ وَعَدَمِهِ كَالنَّصِّ عَلَى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: مِنْ مَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا اسْتِخْلَافُهُ لَهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا قَالَ الْأَخَوَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ الْقَائِلِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ فِي جِهَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَوْ لِمَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ. (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ) لَكِنَّهُ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ عَنْهُ كَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ الْمَسْأَلَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ إمَّا أَنْ يَنُصَّ لِلْقَاضِي عَلَى الِاسْتِخْلَافِ، أَوْ عَلَى عَدَمِهِ، أَوْ لَا يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِعُذْرٍ، أَوْ لِرَاحَةِ نَفْسِهِ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي جِهَةٍ قَرِيبَةٍ، أَوْ بَعِيدَةٍ مِنْهُ فَإِنْ نَصَّ لَهُ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ جَازَ مُطْلَقًا لِعُذْرٍ وَلِغَيْرِهِ فِي الْجِهَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ وَالْبَعِيدَةِ وَإِنْ نَصَّ عَلَى عَدَمِهِ مُنِعَ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَتْ الْجِهَةُ قَرِيبَةً فَالْمَنْعُ إذَا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَقَوْلَانِ وَإِنْ كَانَتْ الْجِهَةُ بَعِيدَةً فَالْجَوَازُ كَانَ لِعُذْرٍ، أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْلِفُ بِالْكَسْرِ وَقْتَ الِاسْتِخْلَافِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَمِثْلُ الِاسْتِخْلَافِ الْعَزْلُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ بِخِلَافِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ. (قَوْلُهُ: بِأَمْيَالٍ كَثِيرَةٍ) أَيْ زَائِدَةٍ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا. (قَوْلُهُ: مَنْ عَلِمَ إلَخْ) أَيْ وَإِذَا اسْتَخْلَفَ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ رَجُلًا عَلِمَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَانْعَزَلَ الْمُسْتَخْلَفُ) أَيْ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ الْقَاضِي بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ أَمَّا لَوْ اسْتَخْلَفَهُ فِي جِهَةٍ قَرِيبَةٍ لِنَصِّ الْخَلِيفَةِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ جَرَيَانِ الْعُرْفِ بِهِ فَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَلَا بِعَزْلِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَمِثْلُهُمَا مَنْ قَدَّمَهُ الْقَاضِي لِلنَّظَرِ عَلَى أَيْتَامٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي الَّذِي قَدَّمَهُ وَلَا بِعَزْلِهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ إلَخْ) أَيْ فَالْمُصَنِّفُ نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ) قَدْ يُقَالُ إنَّ مَوْضُوعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُوَ الِاسْتِخْلَافُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ هَذَا فَلَيْسَ كَلَامُهُ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: لَا هُوَ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ) الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَهُ إمَارَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ سَلْطَنَةً أَوْ غَيْرَهَا وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَوْ الْخَلِيفَةَ وَلَيْسَ
(وَلَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ الَّذِي وَلَّاهُ (الْخَلِيفَةَ) ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْ نَفْسِ الْخَلِيفَةِ بِخِلَافِ نَائِبِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ نَائِبٌ عَنْ نَفْسِ الْقَاضِي فَلِذَا انْعَزَلَ بِمَوْتِهِ وَأَمَّا لَوْ عَزَلَهُ الْأَمِيرُ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ قَطْعًا وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَزْلَهُ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) أَيْ الْقَاضِي إذَا شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ عَزْلِهِ (أَنَّهُ) كَانَ (قَضَى بِكَذَا) وَلَا مَفْهُومَ لِلظَّرْفِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْعَزْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
(وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ) أَيْ جَازَ لِلْإِمَامِ نَصْبُ قَاضٍ مُتَعَدِّدٍ يَسْتَقِلُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَاحِيَةٍ يَحْكُمُ فِيهَا بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حُكْمِ الْآخَرِ كَقَاضِي رَشِيدٍ وَقَاضِي الْمَحَلَّةِ وَقَاضِي قَلْيُوبَ، أَوْ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ بِبَلَدٍ (أَوْ خَاصٍّ)
ــ
[حاشية الدسوقي]
الْمُرَادُ بِالْأَمِيرِ مَنْ لَهُ إمَارَةٌ غَيْرُ السَّلْطَنَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمُبَالَغَةِ حِينَئِذٍ؛ إذْ شَرْطُهَا صِدْقُ مَا قَبْلَهَا عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ الْخَلِيفَةَ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْأَمِيرُ الَّذِي وَلَّاهُ غَيْرَ الْخَلِيفَةِ بَلْ وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ الَّذِي وَلَّاهُ، ثُمَّ مَاتَ هُوَ الْخَلِيفَةَ. (قَوْلُهُ: لَيْسَ نَائِبًا عَنْ نَفْسِ الْخَلِيفَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يُوَلِّهِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا وَلَّاهُ لِمَصَالِحِ النَّاسِ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَاضِيَ إلَخْ إشَارَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ اسْتَخْلَفَهُ الْقَاضِي فِي جِهَةٍ بَعِيدَةٍ حَيْثُ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَبَيْنَ الْقَاضِي حَيْثُ لَمْ يَنْعَزِلْ بِمَوْتِ الْخَلِيفَةِ وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاهٍ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي نَائِبًا عَنْ الْخَلِيفَةِ لَمْ يَكُنْ لِلْخَلِيفَةِ عَزْلُهُ؛ كَيْفَ وَأَصْلُ الْقَضَاءِ لِلْخُلَفَاءِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْ الْخَلِيفَةِ فَلِمَ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي نَائِبِ الْقَاضِي.
فَإِنْ قُلْتَ: إنَّ ذَلِكَ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ الْقَاضِي. قُلْتُ: السُّلْطَانُ أَيْضًا إنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقْضِيَ لِأَجْلِ التَّخْفِيفِ عَنْ نَفْسِهِ اهـ اُنْظُرْ بْن وَلِذَا اعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ أَنَّ خَلِيفَةَ الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْقَاضِي وَلَا بِمَوْتِهِ كَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ خِلَافًا لَلْمُصَنِّفِ وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي المج عَلَى هَذَا. (قَوْلُهُ: وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَزْلَهُ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ عَزْلُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَافِذًا لِضَرُورَةِ النَّاسِ لِذَلِكَ كَمَا فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا وَانْظُرْ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْقَاضِي مَعْلُومَ الْقَضَاءِ مِنْ يَوْمِ وِلَايَتِهِ إذَا وَلِيَ بِبَلَدٍ يَحْتَاجُ لِسَفَرٍ، أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ فَالْمَعْلُومُ لِلْمَعْزُولِ إلَى يَوْمِ بُلُوغِهِ اهـ وَاسْتَظْهَرَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ الثَّانِيَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ) أَيْ وَأَوْلَى فِي عَدَمِ الْقَبُولِ مَا إذَا قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ عَزْلِهِ شَهِدَ عِنْدِي شَاهِدَانِ بِكَذَا وَقَدْ كُنْت قَبِلْت شَهَادَتَهُمَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنِّي حُكْمٌ وَلِلطَّالِبِ حِينَئِذٍ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَطْلُوبَ أَنَّهُ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنْ حَلَفَ رَجَعَ الطَّالِبُ لِدَعْوَةٍ جَدِيدَةٍ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الطَّالِبُ وَثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَفْهُومُ شَهَادَتِهِ أَنَّ إخْبَارَ الْقَاضِي عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِكَذَا يُقْبَلُ قَبْلَ عَزْلِهِ لَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ إخْبَارَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ حَكَمَ بِكَذَا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ لِتَقَدُّمِ دَعْوَى لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لَا قَبْلَ الْعَزْلِ وَلَا بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَامِ وَالْخِطَابِ بِأَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إخْبَارَهُ دَعْوَى قَبْلَ الْعَزْلِ لَا بَعْدَهُ فَإِنْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو بِحَقٍّ عِنْدَ قَاضِي مِصْرَ مَثَلًا وَإِنَّ قَاضِيَ الْجِيزَةِ حَكَمَ لَهُ بِذَلِكَ الْحَقِّ فَسَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَحَضَرَ قَاضِي الْجِيزَةِ لِمِصْرِ وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِيهَا بِأَنَّهُ قَضَى، أَوْ حَكَمَ بِكَذَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَانَ قَاضِي الْجِيزَةِ إذْ ذَاكَ مَعْزُولًا، أَوْ غَيْرَ مَعْزُولٍ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ قَاضِي الْجِيزَةِ أَرْسَلَ لِقَاضِي مِصْرَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ قَضَى بِكَذَا، أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُشَافَهَةً قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ التَّدَاعِي عِنْدَهُ أَيْ عِنْدَ قَاضِي مِصْرَ قَبْلَ ذَلِكَ الْإِخْبَارِ مِنْ قَاضِي الْجِيزَةِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَعْزُولٍ لَا إنْ كَانَ مَعْزُولًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حِينَئِذٍ قَضَيْت بِكَذَا إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ وَإِقْرَارُ الشَّخْصِ إنَّمَا يُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْعَزْلِ أَيْضًا) أَيْ وَلَوْ انْضَمَّ لَهُ شَخْصٌ آخَرُ فِي الشَّهَادَةِ.
(قَوْلُهُ: يَسْتَقِلُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَاحِيَةٍ يَحْكُمُ فِيهَا إلَخْ) الْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا إنَّمَا مَعْنَى الِاسْتِقْلَالِ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ نُفُوذُ حُكْمِهِ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ كَمَا سَيَقُولُ، وَحَاصِلُ مَا أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ تَوْلِيَةُ قُضَاةٍ مُتَعَدِّدِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ مُسْتَقِلٌّ - أَيْ لَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُهُ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ - عَامٌّ حُكْمُهُ فِي جَمِيعِ النَّوَاحِي بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، أَوْ بِبَعْضِهَا، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا تَوْلِيَةُ مُتَعَدِّدِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ مُسْتَقِلٌّ لَكِنَّهُ خَاصٌّ بِنَاحِيَةٍ يَحْكُمُ فِيهَا بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ الْبَعْضُ كَذَا وَالْبَعْضُ كَذَا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ فَلَا يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَ قَاضِيَيْنِ هَذَا إذَا كَانَ التَّشْرِيكُ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ بَلْ وَلَوْ كَانَ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ بِحَيْثُ تَوَقَّفَ حُكْمُ كُلٍّ عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَكُونُ نِصْفَ حَاكِمٍ كَذَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَا قَالَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقُضَاةِ وَأَمَّا تَحْكِيمُ شَخْصَيْنِ فِي نَازِلَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَلَا أَظُنُّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِهِ وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ فِي تَحْكِيمِهِمَا أَبَا مُوسَى وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ.
(تَنْبِيهٌ) أَشْعَرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ تَعَدُّدِ الْقَاضِي بِمَنْعِ تَعَدُّدِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ
عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ أَيْ مُسْتَقِلٍّ عَامٍّ فِي النَّوَاحِي، أَوْ الْأَحْكَامِ، أَوْ خَاصٍّ (بِنَاحِيَةٍ) كَالْغَرْبِيَّةِ أَوْ الْمَنُوفِيَّةِ بِمِصْرَ (أَوْ نَوْعٍ) أَيْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ كَالْأَنْكِحَةِ، أَوْ الْبُيُوعِ أَوْ الْفَرَائِضِ.
(وَ) إذَا تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّفْعَ لِقَاضٍ وَأَرَادَ الْآخَرُ الرَّفْعَ لِقَاضٍ آخَرَ كَانَ (الْقَوْلُ لِلطَّالِبِ) وَهُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ دُونَ الْمَطْلُوبِ (ثُمَّ) إذَا لَمْ يَكُنْ طَالِبٌ مَعَ مَطْلُوبٍ بِأَنْ كَانَ كُلٌّ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ رُفِعَ إلَى (مَنْ) أَيْ قَاضٍ (سَبَقَ رَسُولُهُ) لِطَلَبِ الْإِتْيَانِ عِنْدَهُ (وَإِلَّا) يَسْبِقْ رَسُولُ قَاضٍ بَلْ اسْتَوَيَا فِي الْمَجِيءِ مَعَ دَعْوَى كُلٍّ أَنَّهُ الطَّالِبُ (أُقْرِعَ) لِلْقَاضِي الَّذِي يَذْهَبَانِ إلَيْهِ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ لِلذَّهَابِ لَهُ ذَهَبَا لَهُ (كَالِادِّعَاءِ) أَيْ كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الِادِّعَاءِ بَعْدَ إتْيَانِهِمَا لِلْقَاضِي الَّذِي أَقْرَعَا فِي الذَّهَابِ إلَيْهِ، أَوْ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَى الذَّهَابِ لَهُ، ثُمَّ تَنَازَعَا فِي تَقْدِيمِ الدَّعْوَى؛ إذْ الْمَوْضُوعُ أَنَّ كُلًّا طَالِبٌ وَسَيَأْتِي لَهُ مَا يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ، وَأُمِرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ، قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ وَإِلَّا فَالْجَالِبُ، وَإِلَّا أُقْرِعَ.
(وَ) جَازَ لِمُتَدَاعِيَيْنِ (تَحْكِيمُ) رَجُلٍ (غَيْرِ خَصْمٍ) مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ قَاضٍ لَهُ يُحَكِّمَانِهِ فِي النَّازِلَةِ بَيْنَهُمَا لَا تَحْكِيمُ خَصْمٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ (وَ) غَيْرِ (جَاهِلٍ وَكَافِرٍ) وَأَمَّا الْجَاهِلُ وَالْكَافِرُ فَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُهُمَا (وَغَيْرِ)
ــ
[حاشية الدسوقي]
تَبَاعَدَتْ الْأَقْطَارُ جِدًّا لِإِمْكَانِ النِّيَابَةِ وَقِيلَ بِالْجَوَازِ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ النِّيَابَةُ لِتَبَاعُدِ الْأَقْطَارِ جِدًّا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ. (قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ) أَيْ لَا بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى " تَعَدُّدُ " وَلَا بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى " مُسْتَقِلٍّ "؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ كُلٌّ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ وَاحِدًا وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ لَهُ وَيُطَالِبُ الْآخَرَ بِهِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ رُفِعَ إلَى مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ لِطَلَبِ الْإِتْيَانِ عِنْدَهُ) فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لِقَاضٍ وَذَهَبَ الْآخَرُ لِقَاضٍ آخَرَ فَأَرْسَلَ كُلُّ قَاضٍ عَوْنَهُ لِمَنْ لَمْ يَأْتِهِ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَالْحَقُّ بِهِ فِي إقَامَةِ الدَّعْوَى عِنْدَ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ لِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمُدَّعَى بِهِ وَكَانَ كُلٌّ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ يُطَالِبُ الْآخَرَ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَأَمَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ مُغَايِرٍ لِمَا يَدَّعِي بِهِ الْآخَرُ فَفِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ وَابْنِ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْقُضَاةِ فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ قَاضٍ وَفَرَغَ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْتَدِئُ بِالطَّلَبِ، أَوْ فِيمَنْ يَذْهَبَانِ إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ الْقَاضِيَيْنِ فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا لِقَاضٍ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: وَإِنْ ذَهَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِقَاضٍ فَالْمُعْتَبَرُ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ مِنْ الْقُضَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِسَبْقِ الطَّلَبِ عَلَى الْآخَرِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ طَالِبًا إنَّمَا يُعْتَبَرُ سَبْقُ الرَّسُولِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْتَدِئُ بِالطَّلَبِ وَفِيمَنْ يَذْهَبَانِ إلَيْهِ وَإِلَّا عُمِلَ بِقَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي الَّذِي يَدَّعِي عِنْدَهُ اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى لَيْسَ قَوْلَهُ: مُجَرَّدًا عَنْ مُصَدِّقٍ وَلَمْ يَجْلُبْ خَصْمَهُ. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي إلَخْ) حَاصِلُ مَا يَأْتِي أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُدَّعِي وَهُوَ مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ: عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الْمُدَّعِي بِأَنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَا الْمُدَّعِي قُدِّمَ الْجَالِبُ لِصَاحِبِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِرَسُولِ الْقَاضِي بِالْكَلَامِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا جَالِبًا - وَالْحَالُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدَّعِي أَنَّهُ الْمُدَّعِي - أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فِيمَنْ يَبْتَدِئُ بِالْكَلَامِ فَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ: إذْ الْمَوْضُوعُ أَنَّ كُلًّا يَدَّعِي أَنَّهُ طَالِبٌ لَصَحَّ قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي إلَخْ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَتَحْكِيمُ رَجُلٍ غَيْرِ خَصْمٍ) أَيْ تَحْكِيمُ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ مِنْهُمَا مُغَايِرٍ لِكُلٍّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَحْتَاجُ التَّحْكِيمُ لِشُهُودٍ تَشْهَدُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّهُمَا حَكَّمَاهُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ قَاضٍ لَهُ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُحَكَّمُ مُوَلًّى مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَكَأَنَّ الْحُكْمَ وَاقِعٌ مِنْ الْقَاضِي. (قَوْلُهُ: لَا تَحْكِيمُ خَصْمٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ حَكَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ خَصْمَهُ فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ، أَوْ عَلَيْهَا جَازَ تَحْكِيمُهُ ابْتِدَاءً وَمَضَى حُكْمُهُ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَكُنْ جَوْرًا وَقِيلَ يُكْرَهُ تَحْكِيمُهُ ابْتِدَاءً إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ هُوَ الْقَاضِيَ وَيَمْضِي حُكْمُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ إنْ كَانَ غَيْرَ جَوْرٍ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ هُوَ الْقَاضِيَ سَوَاءٌ كَانَ حُكْمُهُ جَوْرًا، أَوْ غَيْرَ جَوْرٍ وَالْأَوَّلُ نَقْلُ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ أَصْبَغَ وَالثَّالِثُ ظَاهِرُ قَوْلِ الْأَخَوَيْنِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ إذَا عَلِمْت هَذَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ " لَا تَحْكِيمُ خَصْمٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَنْفُذُ " لَا يُؤْخَذُ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ يُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ جَوْرًا فَيَكُونُ مَاشِيًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، أَوْ بِمَا إذَا كَانَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ الْجَارِيَ فِي تَحْكِيمِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ جَارٍ فِي تَحْكِيمِ الْأَجْنَبِيِّ فَقِيلَ بِجَوَازِهِ وَنُفُوذِ حُكْمِهِ وَقِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ وَعَدَمِ نُفُوذِ حُكْمِهِ فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ " غَيْرِ خَصْمٍ " وَيَقُولَ وَجَازَ تَحْكِيمُ غَيْرِ جَاهِلٍ وَكَافِرٍ إلَخْ وَيَكُونُ مَاشِيًا عَلَى مَا لِلَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ مِنْ الْجَوَازِ ابْتِدَاءً سَوَاءٌ كَانَ الْمُحَكَّمُ أَجْنَبِيًّا، أَوْ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ كَانَ قَاضِيًا أَمْ لَا اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: وَغَيْرِ)
(مُمَيِّزٍ) عَطْفٌ عَلَى " خَصْمٍ " كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فَالْمَعْنَى وَتَحْكِيمُ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَهُوَ الْمُمَيِّزُ؛ لِأَنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَجَازَ تَحْكِيمُ مُمَيِّزٍ وَأَتَى بِغَيْرِ هُنَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ عَلَى خَصْمٍ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَوْ قَالَ " وَتَحْكِيمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ عَالِمٍ مُمَيِّزٍ " لَكَانَ أَوْضَحَ وَيَخْرُجُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا سَيَذْكُرُهُ كَالْمَرْأَةِ.
وَجَوَازُ التَّحْكِيمِ إنَّمَا يَكُونُ (فِي مَالٍ وَجُرْحٍ) وَلَوْ عَظُمَ فَإِنْ حَكَّمَا خَصْمًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ كَافِرًا لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فَإِنْ حَكَمَ وَلَمْ يُصِبْ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ فَالْمُرَادُ بِالْخَصْمِ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ النَّقْلِ فَإِنْ سَأَلَ الْجَاهِلُ عَالِمًا فَأَرَاهُ وَجْهَ الْحَقِّ فَحَكَمَ بِهِ لَمْ يَكُنْ حُكْمَ جَاهِلٍ (لَا) فِي (حَدٍّ) مِنْ سَائِرِ الْحُدُودِ (وَ) لَا فِي (لِعَانٍ وَقَتْلٍ وَوَلَاءٍ) لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ (وَنَسَبٍ) كَذَلِكَ (وَ) لَا فِي (طَلَاقٍ وَعِتْقٍ) فَيَمْتَنِعُ التَّحْكِيمُ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِ الْخَصْمَيْنِ إمَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِمَّا لِآدَمِيٍّ كَمَا فِي اللِّعَانِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ النَّسَبِ وَأَمَّا الْحَدُّ وَالْقَتْلُ وَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ فَالْحَقُّ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ زَوَاجِرُ وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ وَلِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ بَائِنًا لَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهَا فِي الْعِصْمَةِ وَلَا يَجُوزُ رَدُّ الْعَبْدِ لِلرِّقِّ وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ.
(وَمَضَى) حُكْمُهُ فِي أَحَدِ هَذِهِ السَّبْعَةِ (إنْ حَكَمَ صَوَابًا) فَلَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ وَتَرَكَ هُنَا بَعْضَ مَسَائِلَ ذَكَرَهَا فِي الْحَجْرِ بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يُحَكَّمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْحُبْسِ الْمُعَقَّبِ وَأَمْرِ الْغَائِبِ وَمَالِ يَتِيمٍ إلَخْ وَزَادَ هُنَا الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَاللِّعَانَ.
(وَأُدِّبَ) أَيْ إذَا اسْتَوْفَى وَأَمَّا إذَا حَكَمَ وَلَمْ يَسْتَوْفِ مَا حَكَمَ بِهِ فَلَا أَدَبَ.
(وَفِي) صِحَّةِ حُكْمِ (صَبِيٍّ) مُمَيِّزٍ (وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ وَفَاسِقٍ) أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
ــ
[حاشية الدسوقي]
(مُمَيِّزٍ) يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ: قَبْلُ " وَجَاهِلٍ "؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ جَاهِلٍ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا فَلَوْ حَذَفَهُ كَانَ أَوْلَى اهـ بْن وَقَدْ يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ اللُّزُومَ لِجَوَازِ كَوْنِهِ مَعْتُوهًا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ) أَيْ عَطْفُ مُمَيِّزٍ عِنْدَ حَذْفِ " غَيْرِ " وَقَوْلُهُ: لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ عَطْفُهُ عَلَى خَصْمٍ أَيْ لِتَجْرِيَ الْمَعْطُوفَاتُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ. (قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ) أَيْ بِقَوْلِنَا " رَجُلٍ " الصَّبِيُّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَجَوَازُ التَّحْكِيمِ) أَيْ تَحْكِيمِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لِلْأَجْنَبِيِّ الْمُسْلِمِ الْعَالِمِ الْمُمَيِّزِ إنَّمَا يَكُونُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَجَرْحٍ) أَيْ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً وَقَوْلُهُ: وَلَوْ عَظُمَ أَيْ كَقَطْعِ يَدٍ، أَوْ رِجْلٍ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ) أَيْ وَلَوْ وَافَقَ الصَّوَابَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ وَقَدْ عَلِمْت النَّقْلَ فِيمَا إذَا حَكَّمَا خَصْمًا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ حَكَمَ وَلَمْ يُصِبْ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ) أَيْ فَإِذَا حَكَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَتَرَتَّبَ عَلَى حُكْمِهِ إتْلَافٌ فَإِنْ كَانَ لِعُضْوٍ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إتْلَافُ مَالٍ كَانَ الضَّمَانُ فِي مَالِهِ. (قَوْلُهُ: أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ) أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا خُصُومَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ كَمَا قَالَ عبق وخش. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي اللِّعَانِ. . . إلَخْ) أَيْ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِلْوَلَدِ بِقَطْعِ نَسَبِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْخَصْمَيْنِ - أَعْنِي الزَّوْجَيْنِ - وَكَذَلِكَ النَّسَبُ إذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْأَبِ وَرَجُلٍ آخَرَ فَالْأَبُ يَقُولُ إنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَيْسَ ابْنِي وَالرَّجُلُ الْآخَرُ يَقُولُ إنَّهُ ابْنُك أَمَّا لَوْ كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَلَدِ فَالْحَقُّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ الْحَقُّ فِيهِ لِآدَمِيٍّ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ إذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَرَجُلٍ آخَرَ فِي الشَّخْصِ الْمَعْتُوقِ بِأَنْ ادَّعَى كُلٌّ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَمَّا إذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْمَعْتُوقِ كَانَ الْحَقُّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحُدُودَ زَوَاجِرُ) أَرَادَ بِالْحُدُودِ مَا يَشْمَلُ الْقَتْلَ قِصَاصًا.
(قَوْلُهُ: فِي أَحَدِ هَذِهِ السَّبْعَةِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُحَكَّمَ إذَا حَكَمَ فِيمَا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجْرِ عَلَى هَذِهِ السَّبْعَةِ وَكَانَ حُكْمُهُ صَوَابًا أَنَّهُ لَا يَمْضِي وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ وَلَكِنَّ الَّذِي كَانَ يُقَرِّرُهُ شُيُوخُ عج أَنَّهُ يَمْضِي أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ نَقْلُ التَّوْضِيحِ كَمَا فِي بْن.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مُخْتَصًّا بِالْقُضَاةِ إذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَحَكَمَ فِيهِ الْمُحَكَّمُ وَكَانَ حُكْمُهُ صَوَابًا فَإِنَّهُ يَمْضِي وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْضُهُ وَأَمَّا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالسُّلْطَانِ كَالْإِقْطَاعَاتِ فَحُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِيهِ غَيْرُ مَاضٍ قَطْعًا. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ إلَخْ) نَصُّ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْحُبْسِ الْمُعَقَّبِ وَأَمْرِ الْغَائِبِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَحَدٍّ وَقِصَاصٍ وَمَالِ يَتِيمٍ الْقُضَاةُ، فَهَذِهِ عَشَرَةٌ، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بَعْضَهَا وَهُوَ الْحَدُّ وَالْقَتْلُ وَالنَّسَبُ وَالْوَلَاءُ وَزَادَ عَلَيْهَا هُنَا ثَلَاثَةً اللِّعَانَ وَالطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ فَجُمْلَةُ مَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْقَاضِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
(قَوْلُهُ: وَأُدِّبَ) أَيْ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ وَقَوْلُهُ: أَيْ إذَا اسْتَوْفَى أَيْ إذَا حَصَلَ الِاسْتِيفَاءُ لِمَا حَكَمَ بِهِ بِأَنْ قَتَلَ، أَوْ حَدَّ، أَوْ اقْتَصَّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَدَبَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا نَفَّذَ الْحُكْمَ أَمَّا إذَا حَكَمَ وَلَمْ يُنَفِّذْ مَا حَكَمَ بِهِ فَلَا أَدَبَ عَلَيْهِ بَلْ يُزْجَرُ أَيْ يُعَزَّرُ فَقَطْ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِقَتْلٍ فَعُفِيَ عَنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَدَبِهِ مُطْلَقًا اُنْظُرْ ح. (قَوْلُهُ: فَلَا أَدَبَ) أَيْ وَيُزْجَرُ وَيُعَزَّرُ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي صِحَّةِ حُكْمِ صَبِيٍّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَعَدَمِهَا كَمَا ذَكَرَ شَارِحُنَا وَهُوَ ظَاهِرُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْمَوَّاقِ وَأَمَّا تَحْكِيمُ مَنْ ذُكِرَ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ابْتِدَاءً اتِّفَاقًا وَلَيْسَتْ الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي صِحَّةِ التَّحْكِيمِ كَمَا فِي تت وعبق وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَصْبَغَ وَالثَّانِي لِمُطَرِّفٍ وَالثَّالِثُ لِأَشْهَبَ وَالرَّابِعُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ التَّحْكِيمِ وَعَدَمِهِ اُنْظُرْ بْن، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَفِي صَبِيٍّ إلَخْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ " أَقْوَالٌ
أَوَّلُهَا الصِّحَّةُ، ثَانِيهَا عَدَمُهَا (ثَالِثُهَا) الصِّحَّةُ (إلَّا) فِي تَحْكِيمِ (الصَّبِيِّ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ جَارَ (وَرَابِعُهَا) الصِّحَّةُ (إلَّا) فِي تَحْكِيمِ صَبِيٍّ (وَفَاسِقٍ) وَيَجُوزُ إبْقَاءُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنْ يُقَدَّرَ: وَفِي جَوَازِ تَحْكِيمِ صَبِيٍّ إلَخْ وَعَدَمِهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْجَوَازِ الصِّحَّةُ وَفِي عَدَمِهِ عَدَمُهَا.
(وَ) جَازَ لِلْقَاضِي (ضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ) عَنْ دَفْعِ الْحَقِّ بَعْدَ لُزُومِهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ فِي هَذِهِ الْإِذْنُ الصَّادِقُ بِالْوُجُوبِ.
(وَ) جَازَ (عَزْلُهُ) أَيْ الْقَاضِي أَيْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَهُ (لِمَصْلَحَةٍ) اقْتَضَتْ عَزْلَهُ لِكَوْنِ غَيْرِهِ أَقْوَى مِنْهُ، أَوْ أَحْكَمَ، أَوْ أَصْبَرَ أَوْ لِنَقْلِهِ لِبَلَدٍ آخَرَ (وَلَمْ يَنْبَغِ) عَزْلُهُ (إنْ شُهِرَ عَدْلًا) أَيْ بِالْعَدَالَةِ (بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ) أَيْ شَكْوَى بَلْ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ حَالِهِ فَالتَّجَرُّدُ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْكَشْفِ وَالنَّظَرِ وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُهُ صَادِقٌ بِمَا إذَا تَعَدَّدَتْ الشَّكْوَى وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَهَرْ بِالْعَدَالَةِ أَنْ يَعْزِلَهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكْوَى وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَلْيُبْرَأْ) أَيْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُبْرِئَهُ عَنْ الشَّيْنِ إنْ عَزَلَهُ (عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ) أَيْ جَرْحٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ مَصْلَحَةٍ كَكَوْنِ غَيْرِهِ أَعْلَمَ بِالْأَحْكَامِ وَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ لِسُخْطٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مُوجِبَ عَزْلِهِ لِئَلَّا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدُ.
(وَ) جَازَ لَهُ (خَفِيفُ)(تَعْزِيرٍ) شَأْنُهُ السَّلَامَةُ مِنْ النَّجِسِ (بِمَسْجِدٍ)(لَا حَدٌّ) فَلَا يَجُوزُ فِيهِ خَشْيَةَ خُرُوجِ نَجَاسَةٍ مِنْهُ يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ وَالْكَرَاهَةَ.
(وَجَلَسَ) نَدْبًا (بِهِ) أَيْ بِالْمَسْجِدِ أَيْ بِرِحَابِهِ لِيَصِلَ إلَيْهِ الْكَافِرُ وَالْحَائِضُ وَجُلُوسُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ يَكُونُ (بِغَيْرِ عِيدٍ وَقُدُومِ حَاجٍّ وَخُرُوجِهِ وَ) غَيْرِ وَقْتِ نُزُولِ (مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَيَوْمِ تَرْوِيَةٍ وَعَرَفَةَ وَلَيْلٍ.
ــ
[حاشية الدسوقي]
أَرْبَعَةٌ " كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: أَوَّلُهَا الصِّحَّةُ) أَيْ فِي الْأَرْبَعَةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ ثَانِيهَا عَدَمُهَا أَيْ فِي الْأَرْبَعَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ جَارِيَةٌ فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يُحَكَّمَ فِيهِ الْمُحَكَّمُ ابْتِدَاءً وَهُوَ الْمَالُ وَالْجَرْحُ وَفِيمَا يَمْضِي فِيهِ حُكْمُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَهِيَ الْأُمُورُ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا بِقَوْلِهِ لَا فِي حَدٍّ وَلِعَانٍ إلَخْ وَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجْرِ الْمَزِيدُ عَلَى مَا هُنَا وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ الْخِلَافِ فِي تَحْكِيمِ الْمُمَيِّزِ لَا يُنَافِي جَزْمَهُ فِيمَا مَرَّ بِجَوَازِ تَحْكِيمِهِ وَصِحَّةِ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ فِيمَا مَرَّ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَالِغِ احْتِرَازًا عَنْ بَالِغٍ بِهِ عَتَهٌ، أَوْ جُنُونٌ وَفِيمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ ضَرْبُ خَصْمٍ) أَيْ بِيَدِهِ أَوْ أَعْوَانِهِ وَقَوْلُهُ: لَدَّ عَنْ دَفْعِ الْحَقِّ أَيْ إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ اللَّدَدُ بِالْبَيِّنَةِ لَا إنْ عَلِمَ الْقَاضِي مِنْهُ ذَلِكَ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ وَسَلَّمَهُ ح وَهُوَ الْحَقُّ كَمَا لَبَن خِلَافًا لعبق تَبَعًا لتت مِنْ جَوَازِ ضَرْبِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ بَلْ اسْتِنَادًا لِعِلْمِهِ. (قَوْلُهُ: بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ) أَيْ فِي قَدْرِهِ. (قَوْلُهُ: الصَّادِقُ بِالْوُجُوبِ) أَيْ لِأَنَّ ضَرْبَهُ لِلْخَصْمِ إذَا لَدَّ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ كَمَا فِي الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ عَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ) أَيْ تَعُودُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً فِيهِ فَإِنْ عُزِلَ لَا لِمَصْلَحَةٍ فَالنَّقْلُ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ لَكِنْ بَحَثَ فِيهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: قُلْت: فِي عَدَمِ نُفُوذِ عَزْلِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى لَغْوِ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَعْطِيلِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْبَغِ) أَيْ لَمْ يَجُزْ كَمَا قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ. (قَوْلُهُ: أَيْ بِالْعَدَالَةِ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ عَدْلًا مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ أَيْ إنْ شُهِرَ كَوْنُهُ عَدْلًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ) أَيْ بِالشَّكْوَى الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ وَالنَّظَرِ فِي شَأْنِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الشِّكَايَةُ فِيهِ وَاحِدَةً، أَوْ مُتَعَدِّدَةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْكَشْفِ وَالْفَحْصِ عَنْ حَالِهِ فَإِنْ وَجَدَهُ عَدْلًا فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ أَبْقَاهُ وَإِنْ وَجَدَهُ مَسْخُوطًا فِي الْبَاطِنِ عَزَلَهُ. (قَوْلُهُ: أَنْ يَعْزِلَهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكْوَى) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ حَالِهِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ إنْ عَزَلَهُ لَا بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ؛ إذْ يَصِيرُ مَعْنَاهُ يَبْرَأُ عَنْ الرِّضَا وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَزَلَهُ الْأَمِيرُ مِنْ غَيْرِ سُخْطٍ بِأَنْ عَزَلَهُ لِمَصْلَحَةٍ غَيْرِ الْجُرْحَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُبْرِئَهُ مِمَّا يَشِينُهُ بِأَنْ يُعْلِمَ النَّاسَ بِبَرَاءَتِهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا عَزَلَهُ لِمَصْلَحَةٍ وَيُشْهِرَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِمُنَادَاةٍ مَثَلًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَزْلَ مَظِنَّةُ تَطَرُّقِ الْكَلَامِ فِي الْمَعْزُولِ وَكَوْنُ الْعَزْلِ لِمَصْلَحَةٍ قَدْ يَخْفَى عَلَى النَّاسِ. (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدُ) أَيْ مَعَ أَنَّ الْمَعْزُولَ لِسُخْطٍ لَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ بَعْدُ وَلَوْ صَارَ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ.
(قَوْلُهُ: شَأْنُهُ السَّلَامَةُ مِنْ النَّجِسِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ دُونَ الْحَدِّ. (قَوْلُهُ: يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ وَالْكَرَاهَةَ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ إنْ ظَنَّ حُصُولَ دَمٍ أَوْ نَجَاسَةٍ حَرُمَ وَإِنْ شَكَّ فِي حُصُولِ ذَلِكَ كُرِهَ اهـ عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَجَلَسَ بِهِ) أَيْ لِسَمَاعِ الدَّعَاوَى وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ. (قَوْلُهُ: أَيْ بِرِحَابِهِ) أَيْ لَا فِيهِ فَيُكْرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ طَرِيقَتَيْنِ الْأُولَى لِمَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ: اسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ فِي الرِّحَابِ وَكَرَاهَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِيَةُ: اسْتِحْبَابُ جُلُوسِهِ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ وَهِيَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَالْأَمْرِ الْقَدِيمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] . وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْوَاضِحَةِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْمُرُورُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ صَرَفَهُ الشَّارِحُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ مَارًّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَرَّرَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ. (قَوْلُهُ: لِيَصِلَ إلَيْهِ الْكَافِرُ إلَخْ) أَيْ وَلِخَبَرِ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» . (قَوْلُهُ: وَغَيْرِ وَقْتِ نُزُولِ مَطَرٍ) أَيْ كَثِيرٍ
أَيْ فَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إلَّا لِضَرُورَةٍ اقْتَضَتْ جُلُوسَهُ فِيهَا كَمَا فِي مِصْرَ يَوْمَ خُرُوجِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ فَإِنَّ الْجَمَّالِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَإِذَا غَفَلَ عَنْهُمْ هَرَبُوا، أَوْ أَنْكَرُوا.
(وَ) جَازَ لَهُ (اتِّخَاذُ حَاجِبٍ وَبَوَّابٍ) عَدْلَيْنِ لِمَنْعِ دُخُولِ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ وَتَأْخِيرِ مَنْ جَاءَ بَعْدُ حَتَّى يَفْرُغَ السَّابِقُ مِنْ قَضِيَّتِهِ.
(وَبَدَأَ) الْقَاضِي أَوَّلَ وِلَايَتِهِ اسْتِحْبَابًا وَقِيلَ وُجُوبًا بَعْدَ النَّظَرِ فِي الشُّهُودِ لِيُبْقِيَ مَنْ كَانَ عَدْلًا وَيَطْرُدَ مَنْ كَانَ فَاسِقًا (بِمَحْبُوسٍ) أَيْ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ مِنْ إرْسَالٍ، أَوْ إبْقَاءٍ أَوْ تَحْلِيفٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ فِيمَا حُبِسَ فِيهِ (ثُمَّ) بِالنَّظَرِ فِي حَالِ (وَصِيٍّ) عَلَى يَتِيمٍ هَلْ هُوَ مُحْسِنٌ فِي تَرْبِيَتِهِ وَمَالِهِ أَمْ لَا (وَمَالِ طِفْلٍ) أَنَّهُ وَصِيٌّ أَمْ لَا (وَمُقَامٍ) أَيْ وَفِي حَالِ مُقَامٍ أَقَامَهُ عَلَى مَحْجُورٍ قَاضٍ قَبْلَهُ (ثُمَّ) فِي (ضَالٍّ) وَمِنْهُ اللُّقَطَةُ (وَنَادَى) أَيْ أَمَرَ أَنْ يُنَادَى فِي عَمَلِهِ (بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ) لَا وَصِيَّ لَهُمَا وَلَا مُقَامَ (وَرَفْعِ أَمْرِهِمَا إلَيْهِ) لِيَنْظُرَ فِي شَأْنِهِمَا وَيُوَلِّيَ عَلَيْهِمَا مَنْ يَصْلُحُ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ (فِي الْخُصُومِ) لِلْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ: وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ.
(وَرَتَّبَ كَاتِبًا) عِنْدَهُ يَكْتُبُ وَقَائِعَ الْخُصُومِ وُجُوبًا وَقِيلَ نَدْبًا (عَدْلًا شَرْطًا) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ تَرْتِيبَهُ شَرْطٌ (كَمُزَكٍّ) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ (وَاخْتَارَهُمَا) مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِحَيْثُ يَكُونَانِ أَعْدَلَ الْمَوْجُودِينَ وَالْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي هُنَا مُزَكِّي السِّرِّ الَّذِي يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِحَالِ الشُّهُودِ لَا مُزَكِّي الْبَيِّنَةِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: أَيْ فَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ) أَيْ لِلْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ يَعْنِي يَوْمَ الْعِيدِ وَمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَاِتِّخَاذُ حَاجِبٍ) هُوَ بَوَّابُ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ وَقَوْلُهُ وَبَوَّابٍ أَيْ مُلَازِمٍ لِبَابِ الْبَيْتِ الْبَرَانِيِّ وَقَوْلُهُ: لِمَنْعِ دُخُولِ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ هَذَا مِنْ وَظِيفَةِ الْبَوَّابِ الْمُلَازِمِ لِبَابِ الْبَيْتِ الْبَرَانِيِّ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلُهُ: وَتَأْخِيرِ مَنْ جَاءَ إلَخْ هَذَا مِنْ وَظِيفَةِ الْحَاجِبِ وَهُوَ بَوَّابُ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ الْقَاضِي فَهُوَ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: وَبَدَأَ الْقَاضِي أَوَّلَ وِلَايَتِهِ اسْتِحْبَابًا وَقِيلَ وُجُوبًا إلَخْ) الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَالِاسْتِحْبَابُ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمَازِرِيِّ اُنْظُرْ نَصَّهَا فِي بْن. (قَوْلُهُ: بَعْدَ النَّظَرِ فِي الشُّهُودِ) أَيْ الْمُلَازِمِينَ لَهُ لِأَجْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى حُكْمِهِ وَعَلَى إقْرَارِ الْخُصُومِ وَإِنْكَارِهِمْ عَلَى مَا يَدَّعُونَ بِهِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ النَّظَرِ إلَخْ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبَدَأَ بِمَحْبُوسٍ أَيْ بُدَاءَةً إضَافِيَّةً لَا حَقِيقِيَّةً. (قَوْلُهُ: أَيْ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانُوا مَحْبُوسِينَ فِي الدِّمَاءِ، أَوْ غَيْرِهَا وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ أَيْ بِالْمَحْبُوسِ فِي دَعَاوَى الدِّمَاءِ لِمَا ذَكَرُوا أَنَّهَا أَوَّلُ مَا يَقْضِي فِيهِ الْحَقُّ سبحانه وتعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (قَوْلُهُ: مِنْ إرْسَالٍ إلَخْ) بَيَانٌ لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي ضَالٍّ) أَيْ فِي مَالٍ ضَالٍّ أَيْ فَيَنْظُرُ هَلْ أَتَى رَبُّهُ أَمْ لَا فَيُرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ مِنْ إبْقَاءٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ صَرْفٍ فِي مَصَارِيفِ بَيْتِ الْمَالِ. (قَوْلُهُ: وَنَادَى بِمَنْعِ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالنِّدَاءِ فِي عَمَلِهِ أَنَّ كُلَّ يَتِيمٍ لَمْ يَبْلُغْ لَا وَصِيَّ لَهُ فَقَدْ حَجَرْت عَلَيْهِ وَكُلَّ سَفِيهٍ مُسْتَوْجِبٍ لِلْوِلَايَةِ فَقَدْ مَنَعْت النَّاسَ مِنْ مُدَايِنَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ وَكُلَّ مَنْ عَلِمَ مَكَانَ أَحَدٍ مِنْهُمَا فَلْيَرْفَعْهُ إلَيْنَا لِنُوَلِّيَ عَلَيْهِ فَمَنْ دَايَنَهُ، أَوْ بَاعَ مِنْهُ، أَوْ ابْتَاعَ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْمُنَادَاةِ انْكِفَافُ النَّاسِ عَنْهُمَا لَكِنْ فِي السَّفِيهِ تَمْضِي مُعَامَلَاتُهُ الْحَاصِلَةُ قَبْلَ النِّدَاءِ وَأَمَّا الْحَاصِلَةُ بَعْدَهُ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ وَأَمَّا الْيَتِيمُ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ قَبْلَ النِّدَاءِ وَبَعْدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ " وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ " مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ فِي خُصُوصِ السَّفِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ رُتْبَةَ الْمُنَادَاةِ فِي رُتْبَةِ النَّظَرِ فِي أَمْرِهِمَا فَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ النَّظَرِ فِي الْمَحْبُوسِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ التَّبْصِرَةِ وَحُكْمُ الْمُنَادَاةِ الْمَذْكُورَةِ النَّدْبُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَهْرَامَ وتت وَالْوُجُوبُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ التَّبْصِرَةِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ فِي الْخُصُومِ) هَذِهِ مَرْتَبَةٌ رَابِعَةٌ وَظَاهِرُهُ تَأْخِيرُ النَّظَرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مُسَافِرُونَ يَخْشَوْنَ فَوَاتَ الرُّفْقَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَالنَّظَرُ فِيمَا بَيْنَ الْخُصُومِ يَكُونُ فِي أَيِّ يَوْمٍ مَا عَدَا الْأَوْقَاتَ السَّابِقَةَ وَأَمَّا النِّدَاءُ وَمَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حِينَ التَّوْلِيَةِ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: يَكْتُبُ وَقَائِعَ الْخُصُومِ) أَيْ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا. (قَوْلُهُ: وُجُوبًا) أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ نَدْبًا وَهُوَ مَا فِي ح. (قَوْلُهُ: أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ شَرْطًا حَالٌ مِنْ الْعَدَالَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ عَدْلًا لَا مِنْ التَّرَتُّبِ الْمَفْهُومِ مِنْ رَتَّبَ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ تَرْتِيبَهُ شَرْطٌ) أَيْ فِي تَوْلِيَتِهِ، أَوْ فِي صِحَّةِ حُكْمِهِ. (قَوْلُهُ: الَّذِي يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِحَالِ الشُّهُودِ) أَيْ يُخْبِرُ الْقَاضِيَ سِرًّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِحَالِ شُهُودِهِ الْمُلَازِمِينَ لَهُ لِيَشْهَدُوا عَلَى أَحْكَامِهِ وَعَلَى إقْرَارِ الْخُصُومِ وَيَسْتَنِيبَهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ لِسَمَاعِ الدَّعَاوَى.
فَإِنْ قُلْت حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي هُنَا مُزَكِّيَ السِّرِّ فَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: فِيمَا مَرَّ وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وَحُكْمِهِ وَشُهُودِهِ.
قُلْت أَعَادَهُ لِإِفَادَةِ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ عَدْلًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ سَابِقًا وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ إلَخْ إلَى حُكْمِ تَرْتِيبِ
فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ وَلَا يُرَتَّبُ.
(وَالْمُتَرْجِمُ) الَّذِي يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِمَعْنَى لِسَانِ الْمُدَّعِي الَّذِي لَا يَفْهَمُهُ الْقَاضِي (مُخْبِرٌ) فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَاهِدٌ وَأَمَّا عَدَالَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا (كَالْمُحَلِّفِ) الَّذِي يَبْعَثُهُ الْقَاضِي لِتَحْلِيفِ الْخُصُومِ يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ وَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ أَيْضًا.
(وَأَحْضَرَ) الْقَاضِي وَلَوْ مُجْتَهِدًا (الْعُلَمَاءَ) نَدْبًا وَقِيلَ وُجُوبًا (أَوْ شَاوَرَهُمْ) إنْ لَمْ يُحْضِرْهُمْ وَفِي نُسْخَةٍ وَشَاوَرَهُمْ بِالْوَاوِ وَهَذَا فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي شَأْنُهَا تَدْقِيقُ النَّظَرِ فِيهَا وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الظَّاهِرَةُ فَلَا حَاجَةَ لَهُ بِإِحْضَارِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(وَ) أَحْضَرَ وُجُوبًا (شُهُودًا) لِيَحْفَظُوا الْإِقْرَارَاتِ الَّتِي تَقَعُ مِنْ الْخُصُومِ خَشْيَةَ جَحْدِ الْإِقْرَارِ وَأَيْضًا الْحُكْمُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالشُّهُودِ وَإِنَّمَا نَكَّرَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مَعَ التَّعْرِيفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ الْمُقَامِينَ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إحْضَارُ مُطْلَقِ شُهُودٍ.
(وَلَمْ يُفْتِ) يَعْنِي يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ (فِي خُصُومَةٍ) أَيْ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ كَالْبَيْعِ وَالشُّفْعَةِ وَالْجِنَايَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ يُؤَدِّي إلَى تَطَرُّقِ الْكَلَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَكَمَ بِمَا أَفْتَى رُبَّمَا قِيلَ حَكَمَ بِذَلِكَ لِتَأْيِيدِ فَتْوَاهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِخِلَافِهِ لِتَجْدِيدِ نَظَرٍ، أَوْ تَرْجِيحِ حُكْمٍ قِيلَ إنَّهُ حَكَمَ بِمَا لَمْ يُفْتِ بِهِ وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ مُزَوَّرًا.
(وَلَمْ يَشْتَرِ) ، أَوْ يَبِعْ شَيْئًا (بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ) أَيْ يُكْرَهُ خَوْفَ الْمُحَابَاةِ، أَوْ شَغْلِ الْبَالِ إلَّا أَنْ يَخِفَّ فِيمَا عُلِمَ ثَمَنُهُ فَيَجُوزَ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِغَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَقِيلَ يُكْرَهُ أَيْضًا
ــ
[حاشية الدسوقي]
مُزَكِّي السِّرِّ وَأَشَارَ هُنَا بِقَوْلِهِ كَمُزَكِّي إلَخْ إلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فَلَيْسَ مَا تَقَدَّمَ مُغْنِيًا عَمَّا هُنَا. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ) أَيْ بِخِلَافِ مُزَكِّي السِّرِّ فَإِنَّهُ يَكْفِي كَوْنُهُ وَاحِدًا.
(قَوْلُهُ: فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ) أَيْ ذَكَرٌ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَكْفِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا فِي عبق وخش مِنْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَقَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ هُوَ ابْنُ شَاسٍ لَكِنْ فِي ح أَنَّ مَحَلَّ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ إذَا جَاءَ الْخَصْمُ بِمَنْ يُتَرْجِمُ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِ ذَلِكَ الْمُتَرْجِمِ وَلَيْسَ هَذَا مُرَادَ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَنْ يَتَّخِذُهُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ مُتَرْجِمًا وَهَذَا يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ اتِّفَاقًا. (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ أَيْضًا) أَيْ وَذُكُورَتِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(قَوْلُهُ: وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُشَاوِرًا لَهُمْ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ وَقَوْلُهُ: أَوْ شَاوَرَهُمْ أَيْ إنْ لَمْ يُحْضِرْهُمْ أَيْ بِأَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ سَمَاعِهِمْ وَمِنْ الْحُكْمِ فِيهَا فَإِنْ وَافَقُوهُ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ وَإِنْ خَالَفُوهُ وَأَظْهَرُوا لَهُ فَسَادَ مَا حَكَمَ بِهِ نَقَضَهُ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ فَقِيلَ إنَّهُ يُحْضِرُهُمْ مُشَاوِرًا لَهُمْ كَفِعْلِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ كَانَ إذَا جَلَسَ أَحْضَرَ أَرْبَعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَإِنْ رَأَوْا مَا رَآهُ أَمْضَاهُ وَقِيلَ إنَّهُ يَسْتَشِيرُهُمْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَفِعْلِ عُمَرَ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَالثَّانِي قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ وَأُجِيبَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ أَوْ لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ لَا أَنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ اهـ بْن. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُجْتَهِدًا) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الظَّاهِرُ لَهُ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ غَيْرَ الظَّاهِرِ لَهُمْ فَإِذَا أَحْضَرَهُمْ وَتَكَلَّمُوا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا ظَهَرَ وَيَرْجِعَ عَنْ اجْتِهَادِهِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ وُجُوبًا) أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّوْضِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَأَحْضَرَ وُجُوبًا شُهُودًا) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوُجُوبِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُنْدَبُ إحْضَارُهُمْ. (قَوْلُهُ: وَأَيْضًا الْحُكْمُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالشُّهُودِ) فَفِي حَاشِيَةِ جَدّ عج مَا نَصُّهُ الَّذِي عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا سَمِعَ إقْرَارَ الْخَصْمِ لَا يَحْكُمُ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَيْهِ فَإِحْضَارُ الشُّهُودِ وَاجِبٌ اهـ بْن. (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مَعَ التَّعْرِيفِ) أَيْ مِنْ جَعْلِ " أَلْ " لِلْعَهْدِ.
(قَوْلُهُ: يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي خُصُومَةٍ) أَيْ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ الْعِبَادَاتِ وَالذَّبَائِحِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَكُلِّ مَا لَا يَدْخُلُهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فَلَا يُكْرَهُ إفْتَاؤُهُ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ صَرَّحَ بِهِ الْبُرْزُلِيُّ، وَظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَنْعُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْفَتْوَى فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْرِضَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكُوَرِ عَلَى يَدَيْ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُ عَنْهَا اهـ بْن قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ وَكَذَا إذَا عَلِمَ بِالْقَرَائِنِ أَنَّ قَصْدَ السَّائِلِ مُجَرَّدُ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ تَعَلُّمُ الْأَحْكَامِ فَلَا يُكْرَهُ لِلْقَاضِي إجَابَتُهُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ مَذْهَبُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، أَوْ مُقَلِّدًا وَلَيْسَ هُنَاكَ فَقِيهٌ مُقَلِّدٌ لِمَذْهَبِهِ أَمَّا لَوْ عُرِفَ مَذْهَبُهُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُقَلِّدًا وَكَانَ هُنَاكَ فَقِيهٌ مُقَلِّدٌ لِمَذْهَبِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي فَتْوَاهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ) أَيْ التَّخَاصُمُ بِالْفِعْلِ. (قَوْلُهُ: إلَى تَطَرُّقِ الْكَلَامِ فِيهِ) أَيْ فِي الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَشْتَرِ، أَوْ يَبِعْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِوَكِيلِهِ الْمَعْرُوفِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَقَوْلُهُ: أَيْ يُكْرَهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ وَكَلَامُ التَّوْضِيحِ يُؤْذِنُ بِالْمَنْعِ قَالَ ح وَيَنْبَغِي رَدُّ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ اهـ بْن. (قَوْلُهُ: كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِغَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) أَيْ كَمَا نَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَيُفِيدُهُ مَفْهُومُ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ شَغْلُ الْبَالِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُكْرَهُ أَيْضًا) وَهُوَ لِابْنِ شَاسٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ خَوْفُ الْمُحَابَاةِ لَا شَغْلُ الْبَالِ وَعَزَا بَهْرَامُ هَذَا الْقَوْلَ.
وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ " لَمْ " مَكَانَ " لَا " النَّافِيَةِ (كَسَلَفٍ وَقِرَاضٍ) مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْهُ لِغَيْرِهِ فِيهِمَا (وَإِبْضَاعٍ) أَيْ إعْطَائِهِ مَالًا لِمُسَافِرٍ لِيَجْلُبَ لَهُ بِهِ سِلْعَةً أَيْ يُكْرَهُ فِي الْجَمِيعِ.
(وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ) أَيْ طَعَامٍ يَجْتَمِعُ لَهُ النَّاسُ فَالْمُرَادُ الْوَلِيمَةُ اللُّغَوِيَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (إلَّا النِّكَاحَ) فَإِنَّهُ يَجِبُ بِشُرُوطِهِ.
(وَقَبُولُ هَدِيَّةٍ) أَيْ يَحْرُمُ قَبُولُهَا (وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا) بِأَكْثَرَ مِنْهَا لِمَيْلِ النُّفُوسِ لِلْمُهْدِي وَيَجُوزُ لِلْفَقِيهِ وَالْمُفْتِي قَبُولُهَا مِمَّنْ لَا يَرْجُو مِنْهُ جَاهًا وَلَا عَوْنًا عَلَى خَصْمٍ (إلَّا مِنْ) شَخْصٍ (قَرِيبٍ) لَا يَحْكُمُ لَهُ كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَأُمِّهِ وَخَالِهِ فَيَجُوزُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَكَذَا مَا قَبْلَهَا بِالْأَوْلَى (وَ) فِي جَوَازِ قَبُولِ (هَدِيَّةِ مَنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ) لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ جَوَازِهَا أَيْ الْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ.
(وَ) فِي (كَرَاهَةِ)(حُكْمِهِ فِي) حَالِ (مَشْيِهِ) أَيْ سَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا وَجَوَازِهِ قَوْلَانِ (أَوْ) حُكْمِهِ (مُتَّكِئًا) لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ - أَيْ مَظِنَّةِ ذَلِكَ - وَجَوَازِهِ قَوْلَانِ.
(وَ) فِي كَرَاهَةِ (إلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ) خُصُومَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ عَمَلِهِ وَغَيْرِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَفِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ خَرْقٌ لِمَا يَزْعُمُ تَحْرِيمَهُ وَجَوَازِهِ قَوْلَانِ.
(وَ) فِي كَرَاهَةِ (تَحْدِيثِهِ) جُلَسَاءَهُ بِمُبَاحٍ (بِمَجْلِسِهِ)(لِضَجَرٍ) نَزَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَجْلِسَ الْحُكْمِ يُصَانُ عَنْ الْحَدِيثِ فِيمَا لَا يَعْنِي وَجَوَازِهِ لِيُرَوِّحَ قَلْبَهُ وَيَرْجِعَ إلَيْهِ فَهْمُهُ قَوْلَانِ.
(وَ) فِي اشْتِرَاطِ (دَوَامِ الرِّضَا) مِنْ الْخَصْمَيْنِ (فِي التَّحْكِيمِ) أَيْ فِيمَا إذَا حَكَّمَا شَخْصًا فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ (لِلْحُكْمِ) أَيْ لِانْتِهَائِهِ أَيْ هَلْ يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ مِنْ الْمُحَكَّمِ دَوَامُ رِضَاهُمَا بِهِ حَتَّى يَحْكُمَ فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا.
ــ
[حاشية الدسوقي]
لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَيْضًا وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَا أَعْرِفُ وُجُودَ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْمَذْهَبِ لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ وَعَزَاهُ الْمَازِرِيُّ لِلشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ " لَمْ " مَكَانَ " لَا ") أَيْ لِأَنَّ الْفَقِيهَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَحْكَامِ الِاسْتِقْبَالِيَّة لَا الْمَاضِيَةِ. (قَوْلُهُ: كَسَلَفٍ) أَيْ كَمَا يُكْرَهُ سَلَفٌ وَقِرَاضٌ وَقَوْلُهُ: فِيهِمَا أَيْ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْهُ لِغَيْرِهِ) فِي بْن أَنَّ سَلَفَهُ مِنْ الْغَيْرِ ظَاهِرٌ كَرَاهَتُهُ وَأَمَّا سَلَفُهُ لِلْغَيْرِ فَذَكَرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ كَلَامُهُ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لعبق وخش خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُكْرَهُ فِي الْجَمِيعِ) أَيْ خَوْفَ الْمُحَابَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ) أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ فَقَطْ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ وَفِي ح عَنْ التَّوْضِيحِ كَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ الْإِجَابَةَ لِكُلِّ مَنْ دَعَاهُمْ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ بِشُرُوطِهِ) فِي ابْنِ مَرْزُوقٍ مَا يُفِيدُ أَنَّ الرَّاجِحَ جَوَازُ حُضُورِهِ لِوَلِيمَةِ النِّكَاحِ لَا وُجُوبُهُ وَرَجَّحَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ خش.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَحْرُمُ قَبُولُهَا) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَبُولَ الْقَاضِي لِلْهَدِيَّةِ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ سَاقَهُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَايَرَ تَعْبِيرَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْكَرَاهَةِ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ وَتَقَدَّمَ لَهُ الْمَنْعُ فِي فَصْلِ الْقَرْضِ فَلِذَا قَرَّرَهُ بِهِ شَارِحُنَا وَكَأَنَّهُ جَعَلَ " قَبُولُ هَدِيَّةٍ " فَاعِلًا لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَحَرُمَ قَبُولُ هَدِيَّةٍ وَجَعَلَهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لِلْفَقِيهِ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهَا مِنْ الْخَصْمَيْنِ مَا دَامَ الْخِصَامُ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا مَا قَبْلَهَا) أَيْ مِنْ السَّلَفِ وَمَا بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ بِالْأَوْلَى أَيْ لِأَنَّ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ حَرَامٌ وَمَا قَبْلَهُ مَكْرُوهٌ. (قَوْلُهُ: وَفِي جَوَازِ قَبُولِ هَدِيَّةٍ) أَيْ وَفِي جَوَازِ قَبُولِ الْقَاضِي لِهَدِيَّةٍ مِنْ شَخْصٍ مُعْتَادٍ بِالْإِهْدَاءِ إلَيْهِ قَبْلَ تَوَلِّيهِ لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ جَوَازِ قَبُولِهَا بَلْ يُكْرَهُ قَوْلَانِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ الْهَدِيَّةُ الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ بَعْدَ تَوَلِّي الْقَضَاءِ مِثْلَ الْمُعْتَادَةِ قَبْلَهُ قَدْرًا وَصِفَةً وَجِنْسًا لَا أَزْيَدَ وَإِلَّا حَرُمَ قَبُولُهَا اتِّفَاقًا وَالظَّاهِرُ حُرْمَةُ قَبُولِهَا كُلِّهَا لَا الزَّائِدَةِ فَقَطْ قِيَاسًا عَلَى صَفْقَةٍ جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا. (قَوْلُهُ: أَيْ الْكَرَاهَةِ) أَيْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَعْبِيرِ مُطَرِّفٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بِلَا يَنْبَغِي.
(قَوْلُهُ: فِي حَالِ مَشْيِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الِاسْتِخْفَافِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا) أَيْ بَلْ كَانَ رَاكِبًا وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ. (قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ) أَيْ بِالْحَاضِرِينَ وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ أَيْضًا كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَفِي كَرَاهَةِ إلْزَامِ يَهُودِيٍّ إلَخْ) أَيْ هَلْ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُمَكِّنَ الْمُسْلِمَ، أَوْ النَّصْرَانِيَّ مِنْ خِصَامِهِ لِيَهُودِيٍّ بِسَبْتِهِ وَأَنْ يَبْعَثَ لَهُ رَسُولًا لِأَجْلِ إحْضَارِهِ لِمُخَاصَمَتِهِ فِيهِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: فِي خُصُومَةٍ) أَيْ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ وَقَوْلُهُ: وَبَيْنَ مُسْلِمٍ أَيْ أَوْ نَصْرَانِيٍّ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ خَرْقٌ لِمَا يَزْعُمُ تَحْرِيمَهُ) أَيْ وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِمْ السَّبْتَ وَعَدَمِ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ. (قَوْلُهُ: وَجَوَازِهِ) أَيْ لِعَدَمِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ شَرْعًا، وَتَخْصِيصُ الْمُصَنِّفِ الْيَهُودِيَّ بِالذِّكْرِ مُخْرِجٌ لِلنَّصْرَانِيِّ فَلَا يُكْرَهُ إحْضَارُهُ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي أَحَدِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى لَا يُعَظِّمُونَ الْأَحَدَ كَتَعْظِيمِ الْيَهُودِ لِلسَّبْتِ وَسَوَّى ابْنُ عَاتٍ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لَكِنَّ تَسْوِيَةَ النَّصْرَانِيِّ بِالْيَهُودِيِّ إنَّمَا ذَكَرَهُ مِنْ عِنْدِهِ لَا نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ بِتَسْوِيَةِ النَّصْرَانِيِّ لِلْيَهُودِيِّ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَذْكُرْ النَّصْرَانِيَّ فِي مَوْضُوعِ الْقَوْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَجْلِسَ الْحُكْمِ يُصَانُ عَنْ الْحَدِيثِ فِيمَا لَا يَعْنِي) أَيْ وَلِمَا فِي حَدِيثِهِ بِمَا لَا يَعْنِي مِنْ إذْهَابِ مَهَابَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي اشْتِرَاطِ دَوَامِ الرِّضَا مِنْ الْخَصْمَيْنِ) أَيْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ ذَلِكَ الْمُحَكَّمُ
قَبْلَهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا رُجُوعٌ قَبْلَ الْحُكْمِ وَلَوْ رَجَعَ لَمْ يَنْفَعْهُ رُجُوعُهُ وَلَهُ بَتُّ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ (قَوْلَانِ) الرَّاجِحُ الثَّانِي وَأَمَّا لَوْ رَجَعَا مَعًا فَلَهُمَا ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ، وَلَا يَمْضِي إنْ حَكَمَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُ رِضَاهُمَا لِلْحُكْمِ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ دَخَلَا عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِمَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ نُصِبَ لِلْإِلْزَامِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِهِ.
(وَلَا يَحْكُمُ) الْحَاكِمُ أَيْ يُمْنَعُ وَقِيلَ يُكْرَهُ أَنْ يَحْكُمَ (مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنْ) تَمَامِ (الْفِكْرِ)(وَمَضَى) حُكْمُهُ إنْ حَكَمَ مَعَهُ وَكَانَ صَوَابًا وَأَمَّا حُكْمُهُ مَا يُدْهِشُ عَنْ أَصْلِ الْفِكْرِ فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا وَلَا يَمْضِي بَلْ يُتَعَقَّبُ وَمِثْلُهُ الْمُفْتِي وَالْمُدْهِشُ كَالْغَضَبِ وَالْخَوْفِ وَضِيقِ النَّفْسِ وَالْحَصْرِ وَالشَّغْلِ بِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ.
(وَعَزَّرَ) الْقَاضِي وُجُوبًا (شَاهِدَ زُورٍ) وَهُوَ مَنْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ صَادَفَ الْوَاقِعَ (فِي الْمَلَإِ) بِالْهَمْزِ مَقْصُورًا أَيْ الْجَمَاعَةِ مِنْ النَّاسِ بِالضَّرْبِ الْمُوجِعِ (بِنِدَاءٍ) أَيْ مَعَ نِدَاءٍ عَلَيْهِ وَالطَّوَافِ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَإِشْهَارِ أَمْرِهِ لِيَرْتَدِعَ هُوَ وَغَيْرُهُ (وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، أَوْ لِحْيَتَهُ وَلَا يُسَخِّمُهُ) أَيْ وَجْهَهُ بِنَحْوِ سَوَادٍ، أَوْ طِينٍ.
(ثُمَّ فِي)(قَبُولِهِ) إنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ (تَرَدُّدٌ) فِي النَّقْلِ وَالْحَقُّ عَدَمُ قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ مُحَصَّلَ التَّرَدُّدِ هَلْ لَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا، أَوْ فِيهِ قَوْلَانِ وَأَمَّا الْقَاضِي إذَا عُزِلَ بِجُنْحَةٍ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ صَارَ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ.
(وَإِنْ)(أَدَّبَ) الْقَاضِي (التَّائِبَ) أَيْ شَاهِدَ زُورٍ أَتَى تَائِبًا مُقِرًّا بِزُورِهِ قَبْلَ الثُّبُوتِ عَلَيْهِ (فَأَهْلٌ) أَيْ فَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّأْدِيبِ لَمْ يَفْعَلْ مُنْكَرًا
ــ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْقَاضِي) أَيْ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلَا عَلَى الْمُرَافَعَةِ لَهُ بِاخْتِيَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ مَنْ دُعِيَ لِلرَّفْعِ لَهُ يُجْبِرُ الْآخَرَ لِمُوَافَقَتِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَإِنَّهُ نَصَبَ إلَخْ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ أَيْ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِلْإِلْزَامِ وَقَطْعِ مَادَّةِ النِّزَاعِ وَالشَّارِعُ دَاعٍ لِذَلِكَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: دَخَلَا عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِمَا) أَيْ بِاخْتِيَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلِذَا جَرَى الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ دَوَامِ رِضَاهُمَا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُمْنَعُ) هَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَمَضَى "؛ إذْ لَا يُحْتَاجُ لِلنَّصِّ عَلَى مُضِيِّ الْمَكْرُوهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَقَوْلُهُ: أَيْ يُمْنَعُ أَيْ كَمَا فِي ح عَنْ أَبِي الْحَسَنِ وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ يُكْرَهُ أَيْ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ تت. (قَوْلُهُ: مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنْ تَمَامِ الْفِكْرِ) أَيْ مَا يُدْهِشُ الْعَقْلَ عَنْ تَمَامِ الْفِكْرِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَمْضِي) أَيْ مُطْلَقًا بَلْ إنْ كَانَ صَوَابًا مَضَى وَإِلَّا رُدَّ فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مَا يُدْهِشُ عَنْ أَصْلِ الْفِكْرِ إنَّمَا يُخَالِفُ مَا يُدْهِشُ عَنْ تَمَامِهِ فِي الِاتِّفَاقِ عَلَى الْمَنْعِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَأَمَّا الْحُكْمُ مَعَ كُلٍّ فَهُوَ مَاضٍ إنْ كَانَ صَوَابًا وَإِلَّا رُدَّ. (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الْمُفْتِي) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ مَعَ وُجُودِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ تَمَامِ فِكْرِهِ، أَوْ أَصْلِ فِكْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَضِيقِ النَّفْسِ) أَيْ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِاللَّقَسِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ. (قَوْلُهُ: وَالْحَصْرِ) أَيْ بِالْبَوْلِ وَمِثْلُهُ الْحَقْنُ بِالرِّيحِ. (قَوْلُهُ: وَالشَّغْلِ بِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ) أَيْ كَجُوعٍ شَدِيدٍ وَعَطَشٍ وَأَكْلٍ فَوْقَ الْكِفَايَةِ وَكَثْرَةِ ازْدِحَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ سَحْنُونٌ يَحْكُمُ فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ لَا يُدْخِلُ عَلَيْهِ بَوَّابُهُ إلَّا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ وَفِي ذَلِكَ فَائِدَتَانِ: السَّتْرُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ وَاسْتِجْمَاعُ الْفِكْرِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ) أَيْ شَهِدَ بِذَلِكَ عَمْدًا وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ لِشُبْهَةٍ فَلَا تَكُونُ شَهَادَتُهُ زُورًا اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: الْجَمَاعَةِ مِنْ النَّاسِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَشْرَافًا. (قَوْلُهُ: بِالضَّرْبِ الْمُوجِعِ) أَيْ وَيُرْجَعُ فِي قَدْرِهِ لِاجْتِهَادِ الْقَاضِي. (قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ نِدَاءٍ عَلَيْهِ) أَيْ أَنَّ هَذَا شَاهِدُ زُورٍ وَانْظُرْ هَلْ الْوُجُوبُ مُنْصَبٌّ عَلَى التَّعْزِيرِ وَالنِّدَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ مُنْصَبٌّ عَلَى خُصُوصِ التَّعْزِيرِ وَكَوْنِهِ فِي الْمَلَإِ، وَالنِّدَاءُ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ فَقَطْ اهـ عَدَوِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ) أَيْ يُكْرَهُ وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ مِنْ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَا يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ أَصْلًا، وَحَلْقُهَا عِنْدَهُمْ نَكَالٌ أَيْ تَعْيِيبٌ وَتَمْثِيلٌ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ لِحْيَتَهُ وَلَا يُسَخِّمُهُ) أَيْ يَحْرُمُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ هَاتَيْنِ وَكَذَا مَا يُفْعَلُ فِي الْأَفْرَاحِ بِمِصْرَ مِنْ تَسْخِيمِ الْوَجْهِ بِسَوَادٍ كَفَحْمٍ أَوْ دَقِيقٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ. (قَوْلُهُ: بِنَحْوِ سَوَادٍ) أَيْ كَدَقِيقٍ، أَوْ حِبْرٍ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي قَبُولِهِ) أَيْ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إذَا شَهِدَ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ كَانَ قَبْلَ التَّعْزِيرِ أَوْ بَعْدَهُ فَالتَّرَدُّدُ جَارٍ فِي الْحَالَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ. (قَوْلُهُ: تَرَدُّدٌ) أَيْ طَرِيقَتَانِ الْأُولَى طَرِيقَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ إنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلصَّلَاحِ حِينَ شَهِدَ بِالزُّورِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا أَيْ لِاحْتِمَالِ بَقَائِهِ عَلَى خَوْبَشَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُظْهِرٍ لِلصَّلَاحِ حِينَ شَهِدَ أَوَّلًا بِالزُّورِ فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَعَدَمِ قَبُولِهَا قَوْلَانِ وَالثَّانِيَةُ عَكْسُ هَذِهِ لِابْنِ رُشْدٍ فَقَالَ إنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلصَّلَاحِ حِينَ شَهَادَتِهِ أَوَّلًا بِالزُّورِ فَقَوْلَانِ فِي شَهَادَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُ حِينَ شَهِدَ أَوَّلًا بِالزُّورِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا قَالَ شَيْخُنَا نَقْلًا عَنْ تت وَطَرِيقَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنْسَبُ بِالْفِقْهِ وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَقْرَبُ لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ. (قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ عَدَمُ قَبُولِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حِينَ شَهَادَتِهِ أَوَّلًا بِالزُّورِ مُظْهِرًا لِلصَّلَاحِ، أَوْ لَا وَاَلَّذِي فِي المج أَنَّ الظَّاهِرَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ حَيْثُ تَابَ وَلَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لِلصَّلَاحِ حِينَ شَهَادَتِهِ أَوَّلًا وَأَمَّا إنْ كَانَ مُظْهِرًا لَهُ مِنْ قَبْلُ فَلَا تُقْبَلُ.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّأْدِيبِ) أَيْ فَالْقَاضِي أَهْلٌ لِلتَّأْدِيبِ أَيْ أَنَّهُ أَصَابَ فِي فِعْلِهِ وَوَضَعَ الشَّيْءَ فِي مَحَلِّهِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ
وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ.
(وَ) عَزَّرَ (مَنْ)(أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ) بِحَضْرَتِهِ كَأَنْ يَقُولَ لِخَصْمِهِ يَا فَاجِرُ، أَوْ أَنْتَ فَاجِرٌ ظَالِمٌ (أَوْ) مَنْ أَسَاءَ عَلَى (مُفْتٍ أَوْ شَاهِدٍ) وَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ فِي ذَلِكَ بَلْ يَسْتَنِدُ فِي ذَلِكَ لِعِلْمِهِ وَالْحَقُّ حِينَئِذٍ لِلَّهِ لِانْتَهَاكِ حُرْمَةِ الشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَرْكُهُ وَأَمَّا بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الثُّبُوتِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ (لَا بِ شَهِدْتَ) أَيْ لَا يُعَزِّرُهُ بِقَوْلِهِ لِلشَّاهِدِ شَهِدْتَ عَلَيَّ (بِبَاطِلٍ) بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِزُورٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْبَاطِلِ شَهَادَةُ الزُّورِ؛ إذْ الْبَاطِلُ أَعَمُّ مِنْ الزُّورِ لِأَنَّ الْبَاطِلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاقِعِ وَالزُّورَ بِالنِّسْبَةِ لِعِلْمِ الشَّاهِدِ فَقَدْ يَشْهَدُ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ وَيَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ قَضَاهُ، أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ، أَوْ أُحِيلَ عَلَيْهِ بِهِ، أَوْ عَفَا عَنْهُ وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى الشَّاهِدِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الزُّورِ فَإِنَّهَا تَعَمُّدُ الْإِخْبَارِ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ (كَلِخَصْمِهِ) أَيْ كَقَوْلِهِ لِخَصْمِهِ (كَذَبْتَ) عَلَيَّ، أَوْ ظَلَمْتَ أَوْ ظَلَمْتَنِي فَلَا يُؤَدَّبُ بِخِلَافِ يَا ظَالِمُ أَوْ يَا كَذَّابُ فَيُؤَدَّبُ.
(وَلْيُسَوِّ) وُجُوبًا (بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ لَهُمَا (وَإِنْ) كَانَ أَحَدُهُمَا (مُسْلِمًا) شَرِيفًا (وَ) الْآخَرُ (كَافِرًا) .
(وَقُدِّمَ) فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى (الْمُسَافِرُ) وُجُوبًا عَلَى الْحَاضِرِ وَلَوْ سَبَقَ الْحَاضِرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُسَافِرُ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ إلَّا لِضَرُورَةٍ (وَ) قُدِّمَ (مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ) لَوْ قُدِّمَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَلَوْ مُسَافِرًا لِضَرَرِ الْفَوَاتِ (ثُمَّ السَّابِقُ) إلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ (قَالَ) الْمَازِرِيُّ
ــ
[حاشية الدسوقي]
لِفِعْلِهِ أَمْرًا مَطْلُوبًا وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُؤَدِّبُ التَّائِبَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّبَهُ لَكَانَ ذَلِكَ وَسِيلَةً لِعَدَمِ تَوْبَتِهِمْ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَبِهِ الْعَمَلُ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَنَقَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ اهـ بْن وَفِيهِ أَنَّهُ يَتُوبُ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ عَلَى رَدِّ الظُّلَامَةِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا فَإِذَا رَدَّهَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ التَّأْدِيبِ فَيَكُونُ التَّأْدِيبُ مَرْجُوحَ الْفِعْلِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَقِيلَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ؛ إذْ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ أَسَاءَ عَلَى مُفْتٍ، أَوْ شَاهِدٍ) أَيْ بِحَضْرَتِهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ أَنْت قَدْ افْتَرَيْت عَلَيَّ فِي فَتْوَاك، أَوْ فِي شَهَادَتِك، أَوْ شَهِدْت عَلَيَّ بِالزُّورِ. (قَوْلُهُ: إلَى بَيِّنَةٍ فِي ذَلِكَ) أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ لِبَيِّنَةٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِسَاءَةِ، وَقَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْأَرْبَعَ وَهِيَ تَأْدِيبُ الْقَاضِي لِمَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى خَصْمِهِ، أَوْ عَلَى الشَّاهِدِ، أَوْ عَلَى الْمُفْتِي بِمَجْلِسِهِ - مُسْتَنِدًا لِعِلْمِهِ - تُزَادُ عَلَى قَوْلِهِمْ: لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِدَ لِعِلْمِهِ إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَفِي التَّجْرِيحِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ، أَوْ عَلَى الْمُفْتِي، أَوْ عَلَى الشَّاهِدِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْقَاضِي. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِزُورٍ) أَيْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِلشَّاهِدِ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُعَزِّرُهُ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي الْمَوَّاقِ مَا نَصَّهُ ابْنُ كِنَانَةَ: إنْ قَالَ لَهُ شَهِدْتَ عَلَيَّ بِزُورٍ فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِبَاطِلٍ لَمْ يُعَاقَبْ وَإِنْ قَصَدَ أَذَاهُ وَإِشْهَارَهُ بِأَنَّهُ مُزَوِّرٌ نُكِّلَ بِقَدْرِ حَالِ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ اهـ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: فِيمَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَهُ إلَّا لِقَرِينَةٍ تُكَذِّبُهُ اهـ عبق. (قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاقِعِ) أَيْ بِأَنْ شَهِدَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ خِلَافُ الْوَاقِعِ، أَوْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَالزُّورَ بِالنِّسْبَةِ لِعِلْمِ الشَّاهِدِ) أَيْ بِأَنْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ كَانَ مَا شَهِدَ بِهِ مُوَافِقًا لِلْوَاقِعِ، أَوْ خِلَافَ الْوَاقِعِ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ فَإِذَا شَهِدَ بِمَا هُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ كَانَ بَاطِلًا وَزُورًا وَإِذَا شَهِدَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا لَا زُورًا وَإِذَا شَهِدَ بِمَا هُوَ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ زُورًا لَا بَاطِلًا. (قَوْلُهُ: فَقَدْ يَشْهَدُ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ) أَيْ كَدَيْنٍ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو. (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ قَضَاهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ الشَّاهِدُ أَنَّهُ قَضَاهُ فَتِلْكَ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ لَا زُورٌ. (قَوْلُهُ: كَذَبْت عَلَيَّ) أَيْ فِيمَا ادَّعَيْته وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ هَذَا - أَعْنِي قَوْلَهُ لِخَصْمِهِ أَنْتَ كَذَبْت أَوْ ظَلَمْتنِي وَمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِلشَّاهِدِ: أَنْتَ شَهِدْت عَلَيَّ بِبَاطِلٍ - مِنْ انْتِهَاكِ مَجْلِسِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا تَعَلُّقًا بِالْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بُطْلَانٌ وَكَذِبٌ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْخُصُومَةِ لَا أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُهُ فِي ذَاتِهِ بِخِلَافِ الْإِسَاءَةِ بِنَحْوِ يَا ظَالِمُ، أَوْ يَا فَاجِرُ فَإِنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْخُصُومَةِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ صِفَتَهُ كَذَا فِي ذَاتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلْيُسَوِّ) أَيْ الْقَاضِي وُجُوبًا أَخْذًا مِنْ لَامِ الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا) أَيْ هَذَا إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ بَلْ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَقَوْلُهُ: وَإِنْ مُسْلِمًا هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِأَنْ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ حَكَى قَوْلًا بِجَوَازِ رَفْعِ الْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ وَنَسَبَهُ فِي التَّوْضِيحِ لِمَالِكٍ وَحِينَئِذٍ فَالْمَحَلُّ لِلَوْ لَا لِإِنْ اهـ بْن وَقَدْ أَجَابُوا عَنْ مِثْلِ هَذَا بِأَنَّ اصْطِلَاحَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِلَوْ كَانَتْ إشَارَةً لِلْخِلَافِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ خِلَافٌ أَنْ يَسِيرَ لَهُ بِلَوْ.
(قَوْلُهُ: وَقُدِّمَ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى الْمُسَافِرُ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَدَاعَى عِنْدَ الْقَاضِي مُسَافِرُونَ وَغَيْرُهُمْ وَتَنَازَعُوا فِي التَّقْدِيمِ لِلدَّعْوَى قُدِّمَ الْمُسَافِرُ عَلَى الْحَاضِرِ وَقَوْلُهُ: وُجُوبًا أَيْ وَقِيلَ نَدْبًا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَبَقَ الْحَاضِرُ) أَيْ لِمَجْلِسِ الْقَاضِي بِأَنْ أَتَى إلَيْهِ قَبْلَ إتْيَانِ الْمُسَافِرِ وَقَوْلُهُ: إلَّا لِضَرُورَةٍ أَيْ إلَّا كَانَ يَحْصُلُ لِلْمُقِيمِ ضَرَرٌ بِسَبَبِ تَقْدِيمِ الْمُسَافِرِ عَلَيْهِ وَإِلَّا قُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُقِيمُ فَإِنْ حَصَلَ لِكُلٍّ ضَرَرٌ بِسَبَبِ تَقْدِيمِ الْآخَرِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ) أَيْ وَمُدَّعِي مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَذَلِكَ كَمُدَّعِي نِكَاحٍ اسْتَحَقَّ فَسْخًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَخِيفَ إنْ.
مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ (وَإِنْ) كَانَ السَّابِقُ مُلْتَبِسًا (بِحَقَّيْنِ) أَوْ أَكْثَرَ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ بِكُلِّ حُقُوقِهِ (بِلَا طُولٍ) فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا طُولٌ يَضُرُّ بِالْمُتَأَخِّرِ قُدِّمَ بِأَحَدِهِمَا وَأُخِّرَ الثَّانِي عَمَّنْ يَلِيهِ (ثُمَّ) إذَا لَمْ يَكُنْ مُسَافِرٌ وَلَا سَابِقٌ بِأَنْ جَاءُوا مَعًا أَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمْ وَجُهِلَ وَادَّعَى كُلٌّ السَّبْقَ وَلَا مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ بِالتَّقْدِيمِ قُدِّمَ (وَيَنْبَغِي) لِلْقَاضِي (أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ) وَلَوْ كَانَتْ خُصُومَتُهُنَّ مَعَ رِجَالٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُنَّ (كَالْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ) تَشْبِيهٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَيُقَدِّمُ كُلٌّ مِنْهُمَا: الْمُسَافِرَ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقُ، ثُمَّ أُقْرِعَ وَكَذَا الْمُقْرِئُ إلَّا لِمُهِمٍّ وَكَذَا أَرْبَابُ الْحِرَفِ كَالْخَبَّازِ.
(وَأُمِرَ)(مُدَّعٍ) نَائِبُ فَاعِلِ " أُمِرَ " أَيْ يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالْكَلَامِ أَوَّلًا وَالْمُدَّعِي هُوَ مَنْ (تَجَرَّدَ قَوْلُهُ) حَالَ الدَّعْوَى (عَنْ مُصَدِّقٍ) مِنْ أَصْلٍ، أَوْ مَعْهُودٍ عُرْفًا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ هَذَيْنِ حِينَ الدَّعْوَى وَلِذَا طَلَبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ لِيُصَدَّقَ وَأَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَهُوَ مَنْ تَمَسَّكَ بِأَصْلٍ، أَوْ عُرْفٍ وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْعَدَمُ وَقَوْلُهُ (بِالْكَلَامِ) أَيْ الدَّعْوَى مُتَعَلِّقٌ بِ أُمِرَ (وَإِلَّا) يُعْلَمْ الْمُدَّعِي بِأَنْ قَالَ كُلٌّ أَنَا الْمُدَّعِي
ــ
[حاشية الدسوقي]
أُخِّرَ النَّظَرُ فِيهِ يَحْصُلُ دُخُولٌ وَمُدَّعِي طَعَامٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ وَعَطْفُ هَذَا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فَمُدَّعِي مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي مُسَافِرًا، أَوْ غَيْرَ مُسَافِرٍ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَلَوْ مُسَافِرًا الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَوْ غَيْرَ مُسَافِرٍ وَيَكُونُ مُبَالَغَةً فِي مُدَّعِي مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ وَأَمَّا جَعْلُهُ مُبَالَغَةً فِي الْغَيْرِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ مُدَّعِي مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَعَطْفُ الْمُصَنِّفِ مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ بِالْوَاوِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَعَ الْمُسَافِرِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَحِينَئِذٍ فَيُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَشَدَّ ضَرَرًا مِنْهُمَا فَإِنْ تَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا. (قَوْلُهُ: مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ هَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّابِقَ إذَا كَانَ يَدَّعِي بِحَقَّيْنِ فَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ بِحَقَّيْهِ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا طُولٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ يُقَدَّمُ بِأَحَدِ الْحَقَّيْنِ وَيُؤَخَّرُ الْحَقُّ الثَّانِي عَنْ جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ وَاخْتَارَ الْمَازِرِيُّ الْأَوَّلَ إذَا عَلِمْت هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْأَوْلَى لَلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ السَّابِقُ وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ عَلَى الْمَقُولِ هَكَذَا بِصِيغَةِ الِاسْمِ لِاخْتِيَارِ الْمَازِرِيِّ لَهُ مِنْ خِلَافٍ لَكِنَّ كَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُ الْمُصَنِّفُ قَالَ لِمُجَرَّدِ النِّسْبَةِ كَمَا فِي: قَالَ وَهُوَ الْأَشْبَهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ مُلْتَبِسًا بِحَقَّيْنِ) الْأَوْضَحُ وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى السَّابِقِ بِحَقَّيْنِ وَدَعْوَى الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ بِحَقٍّ وَاحِدٍ إذَا كَانَ لَا طُولَ فِيهِمَا. (قَوْلُهُ: قُدِّمَ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ فِيهِ طُولٌ. (قَوْلُهُ: وَأُخِّرَ الثَّانِي عَمَّنْ يَلِيهِ) صَوَابُهُ عَنْ جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ النَّوَادِرِ اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ الْقَاضِي بِرِقَاعٍ بِعَدَدِهِمْ وَيَأْمُرَ أَحَدَهُمْ بِأَخْذِ رُقْعَةٍ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ أَوَّلًا قُدِّمَ وَهَكَذَا. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا، أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ) أَيْ اللَّاتِي يَخْرُجْنَ لَا الْمُخَدَّرَاتِ اللَّاتِي يُمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ كَلَامِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ يُوَكِّلْنَ، أَوْ يَبْعَثُ الْقَاضِي لَهُنَّ فِي مَنْزِلِهِنَّ وَاحِدًا مِنْ طَرَفِهِ يَسْمَعُ دَعْوَاهُنَّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ خُصُومَتُهُنَّ إلَخْ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَتْ خُصُومَتُهُنَّ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بَلْ وَكَانَتْ إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمُقْرِئُ) أَيْ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ يُقَدَّمُ الْمُسَافِرُ، ثُمَّ الْأَسْبَقُ، ثُمَّ أُقْرِعَ. (قَوْلُهُ: إلَّا لِمُهِمٍّ) بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَكْثَرَ قَابِلِيَّةً فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِتَحْصِيلِ كَثْرَةِ الْمَنَافِعِ عَلَى قِلَّتِهَا. (قَوْلُهُ: كَالْخَبَّازِ) أَيْ وَالطَّحَّانِ فَيُقَدَّمُ الْمُسَافِرُ ثُمَّ الْأَسْبَقُ، ثُمَّ أُقْرِعَ هَذَا كَلَامُهُ وَاَلَّذِي فِي ابْنِ غَازِيٍّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِ وَاَلَّذِي فِي الْمَوَّاقِ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ أَنَّ أَرْبَابَ الصَّنَائِعِ إنْ كَانَ بَيْنَهُمْ عُرْفٌ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا قُدِّمَ الْآكَدُ فَالْآكَدُ بِجُوعِ أَهْلٍ، أَوْ خَوْفِ فَسَادٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالْكَلَامِ أَوَّلًا) يَعْنِي وُجُوبًا وَذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا مُدَّعٍ بِأَنْ يَسْمَعَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ يَتَخَاصَمَانِ فَعَلِمَ بِهِ، أَوْ دَخَلَا عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى تَكَلَّمَا فَعَلِمَ بِهِ أَوْ قَالَ لَهُمَا مَا شَأْنُكُمَا، أَوْ مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا مُدَّعٍ وَوَافَقَهُ خَصْمُهُ عَلَى ذَلِكَ فَعُلِمَ الْجَوَابُ عَمَّا أُورِدَ هُنَا مِنْ الدَّوْرِ وَهُوَ أَنَّ أَمْرَهُ بِالْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَلَامِهِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَأْمُورَ بِهِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا الْمُرَادُ بِهِ الدَّعْوَى، وَالْكَلَامَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا غَيْرُ الدَّعْوَى مِثْلُ تَخَاصُمِهِمَا، أَوْ جَوَابِهِ إذَا سَأَلَهُمَا مَا شَأْنُكُمَا. (قَوْلُهُ: مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ حَالَ الدَّعْوَى إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ تَعْرِيفَ الْمُدَّعِي بِمَا ذُكِرَ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ مَنْ صَحِبَ دَعْوَاهُ بَيِّنَةٌ إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ: عَنْ مُصَدِّقٍ لِوُجُودِ الْمُصَدِّقِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ التَّجَرُّدُ حَالَ الدَّعْوَى فَهَذَا يُسَمَّى مُدَّعِيًا بِاعْتِبَارِ حَالِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالْبَيِّنَةِ، وَقَدْ يُدْفَعُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ أَيْضًا بِتَفْسِيرِ الْمُصَدِّقِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ إنَّ التَّجَرُّدَ عَنْ مُصَدِّقٍ خَاصٍّ لَا يُنَافِي مُصَاحَبَةَ مُصَدِّقٍ غَيْرِهِ أَعْنِي الْبَيِّنَةَ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَصْلٍ أَوْ مَعْهُودٍ) فَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَنْتَ عَبْدِي فَهُوَ مُدَّعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَجَرَّدَ عَنْ الْأَصْلِ وَعَنْ الْمَعْهُودِ عُرْفًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ وَكَذَا مَنْ قَالَ فُلَانٌ لَمْ يَرُدَّ لِي الْوَدِيعَةَ مُدَّعٍ لِتَجَرُّدِ قَوْلِهِ عَنْ الْمَعْهُودِ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ تَصْدِيقُ الْأَمِينِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْعَدَمُ) فَمَنْ قَالَ: لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفٌ مِنْ بَيْعٍ مَثَلًا فَهُوَ مُدَّعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا حِينَ دَعْوَاهُ
(فَالْجَالِبُ) لِصَاحِبِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِرَسُولِ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْكَلَامِ ابْتِدَاءً (وَإِلَّا) يَكُنْ أَحَدُهُمَا جَالِبًا (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا، وَإِذَا أُمِرَ بِالْكَلَامِ (فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ) نَحْوُ لِي عَلَيْهِ دِينَارٌ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَاحْتَرَزَ بِالْمَعْلُومِ مِنْ الْمَجْهُولِ نَحْوِ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ لَا أَعْلَمُهُ وَبِالْمُحَقَّقِ مِنْ غَيْرِهِ نَحْوِ لِي عَلَيْهِ دِينَارٌ فِي ظَنِّي، أَوْ وَهْمِي فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهَذَا فِي غَيْرِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ كَأَنْ يَتَّهِمَ إنْسَانًا بِسَرِقَةِ شَيْئِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ فَرَّطَ فِيهِ فَتُسْمَعَ وَيَتَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ.
(قَالَ) الْمَازِرِيُّ (وَكَذَا) تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إنْ ادَّعَى بِمَجْهُولٍ وَبَيَّنَ السَّبَبَ نَحْوُ لِي عَلَيْهِ (شَيْءٌ) مِنْ بَقِيَّةِ مُعَامَلَةٍ مَثَلًا وَلَكِنْ لَمْ أَعْلَمْ قَدْرَهُ فَيُلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ بِشَيْءٍ مُحَقَّقٍ، أَوْ بِالْإِنْكَارِ وَيُحَلَّفُ.
(وَإِلَّا) يَدَّعِ بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ بِأَنْ ادَّعَى بِمَجْهُولٍ أَوْ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ (لَمْ تُسْمَعْ) دَعْوَاهُ (كَ أَظُنُّ) أَنَّ لِي عَلَيْهِ شَيْئًا، أَوْ أَنَّ لِي عَلَيْهِ دِينَارًا، وَإِنْ بَيَّنَ السَّبَبَ خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ، ثُمَّ إذَا ادَّعَى بِمُحَقَّقٍ مَعْلُومٍ، أَوْ مَجْهُولٍ عَلَى قَوْلِ الْمَازِرِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ (وَكَفَاهُ) فِي بَيَانِ السَّبَبِ (بِعْت وَتَزَوَّجْت) مَثَلًا وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الصِّحَّةَ (وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ) حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ بِأَنْ يَقُولَ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ سَلَفٍ أَوْ قِرَاضٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ مِنْ نِكَاحٍ، أَوْ نَفَقَةٍ (وَإِلَّا) يُبَيِّنْ الْمُدَّعِي السَّبَبَ (فَلْيَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْ السَّبَبِ) وُجُوبًا فَإِنْ غَفَلَ فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْهُ فَإِنْ قَالَ لَا عِلْمَ عِنْدِي بِهِ، أَوْ لَا أُبَيِّنُهُ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ فَلَا يُطَالَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَوَابٍ كَمَا يَأْتِي (ثُمَّ) بَعْدَ بَيَانِ السَّبَبِ أَمَرَ الْقَاضِي (مُدَّعًى عَلَيْهِ) وَهُوَ مَنْ (تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ) شَرْعِيٍّ كَالْأَمَانَةِ فَإِنَّهُ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْأَمِينَ مُصَدَّقٌ فِي قَوْلِهِ كَالْمُودَعِ بِالْفَتْحِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ (أَوْ أَصْلٍ) كَالْمَدِينِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدَّيْنِ.
ــ
[حاشية الدسوقي]
مُجَرَّدٌ عَنْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْعَدَمُ. (قَوْلُهُ: فَالْجَالِبُ لِصَاحِبِهِ) أَيْ فَاَلَّذِي جَلَبَ صَاحِبَهُ لِمَجْلِسِ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَكُنْ أَحَدُهُمَا جَالِبًا) أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَعْلَمْ الْمُدَّعِيَ بِأَنْ قَالَ كُلٌّ: أَنَا الْمُدَّعِي. (قَوْلُهُ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ فِي الِادِّعَاءِ أَوْ لَا. (قَوْلُهُ: فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِعِلْمِ الْمُدَّعِي بِهِ تَصَوُّرُهُ أَيْ تَمَيُّزُهُ فِي ذِهْنِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْقَاضِي وَأَمَّا تَحَقُّقُهُ فَهُوَ رَاجِعٌ لِجَزْمِ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ أَيْ لِذَلِكَ الْمُدَّعَى بِهِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلتَّصْدِيقِ فَلِأَجْلِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِهِ وَتَمَيُّزِهِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِأَنَّ لِي عَلَيْهِ شَيْئًا أَتَحَقَّقُهُ لَكِنْ لَا أَعْلَمُ ذَاتَهُ وَلِاشْتِرَاطِ التَّحَقُّقِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِ أَشُكُّ، أَوْ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْهِ دِينَارًا مَثَلًا. (قَوْلُهُ: مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ) بَيَانٌ لِلسَّبَبِ.
(قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِالْمَعْلُومِ عَنْ الْمَجْهُولِ) أَيْ عَمَّا إذَا ادَّعَى بِمَجْهُولٍ كُلِّيٍّ " عَلَيْهِ شَيْءٌ أَتَحَقَّقُهُ وَلَكِنْ لَا أَدْرِي عَيْنَهُ فَلَا " يُسْمَعُ دَعْوَاهُ سَوَاءٌ بَيَّنَ السَّبَبَ أَوْ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ مِنْ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى بِمَجْهُولٍ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ كَمَا مَرَّ فِي الْمِثَالِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَإِنْ بَيَّنَ السَّبَبَ أُمِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ إمَّا بِتَعْيِيبِهِ، أَوْ بِالْإِنْكَارِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَبِالْمُحَقَّقِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ) أَيْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْمُدَّعَى بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا فِي غَيْرِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ وَأَمَّا إذَا قَالَ: أَتَّهِمُهُ بِسَرِقَةِ دِينَارٍ مَثَلًا فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُسْمَعُ كَذَا قَالَ الشَّارِحُ وَفِيهِ أَنَّ دَعْوَى الِاتِّهَامِ تَرْجِعُ لِلشَّكِّ وَالظَّنِّ فَيَلْزَمُ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ اشْتِرَاطُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ كَأَنَّهُ قَالَ فَيَدَّعِي بِمُحَقَّقٍ مَعْلُومٍ لَا بِمَشْكُوكٍ، أَوْ مَظْنُونٍ إلَّا إنْ كَانَ مَشْكُوكًا، أَوْ مَظْنُونًا وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فَالْحَقُّ أَنَّ مَا هُنَا وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا لَا مَشْكُوكًا وَلَا مَظْنُونًا وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ، وَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ - مِنْ سَمَاعِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ الْمُفِيدِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُدَّعَى بِهِ مُحَقَّقًا - طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ تَوَجُّهُ يَمِينِ التُّهْمَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَدَمُ تَوَجُّهِهَا وَالْمُعْتَمَدُ مَا يَأْتِي كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ وَنَحْوُهُ فِي بْن.
(قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ بِشَيْءٍ مُحَقَّقٍ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ دَفَعْت لَك كَذَا وَكَذَا وَبَقِيَ لَك كَذَا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَدَّعِ بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ إلَخْ) يُشِيرُ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا إلَخْ مُخْرَجٌ مِنْ الْقَيْدَيْنِ قَبْلَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخْرَجٌ مِنْ الْقَيْدِ الثَّانِي فَقَطْ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ كَ أَظُنُّ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ) أَيْ الْقَائِلِ إنَّهُ إذَا ادَّعَى بِمَعْلُومٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ وَبَيَّنَ السَّبَبَ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ. (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ) أَيْ سَبَبِ مَا ادَّعَى بِهِ وَقَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ أَيْ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى. (قَوْلُهُ: وَكَفَاهُ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ يَكْفِي فِي بَيَانِ السَّبَبِ أَنْ يَقُولَ: لِي عَلَيْهِ مِائَةٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ مِنْ نِكَاحٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ مِنْ بَيْعٍ صَحِيحٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ صَحِيحٍ، أَوْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَقَوْلُهُ: بِعْت أَيْ وَلِي عِنْدَهُ ثَمَنُهُ وَتَزَوَّجْت أَيْ وَلِي عِنْدَ الزَّوْجِ الصَّدَاقُ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ غَفَلَ) أَيْ الْقَاضِي عَنْ سُؤَالِ الْمُدَّعِي عَنْ السَّبَبِ. (قَوْلُهُ: فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْهُ) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ إذَا بَيَّنَ سَبَبَهُ. (قَوْلُهُ: بِمَعْهُودٍ شَرْعِيٍّ) أَيْ بِأَمْرٍ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ، وَقَوْلُهُ: كَالْأَمَانَةِ أَيْ كَتَصْدِيقِ ذِي الْأَمَانَةِ وَهَذَا مِثَالٌ لِلْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ. (قَوْلُهُ: كَالْمُودَعِ بِالْفَتْحِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ) مِثَالٌ لِمَنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: بِمَعْهُودٍ شَرْعِيٍّ فَمَنْ قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ، أَوْ مَالَ الْقِرَاضِ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ لِتَرَجُّحِ قَوْلِهِ بِالْمَعْهُودِ شَرْعًا وَهُوَ تَصْدِيقُ الْأَمِينِ. (قَوْلُهُ: كَالْمَدِينِ) مِثَالٌ لِمَنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ:
وَكَمُدَّعٍ أَنَّهُ حُرٌّ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ فَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ بِخِلَافِ مُدَّعٍ أَنَّهُ عَتَقَ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ اسْتَلْزَمَتْ الْإِقْرَارَ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ الرِّقُّ فَيَكُونُ مُدَّعِيًا فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ كَرَبِّ الدَّيْنِ، وَسَيِّدُهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ كَالْمَدِينِ وَقَوْلُهُ (بِجَوَابِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِ أُمِرَ أَيْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ يُجِيبَ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ فَإِنْ أَقَرَّ، وَإِلَّا طَلَبَ الْحَاكِمُ مِنْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فَإِنْ أَقَامَهَا فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ (إنْ) أَثْبَتَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ (خَالَطَهُ بِدَيْنٍ) وَلَوْ مَرَّةً أَيْ أَنَّ بَيْنَهُمَا خُلْطَةً (أَوْ تَكَرَّرَ بَيْعٌ) بِالنَّقْدِ الْحَالِّ (وَإِنْ) كَانَ ثُبُوتُ الْخُلْطَةِ (بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ) لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْخُلْطَةِ اللَّطْخُ وَهُوَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ أُنْثَى (لَا بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ) أَيْ جَرَّحَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَدَاوَةٍ وَنَحْوِهَا حِينَ شَهِدَتْ بِأَصْلِ الدَّيْنِ وَلَا تَكُونُ كَالْمَرْأَةِ فِي ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ فَتُوجِبُ تَوَجُّهَ الْيَمِينِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ خَالَطَهُ شَرْطٌ فِي مُقَدَّرٍ فُهِمَ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ لَا فِي الْأَمْرِ بِالْجَوَابِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرُنَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ إلَخْ لِيَكُونَ ظَاهِرًا فِي الْمُرَادِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ ثُبُوتُ خُلْطَةٍ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ اشْتِرَاطِ الْخُلْطَةِ لِتَوَجُّهِ الْيَمِينِ ثَمَانِ مَسَائِلَ تَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ بِقَوْلِهِ (إلَّا)(الصَّانِعَ) يُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا لَهُ فِيهِ صَنْعَةٌ فَيُحَلَّفُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ؛ لِأَنَّ نَصْبَ نَفْسِهِ لِلنَّاسِ فِي مَعْنَى الْخُلْطَةِ وَمِثْلُهُ التَّاجِرُ يَنْصِبُ نَفْسَهُ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
(وَالْمُتَّهَمَ) بَيْنَ النَّاسِ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ، أَوْ غَصْبٍ فَيُحَلَّفُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ وَفِي مَجْهُولِ الْحَالِ قَوْلَانِ تَقَدَّمَا فِي الْغَصْبِ.
(وَ) إلَّا (الضَّيْفَ) يَدَّعِي أَوْ
ــ
[حاشية الدسوقي]
بِأَصْلٍ فَمَنْ قَالَ حِينَ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ كَذَا: إنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيَّ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدَّيْنِ. (قَوْلُهُ: وَكَمُدَّعٍ أَنَّهُ حُرٌّ) وَالْحَالُ أَنَّ شَخْصًا يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ فَمُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي النَّاسِ شَرْعًا وَإِنَّمَا طَرَأَ لَهُمْ الرِّقُّ هُوَ السَّبْيُ بِشَرْطِ الْكُفْرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ السَّبْيِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ مُدَّعِي الرَّقَبَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ رَقِيقٌ فَصَارَ الرِّقُّ مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ فَدَعْوَى مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ نَاقِلَةٌ عَنْ الْأَصْلِ فَتَحْتَاجُ لِبَيِّنَةٍ فَإِنْ أَقَامَهَا فَبِهَا وَنَعِمَتْ وَإِلَّا بَقِيَ فِي الرِّقِّ. (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ) أَيْ لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مُدَّعٍ أَنَّهُ عَتَقَ) أَيْ فَإِنَّهُ مُدَّعٍ لِخِلَافِ الْأَصْلِ. (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ مُدَّعِيًا) أَيْ لِمُخَالَفَتِهِ فِي دَعْوَاهُ لِلْأَصْلِ وَقَوْلُهُ: كَرَبِّ الدَّيْنِ أَيْ فَإِنَّهُ مُدَّعٍ لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ. (قَوْلُهُ: وَسَيِّدُهُ) أَيْ سَيِّدُ الْعَبْدِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ عَتَقَ وَقَوْلُهُ كَالْمَدِينِ أَيْ كَمَا أَنَّ الْمَدِينَ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُوَافِقٌ فِي دَعْوَاهُ لِلْأَصْلِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ مُوَافِقَةً لِلْأَصْلِ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْإِثْبَاتِ، وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إذَا ادَّعَى مَلَاءَ الْمَدِينِ وَادَّعَى الْمَدِينُ الْعُسْرَ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِإِثْبَاتِهِ بِبَيِّنَةٍ مَعَ أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْعُسْرُ.
قُلْت قَدْ تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ؛ لِأَنَّ الْعُسْرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ لَكِنَّ الْغَالِبَ الْمَلَاءُ وَمِنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ غَالِبٌ فَلَمَّا تَعَارَضَا هُنَا صَارَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ الْغَالِبَ. (قَوْلُهُ: إنْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ خَالَطَهُ إلَخْ) إنَّمَا يُحْتَاجُ لِإِثْبَاتِ الْخُلْطَةِ إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي عَامَلَهُ أَصْلًا، وَقَوْلُهُ: إنْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ أَيْ مُتَرَتِّبٍ عَلَى بَيْعٍ لِأَجَلٍ أَوْ حَالٍّ، أَوْ قَرْضٍ وَلَوْ مَرَّةً بِأَنْ تَقُولَ الْبَيِّنَةُ نَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَضَهُ، أَوْ بَاعَ لَهُ سِلْعَةَ كَذَا بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ وَلَا نَعْرِفُ قَدْرَ الثَّمَنِ، أَوْ الْقَرْضِ وَلَا نَعْلَمُ بَقَاءَهُ. (قَوْلُهُ: اللَّطْخُ) أَيْ حُصُولُ الظَّنِّ بِثُبُوتِ الْمُدَّعَى بِهِ. (قَوْلُهُ: لَا بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ) أَيْ لَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ. (قَوْلُهُ: حِينَ شَهِدَتْ) أَيْ لِلْمُدَّعِي بِأَصْلِ الدَّيْنِ الَّذِي ادَّعَى بِهِ. (قَوْلُهُ: شَرْطٌ فِي مُقَدَّرٍ) أَيْ وَالتَّقْدِيرُ وَأُمِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِعُرْفٍ أَوْ أَصْلٍ بِجَوَابِهِ فَإِنْ أَجَابَ بِالْإِقْرَارِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ أَجَابَ بِالْإِنْكَارِ فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أُخِذَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ إلَخْ. (قَوْلُهُ: فُهِمَ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ) هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَلِذَا قِيلَ لَعَلَّ نَاسِخَ الْمُبْيَضَّةِ قَدَّمَهُ عَلَى مَحَلِّهِ. (قَوْلُهُ: لَا فِي الْأَمْرِ بِالْجَوَابِ) أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ بَلْ يَأْمُرُهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ. (قَوْلُهُ: أَنْ يَقْرُنَهُ) أَيْ أَنْ يَقْرُنَ قَوْلَهُ إنْ خَالَطَهُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لِيَكُونَ ظَاهِرًا فِي الْمُرَادِ) أَيْ لِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَهُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ إلَخْ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَصَاحِبِ الْمَبْسُوطِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ قَوْلُ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ لِجَرَيَانِ الْعَمَلِ بِهِ وَمَعْلُومٌ أَنْ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ إنْ خَالَفَهُ.
(قَوْلُهُ: تَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الثَّمَانِيَةَ يَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْخُلْطَةُ اتِّفَاقًا وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا عَدَاهَا. (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ التَّاجِرُ إلَخْ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ غَرِيبٌ، أَوْ بَلَدِيٌّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ وَأَمَّا دَعْوَى أَهْلِ السُّوقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَسَحْنُونٌ لَا تَكُونُ الْخُلْطَةُ حَتَّى يَقَعَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا مُجَرَّدُ اجْتِمَاعِهِمَا فِي السُّوقِ فَلَا يَكْفِي فِي إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ سَحْنُونٌ وَكَذَا الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ وَالدَّرْسِ وَالْحَدِيثِ فَلَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالضَّيْفَ) هُوَ لُغَةً مَنْ نَزَلَ عَلَيْك، أَوْ أَنْزَلْته لِلْغِذَاءِ سَوَاءٌ كَانَ غَرِيبًا أَمْ لَا وَالْمُرَادُ.
يُدَّعَى عَلَيْهِ (وَ) إلَّا الدَّعْوَى (فِي) شَيْءٍ (مُعَيَّنٍ) كَثَوْبٍ بِعَيْنِهِ (وَ) إلَّا (الْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا) بِأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مِمَّنْ يَمْلِكُ تِلْكَ الْوَدِيعَةَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُودَعُ عِنْدَهُ مِثْلُهَا وَأَنْ يَكُونَ الْحَالُ يَقْتَضِي الْإِيدَاعَ كَالسَّفَرِ وَالْغُرْبَةِ (وَ) إلَّا (الْمُسَافِرَ) يَدَّعِي (عَلَى) بَعْضِ (رُفْقَتِهِ) بِشَيْءٍ مِنْ وَدِيعَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا (وَ) إلَّا (دَعْوَى مَرِيضٍ) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَدَّعِي عَلَى غَيْرِهِ بِدَيْنٍ (أَوْ) دَعْوَى (بَائِعٍ عَلَى) شَخْصٍ (حَاضِرٍ الْمُزَايَدَةَ) أَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَتَهُ بِكَذَا، وَالْحَاضِرُ يُنْكِرُ الشِّرَاءَ فَتَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ.
وَإِذَا أَمَرَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ (فَإِنْ أَقَرَّ فَلَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ) خَوْفَ جُحُودِهِ بَعْدُ.
(وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ) أَيْ الْمُدَّعَى (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الْحَاكِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْخَامِ وَقَطْعِ النِّزَاعِ بَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ ذَلِكَ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ أَجَابَ بِالْإِنْكَارِ (قَالَ) الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي (أَلَك بَيِّنَةٌ) فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا وَأَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا يَأْتِي.
(فَإِنْ نَفَاهَا) بِأَنْ قَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي (وَاسْتَحْلَفَهُ) أَيْ طَلَبَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ وَحَلَفَ (فَلَا بَيِّنَةَ) تُقْبَلُ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ (إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ) حِينَ تَحْلِيفِهِ خَصْمَهُ وَحَلَفَ أَنَّهُ نَسِيَهَا، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا، ثُمَّ عَلِمَ وَكَذَا إذَا ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَشْهَدُ لَهُ، أَوْ أَنَّهَا مَاتَتْ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ شَرَطَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي عَدَمَ الْقِيَامِ بِبَيِّنَةٍ يَدَّعِي نِسْيَانَهَا، أَوْ عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا وَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ (أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا) هَذَا فِي حَيِّزِ الِاسْتِثْنَاءِ فَيُفِيدُ أَنَّهُ وَجَدَهُ بَعْدَ مَا اسْتَحْلَفَهُ وَحَلَفَ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا إذَا قَامَ بِهِ عُذْرٌ، أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَجَدَ ثَانِيًا أَنَّ الْحَلِفَ لِرَدِّ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ إمَّا لِكَوْنِ الْحَاكِمِ لَا يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ مُطْلَقًا، أَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَقَالَ الْمُدَّعِي: لَيْسَ لِي غَيْرُ هَذَا فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
بِهِ هُنَا خُصُوصُ الْغَرِيبِ سَوَاءٌ ضَافَ أَيْ نَزَلَ بِنَفْسِهِ فِي مَنْزِلِك لِأَجْلِ الْغِذَاءِ، أَوْ أَنْزَلْته أَنْتَ أَمْ لَا بِأَنْ نَزَلَ فِي مَسْجِدٍ مَثَلًا فَجَلَسْت عِنْدَهُ فَادَّعَيْت عَلَيْهِ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْك، أَوْ ادَّعَى عَلَيْك أَخْذَ شَيْءٍ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَفِي مُعَيَّنٍ) الْمُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ تَهْلِكْ عَيْنُهُ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا مُشَاهَدًا أَمْ لَا لَا خُصُوصُ الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ وَذَلِكَ كَأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الْجُوخَةَ الَّتِي كُنْت لَابِسًا لَهَا بِالْأَمْسِ جُوخَتِي، أَوْ الدَّابَّةَ الَّتِي عِنْدَك دَابَّتِي. (قَوْلُهُ: وَالْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا) اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا يُحَلَّفُ فِيهَا إلَّا الْمُتَّهَمُ وَأَهْلُ الْوَدِيعَةِ لَيْسُوا مُتَّهَمِينَ اهـ بْن وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ دَعْوَى أَنَّهُ أُودِعَ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ كَأَنْ تَدَّعِيَ عَلَى إنْسَانٍ بِأَنَّك أَوْدَعْته كَذَا وَهُوَ يُنْكِرُ فَيُحَلَّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدُونِ ثُبُوتِ خُلْطَةٍ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهَا لَا دَعْوَى الرَّدِّ أَوْ الضَّيَاعِ كَمَا فَهِمَ ابْنُ عَاشِرٍ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا الْمُسَافِرَ) أَيْ الْمَرِيضَ كَمَا فِي نَصِّ أَصْبَغَ سَوَاءٌ كَانَ مَرَضُهُ مَخُوفًا أَمْ لَا. (قَوْلُهُ: يَدَّعِي عَلَى بَعْضِ رُفْقَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ وَدِيعَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا) أَيْ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَتْلَفَ لَهُ مَالًا فِي السَّفَرِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا دَعْوَى مَرِيضٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) اعْلَمْ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَرَضِ هُنَا وَالْمَرَضِ الْمُقَيَّدِ بِهِ الْمُسَافِرُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَالْمَرَضُ هُنَا مَخُوفٌ وَمَرَضُ الْمُسَافِرِ مُطْلَقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكْرَارَ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: عَلَى شَخْصٍ حَاضِرِ الْمُزَايَدَةَ) أَيْ فِي سِلْعَتِهِ الَّتِي تَسَوَّقَ بِهَا وَلَا مَفْهُومَ لِبَائِعٍ بَلْ كَذَلِكَ دَعْوَى مُشْتَرٍ عَلَى بَائِعٍ أَنَّهُ بَاعَ لَهُ وَأَنْكَرَ الْبَيْعَ فَيُحَلَّفُ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْخُلْطَةُ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَى حَاضِرٍ الْمُزَايَدَةَ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى بَائِعٌ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَسَوُّقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمُنْكِرِ بِيَمِينِهِ كَمَا قَالَ بْن.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَقَرَّ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الَّذِي اُدُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ فَلَهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَاكِمِ ذَلِكَ أَيْ التَّنْبِيهُ الْمَذْكُورُ وَهَذَا إضْرَابٌ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ مِنْ تَخْيِيرِ الْحَاكِمِ فِي التَّنْبِيهِ، ثُمَّ إنَّ طَلَبَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ.
(قَوْلُهُ: أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا) أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينًا عَلَى صِحَّتِهَا. (قَوْلُهُ: وَأَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ قَطَعَ عُذْرَهُ فِيهَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ أَلَك مَطْعَنٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَحْلَفَهُ) أَشْعَرَ إتْيَانُهُ بِالسِّينِ الْمُفِيدَةِ لِلطَّلَبِ أَنَّ الْيَمِينَ الْمُعْتَدَّ بِهَا فِي مَقَامِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُسْقِطَةَ لِلْبَيِّنَاتِ هُوَ الْيَمِينُ الْمَطْلُوبُ وَأَنَّهُ لَوْ حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِغَيْرِ طَلَبِ خَصْمِهِ لَمْ تُفِدْهُ يَمِينُهُ وَلِخَصْمِهِ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَيْهِ ثَانِيًا وَلَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ إذَا وَجَدَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي ابْنِ غَازِيٍّ وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ. (قَوْلُهُ: وَحَلَفَ) أَيْ يَمِينًا وَاحِدَةً سَوَاءٌ كَانَ مَا ادَّعَى بِهِ الْمُدَّعِي شَيْئًا وَاحِدًا، أَوْ كَانَ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً فَالْيَمِينُ الْوَاحِدَةُ كَافِيَةٌ فِي إسْقَاطِ الْخُصُومَاتِ وَفِي مَنْعِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مُتَعَدِّدًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. (قَوْلُهُ: فَلَا بَيِّنَةَ تُقْبَلُ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي وَحَلَفَ وَأَخَذَ الْحَقَّ ثُمَّ وَجَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْقَضَاءِ فَإِنَّ لَهُ الْقِيَامَ بِهَا وَالرُّجُوعَ بِمَا دَفَعَهُ ثَانِيًا. (قَوْلُهُ: إلَّا لِعُذْرٍ) أَيْ فِي نَفْيِهِ لَهَا وَاسْتِحْلَافِهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: كَنِسْيَانٍ) أَيْ لِلْبَيِّنَةِ. (قَوْلُهُ: عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا) أَيْ أَصْلًا وَذَلِكَ لِأَنَّ النِّسْيَانَ فَرْعُ تَقَدُّمِ الْعِلْمِ. (قَوْلُهُ: فَيُفِيدُ أَنَّهُ) أَيْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ وَجَدَ الشَّاهِدَ الثَّانِيَ بَعْدَ مَا اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ طَلَبَ حَلِفَهُ وَحَلَفَ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا. (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَخْ) أَيْ، أَوْ كَانَ الْحَاكِمُ يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فِي الْأَمْوَالِ كَالْمَالِكِيِّ لَكِنْ
ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهُ وَيَضُمَّهُ لِلْأَوَّلِ.
(أَوْ) عَدَمَ قَبُولِ شَهَادَةِ شَاهِدٍ (مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ) أَيْ الْيَمِينَ الْحَاكِمُ (الْأَوَّلُ) أَيْ لَمْ يَرَ الْحُكْمَ لِلشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي مَذْهَبِهِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فِيمَا يُقْضَى فِيهِ عِنْدَنَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَهِيَ الْأَمْوَالُ وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا عِنْدَ حَاكِمٍ لَا يَرَى ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَاسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ أَيْ طَلَبَ الْمُقِيمُ يَمِينَهُ وَحَلَفَ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ الشَّاهِدَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لِعَزْلِ الْأَوَّلِ أَوْ مَوْتِهِ، أَوْ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، أَوْ كَانَ بِقُطْرٍ آخَرَ وَيَحْلِفُ مَعَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ بِذَلِكَ حَقَّهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ حَلِفِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَالْحُكْمِ لَهُ بِعَدَمِ دَفْعِهِ لِلْمُدَّعِي وَهَذَا كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ " وَرَفَعَ الْخِلَافَ ".
(وَ) لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِحَقٍّ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْت قَدْ حَلَّفْتَنِي عَلَيْهِ سَابِقًا وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَهُ يَمِينُهُ) أَيْ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي (أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا) أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ أَيْ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا حَلَّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ فَإِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا غَرِمَ، وَإِنْ نَكَلَ فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَقَدْ حَلَّفَهُ سَابِقًا وَيَسْقُطُ الْحَقُّ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً وَبَرِئَ وَلَهُ رَدُّهَا عَلَى الْمُدَّعِي.
(قَالَ) الْمَازِرِيُّ (وَكَذَا) لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي (أَنَّهُ عَالِمٌ) حَقُّهُ: أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ (بِفِسْقِ شُهُودِهِ) فَإِنْ حَلَفَ بَقِيَ الْأَمْرُ بِحَالِهِ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ الْحَقُّ فَالْمُدَّعِي يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِفِسْقِهِمْ وَأُجِيبَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ مَعْمُولٌ لِادَّعَى مُقَدَّرًا أَيْ إذَا ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ عَالِمٌ إلَخْ حَلَّفَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فَذَكَرَ كَيْفِيَّةَ الدَّعْوَى وَتَرَكَ كَيْفِيَّةَ الْيَمِينِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
كَانَتْ الدَّعْوَى الَّتِي أَقَامَ الْمُدَّعِي فِيهَا شَاهِدًا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ) أَيْ كَانَ نَاسِيًا لَهُ، أَوْ غَائِبًا وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَيَضُمَّهُ لِلْأَوَّلِ) أَيْ وَيُعْمَلَ بِشَهَادَتِهِمَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ لِانْفِرَادِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالرَّدِّ مُعَلَّلٌ بِالِانْفِرَادِ فَيَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَدَمَ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا الْحَلِّ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَطَفَ عَلَى لِعُذْرٍ مَحْذُوفًا مَعَ ثَلَاثِ مُضَافَاتٍ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا إلَخْ) إذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا التَّصْوِيرَ وَجَدْت الِاسْتِثْنَاءَ بِالنَّظَرِ لِهَذَا الْفَرْعِ مُنْقَطِعًا إذْ لَيْسَ فِيهِ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ بَعْدَ نَفْيِهَا كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ عَدَمَ عَمَلِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِمَنْزِلَةِ نَفْيِ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ وَرَفْعِ الْمُدَّعِي لِمَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَهُوَ الْقَاضِي الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ إقَامَتِهَا فَتَأَمَّلْ اهـ شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ. (قَوْلُهُ: لَا يَرَى ذَلِكَ) أَيْ كَالْحَنَفِيِّ وَقَوْلُهُ: فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَيْ وَحَكَمَ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ طَلَبَ الْمُقِيمُ) أَيْ مُقِيمُ الشَّاهِدِ وَهُوَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ وَقَوْلُهُ: وَحَلَفَ أَيْ وَحَكَمَ لَهُ بِعَدَمِ دَفْعِ شَيْءٍ لِلْمُدَّعِي وَقَوْلُهُ: عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ آخَرَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدُ أَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ. (قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ مَعَهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يُقِيمُ ذَلِكَ الشَّاهِدَ أَيْ ثُمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ الشَّاهِدَ وَأَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ضَمُّ شَاهِدٍ لِآخَرَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا. (قَوْلُهُ: بَعْدَ حَلِفِهِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ حَلَفَ ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: وَرَفَعَ الْخِلَافَ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ لَمْ يَرْفَعْ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ إذْ لَوْ رَفَعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ الشَّاهِدَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ وَيَحْلِفَ مَعَهُ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّ ذَلِكَ الشَّاهِدِ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَحَكَمَ بِعَدَمِ دَفْعِهِ لِلْمُدَّعِي وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ ذَكَرَهُ طفى وَنَقَلَهُ فِي المج وَسَلَّمَهُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ فِي تَصْوِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فِيمَا يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَيْ أَعْرَضَ عَنْهُ لِانْفِرَادِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِ، ثُمَّ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ لِلطَّالِبِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِعَدَمِ دَفْعِهِ لَهُ وَأَمَّا لَوْ حَكَمَ بِبُطْلَانِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، أَوْ حَكَمَ بِعَدَمِ دَفْعِ شَيْءٍ لِلطَّالِبِ لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ إقَامَةُ الشَّاهِدِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ فَغَايَةُ مَا فِي فَرْعِ الْمُصَنِّفِ إهْمَالُ الشَّاهِدِ وَتَرْكُ الْحُكْمِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ مَا حَلَّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ فِي هَذَا الْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ الْآنَ. (قَوْلُهُ: فَلَهُ تَحْلِيفُهُ) أَيْ كَانَ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ وَكَانَ لَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِالْحَقِّ إنْ وَجَدَهَا وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - أَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى سَابِقًا -، ثُمَّ لَا يَحْلِفُ مَرَّةً أُخْرَى وَقَوْلُهُ: فَإِنْ حَلَفَ أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَقَدْ بَرِئَ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ وَإِلَّا يَحْلِفْ بِأَنْ نَكَلَ غَرِمَ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَكَلَ) أَيْ الْمُدَّعِي وَهَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَإِنْ حَلَفَ إلَخْ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ) أَيْ فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا نَكَلَ الْمُدَّعِي لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ عَلَيْهِ وَهِيَ حَلِفُهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ: وَبَرِئَ أَيْ إنْ حَلَفَهَا وَإِلَّا غَرِمَ. (قَوْلُهُ: وَلَهُ رَدُّهَا) أَيْ وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَدُّ الْيَمِينِ الْمُتَوَجِّهَةِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُدَّعِي.
(قَوْلُهُ: بَقِيَ الْأَمْرُ بِحَالِهِ) أَيْ مِنْ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ. (قَوْلُهُ: رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ فَيَحْلِفُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ. (قَوْلُهُ: فَالْمُدَّعِي يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِفِسْقِهِمْ) أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا حَقٌّ (قَوْلُهُ: فَذَكَرَ كَيْفِيَّةَ الدَّعْوَى) أَيْ كَيْفِيَّةَ دَعْوَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي وَهُوَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ
أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِفِسْقِهِمْ لِظُهُورِهَا مِمَّا ذُكِرَ.
(وَأَعْذَرَ) الْقَاضِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وهَذَا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَسِيمِ قَوْلِهِ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْفِهَا بِأَنْ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَسَمِعَ شَهَادَتَهَا أَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ سَأَلَهُ عَنْ عُذْرِهِ (بِأَبْقَيْت لَك حُجَّةٌ) أَيْ مَطْعَنٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أَنْظَرَهُ كَمَا يَأْتِي وَالْإِعْذَارُ وَاجِبٌ وَالْحُكْمُ بِدُونِهِ بَاطِلٌ فَيُنْقَضُ وَيُسْتَأْنَفُ (وَ) إذَا كَانَ الْمُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ غَائِبًا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ لِكَوْنِهِ أُنْثَى (نُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِعْذَارِ وَيَكْفِي الْوَاحِدُ الْعَدْلُ.
وَاسْتَثْنَى خَمْسَ مَسَائِلَ لَا إعْذَارَ فِيهَا بِقَوْلِهِ (إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا) أَيْ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ (فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ الْقَاضِي لِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ فِي سَمَاعِ الْإِقْرَارِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إعْذَارٍ فِي الشُّهُودِ الْحَاضِرِينَ إذْ لَوْ أَعْذَرَ فِيهِمْ لَلَزِمَ الْإِعْذَارُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يُعْذِرُ فِي نَفْسِهِ.
(و) إلَّا شَاهِدًا أَيْ جِنْسَهُ (مُوَجِّهَهُ) الْقَاضِي لِسَمَاعِ دَعْوَى
ــ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِفِسْقِهِمْ) بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ: وَأَعْذَرَ إلَيْهِ) إمَّا مُسْتَأْنَفٌ، أَوْ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ أَقَامَهَا وَسَمِعَهَا الْقَاضِي وَأَعْذَرَ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ إلَى مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ مَا يَشْمَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعِيَ إذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِتَجْرِيحِ بَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ وَلَوْ عَمَّمَ فِي كَلَامِهِ هُنَا كَانَ مَا يَأْتِي مُكَرَّرًا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَسَمِعَ شَهَادَتَهَا أَعْذَرَ) كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهُ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ فَإِذَا جَاءَ الْخَصْمُ ذَكَرَ لَهُ الْقَاضِي أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَأَنْسَابَهُمْ وَمَسَاكِنَهُمْ فَإِنْ ادَّعَى فِيهِمْ مَطْعَنًا كَلَّفَهُ إثْبَاتَهُ وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ فَإِنْ طَلَبَ إحْضَارَ الْبَيِّنَةِ ثَانِيًا لِيَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ لَمْ يُجَبْ لِذَلِكَ. (قَوْلُهُ: أَيْ سَأَلَهُ عَنْ عُذْرِهِ) ذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي أَعْذَرَ إلَيْهِ لِلسَّلْبِ أَيْ قَطَعَ عُذْرَهُ وَأَزَالَهُ وَلَمْ يُبْقِ لَهُ عُذْرًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَثْبَتَ عُذْرَهُ وَحُجَّتَهُ فَهُوَ كَقَوْلِك أَعْجَمْت الْكِتَابَ أَيْ أَزَلْت عُجْمَتَهُ بِالنَّقْطِ وَشَكَا إلَيَّ زَيْدٌ فَأَشْكَيْتُهُ أَيْ أَزَلْتُ شِكَايَتَهُ. (قَوْلُهُ: بِأَبْقَيْت إلَخْ) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ إعْذَارًا مُصَوَّرًا أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ، أَوْ أَلَك مَطْعَنٌ أَوْ قَادِحٌ، أَوْ مَدْفَعٌ، أَوْ مَقَالٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِهِ نَفْيُهُ لَهُ بِأَنْ قَالَ لَا مَطْعَنَ عِنْدِي وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا " أَيْ وَإِلَّا يَنْفِهِ وَلَكِنْ وَعَدَ بِإِثْبَاتِهِ أَنْظَرَهُ فَإِنْ أَرَادَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الطَّعْنَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَّمَ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ الْمَحْكُومَ بِشَهَادَتِهَا فَلَا يُقْبَلُ طَعْنُهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَلِّمْهَا وَكَانَ عَدَمُ طَعْنِهِ لِعَدَمِ وُجُودِ بَيِّنَةٍ تَطْعَنُ أَوْ نَسِيَهَا، أَوْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَهُ الطَّعْنُ بَعْدَ الْحُكْمِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ وَكَذَا يُقَالُ إذَا أَمْهَلَهُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَالْإِعْذَارُ وَاجِبٌ) مَحَلُّ وُجُوبِهِ إنْ ظَنَّ الْقَاضِي جَهْلَ مَنْ يُرِيدُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ الطَّعْنَ، أَوْ ضَعْفَهُ وَأَمَّا إنْ ظَنَّ عِلْمَهُ بِأَنَّ لَهُ الطَّعْنَ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ بَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِدُونِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْحُكْمُ بِدُونِهِ بَاطِلٌ فَيُنْقَضُ وَيَسْتَأْنِفُ) هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبُرْزُلِيِّ وَقَالَ النَّاصِرُ: لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِدُونِ إعْذَارٍ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفَ الْإِعْذَارَ فَإِنْ أَبْدَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَطْعَنًا نَقَضَهُ وَإِلَّا بَقِيَ الْحُكْمُ وَهُوَ لَا يُعَادِلُ الْأَوَّلَ لِحِكَايَةِ صَاحِبِ الْمِعْيَارِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ بِدُونِ الْإِعْذَارِ مَحَلُّهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْخَصْمَيْنِ وَالْقَاضِي وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَدَمَ الْإِعْذَارِ وَادَّعَى الْقَاضِي أَوْ الْمَحْكُومُ لَهُ الْإِعْذَارَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَمَا قَالَ الْأَخَوَانِ وَقَالَ غَيْرُهُمَا يُسْتَأْنَفُ الْإِعْذَارُ فَإِنْ أَبْدَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَطْعَنًا نُقِضَ وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: غَائِبًا) أَيْ عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ لِكَوْنِهِ أُنْثَى وَسَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ. (قَوْلُهُ: نُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ) أَيْ بِأَنْ يُرْسِلَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لِذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْغَائِبِ يَقُولَانِ لَهُ إنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَامَ عَلَيْك بَيِّنَةً فُلَانًا وَفُلَانًا أَلَك مَطْعَنٌ فِيهَا فَالْإِعْذَارُ لَهُ بِوَاحِدٍ وَاجِبٌ وَالنَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى التَّعَدُّدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِ تَوْجِيهِ الْمُتَعَدِّدِ فِي الْإِعْذَارِ لِلْغَائِبِ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً وَأَمَّا الْغَائِبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً، أَوْ مُتَوَسِّطَةً كَالْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ مَعَ الْأَمْنِ وَالثَّلَاثَةِ مَعَ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ وَإِذَا قَدِمَ أَعْذَرَ لَهُ فِي الشُّهُودِ بَعْدَ تَسْمِيَتِهِمْ لَهُ فَإِنْ أَبْدَى فِيهِمْ مَطْعَنًا وَأَثْبَتَهُ نُقِضَ الْحُكْمُ وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ فِيهِمْ بَعْدَ قُدُومِهِ نُقِضَ الْحُكْمُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا الشَّاهِدَ إلَخْ) أَيْ فَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقِّ الْمُدَّعِي فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِلُزُومِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ إعْذَارٍ فِي الشُّهُودِ الشَّاهِدِينَ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. (قَوْلُهُ: لِمُشَارَكَتِهِ) أَيْ الْقَاضِي لَهُمْ أَيْ الشُّهُودِ فِي سَمَاعِ الْإِقْرَارِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ فَلَا إعْذَارَ فِيهِمْ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ جِنْسَهُ) أَيْ الصَّادِقَ بِاثْنَيْنِ. (قَوْلُهُ: لِسَمَاعِ دَعْوَى) أَيْ فَإِذَا وَجَّهَهُمَا الْقَاضِي
أَوْ لِتَحْلِيفٍ أَوْ حِيَازَةٍ فَلَا إعْذَارَ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُمْ مَقَامَ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يُعْذِرُ فِي نَفْسِهِ.
(وَ) إلَّا (مُزَكِّيَ السِّرِّ) أَيْ مُخْبِرَ الْقَاضِي سِرًّا بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ فَلَا إعْذَارَ فِيهِ وَكَذَا مُجَرِّحُهُمْ وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ تَسْمِيَتُهُ وَلَوْ سُئِلَ عَمَّنْ عَدَّلَ أَوْ جَرَّحَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ.
(وَ) إلَّا (الْمُبَرِّزَ) أَيْ الْفَائِقُ فِي الْعَدَالَةِ لَا إعْذَارَ فِيهِ (بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَيْ أَوْ قَرَابَةٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَأَمَّا بِهِمَا فَيُعْذِرُ.
(وَ) إلَّا مَنْ يُخْشَى (مِنْهُ) الضَّرَرُ عَلَى بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَيْهِ، أَوْ جُرِّحَتْ بَيِّنَتُهُ فَلَا إعْذَارَ إلَيْهِ فِيهَا بَلْ لَا تُسَمَّى لَهُ (وَ) إذَا أَعْذَرَ إلَيْهِ فَقَالَ: لِي فِيهَا مَطْعَنٌ مِنْ فِسْقٍ، أَوْ غَيْرِهِ (أَنْظَرَهُ) الْقَاضِي (لَهَا) أَيْ لِلْحُجَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا أَيْ لِإِثْبَاتِهَا (بِاجْتِهَادِهِ) بِمَا يَقْتَضِيهِ نَظَرُهُ فَلَيْسَ لِأَمَدِهَا زَمَنٌ مُعَيَّنٌ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا (حَكَمَ) عَلَيْهِ (كَنَفْيِهَا) أَيْ كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ لَوْ نَفَاهَا بِأَنْ قَالَ لَا حُجَّةَ لِي.
(وَلْيُجِبْ) الْقَاضِي مَنْ سَأَلَهُ: مَنْ جَرَّحَ بَيِّنَتِي (عَنْ) تَعْيِينِ (الْمُجَرِّحِ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، إنْ لَمْ يَخْشَ مِنْهُ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
لِسَمَاعِ دَعْوَى مِنْ مَرِيضٍ، أَوْ مِنْ امْرَأَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْذِرُ فِيهِمَا. (قَوْلُهُ: أَوْ لِتَحْلِيفٍ) أَيْ تَحْلِيفِ امْرَأَةٍ، أَوْ مَرِيضٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْذِرَ لِطَالِبِ الْيَمِينِ فِي الشَّاهِدَيْنِ الْمُوَجَّهَيْنِ لَهُ. (قَوْلُهُ: أَوْ حِيَازَةٍ) أَيْ إنْ أَرْسَلَهُمَا الْقَاضِي لِحِيَازَةِ دَارٍ أُرِيدَ بَيْعُهَا عَلَى غَائِبٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مُخْبِرَ الْقَاضِي سِرًّا بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ) أَيْ الْمُلَازِمِينَ لَهُ لِسَمَاعِ إقْرَارِ الْخُصُومِ وَالشُّهُودِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عِنْدَهُ فِي الْوَقَائِعِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ " مُزَكِّيَ " فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِهَا أَيْ الشَّاهِدَ الْمُزَكَّى سِرًّا وَعَلَى كِلَيْهِمَا فَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ ثَابِتَةٌ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَعَدَالَةَ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ ثَابِتَةٌ بِعِلْمِ الْمُزَكِّي لَا بِعِلْمِ الْقَاضِي وَحِينَئِذٍ فَعَدَالَةُ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ أَقْوَى فَإِذَا لَمْ يُعْذِرْ فِي الْأَضْعَفِ لَا يُعْذِرُ فِي الْأَقْوَى مِنْ بَابِ أَوْلَى وَحِينَئِذٍ فَالْفَتْحُ يُفِيدُ عَدَمَ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ بِالْكَسْرِ فَلَا تُفِيدُ عَدَمَ الْإِعْذَارِ فِيمَنْ زَكَّاهُ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ اهـ بْن. (قَوْلُهُ: وَكَذَا مُجَرِّحُهُمْ) أَيْ لَا إعْذَارَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ سُئِلَ عَمَّنْ عَدَّلَ إلَخْ) يَعْنِي لَوْ سَأَلَ الْمَطْلُوبُ الْقَاضِيَ عَمَّنْ زَكَّى بَيِّنَةَ الطَّالِبِ وَعَدَّلَهَا، أَوْ سَأَلَ الطَّالِبُ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُزَكِّيَ لِلْأُولَى وَالْمُجَرِّحَ لِلثَّانِيَةِ مُزَكِّي السِّرِّ فَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنْ يُسَمِّيَهُ لَهُ وَلَا يَلْتَفِتَ لِسُؤَالِ ذَلِكَ السَّائِلِ بِذِكْرِ الْمُعَدِّلِ أَوْ الْمُجَرِّحِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُقِيمُ لِذَلِكَ إلَّا مَنْ يَثِقُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْفَائِقَ) أَيْ لِأَقْرَانِهِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِهِمَا فَيُعْذِرُ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلَك مَطْعَنٌ فِيهِ بِعَدَاوَةٍ لَك، أَوْ بِقَرَابَةٍ لِلْمُدَّعِي فَإِنْ قَدَحَ فِيهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قُبِلَ قَدَحُهُ وَإِنْ قَدَحَ فِيهِ بِغَيْرِهِمَا كَأَكْلٍ فِي سُوقٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَدَحُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُبَرِّزَ لَا يُسْمَعُ الْقَدَحُ فِيهِ إلَّا بِالْعَدَاوَةِ، أَوْ الْقَرَابَةِ وَأَمَّا بِغَيْرِهِمَا فَلَا يُسْمَعُ الْقَدَحُ بِهِ فِيهِ وَأَمَّا مَا قَبْلَ الْمُبَرِّزِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ لَا يُقْبَلُ الْقَدَحُ فِيهِ بِأَيِّ قَادِحٍ كَانَ وَلَوْ بِعَدَاوَةٍ، أَوْ قَرَابَةٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَا إعْذَارَ إلَيْهِ فِيهَا بَلْ لَا تُسَمَّى لَهُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الْإِعْذَارِ هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ابْنِ بَشِيرٍ أَحَدِ تَلَامِذَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ غَيْرُ ابْنِ بَشِيرٍ تِلْمِيذِ الْمَازِرِيِّ وَلَفْظُ ابْنِ يُونُسَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ وَنَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَشْهَدُ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي سِرًّا وَإِنْ خَافُوا مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ؛ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَيُعْذِرَ إلَيْهِمْ فِيهِمْ فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَمِثْلُ مَا لِابْنِ يُونُسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفُ أَتَى بِهِ جَمْعًا لِلنَّظَائِرِ فَقَطْ اُنْظُرْ طفى وبن وَقَدْ يُجَابُ عَنْ تَضْعِيفِهِمْ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ بِأَنَّهُ وَإِنْ قَالَ بِعَدَمِ الْإِعْذَارِ لِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ عَلَى الْبَيِّنَةِ لَكِنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يُهْمِلَ حَقَّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِنْ التَّفْتِيشِ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَتَنَزَّلُ فِي السُّؤَالِ عَنْهُمْ مَنْزِلَةَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ حَاصِلٌ بِغَيْرِهِ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى الْبَيِّنَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا أَعْذَرَ إلَيْهِ) أَيْ لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ. (قَوْلُهُ: أَيْ لِإِثْبَاتِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ. (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِأَمَدِهَا) أَيْ لِأَمَدِ إثْبَاتِهَا بِالْبَيِّنَةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَنْظَرَهُ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ أَيْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدُهُ وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ كَمَا إذَا نَفَاهَا وَكَمَا لَوْ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ بَعِيدَةُ الْغَيْبَةِ كَالْعِرَاقِ بِتَجْرِيحِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذِهِ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَتْ بَيِّنَتُهُ وَيُقِيمُهَا عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي، أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ اهـ خش. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا) أَيْ بِالْحُجَّةِ بِمَعْنَى الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالْمَطْعَنِ.
(قَوْلُهُ: وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ) حَاصِلُهُ أَنْ الْمُدَّعِيَ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً شَهِدَتْ لَهُ بِحَقٍّ عَلَى شَخْصٍ فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً شَهِدَتْ بِتَجْرِيحِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي فِي حَلِفِهِ فَإِذَا سَأَلَ الْمُدَّعِي الْقَاضِيَ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ وَيُوَجِّهَ لَهُ الْإِعْذَارَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْمُجَرِّحِ وَالْمُدَّعِي عَدَاوَةٌ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَرَابَةٌ وَهَذَا إذَا كَانَ التَّجْرِيحُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهَا الضَّرَرُ مِنْ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مُزَكِّي سِرٍّ أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُجَرِّحُ مُزَكِّيَ سِرٍّ، أَوْ بَيِّنَةً يُخْشَى عَلَيْهَا الضَّرَرُ مِنْ الْمُدَّعِي فَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْيِينُ الْمُجَرِّحِ وَلَا يَلْتَفِتُ لِسُؤَالِ الْمُدَّعِي عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ التَّجْرِيحُ بِبَيِّنَةٍ وَإِنَّمَا الْقَاضِي
(وَ) إذَا أَنْظَرَهُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّتِهِ فَإِنَّهُ (يُعَجِّزُهُ) أَيْ يَحْكُمُ بِعَجْزِهِ أَيْ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَةٍ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ زِيَادَةٍ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلِّهِ بِأَنْ يَقُولَ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَقَدْ أَنْظَرْنَاهُ بِالِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَحَكَمْنَا بِعَجْزِهِ فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّعْجِيزِ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ نَعَمْ إذَا عَجَّزَهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ نَسِيَهَا.
ثُمَّ اسْتَثْنَى خَمْسَ مَسَائِلَ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْجِيزُ فِيهَا فَقَالَ (إلَّا فِي دَمٍ) كَادِّعَاءِ شَخْصٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ فَأَنْظَرَهُ لِيَأْتِيَ بِهَا فَلَمْ يَأْتِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتَعْجِيزِهِ عَنْ قِيَامِهَا فَمَتَى أَتَى بِهَا حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(وَحُبْسٍ) أَيْ وَقْفٍ ادَّعَاهُ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ حَبَّسَهُ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ فَطَلَبَ الْحَاكِمُ مِنْهُ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَعَجَزَ عَنْهَا فِي الْحَالِ فَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِهِ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا مَتَى وَجَدَهَا، وَإِنْ مَنَعَهُ الْآنَ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ.
(وَعِتْقٍ) ادَّعَاهُ الرَّقِيقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَقَالَ عِنْدِي بَيِّنَةٌ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يَحْكُمُ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا إنْ وَجَدَهَا، وَإِنْ حَكَمَ بِبَقَائِهِ الْآنَ عَلَى الرِّقِّ.
(وَنَسَبٍ) كَادِّعَائِهِ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يَحْكُمُ بَعْدَ سَمَاعِهَا، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ الْآنَ.
(وَطَلَاقٍ) ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَأَنَّ لَهَا بَيِّنَةً وَعَجَزَتْ عَنْ إقَامَتِهَا الْآنَ فَلَا يَحْكُمُ بِإِبْطَالِ سَمَاعِهَا، وَإِنْ حَكَمَ أَنَّهَا فِي عِصْمَتِهِ (وَكَتَبَهُ) أَيْ التَّعْجِيزَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ فِي سِجِلِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ
ــ
[حاشية الدسوقي]
عَلِمَ فِي الْبَيِّنَةِ شَيْئًا يَرُدُّ شَهَادَتَهُمْ فَرَدَّهَا فَلَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا جَوَابٌ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِدَ لِعِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَنْظَرَهُ) أَيْ أَنْظَرَ مَنْ كَانَ مُطَالَبًا بِالْبَيِّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُدَّعِيًا طُلِبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ لَهُ بِمَا يَدَّعِيهِ، أَوْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ طُلِبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الْمُجَرِّحَةُ فِي الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَيْهِ فَهَذَا انْتِقَالٌ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: زِيَادَةٍ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْحُكْمِ بِعَجْزِهِ زِيَادَةً أَيْ زَائِدًا عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ. (قَوْلُهُ: وَيَكْتُبُ ذَلِكَ) أَيْ التَّعْجِيزَ فِي سِجِلِّهِ وَهَذَا هُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَكَتَبَهُ فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ عَدَمُ ذِكْرِهِ هُنَا وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَقُولَ إلَخْ الْمُنَاسِبُ بِأَنْ يَكْتُبَ فِيهِ وَادَّعَى إلَخْ. (قَوْلُهُ: فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ وَإِذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا أَنَّهُ مِمَّا يُكْتَبُ فِي السِّجِلِّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْمُعَجَّزِ إذَا أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ قِيلَ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقِيلَ تُقْبَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا إذَا كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَنِسْيَانِهَا، أَوْ عَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا أَوْ غَيْبَتِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ فِي الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ إذَا عَجَّزَ الْمَطْلُوبَ وَقَضَى عَلَيْهِ أَنَّ الْحُكْمَ يَمْضِي وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا عَجَّزَ الطَّالِبَ فَإِنَّ تَعْجِيزَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ وَأَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ حُجَّةً فَلَا تُقْبَلُ لَهُ حُجَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا وَلَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهَا وَحَلَفَ اهـ بْن وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ أَيْ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: أَيْ خَوْفًا إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلِّهِ. (قَوْلُهُ: فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا، أَوْ نَسِيَهَا) أَيْ إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَمَحَلُّ إقَامَتِهِ لَهَا إنْ عَجَّزَهُ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ لَا مَعَ ادِّعَائِهِ حُجَّةً فَلَا يُقِيمُهَا وَلَوْ مَعَ ادِّعَاءِ نِسْيَانِ بَيِّنَتِهِ وَحَلِفِهِ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ: فَلَهُ إقَامَتُهَا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ طَالِبًا، أَوْ مَطْلُوبًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ كَانَ طَالِبًا لَا مَطْلُوبًا عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي دَمٍ وَحُبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ) أَيْ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَجِّزَ طَالِبَ إثْبَاتِهَا سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ أَوْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَطَلَبَ الْإِمْهَالَ لَهَا وَأُنْظِرَ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَإِنْ عَجَّزَهُ كَانَ حُكْمُهُ بِالتَّعْجِيزِ غَيْرَ مَاضٍ فَإِذَا قَالَ مُدَّعِي الدَّمِ، أَوْ الْحَبْسِ، أَوْ الْعِتْقِ، أَوْ النَّسَبِ أَوْ الطَّلَاقِ: لِي بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ وَأُمْهِلَ لِلْإِتْيَانِ بِهَا فَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ الدَّمِ وَالْحَبْسِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِ ذَلِكَ الْمُدَّعِي فَإِنْ حَكَمَ بِعَجْزِهِ كَانَ حُكْمُهُ غَيْرَ مَاضٍ وَأَمَّا طَالِبُ نَفْيِهَا فَإِنَّهُ يَمْضِي حُكْمُهُ بِتَعْجِيزِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْخَمْسَةِ الدَّمِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُبْسِ وَالْعِتْقِ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِمُدَّعِي الدَّمِ، أَوْ النَّسَبِ أَوْ الطَّلَاقِ، أَوْ الْحَبْسِ، أَوْ الْعِتْقِ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدِي بَيِّنَةٌ تُجَرِّحُ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي فَإِذَا أُمْهِلَ وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ حَكَمَ الْقَاضِي بِثُبُوتِ الدَّمِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُبْسِ وَالْعِتْقِ وَتَعْجِيزِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِذَا عَجَّزَهُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ كَذَا قَالَ الْجِيزِيُّ وَارْتَضَاهُ بْن وَقَالَ عج: إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ لَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْجِيزُهُ أَصْلًا فِيهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عج يَقُولُ إنَّ النَّفْيَ كَالْإِثْبَاتِ فِي عَدَمِ التَّعْجِيزِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسَةِ وَالْجِيزِيُّ يَقُولُ لَيْسَ النَّفْيُ فِيهَا كَالْإِثْبَاتِ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ وَكَلَامُ خش فِي كَبِيرِهِ عَنْ بَعْضِ التَّقَارِيرِ يُقَوِّي مَا قَالَهُ عج.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِهِ) فَإِنْ حَكَمَ بِتَعْجِيزِهِ كَانَ الْحُكْمُ بَاطِلًا وَقَوْلُهُ: حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِعَدَمِ قَتْلِهِ أَوَّلًا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ مَنَعَهُ الْآنَ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِعَدَمِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْكُمُ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا) فَإِنْ حَكَمَ كَانَ حُكْمُهُ غَيْرَ مَاضٍ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا إذَا وَجَدَهَا وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ الْآنَ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ نَسَبِهِ الْآنَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حَكَمَ أَنَّهَا فِي عِصْمَتِهِ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ بِبَقَائِهَا
(وَإِنْ لَمْ يُجِبْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ وَلَا إنْكَارٍ (حُبِسَ وَأُدِّبَ) بِالضَّرْبِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَابِ (حَكَمَ) عَلَيْهِ بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْإِقْرَارِ (بِالْحَقِّ بِلَا يَمِينٍ) مِنْ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فَرْعُ الْجَوَابِ وَهُوَ لَمْ يُجِبْ.
(وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ) الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذَا لَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ فَإِنْ بَيَّنَهُ الْمُدَّعِي عُمِلَ بِهِ إذْ قَدْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غُرْمٌ كَالْقِمَارِ وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غُرْمٌ قَلِيلٌ كَالرِّبَا، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يُطْلَبْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَوَابٍ (وَ) لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي نَسِيتُهُ ثُمَّ قَالَ تَذَكَّرْتُهُ، وَإِنَّهُ كَذَا (قُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ) مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَإِنْ)(أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ) بِحَقٍّ (الْمُعَامَلَةَ) مِنْ أَصْلِهَا بِأَنْ قَالَ لَا مُعَامَلَةَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ (فَالْبَيِّنَةُ) عَلَى الْمُدَّعِي تَشْهَدُ بِالْحَقِّ عَلَى الْمَطْلُوبِ (ثُمَّ) بَعْدَ إقَامَتِهَا (لَا تُقْبَلُ) مِنْ الْمَطْلُوبِ (بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ) لِذَلِكَ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ تَكْذِيبٌ لِبَيِّنَتِهِ بِالْقَضَاءِ (بِخِلَافِ) قَوْلِهِ (لَا حَقَّ) أَوْ لَا دَيْنَ (لَك عَلَيَّ) فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ بِالدَّيْنِ فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَتَهُ بِالْقَضَاءِ فَتُقْبَلُ إذْ كَلَامُهُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِبَيِّنَتِهِ إذْ قَوْلُهُ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَقٌّ وَقَضَاهُ.
(وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ) كَالْقَتْلِ وَالْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ (فَلَا يَمِينَ) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِمُجَرَّدِهَا) مِنْ الْمُدَّعِي بَلْ حَتَّى يُقِيمَ عَلَيْهَا شَاهِدًا وَاحِدًا فَيَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ (وَلَا تُرَدُّ) عَلَى الْمُدَّعِي إذْ لَا ثَمَرَةَ فِي رَدِّهَا عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَقَوْلُهُ وَلَا تُرَدُّ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ فَإِنْ لَمْ تَتَجَرَّدْ بِأَنْ أَقَامَ عَدْلًا
ــ
[حاشية الدسوقي]
فِي الْعِصْمَةِ الْآنَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَجِبْ بِإِقْرَارٍ وَلَا إنْكَارٍ) أَيْ بِأَنْ سَكَتَ. (قَوْلُهُ: حُبِسَ وَأُدِّبَ بِالضَّرْبِ) أَيْ وَيَجْتَهِدُ الْقَاضِي فِي قَدْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ اسْتَمَرَّ) أَيْ بَعْدَ الْحَبْسِ وَالضَّرْبِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَابِ حَكَمَ عَلَيْهِ وَمِثْلُ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَابِ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ شَكُّهُ فِي أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَا يَدَّعِيهِ فَإِذَا أَمَرَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ فَقَالَ عِنْدِي شَكٌّ فِي أَنَّ لَهُ عِنْدِي مَا يَدَّعِيهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ مِنْ الْمُدَّعِي كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الْمُدَّعِي وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ وَأَمَّا لَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا ادَّعَى بِهِ وَقَالَ: يُحَلَّفُ الْمُدَّعِي وَيَأْخُذُ مَا ادَّعَى بِهِ فَإِنَّهُ يُجَابُ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ) أَيْ الَّذِي تَرَتَّبَ الدَّيْنُ لِأَجْلِهِ. (قَوْلُهُ: قُبِلَ نِسْيَانُهُ) أَيْ دَعْوَاهُ نِسْيَانَهُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ) أَيْ تَشْهَدُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْحَقِّ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي. (قَوْلُهُ: تَكْذِيبٌ لِبَيِّنَتِهِ بِالْقَضَاءِ) وَمِثْلُ مَا ذَكَرَهُ مَا إذَا أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَرَّ بِهَا وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَلَكِنَّهُ قَضَاهُ إيَّاهُ وَأَقَامَ عَلَى الْقَضَاءِ بَيِّنَةً فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْقَضَاءِ كَمَا فِي النَّوَادِرِ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ أَوَّلًا تَكْذِيبٌ لَهَا. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ قَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمِائَةٍ مِنْ قَرْضٍ مَثَلًا. (قَوْلُهُ: إذْ كَلَامُهُ الْمَذْكُورُ) أَعْنِي قَوْلَهُ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ، أَوْ لَا دَيْنَ لَك عَلَيَّ هَذَا وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ وَهُمَا لَا مُعَامَلَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك وَلَا حَقَّ لَك عَلَيَّ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْعَامِّيِّ وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَيُعْذَرُ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي الصِّيغَتَيْنِ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ ح فِي بَابِ الْوَكَالَةِ عَنْ الرُّعَيْنِيِّ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَالْعِتْقِ) أَيْ وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِهَا) فَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَلَا يَمِينَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ ادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ بِكَذَا وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَى ذَلِكَ السَّيِّدِ، أَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ، أَوْ غَيْرُهَا عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَلَمْ تُقِمْ بَيِّنَةً فَلَا يَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى وَلِيِّ مُجْبَرَةٍ أَنَّهُ زَوَّجَهُ بِنْتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَلِيِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا مَسَائِلُ مِنْهَا قَوْلُهُ: وَيُحَلَّفُ الطَّالِبُ إنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ عِلْمُ الْعَدَمِ كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ وَأَنَّ الطَّالِبَ يَعْلَمُ بِعُسْرِهِ وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ الْعِلْمَ بِعُسْرِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمَطْلُوبِ فَإِنَّ الطَّالِبَ يُحَلَّفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِعُسْرِهِ وَيُحْبَسُ الْمَطْلُوبُ لِإِثْبَاتِ عُسْرِهِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَكَذَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا وَمِنْهَا قَوْلُهُ: فِيمَا يَأْتِي وَلِلْقَاتِلِ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ وَمِنْهَا الْمُتَّهَمُ يُدَّعَى عَلَيْهِ الْغَصْبُ، أَوْ السَّرِقَةُ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ لَا يَثْبُتُ مُوجَبُهُمَا مِنْ أَدَبٍ وَقَطْعٍ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الْمُدَّعَى بِهِ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَمِنْهَا مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ فَتَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهُ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمُنَازَعَةٍ وَتَشَاجُرٍ كَانَ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا لَمْ يُحَلَّفْ اُنْظُرْ ح وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ أَنَّ الدَّعْوَى الَّتِي تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِهَا وَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي إنْ أَرَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَدَّهَا عَلَيْهِ وَكَذَا الْيَمِينُ الَّتِي يَحْلِفُهَا الْمُدَّعِي مَعَ الشَّاهِدِ، أَوْ الْمَرْأَتَيْنِ إذَا نَكَلَ عَنْهَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا غَرِمَ بِنُكُولِهِ وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَدُّهَا عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ لَا تُرَدُّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ مَنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَأَنْكَرَ فَلَا يَمِينَ عَلَى ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الرِّقَّ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ فَدَعْوَى ذَلِكَ الْمُدَّعِي رُقْيَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَ الْأَصْلِ مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ ضَعُفَتْ جِدًّا فَلَمْ تَتَوَجَّهْ الْيَمِينُ لِإِبْطَالِهَا. (قَوْلُهُ: وَلَا تُرَدُّ) أَيْ تِلْكَ الْيَمِينُ الَّتِي يَحْلِفُهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الْمُدَّعِي أَيْ لَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى
فَقَطْ تَوَجَّهَتْ وَلَا تُرَدُّ لَكِنَّ تَوَجُّهَهَا فِي غَيْرِ النِّكَاحِ فَإِنْ حَلَفَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالسَّيِّدِ فِي الْعِتْقِ تُرِكَ، وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ دُيِّنَ وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَا تَتَوَجَّهُ كَمَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ فُلَانًا زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَأَنْكَرَ الْأَبُ فَأَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدًا وَاحِدًا بِذَلِكَ فَلَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْأَبِ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ وَسَيَأْتِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الشَّهَادَاتِ فِي قَوْلِهِ وَحُلِّفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا نِكَاحٍ فَقَوْلُهُ هُنَا (كَنِكَاحٍ) مِثَالٌ لِمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ لَا مِثَالٌ لِمَا تَتَوَجَّهُ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ شَاهِدِ الْمُدَّعِي.
(وَأَمَرَ) الْقَاضِي نَدْبًا (بِالصُّلْحِ)(ذَوِي الْفَضْلِ) مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ (وَ) ذَوِي (الرَّحِمِ) أَيْ الْأَقَارِبَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ أَمْرٌ يُوجِبُ الشَّحْنَاءَ وَالتَّفَرُّقَ بِخِلَافِ الصُّلْحِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لِجَمْعِ الْخَوَاطِرِ وَتَأْلِيفِ النُّفُوسِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا (كَأَنْ خَشِيَ) الْحَاكِمُ بِحُكْمِهِ (تَفَاقُمَ) أَيْ اتِّسَاعَ (الْأَمْرِ) أَيْ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَيَأْمُرُهُمَا بِالصُّلْحِ لَكِنَّ فِي هَذَا وُجُوبًا سَدًّا لِلْفِتْنَةِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَأْمُرُ مَنْ ذُكِرَ بِالصُّلْحِ وَلَوْ ظَهَرَ وَجْهُ الْحُكْمِ فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ الْآتِي وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ إنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ ثُمَّ الْأَمْرُ بِالصُّلْحِ فِيمَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ لَا فِي نَحْوِ طَلَاقٍ.
(وَلَا يَحْكُمُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِحَاكِمٍ أَنْ يَحْكُمَ (لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ) كَأَبِيهِ وَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) وَكَذَا لَا يَحْكُمُ عَلَى مَنْ لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَمُقَابِلُ الْمُخْتَارِ يَجُوزُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ لِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهَا وَأَمَّا إنْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَجُوزُ الْحُكْمُ لِابْنِهِ مَثَلًا عَلَيْهِ.
(وَنُبِذَ)(حُكْمُ جَائِرٍ) وَهُوَ الَّذِي يَمِيلُ عَنْ الْحَقِّ عَمْدًا وَمِنْهُ مَنْ يَحْكُمُ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ نَظِيرٍ لِتَعْدِيلٍ وَلَا تَجْرِيحٍ فَيَنْقُضُهُ مَنْ تَوَلَّى بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ مُسْتَقِيمًا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ وَلَا يَرْفَعُ حُكْمُهُ الْخِلَافَ مَا لَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ بَاطِنِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ (وَجَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ) الْعُلَمَاءَ وَلَوْ وَافَقَ الْحَقَّ (وَإِلَّا) بِأَنْ شَاوَرَهُمْ (تُعُقِّبَ) حُكْمُهُ وَيُنْقَضُ مِنْهُ الْخَطَأُ (وَمَضَى) مِنْهُ (غَيْرُ الْجَوْرِ) وَهُوَ الصَّوَابُ، وَإِنَّمَا تُعُقِّبَ مَعَ الْمُشَاوَرَةِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ عَرَفَ الْحُكْمَ فَقَدْ لَا يَعْرِفُ إيقَاعَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِزِيَادَةِ نَظَرٍ فِي الْبَيِّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَحْوَالِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ إذْ الْقَضَاءُ صِنَاعَةٌ دَقِيقَةٌ لَا يَهْتَدِي إلَيْهَا كُلُّ النَّاسِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْجَاهِلِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ الْعِلْمُ
ــ
[حاشية الدسوقي]
الْمُدَّعِي بِحَيْثُ إذَا حَلَفَهَا يَثْبُتُ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَعِتْقٍ وَكِتَابَةٍ وَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ ثُبُوتُ مَا ذُكِرَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ مَعَ أَنَّ مَا ذُكِرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَا ثَمَرَةَ فِي رَدِّهَا عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّ تَوَجُّهَهَا) أَيْ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ. (قَوْلُهُ: كَالسَّيِّدِ فِي الْعِتْقِ) أَيْ وَالْكِتَابَةِ وَكَالزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ وَكَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَا تَتَوَجَّهُ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ أَنَّ الْغَالِبَ فِي النِّكَاحِ الشُّهْرَةُ فَشَهَادَةُ الْوَاحِدِ فِيهِ رِيبَةٌ فَلِذَا لَمْ يُطْلَبْ الْوَلِيُّ بِالْيَمِينِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِخِلَافِ غَيْرِ النِّكَاحِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْغَالِبُ فِيهِ الشُّهْرَةَ فَلَا رِيبَةَ فِي شَهَادَةِ الْوَاحِدِ فِيهِ فَلِذَا أُمِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ. (قَوْلُهُ: لَا مِثَالٌ لِمَا تَتَوَجَّهُ فِيهِ الْيَمِينُ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ شَاهِدٍ لِلْمُدَّعِي الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِمُجَرَّدِهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَرَ الْقَاضِي) أَيْ وَكَذَلِكَ الْمُحَكَّمُ. (قَوْلُهُ: وَالرَّحِمِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَإِلَّا أَوْهَمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالصُّلْحِ إلَّا مَنْ كَانَ ذَا فَضْلٍ وَرَحِمٍ مَعًا وَأَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِأَحَدِهِمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ) أَيْ وَهُوَ مَنْ كَانَتْ قَرَابَتُهُ لَهُ أَكِيدَةً وَإِنَّمَا مُنِعَ حُكْمُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ وَحَكَمَ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ فَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، أَوْ لَا يُنْقَضُ وَهُوَ ظَاهِرُ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ، أَوْ يَنْقُضُهُ هُوَ لَا غَيْرُهُ وَهُوَ مَا فِي النَّوَادِرِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُخْتَارِ) أَيْ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ مِنْ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ. (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْمُخْتَارِ إلَخْ) هُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِلْخَلِيفَةِ وَهُوَ أَقْوَى تُهْمَةً فِيهِ مِنْ تُهْمَةِ مَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ لِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ.
(قَوْلُهُ: وَنُبِذَ) أَيْ طُرِحَ وَأُلْقِيَ. (قَوْلُهُ: حُكْمُ جَائِرٍ) أَيْ حُكْمُ مَنْ شَأْنُهُ الْجَوْرُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ مُسْتَقِيمًا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ) أَيْ وَلَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ بَاطِنِهِ؛ لِأَنَّ الْجَائِرَ قَدْ يَتَحَيَّلُ وَيُوقِعُ الصُّورَةَ صَحِيحَةً وَإِنْ كَانَتْ فِي الْوَاقِعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ وَافَقَ الْحَقَّ) أَيْ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ تُعْلَمْ صِحَّةُ بَاطِنِهِ أَمَّا إنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ صِحَّةُ بَاطِنِهِ فَلَا يُنْقَضُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَائِرِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ الْمَوَّاقُ فَإِنَّ الْجَاهِلَ غَايَتُهُ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْجَائِرِ وَعِبَارَةُ بَهْرَامَ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي الْجَاهِلِ يُنْقَضُ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ صَوَابًا اهـ بْن. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا تُعُقِّبَ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْجَاهِلِ اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ طَرِيقَةً أُخْرَى أَنَّ الْجَاهِلَ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ مُطْلَقًا وَغَيْرَ الْجَاهِلِ إنْ كَانَ مُشَاوِرًا فَلَا يُتَعَقَّبُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُشَاوِرٍ تُعُقِّبَ فَيُنْقَضُ مِنْهُ الْخَطَأُ وَيُمْضَى مَا كَانَ صَوَابًا اهـ بْن وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ الْعِلْمُ بَلْ هُوَ شَرْطُ كَمَالٍ فَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْجَاهِلِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُشَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ فَمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ يُنْقَضُ وَمَا شَاوَرَ فِيهِ يُتَعَقَّبُ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ فَالْجَاهِلُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْقَضَاءِ لَهُ. (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ الْعِلْمُ)
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يُوَلَّى الْجَاهِلُ لِعَدَمِ وُجُودِ الْعَالِمِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَرَضِهِ، أَوْ سَفَرِهِ.
(وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ) أَيْ لَا يَنْظُرُ فِيهِ مَنْ يَتَوَلَّى بَعْدَهُ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْهَرْجُ وَالْخِصَامُ وَتَفَاقُمُ الْحَالِ وَحُمِلَ عِنْدَ جَهْلِ حَالِهِ عَلَى الْعَدَالَةِ إنْ وَلَّاهُ عَدْلٌ (وَنَقَضَ) إنْ عَثَرَ عَلَى خَطَأِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ مِنْ غَيْرِ تَفَحُّصٍ (وَبَيَّنَ) النَّاقِضُ (السَّبَبَ) الَّذِي نَقَضَ مِنْ أَجْلِهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ لِلْجَوْرِ وَالْهَوَى (مُطْلَقًا) أَيْ نَقَضَهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ فَقَوْلُهُ نَقَضَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَقَوْلُهُ (مَا) أَيْ حُكْمًا مَفْعُولُهُ (خَالَفَ) فِيهِ (قَاطِعًا) مِنْ نَصِّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ الْقَوَاعِدِ كَأَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَارِدٌ بِاخْتِصَاصِهَا بِالشَّرِيكِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ اخْتِصَاصِ الْجَدِّ أَوْ مُقَاسَمَةِ الْأَخِ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِاخْتِصَاصِ الْأَخِ وَحِرْمَانِ الْجَدِّ وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةٍ نَافِيَةٍ دُونَ الْمُثْبِتَةِ فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ تَقْدِيمُ الْمُثْبِتَةِ عَلَى النَّافِيَةِ (أَوْ) خَالَفَ فِيهِ (جَلِيَّ قِيَاسٍ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفِهَا أَيْ قِيَاسًا جَلِيًّا وَهُوَ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ أَوْ ضَعْفِهِ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي التَّقْوِيمِ عَلَى مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُوسِرٌ وَشَبَّهَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَمْرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا قَوْلُهُ (كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ) بَعْضُهُ بِأَنْ وَقَعَ مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَأَبَى الشَّرِيكُ الثَّانِي مِنْ عِتْقِ نَصِيبِهِ فَحَكَمَ لَهُ قَاضٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى لِهَذَا الْمَالِكِ لِلْبَعْضِ وَيَأْتِي لَهُ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ فِيهِ لِيَكْمُلَ عِتْقُهُ
ــ
[حاشية الدسوقي]
أَيْ وَحِينَئِذٍ فَعَدَمُ الْعِلْمِ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ تَوْلِيَتِهِ وَنُفُوذِ حُكْمِهِ وَلَوْ شَاوَرَ. (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ قَدْ يُوَلَّى الْجَاهِلُ إلَخْ) أَيْ فَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ عِنْدَ إمْكَانِ ذَلِكَ وَتَيَسُّرِهِ. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ وُجُودِ الْعَالِمِ) أَيْ فَإِذَا وُجِدَ الْعَالِمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَوُلِّيَ نُقِضَ حُكْمُ الْجَاهِلِ الْمَذْكُورِ وَكَانَ الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ إنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ كَوْنُهُ عَالِمًا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: إنْ وَلَّاهُ عَدْلٌ) أَيْ أَوْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي الْمَجْهُولُ الْحَالِ قَاضِيَ مِصْرٍ. (قَوْلُهُ: وَنَقَضَ وَبَيَّنَ السَّبَبَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ الْعَدْلَ الْعَالِمَ إذَا عَثَرَ عَلَى حُكْمٍ خَطَأٍ مُخَالِفٍ لِلنَّصِّ الْقَاطِعِ، أَوْ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَكَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ صَادِرًا مِنْ قَاضٍ عَدْلٍ عَالِمٍ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ وَبَيَانُ السَّبَبِ فِي نَقْضِهِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَعَقُّبَهُ؛ لِأَنَّ نَقْضَ حُكْمِهِ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ تَعَقُّبِهِ قُلْت إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُفِعَ إلَيْهِ فَظَهَرَ خَطَؤُهُ مِنْ غَيْرِ فَحْصٍ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ. (قَوْلُهُ: أَيْ نَقَضَهُ هُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمُخْطِئُ وَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ أَيْ كَانَ حُكْمَهُ، أَوْ كَانَ حُكْمَ غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: مَا خَالَفَ قَاطِعًا) نَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا خَالَفَ الظَّنَّ الْجَلِيَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالُوا إذَا خَالَفَ نَصَّ السُّنَّةِ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَقَدْ يُقَالُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْقَاطِعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ مُطْلَقًا مُتَوَاتِرَةً أَوْ لَا، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ فِي السُّنَّةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَأَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ) أَيْ وَكَحُكْمِهِ بِمُسَاوَاةِ الْبِنْتِ لِأَخِيهَا فِي الْمِيرَاثِ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ) أَيْ وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَهُوَ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةٍ نَافِيَةٍ دُونَ الْمُثْبِتَةِ) هَذَا مِثَالٌ لِمَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ وَمِثَالُهُ أَيْضًا الْحُكْمُ بِعَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْت طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، أَوْ مَتَى مَا طَلَّقْتُك وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ تَحَقَّقَ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَجِدْ مَحَلًّا، وَكُلُّ شَيْءٍ أَدَّى ثُبُوتُهُ إلَى نَفْيِهِ يَنْتَفِي قَطْعًا فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ أَصْلًا كَذَا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي خَالَفَهَا أَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ أَنْ يُجَامِعَ الْمَشْرُوطَ وَإِلَّا أُلْغِيَ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: قَبْلَهُ كَالْعَدَمِ لَا يُعْتَبَرُ فَهُوَ مُلْغًى لِأَجْلِ أَنْ تَحْصُلَ الْمُجَامَعَةُ وَحِينَئِذٍ إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَزِمَ الثَّلَاثُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ شَبَّهَ فِيمَا تَقَدَّمَ) أَيْ بِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَا خَالَفَ قَاطِعًا أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْكَافَ لِلتَّشْبِيهِ لَا لِلتَّمْثِيلِ لِعَدَمِ صِحَّةِ جَعْلِ مَا بَعْدَهَا مِثَالًا لِمَا قَبْلَهَا كَمَا قَالَ طفى؛ إذْ لَيْسَ فِي الْحُكْمِ بِالِاسْتِسْعَاءِ مُخَالَفَةُ قَاطِعٍ وَلَا جَلِيِّ قِيَاسٍ بَلْ وَلَا سُنَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُسْتَنِدًا لِسُنَّةٍ أُخْرَى وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ هُوَ مُوَافِقٌ لِسُنَّةٍ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا مَرْجُوحَةٌ وَلِذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ إنَّ النَّقْضَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ فَمَا خَالَفَ عَمَلَهُمْ يُنْقَضُ بِمَنْزِلَةِ مَا خَالَفَ قَاطِعًا وَالنَّقْضُ لَيْسَ قَاصِرًا عَلَى مُخَالَفَةِ الْقَاطِعِ وَجَلِيِّ الْقِيَاسِ اهـ كَلَامُ طفى، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِمَا خَالَفَ السُّنَّةَ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ سَوَاءٌ كَانَ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ لِسُنَّةٍ أَصْلًا، أَوْ مُسْتَنِدًا لِسُنَّةٍ ضَعِيفَةٍ كَحُكْمِ الْقَاضِي فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَالْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ فِي الْجَمِيعِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ حَيْثُ جَعَلَهَا لِلتَّشْبِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلَيْنِ وَلِلتَّمْثِيلِ لِمَا بَعْدَهُمَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ وَقَعَ) أَيْ عِتْقُ الْبَعْضِ
فَإِنَّهُ يُنْقَضُ وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ لِهَذَا الْبَعْضِ حَنَفِيًّا يَرَى أَنَّ مَذْهَبَهُ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ يُحَدُّ لَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ وَلَوْ لَمْ يَرَ الْحَدَّ مَذْهَبَهُ وَثَانِيهِمَا قَوْلُهُ (وَشُفْعَةِ جَارٍ) وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ وَاسْتَبْعَدَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي كُلٍّ حَدِيثٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا سِيَّمَا عُلَمَاءَ الْمَدِينَةِ لَمَّا قَالُوا بِخِلَافِهِمَا صَارَ الْعَمَلُ بِهِمَا كَأَنَّهُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
(وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ) أَيْ حُكْمِ الْقَاضِي عَلَى عَدُوِّهِ عَدَاوَةً دُنْيَوِيَّةً فَيُنْقَضُ (أَوْ) حُكْمٍ (بِشَهَادَةِ كَافِرٍ) عَلَى كَافِرٍ، أَوْ مُسْلِمٍ مَعَ عِلْمِ الْقَاضِي بِذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ) كَعَمَّةٍ وَخَالَةٍ فَيُنْقَضُ (أَوْ) مِيرَاثِ (مَوْلًى أَسْفَلَ) مِنْ مُعْتِقِهِ (أَوْ) حُكْمٍ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ لِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ بَلْ (بِعِلْمٍ) مِنْهُ (سَبَقَ مَجْلِسَهُ) قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا وَأَمَّا لَوْ قَضَى بِمَا عَلِمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِأَنْ أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يُنْقَضُ.
(أَوْ جَعَلَ بَتَّةً) ، أَوْ ثَلَاثًا (وَاحِدَةً) أَيْ حَكَمَ بِذَلِكَ فَيُنْقَضُ وَيُؤَدَّبُ الْمُفْتِي بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِهِ مُنْكَرٌ فِي الدِّينِ (أَوْ) ثَبَتَ (أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا) أَيْ حُكْمًا صَحِيحًا (فَأَخْطَأَ) عَمَّا قَصَدَ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ اشْتِغَالِ بَالٍ (بِبَيِّنَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِثَبَتَ الْمُقَدَّرِ أَيْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ أَخْطَأَ عَمَّا قَصَدَهُ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ بِدُونِ بَيِّنَةٍ فَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ وَيَنْقُضُهُ هُوَ.
(أَوْ)(ظَهَرَ) بَعْدَ قَضَائِهِ (أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ صَبِيَّيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ) فَيَنْقُضُهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ (كَأَحَدِهِمَا) كَمَا إذَا حَكَمَ بِأَحَدِهِمَا مَعَ عَدْلٍ فَيَنْقُضُ (إلَّا بِمَالٍ) وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ (فَلَا يُرَدُّ) إلَيْهِ حُكْمُهُ (إنْ حَلَفَ) الْمَحْكُومُ لَهُ (وَإِلَّا) يَحْلِفْ (أُخِذَ) الْمَالُ (مِنْهُ إنْ حَلَفَ) الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الْعَدْلِ فَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(وَ) إذَا تَبَيَّنَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْقَتْلِ أَنَّ أَحَدَهُمَا غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْعَبْدِ وَمَا مَعَهُ (حَلَفَ) وَلِيُّ الدَّمِ (فِي الْقِصَاصِ) مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (خَمْسِينَ) يَمِينًا
ــ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُنْقَضُ) اعْلَمْ أَنَّ النَّقْضَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِعَدَمِ النَّقْضِ نَظَرًا لِكَوْنِ أَدِلَّتِهَا غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ وَالنَّقْضُ عِنْدَهُ مَقْصُورٌ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقَاطِعِ وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ انْفَرَدَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: وَاسْتَبْعَدَ الْمَازِرِيُّ إلَخْ) بَلْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ فَلَا يُنْقَضُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي كُلٍّ) أَيْ مِنْ اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ وَشُفْعَةِ الْجَارِ. (قَوْلُهُ: حَدِيثٌ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْحُكْمُ فِيهِمَا لَمْ يُخَالِفْ قَاطِعًا وَلَا جَلِيَّ قِيَاسٍ. (قَوْلُهُ: عَدَاوَةً دُنْيَوِيَّةً) أَيْ وَأَمَّا حُكْمُهُ عَلَى عَدُوِّهِ فِي الدِّينِ فَلَا يُنْقَضُ. (قَوْلُهُ: عَلَى كَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ) اعْلَمْ أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا تُقْبَلُ إجْمَاعًا وَأَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَى مِثْلِهِ فَقَبِلَهَا أَبُو حَنِيفَةَ.
(قَوْلُهُ: مَعَ عِلْمِ الْقَاضِي) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يُغَايِرَ قَوْلَهُ بَعْدُ أَوْ ظَهَرَ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْكِتَابِ) أَيْ وَلِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ أَيْضًا وَهُوَ قِيَاسُ الْكَافِرِ عَلَى الْفَاسِقِ فَالْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ لَا يَجُوزُ وَالْكَافِرُ أَشَدُّ فِسْقًا وَأَبْعَدُ عَنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ فَبِمُقْتَضَى الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مُنْتَظِمٌ وَإِلَّا فَلَا نَقْضَ وَإِنَّمَا نُقِضَ الْحُكْمُ بِمِيرَاثِ ذِي الرَّحِمِ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .
(قَوْلُهُ: بِعِلْمٍ) أَيْ بِسَبَبِ عِلْمٍ. (قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهَا) أَيْ وَقَبْلَ جُلُوسِهِ فِي مَحَلِّ الْقَضَاءِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ طَائِعًا وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَكَمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُكْرَهٌ فِي ذَلِكَ الْإِقْرَارِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ وَأَمَّا هُوَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ مَا دَامَ قَاضِيًا لَا إنْ عُزِلَ، ثُمَّ وُلِّيَ وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بَيْنَ يَدَيْهِ مُكْرَهًا فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ مُعْتَبَرٌ عَلَى مَا لِسَحْنُونٍ وَبِهِ الْعَمَلُ عَلَى مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: مُنْكَرٌ فِي الدِّينِ) أَيْ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ فَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِهِ وَلَا الْحُكْمُ وَلَا الْعَمَلُ فِي خَاصَّةِ النَّفْسِ. (قَوْلُهُ: أَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ اعْتَمَدَتْ عَلَى قَرَائِنَ، أَوْ عَلَى إقْرَارِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ أَنَّهُ قَصَدَ الْحُكْمَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَأَخْطَأَ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا إذَا ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ نَقَضَهُ هُوَ إذَا تَرَافَعَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِصِدْقِ نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ إلَخْ) أَيْ وَعِلْمُ الْبَيِّنَةِ بِقَصْدِهِ يَكُونُ بِالْقَرَائِنِ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ) أَيْ بِقَوْلِهِ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ) أَيْ فَاشْتِرَاطُ الْبَيِّنَةِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ نَقْضِهِ لِحُكْمِ غَيْرِهِ وَأَمَّا حُكْمُ نَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِلْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ خَطَأَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ) أَيْ مُطْلَقًا فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ كَأَحَدِهِمَا لِأَجْلِ الِاسْتِثْنَاءِ. (قَوْلُهُ: أَوْ كَافِرَيْنِ) لَا يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ: أَوْ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا حَكَمَ مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِ لَا مَا إذَا أَخْطَأَ كَمَا هُنَا وَلَا يُغْنِي مَا هُنَا عَمَّا سَبَقَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ إذَا حَكَمَ بِكَافِرٍ لَا يُنْقَضُ جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِإِشْهَادِ الْكَافِرِ عَلَى مِثْلِهِ فَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا لَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ اهـ بْن. (قَوْلُهُ: إلَّا بِمَالٍ) أَيْ إلَّا إذَا كَانَ حُكْمُهُ بِأَحَدِهِمَا بِمَالٍ. (قَوْلُهُ: أُخِذَ الْمَالُ مِنْهُ) أَيْ أَخَذَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْمَالَ مِنْ الْمَحْكُومِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْقَتْلِ) أَيْ وَبَعْدَ قَتْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَمَا مَعَهُ) أَيْ كَافِرٍ، أَوْ صَبِيٍّ. (قَوْلُهُ: فِي الْقِصَاصِ) أَيْ فِيمَا إذَا حَصَلَ
(مَعَ عَاصِبِهِ) وَاحِدًا كَانَ، أَوْ أَكْثَرَ إذْ لَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْقَتْلِ بَدَلَ الْقِصَاصِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَحْسَنَ؛ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ إذْ رُبَّمَا تُوُهِّمَ الْقِصَاصُ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ كَالْأَطْرَافِ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ حَلَفَ خَمْسِينَ وَقَوْلُهُ الْآتِي فِي الْقَطْعِ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِصَاصِ خُصُوصُ الْقَتْلِ (وَإِنْ نَكَلَ) وَلِيُّ الدَّمِ أَوْ عَاصِبُهُ (رُدَّتْ) شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْبَاقِي (وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا) بِأَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ وَالْمُرَادُ جِنْسُ الشُّهُودِ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ إذْ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمَا شَاهِدَانِ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَافِرٌ مَثَلًا وَيَخْتَصُّ الْعَالِمُ الْبَاقِي بِغُرْمِ الدِّيَةِ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ تَغْرِيمُ غَيْرِهِ مَعَهُ إنْ لَمْ نَقُلْ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْغُرْمِ إذْ الْغُرْمُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْعَالِمَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ حَالِ صَاحِبِهِ كَانَ هُوَ الْمُتَسَبِّبَ فِي الْإِتْلَافِ فَخُصَّ بِالْغُرْمِ (وَإِلَّا) يَعْلَمُوا (فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ) الدِّيَةُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ حِينَ الْحُكْمِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ.
(وَ) إذَا تَبَيَّنَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ كَعَبْدٍ (فِي الْقَطْعِ) قِصَاصًا لِيَدٍ مَثَلًا حَلَفَ الْمَقْطُوعُ الْأَوَّلُ - وَهُوَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ - مَعَ شَاهِدِهِ الْبَاقِي وَتَمَّ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَمَا يَأْتِي فَإِنْ نَكَلَ (حَلَفَ الْمَقْطُوعُ) قِصَاصًا (أَنَّهَا) أَيْ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي (بَاطِلَةٌ) وَاسْتَحَقَّ دِيَةً مَثَلًا عَلَى الشَّاهِدِ إنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ كَمَا مَرَّ فَقَدْ حَذَفَهُ مِنْ هُنَا لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَنْقُضُهَا هُوَ وَغَيْرُهُ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ يَنْقُضُهَا هُوَ فَقَطْ مَعَ بَيَانِ السَّبَبِ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ (وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ) مِنْهُ (أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيِهِ) إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ خَطَأً
ــ
[حاشية الدسوقي]
الْقِصَاصُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: مَعَ عَاصِبِهِ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِحَلِفَ أَيْ حَلَفَ مُصَاحِبًا لِعَاصِبِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنَّمَا حَلَفَا أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الْبَاقِيَ لَوْثٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَكَلَ وَلِيُّ الدَّمِ، أَوْ عَاصِبُهُ) أَيْ عَنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ. (قَوْلُهُ: رُدَّتْ شَهَادَةُ إلَخْ) أَيْ فَضَمِيرُ رُدَّتْ لِشَهَادَةِ الْبَاقِي وَلَيْسَ رَاجِعًا لِأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْمَعْنَى رُدَّتْ عَلَى وَلِيِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَغَرِمَ شُهُودٌ) أَيْ شَهِدُوا بِالْقَتْلِ دِيَةَ عَمْدٍ وَقَوْلُهُ عَلِمُوا أَيْ حِينَ الشَّهَادَةِ بِأَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ صَبِيٌّ أَوْ فَاسِقٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ شَهَادَتَهُ تُرَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُهُمْ بِالْغُرْمِ وَإِنْ شَارَكَهُمْ الْمُدَّعِي فِي الْعِلْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. (قَوْلُهُ: فَخُصَّ بِالْغُرْمِ) أَيْ وَلَا يُشَارِكُهُ مَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَبْدٌ، أَوْ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى تَرْوِيجِ حَالِهِ فَعُذِرَ قَالَهُ شَيْخُنَا. (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ حِينَ الْحُكْمِ) أَيْ بِأَنَّ أَحَدَ الشُّهُودِ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ فَاسِقٌ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ) أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ عَلِمَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ حِينَ الْحُكْمِ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَوْ انْفَرَدَ بِالْعِلْمِ وَلَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِيمَا يَأْتِي وَإِنْ عَلِمَ بِكَذِبِهِمْ وَحَكَمَ فَالْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ هُنَا بِأَنَّ مَنْ يَشْهَدُ غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِكَذِبِهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْقَطْعِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ وَلَيْسَ قَوْلُهُ: وَفِي الْقَطْعِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقِصَاصِ مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَإِلَّا لَاسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ بَعْدُ حَلَفَ بِحَلِفَ الْمُقَدَّرَةِ بِالْعَطْفِ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْقَطْعِ الْجَرْحَ وَعَبَّرَ بِالْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ الْجِرَاحَاتِ. (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْحُكْمِ) أَيْ بَعْدَ الْقَطْعِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: فِي الْقَطْعِ قِصَاصًا) أَيْ وَأَمَّا إذَا حَكَمَ بِالْقَطْعِ لِلسَّرِقَةِ بِشَاهِدَيْنِ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ الْقَطْعِ أَنَّ أَحَدَهُمَا غَيْرُ مَقْبُولِهَا فَلَا يَحْلِفُ مُقِيمُهَا مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمَقْطُوعُ أَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي بَاطِلَةٌ وَغَرِمَ لَهُ الشَّاهِدُ الْبَاقِي دِيَةَ يَدِهِ إنْ عَلِمَ حِينَ الشَّهَادَةِ أَنَّ الشَّاهِدَ الثَّانِيَ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حِينَ الْحُكْمِ وَإِلَّا كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ. (قَوْلُهُ: حَلَفَ الْمَقْطُوعُ) أَيْ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ حَقٌّ وَإِنَّمَا حَلَفَ الْمَقْطُوعُ الْأَوَّلُ لِكَوْنِ أَصْلِ الدَّعْوَى مِنْهُ فَيَدْفَعُ الْكَذِبَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُقَالُ قَدْ تَمَّ غَرَضُهُ فَلَا يَحْلِفُ لِيَدْفَعَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُودِ الضَّرَرَ قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِي بْن كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْمَشْهُودُ لَهُ هُنَا وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ قَطْعَ الْقِصَاصِ وَقَطْعَ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ خِلَافًا لِتَقْيِيدِ الشَّارِحِ لَهُ بِالْقِصَاصِ. (قَوْلُهُ: حَلَفَ الْمَقْطُوعُ قِصَاصًا) أَيْ وَهُوَ الْمَقْطُوعُ ثَانِيًا وَقَوْلُهُ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَقْطُوعُ ثَانِيًا فَلَا شَيْءَ لَهُ. (قَوْلُهُ: فَقَدْ حَذَفَهُ) أَيْ قَوْلَهُ " وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ ".
(قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ خَوْفِ نِسْبَتِهِ لِلْجَوْرِ وَالْهَوَى. (قَوْلُهُ: وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ) أَيْ وَبَيَّنَ السَّبَبَ وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِ بَيَانِ السَّبَبِ هُنَا بِذِكْرِهِ سَابِقًا وَالْمُرَادُ نَقْضُهُ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِهِ، أَوْ فِي وِلَايَةٍ أُخْرَى بَعْدَ عَزْلِهِ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَنْقُضُهُ فِي الْوِلَايَةِ الثَّانِيَةِ وَكَلَامُ ح يُفِيدُ تَرْجِيحَ مَا قَالَاهُ اهـ عبق. (قَوْلُهُ: إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ) أَيْ إنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُغَايِرَ لِمَا حَكَمَ بِهِ أَصْوَبُ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَهَذَا يَتَأَتَّى فِي الْمُجْتَهِدِ إذَا حَكَمَ بِرَأْيِهِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلٍ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ وَفِي الْمُقَلِّدِ أَيْضًا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ كَمَا إذَا حَكَمَ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَثَلًا، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ قَوْلَ سَحْنُونٍ مَثَلًا أَرْجَحُ مِنْهُ
(أَوْ) خَرَجَ الْمُقَلِّدُ عَنْ (رَأْيِ مُقَلَّدِهِ) بِالْفَتْحِ أَيْ إمَامِهِ خَطَأً أَيْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فَيَنْقُضُهُ فَقَطْ وَأَمَّا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ أَخْطَأَ بِقَرِينَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ كَمَا مَرَّ (وَرَفَعَ) حُكْمُهُ (الْخِلَافَ) فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ فَلَا يَجُوزُ لِمُخَالِفٍ فِيهَا نَقْضُهَا فَإِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ صِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ يَرَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِقَاضٍ غَيْرِهِ وَلَا لَهُ نَقْضُهُ وَلَا يَجُوزُ لِمُفْتٍ عَلِمَ بِحُكْمِهِ أَنْ يُفْتِيَ بِخِلَافِهِ وَهَذَا فِي الْخِلَافِ الْمُعْتَبَرِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا مَا ضَعُفَ مُدْرَكُهُ بِأَنْ خَالَفَ نَصًّا، أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ، أَوْ إجْمَاعًا فَيُنْقَضُ كَمَا مَرَّ وَمِنْ الْمُخَالِفِ لِلْقَوَاعِدِ الْقَطْعِيَّةِ وَظَوَاهِرِ النُّصُوصِ الْحَقِّيَّةِ مَا يُفْعَلُ مِنْ الْحِيَلِ الظَّاهِرَةِ الْفَسَادِ كَأَنْ يُسَلِّفَ غَيْرَهُ مَالًا وَيَقُولَ لَهُ أَنْذِرْ عَلَى نَفْسِك أَنَّهُ مَتَى كَانَ هَذَا الْمَالُ فِي ذِمَّتِك أَنْ تُعْطِيَنِي كُلَّ شَهْرٍ مَثَلًا كَذَا مِنْ الدَّرَاهِمِ، أَوْ أَعْطِنِي أَرْضَك لِأَزْرَعَهَا وَأَبِحْ لِي مَنْفَعَتَهَا مُدَّةَ بَقَاءِ الدَّرَاهِمِ فِي ذِمَّتِك وَحَكَمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُهُ.
(لَا أَحَلَّ حَرَامًا) لِمَحْكُومٍ لَهُ ظَالِمٍ فِي الْوَاقِعِ يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْمُسْتَوْفِيَ لِلشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ لِلْمَحْكُومِ لَهُ إذَا كَانَ ظَالِمًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَمَنْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ وَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى نِكَاحِهَا وَكَانَ الْحَاكِمُ لَا يَرَى الْبَحْثَ عَنْ الْعَدَالَةِ كَالْحَنَفِيِّ، أَوْ كَانَ يَبْحَثُ عَنْهَا كَالْمَالِكِيِّ وَعَجَزَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ تَجْرِيحِهَا فَحَكَمَ بِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ فَحُكْمُهُ لَا يُحِلُّ وَطْأَهَا لَهُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَقَدَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى أَنَّ حُكْمَهُ صَيَّرَهَا زَوْجَةً كَالْعَقْدِ وَكَذَا إذَا طَلَّقَهَا بَائِنًا فَرَفَعَتْهُ وَأَنْكَرَ فَطَلَبَ مِنْهَا الْحَاكِمُ الْبَيِّنَةَ فَعَجَزَتْ فَحَكَمَ بِالزَّوْجِيَّةِ وَعَدَمِ الطَّلَاقِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا نَظَرًا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا وَكَذَا لَوْ ادَّعَى بِدَيْنٍ عَلَى شَخْصٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةَ زُورٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْبَحْثَ عَنْ الْعَدَالَةِ، أَوْ عَجَزَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ تَجْرِيحِهَا أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا، أَوْ حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَهُ أَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ ثُمَّ قَالَ لَكِنْ وَفَّيْته لَهُ فَطَلَبَ مِنْهُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَفَاءِ فَعَجَزَ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي: إنَّهُ لَمْ يُوَفِّنِي مَا أَقَرَّ بِهِ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالدَّيْنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُدَّعِي إذَا كَانَ كَاذِبًا أَنْ يَتَمَلَّكَ هَذَا الدَّيْنَ وَهَذَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الصُّلْحِ " وَلَا يُحِلُّ لِظَالِمٍ " فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُسْتَكْمِلَ لِلشُّرُوطِ الْوَاجِبَ عَلَى الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا يُحِلُّ حَرَامًا لِظَالِمٍ كَاذِبٍ فِي دَعْوَاهُ فَالْحَاكِمُ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ وَهَذَا مِنْ بَدِيهِيَّاتِ الْعُلُومِ لَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُصَنِّفِ اعْتِرَاضٌ.،
ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى لَفْظِ حَكَمْت بَلْ يَكُونُ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى اللُّزُومِ بِقَوْلِهِ (وَنَقْلُ مِلْكٍ)
ــ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: أَوْ خَرَجَ الْمُقَلِّدُ عَنْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ) هَذَا فِي الْمُقَلِّدِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا صَادَفَ حُكْمُهُ قَوْلَ عَالِمٍ وَقَدْ كَانَ قَاصِدًا الْحُكْمَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ وَأَمَّا إنْ حَكَمَ بِشَيْءٍ غَيْرَ قَاصِدٍ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَصَادَفَ قَوْلَ عَالِمٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ وَمُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا كَانَ مُفَوَّضًا لَهُ فِي الْحُكْمِ بِأَيِّ قَوْلٍ قَوِيٍّ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَاءِ مَذْهَبِهِ وَأَمَّا إنْ وُلِّيَ عَلَى الْحُكْمِ بِقَوْلِ عَالِمٍ مُعَيَّنٍ فَحُكْمُهُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ بَاطِلٌ، وَلَوْ حَكَمَ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْزُولٌ عَنْ الْحُكْمِ بِهِ وَأَمَّا إنْ قَصَدَ الْحُكْمَ بِقَوْلِ عَالِمٍ فَحَكَمَ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ فَيُنْقَضُ حُكْمُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ. (قَوْلُهُ: وَرَفَعَ الْخِلَافَ) أَيْ رَفَعَ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الْخِلَافِ فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي فِي جُزْئِيَّةٍ بِفَسْخِ عَقْدٍ لِكَوْنِ مَذْهَبِهِ يَرَاهُ فَالْمُرْتَفِعُ بِحُكْمِهِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْخِلَافِ أَيْ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَحْكُمَ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْجُزْئِيَّةَ يَصِيرُ الْحُكْمُ فِيهَا عِنْدَ الْمُخَالِفِ مِثْلَ مَا حَكَمَ بِهِ فِيهَا إذْ الْخِلَافُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَوْجُودٌ عَلَى حَالِهِ لَا يَرْتَفِعُ إذْ رَفْعُ الْوَاقِعِ مُحَالٌ هَذَا مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ عج وَتَلَامِذَتِهِ وَاَلَّذِي فِي الْبِسَاطِيِّ نَقْلًا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمُرْتَفِعَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ نَفْسُ الْخِلَافِ وَأَنَّ الْجُزْئِيَّةَ الْمَحْكُومَ فِيهَا تَصِيرُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي الْخِلَافِ إلَخْ) الْأَوْلَى وَهَذَا فِي الْحُكْمِ الْمُعْتَبَرِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَا قَوِيَ مُدْرَكُهُ وَأَمَّا مَا ضَعُفَ إلَخْ وَقَوْلُهُ: فَيُنْقَضُ الْأَنْسَبُ فَلَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ بَلْ يُنْقَضُ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: وَحَكَمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ) أَيْ شَافِعِيٌّ يَرَى جَوَازَ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُهُ) أَيْ وَلَا يَرْفَعُ خِلَافًا لِمُخَالَفَتِهِ لِلْقَاعِدَةِ الْقَطْعِيَّةِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا وَالرِّبَا مُحَرَّمٌ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ الْحَاكِمُ لَا يَرَى الْبَحْثَ عَنْ الْعَدَالَةِ كَالْحَنَفِيِّ) أَيْ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ وَالتَّجْرِيحَ عِنْدَهُ مَنْدُوبَانِ لَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا. (قَوْلُهُ: فَرَفَعَتْهُ) أَيْ لِلْقَاضِي مُدَّعِيَةً عَلَيْهِ أَنَّهُ أَبَانَهَا فَأَنْكَرَ الطَّلَاقَ مِنْ أَصْلِهِ. (قَوْلُهُ: لَوْ ادَّعَى بِدَيْنٍ عَلَى شَخْصٍ) أَيْ وَفِي الْوَاقِعِ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. (قَوْلُهُ: يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ) فِيهِ مَيْلٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبِسَاطِيِّ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُحِلُّ حَرَامًا لِظَالِمٍ) أَيْ وَأَمَّا غَيْرُهُ - وَهُوَ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِمَا ادَّعَاهُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَاكِمِ، وَغَيْرُهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ - فَيُحِلُّ لَهُ الْحَرَامَ لِرَفْعِهِ الْخِلَافَ فِي حَقِّهِ. (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَنَاقُضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا رَفَعَ حُكْمُهُ الْخِلَافَ كَانَ مُحِلًّا لِلْحَرَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِصِحَّةِ نِكَاحِ مَنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا كَانَ حُكْمُهُ رَافِعًا لِلْخِلَافِ فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْمَالِكِيِّ نَقْضُ هَذَا الْحُكْمِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ وَيَجُوزُ لِذَلِكَ الزَّوْجِ الْمَحْكُومِ لَهُ وَلَوْ مَالِكِيًّا وَطْؤُهَا وَعَدَمُ مُفَارَقَتِهَا فَقَدْ رَفَعَ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافَ وَأَحَلَّ الْحَرَامَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَكَذَا
(وَفَسْخُ عَقْدٍ) كَأَنْ يَقُولَ نَقَلْت مِلْكَ هَذِهِ السِّلْعَةِ لِزَيْدٍ، أَوْ مَلَّكْتُهَا لَهُ أَوْ فَسَخْتُ عَقْدَ هَذَا النِّكَاحِ، أَوْ الْبَيْعِ أَوْ أَبْطَلْته وَلَوْ لَمْ يَقُلْ حَكَمْت بِذَلِكَ وَهَذَا بَعْدَ حُصُولِ مَا يَجِبُ فِي الْحُكْمِ مِنْ تَقَدُّمِ دَعْوَى وَبَيِّنَةٍ وَتَزْكِيَةٍ، وَإِعْذَارٍ، أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ مِنْ تَقَدُّمِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَصِحَّتُهَا بِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِإِقْرَارِهِ (وَتَقَرُّرُ نِكَاحٍ) أَيْ تَقْرِيرُهُ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقَعَ (بِلَا وَلِيٍّ) بِأَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ مَعَ شَاهِدَيْنِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَأَرَادَ بِالتَّقْرِيرِ السُّكُوتَ حِينَ رُفِعَ لِحَنَفِيٍّ أَمْرُهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ فَسُكُوتُهُ حُكْمٌ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ قَرَّرْته، وَأَنَّ مُجَرَّدَ السُّكُوتِ لَا يُعَدُّ حُكْمًا يَرْفَعُ الْخِلَافَ، وَقَوْلُهُ (حُكْمٌ) خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: وَنَقْلُ مِلْكٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ أَيْ فَيَرْتَفِعُ بِهِ الْخِلَافُ إنْ وَقَعَ مِمَّنْ يَرَاهُ فَاقْتَضَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِتَقْرِيرِ نِكَاحِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ لَا يُنْقَضُ بِخِلَافِ حُكْمِهِ بِاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ وَشُفْعَةِ الْجَارِ مَعَ أَنَّ مَدْرَكَ تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا أَضْعَفُ مِنْ مَدْرَكِهِمَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
(لَا) إنْ قَالَ حَاكِمٌ رُفِعَتْ إلَيْهِ نَازِلَةٌ كَمَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ (لَا أُجِيزُهُ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخٍ وَلَا إمْضَاءٍ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ فَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ فِيهَا بِمَا يَرَاهُ مِنْ مَذْهَبِهِ.
(أَوْ)(أَفْتَى) بِحُكْمٍ بِأَنْ سُئِلَ عَنْ قَضِيَّةٍ فَأَخْبَرَ السَّائِلُ بِحُكْمِهَا فَلَا يَكُونُ إفْتَاؤُهُ حُكْمًا يَرْفَعُ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ إخْبَارٌ لَا إلْزَامٌ.
(وَ) إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي جُزْئِيَّةٍ (لَمْ يَتَعَدَّ) حُكْمُهُ (لِمُمَاثِلٍ) لَهَا
ــ
[حاشية الدسوقي]
إذَا حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِحِلِّ مَبْتُوتَةِ مَالِكِيٍّ بِوَطْءِ صَغِيرٍ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ - فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الْمَالِكِيِّ نَقْضُهُ وَالْحُكْمُ بِعَدَمِ الْحِلِّ - وَمُحِلٌّ لِلْحَرَامِ عَلَى مَذْهَبِ الزَّوْجِ وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ لِلْمَحْكُومِ لَهُ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ ظَالِمًا فِي الْوَاقِعِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ ظَاهِرُهُ جَائِزٌ وَبَاطِنُهُ مَمْنُوعٌ بِحَيْثُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحْكُمْ بِجَوَازِهِ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ ظَاهِرُهُ كَبَاطِنِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِهِ يُحِلُّ الْحَرَامَ كَمَا فِي الْمِثَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي بْن أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ مَا بَاطِنُهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِهِ بِحَيْثُ لَوْ اطَّلَعَ الْحَاكِمُ عَلَى بَاطِنِهِ لَمْ يَحْكُمْ فَحُكْمُ الْحَاكِمِ فِي هَذَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَلَا يُحِلُّ الْحَرَامَ وَهَذَا مَحْمَلُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا أَحَلَّ حَرَامًا وَمَا بَاطِنُهُ كَظَاهِرِهِ وَهَذَا إنْ حَكَمَ الْمُخَالِفُ فِيهِ بِقَوْلٍ غَيْرِ شَاذٍّ كَحُكْمِ الشَّافِعِيِّ بِحِلِّ الْمَبْتُوتَةِ بِوَطْءِ الصَّغِيرِ كَانَ حُكْمُهُ رَافِعًا لِلْخِلَافِ وَمُحِلًّا لِلْحَرَامِ عَلَى مَذْهَبِ خِلَافِهِ وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِهِ وَرَفَعَ الْخِلَافَ وَإِنْ حَكَمَ فِيهِ الْمُخَالِفُ بِالشَّاذِّ كَالْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَهَذَا حُكْمُهُ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ كَالْأَوَّلِ فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ لَا أَحَلَّ حَرَامًا وَعِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ حُكْمُهُ كَالثَّانِي فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ وَرَفَعَ الْخِلَافَ وَهُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ.
(قَوْلُهُ: وَفَسْخُ عَقْدٍ) أَيْ مُعَيَّنٍ رُفِعَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا بَعْدَ حُصُولِ إلَخْ) أَيْ وَمَحَلُّ كَوْنِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَلْفَاظِ حُكْمًا إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ بَعْدَ حُصُولِ إلَخْ أَيْ وَأَمَّا إذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ قَبْلَ حُصُولِ مَا يَجِبُ فِي الْحُكْمِ فِيمَا ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ إلَخْ) وَفِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَقَدُّمُ دَعْوَى أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَائِبِ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ وَإِذَا جَاءَ سَمَّى لَهُ الْبَيِّنَةَ وَأَعْذَرَ لَهُ فِيهَا فَإِنْ أَبْدَى مَطْعَنًا نَقَضَ الْحُكْمَ وَإِلَّا فَلَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ لَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ إلَخْ يَعْنِي عَلَى الْحَاضِرِ وَقَرِيبِ الْغَيْبَةِ كَالْغَائِبِ عَلَى مَسَافَةِ الْيَوْمَيْنِ وَأَمَّا بَعِيدُ الْغَيْبَةِ وَمُتَوَسِّطُهَا فَيَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْبِنَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَقَرَّرَ نِكَاحٌ وَأَوْلَى إذَا كَانَ التَّقْرِيرُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَهُوَ نَصٌّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) هَذَا الْبَحْثُ لِلشَّارِحِ وَفِي عبق وخش أَنَّ سُكُوتَ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ حِينَ رُفِعَ إلَيْهِ أَمْرُ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَدَمَ تَكَلُّمِهِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ حُكْمٌ عِنْدَنَا وَسَلَّمَ ذَلِكَ شَيْخُنَا وبن. (قَوْلُهُ: إنْ وَقَعَ مِمَّنْ يَرَاهُ) احْتَرَزَ بِذَلِكَ مِنْ تَقْرِيرِ النِّكَاحِ الْمَذْكُورِ مِنْ مَالِكِيٍّ فَإِنَّ لِغَيْرِهِ نَقْضَهُ لِخُرُوجِ الْمَالِكِيِّ عَنْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ وَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُ وَلَا حُكْمُهُ بِهِ حُكْمًا رَافِعًا لِلْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: لَا لَا أُجِيزُهُ) أَيْ وَكَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا أَيْ صِحَّةُ الْبَيْعِ، أَوْ فَسَادُهُ، أَوْ مِلْكُ فُلَانٍ لِسِلْعَةِ كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَيْسَ قَوْلُ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا حُكْمًا بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَالَ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْقَرَوِيِّينَ غَلِطَ فِي ذَلِكَ وَأَلَّفَ الْمَازِرِيُّ جُزْءًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ انْتَهَى وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِحُكْمٍ) أَيْ وَإِنَّمَا هُوَ إفْتَاءٌ. (قَوْلُهُ: فَلِغَيْرِهِ إلَخْ) أَيْ ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَحْكُمْ بِشَيْءٍ. (قَوْلُهُ: بِمَا يَرَاهُ مِنْ مَذْهَبِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْإِمْضَاءَ، أَوْ الْفَسْخَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَفْتَى إلَخْ) أَيْ كَمَا لَوْ سُئِلَ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ فَأَفْتَى بِصِحَّةِ الْعَقْدِ أَيْ فَلَا يَكُونُ إفْتَاؤُهُ حُكْمًا يَرْفَعُ خِلَافًا فَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِ النِّكَاحِ الْمَذْكُورِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ) أَيْ لِأَنَّ إفْتَاءَ الْحَنَفِيِّ بِصِحَّتِهِ إخْبَارٌ بِالْحُكْمِ لَا إلْزَامٌ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ جَزْمُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى وَجْهِ مُجَرَّدِ إعْلَامِهِ بِهِ فَتْوَى لَا حُكْمٌ وَجَزْمُهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ حُكْمٌ.
(قَوْلُهُ: لِمُمَاثِلٍ) أَيْ لِجُزْئِيَّةٍ تَحْدُثُ مُمَاثِلَةٍ لِلْجُزْئِيَّةِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌّ.
(بَلْ إنْ تَجَدَّدَ) الْمُمَاثِلُ (فَالِاجْتِهَادُ) مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ أَيْضًا فَإِنْ تَجَدَّدَ مُمَاثِلٌ حَكَمَ بِمِثْلِ مَا حَكَمَ بِهِ أَوْ لَا لِحُكْمِهِ بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ دَائِمًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ فِي الْمَذْهَبِ فَلَهُ مُخَالَفَةُ الْأَوَّلِ إنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مُقَابِلُهُ (كَفَسْخٍ) لِنِكَاحٍ (بِرَضْعِ كَبِيرٍ) أَيْ بِسَبَبِهِ، وَالْكَبِيرُ مَنْ زَادَ عُمْرُهُ عَلَى حَوْلَيْنِ وَشَهْرَيْنِ فَلَوْ تَزَوَّجَ بِبِنْتِ مَنْ أَرْضَعَتْهُ كَبِيرًا فَرُفِعَ لِمَنْ يَرَى التَّحْرِيمَ بِرَضْعِ الْكَبِيرِ فَفَسَخَهُ فَلَا يَتَعَدَّى لِمُمَاثِلِهِ فَإِنْ تَجَدَّدَ فَالِاجْتِهَادُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (وَ) كَفَسْخِ نِكَاحٍ بِ (تَأْبِيدِ) حُرْمَةِ نِكَاحِ مَنْكُوحَةِ (عِدَّةٍ) أَيْ حَكَمَ بِفَسْخِ عَقْدِهِ فِي الْعِدَّةِ بِسَبَبِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ يُؤَبِّدُ التَّحْرِيمَ فَحُكْمُهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّدِ الْفَسْخِ بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ بِحَيْثُ يَحْكُمُ فِيهِمَا بِالصِّحَّةِ وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَمْ يَتَعَدَّ إلَيْهِ الْحُكْمُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى الْفَسْخِ فَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِلِاجْتِهَادِ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَهِيَ) أَيْ الْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (كَغَيْرِهَا) مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهَا فَسْخٌ بِسَبَبِ رَضَاعٍ فِي الْأُولَى وَلَا بِسَبَبِ عَقْدٍ فِي الْعِدَّةِ فِي الثَّانِيَةِ (فِي الْمُسْتَقْبَلِ) فَلَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا لِمَنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ حَيْثُ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ حَكَمَ بِالتَّأْبِيدِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ فَلَا تَكُونُ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
(وَلَا يَدْعُو) الْقَاضِي (لِصُلْحٍ) بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ (إنْ ظَهَرَ وَجْهٌ) أَيْ وَجْهُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ الْمُعْتَبَرَيْنِ شَرْعًا إلَّا أَنْ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا كَذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ، أَوْ خَشْيَةَ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ كَمَا مَرَّ.
(وَلَا يَسْتَنِدُ) فِي حُكْمِهِ (لِعِلْمِهِ) فِي الْحَادِثَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ، أَوْ الْإِقْرَارِ (إلَّا فِي التَّعْدِيلِ) لِشَاهِدٍ فَيَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ بِعَدَالَتِهِ وَلَكِنْ يَقْبَلُ فِيهِ تَجْرِيحَ مَنْ جَرَّحَ؛ لِأَنَّ التَّجْرِيحَ يُقَدَّمُ عَلَى التَّعْدِيلِ (وَالْجَرْحِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ التَّجْرِيحِ فَعِلْمُهُ بِهِ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ الْمُعَدِّلَةِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: بَلْ إنْ تَجَدَّدَ الْمُمَاثِلُ فَالِاجْتِهَادُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ فِي مَسْأَلَةٍ بِشَيْءٍ مَانِعًا لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكْمِ بِخِلَافِهِ فِي نَظِيرَتِهَا نَعَمْ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ إذَا رُفِعَتْ إلَيْهِ تِلْكَ النَّازِلَةُ الَّتِي حَكَمَ الْأَوَّلُ فِيهَا بِعَيْنِهَا أَنْ يَنْقُضَهَا. (قَوْلُهُ: فَلَهُ مُخَالَفَةُ الْأَوَّلِ) أَيْ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمُتَجَدِّدِ الْمُمَاثِلِ بِحُكْمٍ مُخَالِفٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: إنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مُقَابِلُهُ أَيْ مُقَابِلُ الْقَوْلِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ أَوَّلًا. (قَوْلُهُ: كَفَسْخٍ إلَخْ) هَذِهِ أَمْثِلَةٌ لِلْمُتَجَدِّدِ الْمُعَرَّضِ لِلِاجْتِهَادِ أَيْ كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِسَبَبِ رَضْعِ كَبِيرٍ، وَصُورَتُهَا رَجُلٌ رَضَعَ مَعَ امْرَأَةٍ وَهُمَا كَبِيرَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا كَبِيرٌ وَالْآخَرُ صَغِيرٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ رَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ وَهُوَ كَبِيرٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِبِنْتِهَا فَحَكَمَ قَاضٍ بِفَسْخِ نِكَاحِهِمَا بِسَبَبِ الرَّضَاعِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا ثَانِيَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ النِّكَاحِ الثَّانِي لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ حَيْثُ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَوْ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَى نَشْرَ الْحُرْمَةِ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ فَيَحْكُمُ بِتَقْرِيرِ هَذَا النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ النِّكَاحِ الَّذِي حُكِمَ بِفَسْخِهِ؛ إذْ هُمَا نِكَاحَانِ وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ فَسْخِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ لِمَنْ يَرَى أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ لَا يُحَرِّمُ فَيَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَعَدَّى لِمُمَاثِلِهِ) أَيْ فَلَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِفَسْخٍ لِمُمَاثِلِ ذَلِكَ النِّكَاحِ سَوَاءٌ كَانَ لِشَخْصٍ آخَرَ، أَوْ لِلْأَوَّلِ كَمَا مَثَّلْنَا. (قَوْلُهُ: وَتَأْبِيدِ مَنْكُوحَةِ عِدَّةٍ) صُورَتُهَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي الْعِدَّةِ وَدَخَلَ بِهَا فَفَسَخَ الْقَاضِي نِكَاحَهُمَا لِكَوْنِهِ يَرَى تَأْبِيدَ الْحُرْمَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّأْبِيدِ بَلْ سَكَتَ عَنْهُ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا ذَلِكَ الزَّوْجُ ثَانِيَةً فَلِلْحَاكِمِ الْأَوَّلِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَرَأَى عَدَمَ التَّأْبِيدِ وَلِغَيْرِهِ إذَا رَأَى ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّ هَذَا النِّكَاحَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِفَسْخِهِ إنَّمَا هُوَ لِفَسَادِهِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِالتَّأْبِيدِ فَإِنْ حَكَمَ الْأَوَّلُ بِالْفَسْخِ وَالتَّأْبِيدِ مَعًا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُ هَذَا النِّكَاحِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ مُحَرِّمٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ النِّكَاحِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ) أَيْ وَهُوَ الرَّضَاعُ فِي الْأُولَى وَتَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ فِي الثَّانِيَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ هُوَ) أَيْ تَأْبِيدُ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ) أَيْ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ غَالِبًا مِنْ حَطِيطَةٍ فَالْأَمْرُ بِهِ فِيهِ تَضْيِيعٌ لِبَعْضِ الْحَقِّ. (قَوْلُهُ: إنْ ظَهَرَ وَجْهُ الْحَقِّ) أَيْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ ظَهَرَ وَجْهُ الْحَقِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ الْحَقِّ بِأَنْ أَشْكَلَ وَجْهُ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يَدْعُو لَهُ، وَإِشْكَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ عَدَمُ وِجْدَانِ أَصْلٍ لِلنَّازِلَةِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، الثَّانِي أَنْ يَشُكَّ هَلْ هِيَ مِنْ أَصْلِ كَذَا أَمْ لَا، الثَّالِثُ أَنْ يَجِدَ فِي النَّازِلَةِ قَوْلَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ دُونَ تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهِمَا اُنْظُرْ بْن. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَرَى لِذَلِكَ) أَيْ لِلصُّلْحِ وَجْهًا كَكَوْنِهِ بَيْنَ ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ، أَوْ خَشْيَةَ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَنِدُ) أَيْ الْقَاضِي وَلَوْ مُجْتَهِدًا. (قَوْلُهُ: إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ) أَيْ وَإِلَّا فِي تَأْدِيبِ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ بِمَجْلِسِهِ، أَوْ عَلَى مُفْتٍ، أَوْ شَاهِدٍ، أَوْ عَلَى خَصْمِهِ وَمَنْ تَبَيَّنَ لَدَدُهُ، أَوْ كَذِبُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يَقْبَلُ فِيهِ تَجْرِيحَ مَنْ جَرَّحَ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْقَاضِي فِيهِ. (قَوْلُهُ: فَعِلْمُهُ بِهِ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ الْمُعَدِّلَةِ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ بِهِ وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالتَّعْدِيلِ إلَّا أَنْ يَطُولَ مَا بَيْنَ عِلْمِهِ بِجُرْحَتِهِ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ بِتَعْدِيلِهِ فَتَقَدَّمَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَتَّبِعُ عِلْمَهُ فَإِذَا عَلِمَ عَدَالَةَ شَاهِدٍ تَبِعَ عِلْمَهُ وَلَا يَحْتَاجُ لِطَلَبِ تَزْكِيَتِهِ مَا لَمْ يُجَرِّحْهُ أَحَدٌ وَإِلَّا فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ
(كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ) أَيْ بِالتَّعْدِيلِ أَوْ الْجَرْحِ فَيَسْتَنِدُ لَهَا إنْ لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ، أَوْ يَعْلَمْ الْقَاضِي مِنْهُ خِلَافَ مَا اُشْتُهِرَ (أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ) الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (بِالْعَدَالَةِ) لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَيَحْكُمُ بِذَلِكَ وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي خِلَافَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِعَدَالَتِهِ كَإِقْرَارِهِ بِالْحَقِّ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ) بِحَقٍّ لِإِقْرَارِهِ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ (إقْرَارَهُ) مَفْعُولُ " أَنْكَرَ " أَيْ أَنْكَرَ إقْرَارَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ (لَمْ يُفِدْهُ) إنْكَارُهُ وَتَمَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ " بَعْدَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِأَنْكَرَ أَيْ أَنْكَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ إقْرَارَهُ قَبْلَهُ وَأَمَّا لَوْ أَنْكَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحُكْمِ الْمُسْتَنِدِ لِعِلْمِهِ مَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِهِ.
(وَإِنْ شَهِدَا) أَيْ الْعَدْلَانِ عَلَى الْقَاضِي (بِحُكْمٍ نَسِيَهُ) أَيْ ادَّعَى نِسْيَانَهُ (أَوْ أَنْكَرَهُ) أَيْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنْهُ (أَمْضَاهُ) أَيْ وَجَبَ إمْضَاؤُهُ عَمَلًا بِشَهَادَتِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ مَعْزُولًا أَمْ لَا.
وَلَمَّا كَانَ الْإِنْهَاءُ جَائِزًا مَعْمُولًا بِهِ شَرْعًا وَهُوَ تَبْلِيغُ الْقَاضِي حُكْمَهُ أَوْ مَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِمَّا هُوَ دُونَهُ كَسَمَاعِ الدَّعْوَى لِقَاضٍ آخَرَ لِأَجْلِ أَنْ يُتِمَّهُ أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ (وَأَنْهَى) قَاضٍ جَوَازًا (لِغَيْرِهِ) مِنْ الْقُضَاةِ إمَّا (بِمُشَافَهَةٍ) أَيْ مُخَاطَبَةٍ وَمُكَالَمَةٍ بِمَا حَكَمَ بِهِ، أَوْ بِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ الْبَيِّنَةِ مَعَ تَزْكِيَةٍ أَوْ دُونِهَا (إنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ) بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَاكِثًا بِطَرَفِ وِلَايَتِهِ، وَيُخَاطِبَ صَاحِبَهُ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا لَمْ يَكُنْ بِوِلَايَتِهِ كَانَ مَعْزُولًا (وَ) إمَّا (بِشَاهِدَيْنِ) يُشْهِدُهُمَا عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ يَشْهَدَانِ عِنْدَ آخَرَ بِمَا حَصَلَ عِنْدَ الْأَوَّلِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَإِذَا عَلِمَ جُرْحَةَ شَاهِدٍ فَلَا يَقْبَلُهُ وَلَوْ عَدَّلَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُعَدِّلُ لَهُ كُلَّ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَطُولَ مَا بَيْنَ عِلْمِهِ بِجُرْحَتِهِ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ بِتَعْدِيلِهِ وَإِلَّا قُدِّمَ الْمُعَدِّلُ لَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ الْقَاضِي هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي بْن خِلَافًا لِمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِنْ تَقْدِيمِ عِلْمِهِ بِالْعَدَالَةِ عَلَى تَجْرِيحِ الْبَيِّنَةِ. (قَوْلُهُ: كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ) أَيْ كَمَا يَسْتَنِدُ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ لِلشُّهْرَةِ فَإِذَا كَانَ إنْسَانٌ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ عِنْدَ النَّاسِ قَبِلَهُ وَلَا يَطْلُبُ مَنْ يُزَكِّيهِ وَإِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِالْجُرْحَةِ فَلَا يَقْبَلُهُ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِ مَا اُشْتُهِرَ، أَوْ يَعْلَمَ الْقَاضِي خِلَافَهُ وَإِلَّا عَمِلَ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ. (قَوْلُهُ: أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ) أَيْ وَكَمَا يَسْتَنِدُ فِي التَّعْدِيلِ لِإِقْرَارِ الْخَصْمِ بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِعَدَالَتِهِمْ قَبْلَ أَدَائِهِمْ لِلشَّهَادَةِ، أَوْ بَعْدَ أَدَائِهَا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي) أَيْ أَوْ عُلِمَتْ بَيِّنَةٌ خِلَافُ ذَلِكَ أَيْ خِلَافُ عَدَالَتِهِ وَقَوْلُهُ فَيَحْكُمُ بِذَلِكَ أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَزْكِيَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَنْكَرَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْخَصْمَ إذَا أَقَرَّ بِالْحَقِّ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَحَكَمَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ وَأَنْكَرَ الْخَصْمُ إقْرَارَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ فَإِنَّ إنْكَارَهُ لَا يُفِيدُ وَالْحُكْمُ قَدْ تَمَّ فَلَا يُنْقَضُ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا لَوْ أَنْكَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إشْهَادٌ عَلَى إقْرَارِهِ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ: إنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا قَالَ ح إنَّ الْخَصْمَ إذَا أَقَرَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً بِمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ وَمُقَابِلُهُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ النُّزُولُ وَهُوَ مَا إذَا أَقَرَّ عِنْدَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ وَأَنْكَرَ الْخَصْمُ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا يُفِيدُهُ إنْكَارُهُ وَتَمَّ الْحُكْمُ وَلَا يُنْقَضُ اهـ وَتَبِعَهُ عج وعبق عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَا: لَمْ يُفِدْهُ إنْكَارُهُ وَتَمَّ الْحُكْمُ وَإِنْ نُهِيَ عَنْ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ شُهُودٍ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالْإِقْرَارِ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ اسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ حَتَّى حَكَمَ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْكَرَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَاعْتَرَضَهُ طفى بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ الْوَاقِعِ فِي مَجْلِسِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَنْكَرَ أَمَّا إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ فَمَحَلُّ اتِّفَاقٍ فِي أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَنْكَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنْكَرَهُ) لَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا لَفُهِمَ مِنْهُ النِّسْيَانُ بِالْأَوْلَى وَعَكْسُهُ أَيْضًا وَهُوَ مَا إذَا أَنْكَرَ الشَّاهِدَانِ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْقَاضِي فِيمَا حَكَمَ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ شَهِدْتُمَا وَحَكَمْتُ بِشَهَادَتِكُمَا فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُرْفَعُ الْأَمْرُ لِذِي سَلْطَنَةٍ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا بِالْعَدَالَةِ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ مَعَ إنْكَارِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِهَا ابْتَدَأَ السُّلْطَانُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَلَا غُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ. (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مَعْزُولًا أَمْ لَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْقَاضِي حِينَ شَهَادَتِهِمْ بِالْحُكْمِ مَعْزُولًا أَمْ لَا لَكِنْ إنْ كَانَ مَعْزُولًا أَمْضَاهُ الْمُوَلَّى بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْزُولٍ أَمْضَاهُ هُوَ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ تَبْلِيغُ الْقَاضِي حُكْمَهُ) أَيْ لِقَاضٍ آخَرَ لِيُنَفِّذَهُ، أَوْ تَبْلِيغُ مَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِمَّا هُوَ دُونَهُ أَيْ دُونَ الْحُكْمِ لِقَاضٍ آخَرَ لِأَجْلِ أَنْ يُتِمَّهُ فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ حَذْفٌ وَالْأَصْلُ لِأَجْلِ أَنْ يُتِمَّهُ أَوْ يُنَفِّذَهُ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ كُلٌّ) أَيْ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ الْمُنْهِي وَالْمُنْهَى إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: كَانَ مَعْزُولًا) أَيْ فَإِذَا كَانَ الْمُنْهِي بِغَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ كَانَ كَلَامُهُ لِلْمُنْهَى إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ إخْبَارِهِ، أَوْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ بِأَنَّهُ قَضَى بِكَذَا وَالْمُنْهَى إلَيْهِ إذَا سَمِعَ بِغَيْرِ وِلَايَتِهِ كَانَ فِي حُكْمِهِ بَعْدَ اسْتِنَادٍ لِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ. (قَوْلُهُ: يُشْهِدُهُمَا) أَيْ الْقَاضِي الْمُنْهِي وَقَوْلُهُ: عَلَى حُكْمِهِ أَيْ أَوْ عَلَى مَا حَصَلَ عِنْدَهُ دُونَهُ وَقَوْلُهُ: ثُمَّ يَشْهَدَانِ عِنْدَ آخَرَ أَيْ أَوْ يُرْسِلُهُمَا بِكِتَابِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحُكْمِ، أَوْ عَلَى مَا حَصَلَ دُونَهُ لِيَشْهَدُوا عِنْدَ الْقَاضِي الْمُنْهَى إلَيْهِ أَنَّ هَذَا كِتَابُ
فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ أَيْ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ فَقَدْ حَذَفَهُ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُشْهِدَهُمَا الْأَوَّلُ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَأَنْ يُبْلِغَا الْمُنْهَى إلَيْهِ بِوِلَايَتِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ (مُطْلَقًا) فَمَعْنَاهُ سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ الْمَحْكُومُ بِهِ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِأَرْبَعَةٍ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِامْرَأَةٍ فَلَا يَكُونُ الْإِنْهَاءُ بِشَاهِدٍ وَلَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَأَوْلَى مُجَرَّدُ إرْسَالِ كِتَابٍ كَمَا يَأْتِي (وَاعْتَمَدَ) الْمُنْهَى إلَيْهِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى شَهَادَتِهِمَا (وَإِنْ خَالَفَا) فِي شَهَادَتِهِمَا (كِتَابَهُ) الَّذِي أَرْسَلَهُ مَعَهُمَا (وَنُدِبَ خَتْمُهُ) لِأَنَّهُ أَدْعَى لِلْقَبُولِ، وَسَوَاءٌ قَرَأَهُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، أَوْ لَا.
(وَلَمْ يُفِدْ) الْكِتَابُ (وَحْدَهُ) مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَلَى الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ شَهَادَةَ وَاحِدٍ فَقَطْ أَوْ مَعَ يَمِينٍ تُفِيدُ مَعَ الْكِتَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي الْفُلَانِيِّ وَأَنَّهُ أَشْهَدَهُمَا عَلَى مَا فِيهِ (وَأَدَّيَا) مَا أَشْهَدَهُمَا بِهِ (وَإِنْ عِنْدَ) قَاضٍ (غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُنْهَى إلَيْهِ لِعَزْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَلَوْ كَتَبَ فِيهِ اسْمَ الْمُنْهَى إلَيْهِ.
(وَ) لَوْ دَفَعَ الْقَاضِي كِتَابًا مَطْوِيًّا إلَى الشُّهُودِ (أَفَادَ) الْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ (إنْ أَشْهَدَهُمَا أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمُهُ، أَوْ خَطُّهُ) وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ لَا تَكْفِي وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ تَكْفِي
ــ
[حاشية الدسوقي]
فُلَانٍ الْقَاضِي، وَأَنَّهُ أَشْهَدَنَا بِمَا فِيهِ. (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ) أَيْ تَنْفِيذُ مَا حَصَلَ عِنْدَ الْأَوَّلِ مِنْ حُكْمٍ، أَوْ مَا هُوَ دُونَهُ، وَتَنْفِيذُ الثَّانِي بِالْبِنَاءِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ اسْتِئْنَافِ الدَّعْوَى مِنْ أَوَّلِهَا. (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ أَنْ يُشْهِدَهُمَا الْأَوَّلُ) أَيْ عَلَى مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنْ حُكْمٍ، أَوْ مَا هُوَ دُونَهُ.
(قَوْلُهُ: يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ) أَيْ كَنِكَاحٍ وَعِتْقٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ بِأَرْبَعَةٍ أَيْ كَالزِّنَا وَكِفَايَةُ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْإِنْهَاءِ فِي الزِّنَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَا إلَّا إنْهَاءُ أَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ بِالزِّنَا ابْنُ يُونُسَ: وَقَوْلُ سَحْنُونٍ عِنْدِي أَبْيَنُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) أَيْ أَوْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ كَالْمَالِ وَمَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِنْهَاءِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُشَافَهَةٍ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ مَالًا، أَوْ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ وَلَا يَكْفِي شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، وَمَا اخْتَارَهُ الدَّمِيرِيُّ أَخْذٌ بِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ عج فِي شَرْحِهِ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ الْقَاضِي بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إلَّا فِي الْمَالِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ فَيَثْبُتُ بِهِمَا فَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ مُطْلَقًا وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي هَلْ يَكْفِي ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ، أَوْ لَا يَكْفِي وَالْخِلَافُ مَبْسُوطٌ فِي بْن وَفِيهِ أَيْضًا الرَّدُّ عَلَى طفى الرَّادِّ عَلَى عج فَانْظُرْهُ إنْ شِئْت. (قَوْلُهُ: وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا) أَيْ وَاعْتَمَدَ الْقَاضِي الْمُنْهَى إلَيْهِ كِتَابُ قَاضٍ مَعَ شَاهِدَيْنِ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ خَالَفَا كِتَابَهُ الْوَاوُ لِلْحَالِ؛ إذْ صُورَةُ الْمُوَافَقَةِ لَا تُتَوَهَّمُ وَمَحَلُّ اعْتِمَادِهِ عَلَى شَهَادَتِهِمَا مَعَ مُخَالَفَةِ كِتَابِهِ إذَا طَابَقَتْ شَهَادَتُهُمَا الدَّعْوَى وَإِلَّا لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِمَا فِي شَهَادَتِهِمَا. (قَوْلُهُ: وَنُدِبَ خَتْمُهُ) أَيْ مِنْ خَارِجِهِ عَلَى نَحْوِ شَمْعَةٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُسْرَقَ، أَوْ يَسْقُطَ مِنْ الشُّهُودِ فَيُزَادَ فِيهِ، أَوْ يُنْقَصَ مِنْهُ وَأَمَّا خَتْمُهُ مِنْ دَاخِلِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ عَدَمُ قَبُولِ غَيْرِ الْمَخْتُومِ مِنْ دَاخِلِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ) أَيْ بِدُونِ شُهُودِ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي وَأَنَّهُ أَشْهَدَنَا عَلَى مَا فِيهِ وَفِي بْن الْعَمَلُ بِخَطِّ الْقُضَاةِ وَحْدَهُ إنْ عُرِفَ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ مَاتَ، أَوْ عُزِلَ الْمُنْهِي، أَوْ الْمُنْهَى إلَيْهِ قَبْلَ الْوُصُولِ، وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِنَا عَلَى قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَحْكَامِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّ الْقَاضِي دُونَ إشْهَادٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَاتَمٍ مَعْرُوفٍ لِضَرُورَةِ رَفْعِ مَشَقَّةِ مَجِيءِ الْبَيِّنَةِ مَعَ الْكِتَابِ لَا سِيَّمَا مَعَ انْتِشَارِ الْخُطَّةِ وَبُعْدِ الْمَسَافَةِ فَإِذَا ثَبَتَ وَجْهُ الْعَمَلِ بِذَلِكَ بِأَنْ ثَبَتَ خَطُّ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ عَارِفَةٍ بِالْخُطُوطِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ إلَيْهِ فَجَائِزٌ لَهُ قَبُولُهُ بِمَعْرِفَةِ خَطِّهِ وَهَذَا كُلُّهُ إنْ وَصَلَ كِتَابُ الْقَاضِي قَبْلَ عَزْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَإِلَّا فَلَا يُعْمَلُ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ الَّذِي أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ أَشْيَاخَنَا أَنَّ الْإِنْهَاءَ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَلَوْ مَاتَ الْكَاتِبُ، أَوْ عُزِلَ قَبْلَ الْوُصُولِ، أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ وَتَوَلَّى غَيْرُهُ قَبْلَ الْوُصُولِ اهـ كَلَامُ بْن.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عِنْدَ قَاضٍ غَيْرِهِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَيْضًا بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْوِلَايَةُ لِلْمُنْهَى إلَيْهِ، أَوْ لَا فَمَاتَ، أَوْ عُزِلَ بَعْدَ الْإِنْهَاءِ وَهُوَ مُوَلًّى، أَوْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ لِغَيْرِ الْمُنْهَى إلَيْهِ فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ أَنْهَى قَاضِي مِصْرَ لِزَيْدٍ قَاضِي الْجِيزَةِ وَأَرْسَلَ لَهُ بِشَاهِدَيْنِ فَوَجَدَا زَيْدًا قَدْ مَاتَ، أَوْ عُزِلَ وَتَوَلَّى بَدَلَهُ بِالْجِيزَةِ عَمْرٌو وَالثَّانِي كَمَا لَوْ أَرْسَلَ قَاضِي مِصْرَ شَاهِدَيْنِ لِإِنْهَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ قَاضِي الْجِيزَةِ فَوَجَدَ الْخَصْمَ ذَهَبَ لِرَشِيدٍ فَيَذْهَبَانِ لِقَاضِيهَا وَيُنْهِيَانِ لَهُ الْحُكْمَ.
(قَوْلُهُ: كِتَابًا مَطْوِيًّا) أَيْ وَلَمْ يَفْتَحْهُ لَهُمَا وَلَا قَرَأَهُ عَلَيْهِمَا. (قَوْلُهُ: إنْ أَشْهَدَهُمَا) أَيْ إنْ قَالَ لَهُمَا اشْهَدَا عَلَيَّ بِأَنَّ مَا فِيهِ حُكْمِي، أَوْ خَطِّي. (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ) أَيْ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا بِأَنَّ مَا فِيهِ خَطُّهُ، أَوْ حُكْمُهُ وَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا اشْهَدَا عَلَيَّ بِأَنَّ مَا فِيهِ خَطِّي
(كَالْإِقْرَارِ) فَإِنَّهُ يُفِيدُ وَيُعَدُّ إقْرَارًا يَعْنِي أَنَّ مَنْ دَفَعَ مَكْتُوبًا لِرَجُلَيْنِ وَقَالَ لَهُمَا: اشْهَدَا عَلَى أَنَّ مَا فِيهِ خَطِّي فَإِذَا فِيهِ: عِنْدِي وَفِي ذِمَّتِي لِفُلَانٍ كَذَا فَيُعْمَلُ بِهِ وَكَذَا إذَا قَالَ لَهُمَا اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ.
(وَمَيَّزَ) الْقَاضِي وُجُوبًا (فِيهِ) أَيْ فِي كِتَابِ الْإِنْهَاءِ (مَا يَتَمَيَّزُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِهِ)(مِنْ اسْمٍ وَحِرْفَةٍ وَغَيْرِهِمَا) مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ غَالِبًا كَنَسَبِهِ وَبَلَدِهِ وَطُولِهِ وَقِصَرِهِ وَبَيَاضِهِ وَسَوَادِهِ (فَنَفَّذَهُ) الْقَاضِي (الثَّانِي) الْمُنْهَى إلَيْهِ إذَا كَانَ حُكْمَ الْأَوَّلِ.
(وَبَنَى) عَلَى مَا صَدَرَ مِنْ الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَحْكُمْ فَإِذَا كَتَبَ لِلثَّانِي: إنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَامَ عِنْدِي الْبَيِّنَةَ قَالَ الثَّانِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَلَك حُجَّةٌ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَتَبَ لَهُ بِتَعْدِيلِهَا لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ بَلْ يُعْذِرُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَتَبَ لَهُ: إنَّهُ أَعْذَرَ إلَيْهِ فَعَجَزَ عَنْ مَدْفَعٍ أَمْضَى عَلَيْهِ الْحُكْمَ وَشُبِّهَ فِي التَّنْفِيذِ وَالْبِنَاءِ قَوْلُهُ (كَأَنْ)(نُقِلَ) الْقَاضِي مِنْ خُطَّةٍ (لِخُطَّةٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ أَيْ مَرْتَبَةٍ، أَوْ وِلَايَةٍ (أُخْرَى) فَإِنَّهُ يُنَفِّذُ مَا مَضَى، أَوْ يَبْنِي عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ عُزِلَ، ثُمَّ وُلِّيَ فَلَا يَبْنِي بَلْ يَسْتَأْنِفُ، وَالْخُطَّةُ بِالضَّمِّ الْأَمْرُ وَالْقَضِيَّةُ، وَبِالْكَسْرِ الْأَرْضُ يَخُطُّهَا الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ أَيْ يُعَلِّمُ عَلَيْهَا عَلَامَةً بِالْخَطِّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ اخْتَارَهَا لِيَبْنِيَهَا وَبَالَغَ عَلَى التَّنْفِيذِ وَالْبِنَاءِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ) كَانَ الْمُنْهَى بِهِ (حَدًّا) كَمَا يَكُونُ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ (إنْ كَانَ) الْقَاضِي الْمُرْسِلُ (أَهْلًا) لِلْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ (أَوْ) كَانَ (قَاضِيَ مِصْرٍ) مِنْ الْأَمْصَارِ أَيْ بَلَدِ كَبِيرٍ كَمِصْرِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ وَالْأَنْدَلُسِ؛ لِأَنَّ قُضَاةَ الْأَمْصَارِ مَظِنَّةُ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ - أَيْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ - وَلَا قَاضِيَ مِصْرٍ (فَلَا) يُنَفِّذُ الْمُنْهَى إلَيْهِ كِتَابَ الْأَوَّلِ وَلَا يَبْنِي عَلَيْهِ إذْ لَا وُثُوقَ بِهِ بَلْ يَسْتَأْنِفُ الْحُكْمَ فَهَذَا الشَّرْطُ شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ فَنَفَّذَهُ الثَّانِي إلَخْ لَا فِيمَا بَعْدَ الْكَافِ وَشُبِّهَ بِقَوْلِهِ " وَإِلَّا فَلَا " قَوْلُهُ (كَأَنْ شَارَكَهُ) أَيْ شَارَكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ الْأَوَّلِ (غَيْرَهُ) فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَفِي نَعْتِهِ فَإِنَّ الْمُرْسَلَ إلَيْهِ لَا يُنَفِّذُ الْحُكْمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَإِنْ) كَانَ الْمُشَارِكُ (مَيِّتًا) مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
(وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ) الْقَاضِي فِي كِتَابِهِ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِأَوْصَافِهِ الْمُمَيِّزَةِ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى مَا مَرَّ (فَفِي إعْدَائِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ تَسْلِيطِ الْقَاضِي الْمُرْسَلِ إلَيْهِ الْمُدَّعِيَ عَلَى صَاحِبِ ذَلِكَ الِاسْمِ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ الطَّالِبَ لَا يَطْلُبُ غَيْرَ غَرِيمِهِ وَعَلَى صَاحِبِ الِاسْمِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
أَوْ حُكْمِي. (قَوْلُهُ: كَالْإِقْرَارِ) أَيْ كَمَا تُفِيدُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ مِنْ كَاتِبِ وَثِيقَةٍ قَالَ لِرَجُلَيْنِ اشْهَدَا بِأَنَّ مَا فِيهَا خَطِّي، أَوْ بِأَنَّ مَا فِيهَا فِي ذِمَّتِي. (قَوْلُهُ: فَيُعْمَلُ بِهِ) أَيْ فَيُعْمَلُ بِشَهَادَتِهِمَا بِهِ وَلَهُمَا طَرِيقَتَانِ فِي صِفَةِ تَأْدِيَةِ الشَّهَادَةِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَا عَلَى نَحْوِ مَا سَمِعَا وَإِمَّا أَنْ يُقْرَأَ الْمَكْتُوبُ وَيُؤَدِّيَا نَحْوَ مَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَيَّزَ الْقَاضِي) أَيْ الْمُنْهِي. (قَوْلُهُ: مِنْ اسْمٍ) أَيْ لَهُ وَلِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ إنْ اُحْتِيجَ لَهُ فَإِنْ اُشْتُهِرَ بِاسْمِهِ فَقَطْ أَوْ كُنْيَتِهِ فَقَطْ كَفَى كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، أَوْ أَبِي بَكْرٍ، أَوْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، أَوْ أَبِي زَيْدٍ. (قَوْلُهُ: فَنَفَّذَهُ) أَيْ الْحُكْمَ بِمَعْنَى أَمْضَاهُ أَيْ فَإِذَا وَصَلَ كِتَابُ الْقَاضِي الْمُنْهِي مَعَ الشُّهُودِ لِلْمُنْهَى إلَيْهِ نَفَّذَ الْحُكْمَ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ حَكَمَ وَبَنَى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حَكَمَ وَكَذَا إذَا شَافَهَ الْمُنْهِي الْمُنْهَى إلَيْهِ نَفَّذَهُ وَبَنَى فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ جَارٍ فِي وَجْهَيْ الْإِنْهَاءِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الشَّارِحِ مِنْ قَصْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الثَّانِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلَك حُجَّةٌ) الْأَوْلَى فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يَأْمُرُهُمْ بِإِعَادَتِهَا وَيَنْظُرُ فِي تَعْدِيلِهِمْ. (قَوْلُهُ: أَمْضَى عَلَيْهِ الْحُكْمَ) أَيْ أَوْقَعَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: كَأَنْ نُقِلَ لِخُطَّةٍ أُخْرَى) فَرَضَ ابْنُ سَهْلٍ هَذَا فِيمَنْ نُقِلَ مِنْ أَحْكَامِ الشُّرْطَةِ وَالسُّوقِ إلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْحُكُومَةِ اُنْظُرْ الْمَوَّاقَ وَأَمَّا مَا فَرَضَهُ فِيهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ حَيْثُ قَالَ كَأَنْ نُقِلَ مِنْ الْأَنْكِحَةِ وَالْبُيُوعِ إلَى الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ عُزِلَ مِنْ الْأَنْكِحَةِ وَالْبُيُوعِ وَنُقِلَ إلَى الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ فَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَتْمِيمُ مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَبْلَ النَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ عُزِلَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ وُلِّيَ عَلَى الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ مُوَلًّى عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى خُطَّتِهِ لِبَقَاءِ وِلَايَتِهِ فِيمَا كَانَ فِيهِ اهـ بْن وَقَدْ يُخْتَارُ الثَّانِي وَيُقَالُ إنَّ الشَّيْءَ مَعَ غَيْرِهِ غَيْرُهُ فِي نَفْسِهِ فَلِذَا حَصَلَ النَّقْلُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَذَا أَجَابَ بَعْضُهُمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِحُّ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَفِيمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْضًا فَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ مَرْتَبَةٍ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَقَوْلُهُ: أَوْ وِلَايَةٍ لِمَا قَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَدًّا) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْمُنْهَى بِسَبَبِهِ مَالًا بَلْ وَإِنْ كَانَ حَدًّا. (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ أَهْلًا) هَذَا شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ فَنَفَّذَهُ الثَّانِي وَبَنَى.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ. (قَوْلُهُ: كِتَابَ الْأَوَّلِ) الْأَوْلَى حُكْمَ الْأَوَّلِ وَلَا يَبْنِي عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ دُونَ الْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: إذْ لَا وُثُوقَ بِهِ) أَيْ بِالْقَاضِي الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: بَلْ يَسْتَأْنِفُ الْحُكْمَ) الْأَوْلَى بَلْ يَسْتَأْنِفُ الدَّعْوَى مِنْ أَوَّلِهَا. (قَوْلُهُ: لَا فِيمَا بَعْدَ الْكَافِ) أَيْ وَهُوَ النَّقْلُ مِنْ خُطَّةٍ لِخُطَّةٍ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَعْلَمْ إلَخْ) أَيْ وَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ تَارِيخُ الْحَقِّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَيِّتِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ ذَكَرَ اسْمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ أَبِيهِ وَلَا نَسَبَهُ وَحِرْفَتَهُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِهِ الْمُمَيِّزَةِ لَهُ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ فِي الْبَلَدِ مُتَعَدِّدًا. (قَوْلُهُ: أَيْ تَسْلِيطِ الْقَاضِي الْمُرْسَلِ إلَيْهِ الْمُدَّعِيَ عَلَى صَاحِبِ ذَلِكَ الِاسْمِ) أَيْ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَإِذَا قَبَضَ عَلَيْهِ فَلَا تُقَامُ عَلَيْهِ الدَّعْوَى بَلْ يُنَفِّذُ الْقَاضِي
أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِيهِ (أَوْ لَا) يُعْدِيهِ (حَتَّى يُثْبِتَ) الطَّالِبُ (أَحَدِّيَّتَهُ) أَيْ انْفِرَادَهُ بِهَذَا الِاسْمِ فِي الْبَلَدِ (قَوْلَانِ) مَحَلُّهُمَا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مُشَارِكٌ مُحَقَّقٌ، وَإِلَّا لَمْ يُعْدِهِ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا.
وَلَمَّا كَانَ الْقَاضِي لَهُ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ وَكَانَتْ الْغَيْبَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قَرِيبَةً وَبَعِيدَةً وَمُتَوَسِّطَةً ذَكَرَهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فَقَالَ (وَ) الْغَائِبُ (الْقَرِيبُ) الْغَيْبَةِ كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ مَعَ الْأَمْنِ حُكْمُهُ (كَالْحَاضِرِ) فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةِ وَتَزْكِيَتِهَا، ثُمَّ يَكْتُبُ إلَيْهِ بِالْإِعْذَارِ فِيهَا وَأَنَّهُ إمَّا قَدِمَ أَوْ وَكَّلَ فَإِنْ لَمْ يَقْدَمْ وَلَا وَكَّلَ حَكَمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيُبَاعُ عَقَارُهُ وَنَحْوُهُ فِي الدَّيْنِ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ وَحُبْسٍ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
وَأَشَارَ لِلثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ (وَ) الْغَيْبَةُ (الْبَعِيدَةُ كَإِفْرِيقِيَّةَ) مِنْ مَكَّةَ وَنَحْوِهَا (قُضِيَ عَلَيْهِ) فِي كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَتَزْكِيَتِهَا (بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) مِنْ الْمُدَّعِي أَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ وَلَا أَحَالَهُ الْغَائِبُ بِهِ وَلَا وَكَّلَ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ فِي الْكُلِّ وَلَا الْبَعْضِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَهَذِهِ الْيَمِينُ تَتَوَجَّهُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَحْبَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَسَمَّى) الْقَاضِي (الشُّهُودَ) وَالْمُعَدِّلِينَ لَهُمْ حَيْثُ يُعْذِرُ فِيهِمْ أَيْ كَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِيَجِدَ لَهُ مَدْفَعًا عِنْدَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ، وَالْمُتَوَسِّطَةُ فِي هَذَا كَالْبَعِيدَةِ
ــ
[حاشية الدسوقي]
الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْحُكْمَ، أَوْ يَبْنِي عَلَى مَا حَصَلَ عَلَى مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ) أَيْ فَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ. (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) الْأَوَّلُ مِنْهُمَا قَوْلُ أَشْهَبَ وَرِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالثَّانِي سَمَاعُ زُونَانَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَكَانَتْ الْغَيْبَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ) اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْقَاضِي يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ فِي تِلْكَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ مَحَلِّ وِلَايَةِ الْحُكْمِ وَلَكِنَّهُ لَهُ بِهَا مَالٌ أَوْ وَكِيلٌ، أَوْ حَمِيلٌ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَلَا حُكْمٌ اهـ عبق. (قَوْلُهُ: كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) أَيْ وَمَا قَارَبَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ إمَّا قَدِمَ) أَيْ إمَّا إنْ يَقْدَمَ لِإِبْدَاءِ الْمَطْعَنِ فِي الْبَيِّنَةِ، أَوْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَيُعَجِّزُهُ) أَيْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ إذَا قَدِمَ وَهَذَا هُوَ مَا فِي الْمَوَّاقِ وَالتَّوْضِيحِ وَأَمَّا قَوْلُ خش " إنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ " فَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ اهـ بْن. (قَوْلُهُ: فِي كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ مِنْ دَيْنٍ وَعَرَضٍ وَعَقَارٍ وَحَيَوَانٍ. (قَوْلُهُ: إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَشَارَ لِلثَّانِيَةِ) أَيْ لِلْغَيْبَةِ الثَّانِيَةِ. (قَوْلُهُ: بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) سَوَاءٌ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي تَشْهَدُ بِدَيْنٍ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ كَانَتْ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْغَائِبَ أَقَرَّ أَنَّ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ كَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْضِيهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ، أَوْ يُبْرِئُهُ، أَوْ يُحِيلُ شَخْصًا عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ كَمَا فِي بْن خِلَافًا لعبق حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ لِيَمِينِ الْقَضَاءِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ. (قَوْلُهُ: أَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ) أَيْ وَلَا قَبَضَهُ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ وَاجِبَةٌ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ) أَيْ وَقِيلَ إنَّهَا اسْتِظْهَارٌ أَيْ مُقَوِّيَةٌ لِلْحُكْمِ فَقَطْ فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِدُونِهَا عَلَى هَذَا. (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْيَمِينُ تَتَوَجَّهُ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَيِّتِ) أَيْ وَالْحُكْمِ عَلَى الْمَيِّتِ كَمَا إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَيْهِ أَنَّ عِنْدَهُ كَذَا دَيْنًا مِنْ بَيْعٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ وَلَمْ يُقِرَّ وَرَثَتُهُ بِهِ أَصْلًا فَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي لِذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُدَّعِي بِهَذَا الدَّيْنِ إلَّا إذَا حَلَفَ يَمِينَ الْقَضَاءِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ وَرَثَتُهُ الْكِبَارُ فَلَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَأَمَّا إذَا حَصَلَ الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ وَرَضُوا بِعَدَمِ حَلِفِهِ فَهَلْ كَذَلِكَ لَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ، أَوْ لَا؟ اخْتِلَافٌ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ.
(قَوْلُهُ: وَالْيَتِيمِ) أَيْ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ، أَوْ غَصَبَ، أَوْ أَتْلَفَ مَا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ عَلَى مَالِهِ بِمَا أَنْفَقَ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَمِثْلُ الْيَتِيمِ الصَّغِيرُ وَالسَّفِيهُ. (قَوْلُهُ: وَالْمَسَاكِينُ) أَيْ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّ مَا حَبَّسَهُ فُلَانٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ بَعْدَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَحْبَاسِ) أَيْ فَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى دَارٍ مَثَلًا بِيَدِ جَمَاعَةٍ - يَدَّعُونَ أَنَّهَا حَبْسٌ - أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَتِمَّ الْحُكْمُ لَهُ بِهَا. (قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ كَالْحُكْمِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى مَنْ اُسْتُحِقَّ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ مُعْدِمٌ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ الَّذِي مَاتَ وَوُضِعَ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِظَنِّ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ مَعَ الْبَيِّنَةِ وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى آخَرَ أَنَّ هَذَا الْجَمَلَ مَثَلًا مِلْكُهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَلَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَشْتَبِهُ كَثِيرًا بِخِلَافِ الْعَقَارِ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ وَقِيلَ يَحْلِفُ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يَحْلِفُ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: حَيْثُ يُعْذِرُ فِيهِمْ) أَيْ لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ مَعْرُوفِينَ بِالْعَدَالَةِ عِنْدَ الْقَاضِي أَمَّا الْمَعْرُوفُونَ بِالْعَدَالَةِ عِنْدَهُ فَلَا يُعْذِرُ فِيهِمْ كَمَا مَرَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ وَلَا يُسَمَّوْنَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا حَضَرَ وَلَا يُقْبَلُ طَعْنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِمْ إذَا قَدِمَ وَسُمُّوا لَهُ. (قَوْلُهُ: لِيَجِدَ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْغَائِبُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَاقٍ إلَخْ) أَيْ فَإِذَا أَبْدَى مَطْعَنًا فِي تِلْكَ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ قُدُومِهِ نُقِضَ الْحُكْمُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَوَسِّطَةُ فِي هَذَا) أَيْ فِي تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ وَالْمُعَدِّلِينَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا قَدِمَ، وَالْإِعْذَارِ إلَيْهِ فِيهِمْ كَالْبَعِيدَةِ أَيْ
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ، أَوْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعِي يَمِينَ الْقَضَاءِ وَحَكَمَ (نُقِضَ) حُكْمُهُ وَاسْتُؤْنِفَ.
وَأَشَارَ لِلثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ (وَالْعَشَرَةُ) مِنْ الْأَيَّامِ مَعَ الْأَمْنِ (أَوْ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا) أَيْ مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ (فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ) أَيْ عَقَارِهِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى مِمَّنْ ادَّعَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَقَارَهُ لِكَثْرَةِ الْمُشَاحَّةِ فِيهِ فَتُؤَخَّرُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِيهِ حَتَّى يَقْدَمَ، وَإِنَّمَا سُمِعَتْ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ لِضَرُورَةِ مَشَقَّةِ الصَّبْرِ وَاحْتَرَزَ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ عَنْ بَيْعِهِ فِي دَيْنٍ، أَوْ نَفَقَةِ زَوْجَةٍ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ، ثُمَّ مَا قَارَبَ كُلًّا مِنْ مَسَافَةِ الْغَيْبَةِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لَهُ حُكْمُهُ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ ذَكَرَ الْحُكْمَ بِالْغَائِبِ فَقَالَ (وَحَكَمَ) الْقَاضِي (بِمَا يَتَمَيَّزُ) حَالَ كَوْنِهِ (غَائِبًا) عَنْ بَلَدِ الْحُكْمِ وَلَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ (بِالصِّفَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَتَمَيَّزُ كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ وَدَارٍ مِنْ سَائِرِ الْمُقَوَّمَاتِ وَلَا يَطْلُبُ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ (كَدَيْنٍ) أَيْ كَمَا يَحْكُمُ بِالدَّيْنِ فَلَوْ كَانَ الْغَائِبُ لَا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ كَالْحَدِيدِ وَالْحَرِيرِ فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِقِيمَتِهِ مُقَوَّمًا كَانَ، أَوْ مِثْلِيًّا حَكَمَ بِهِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ فِي الْمِثْلِيِّ لِجَهْلِ صِفَتِهِ وَاحْتَرَزَ بِالْغَائِبِ عَنْ الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ تَمَيَّزَ بِالصِّفَةِ أَمْ لَا.
(وَجَلَبَ) الْقَاضِي (الْخَصْمَ) أَيْ دَعَاهُ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ (بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ) ، أَوْ وَرَقَةٍ، أَوْ أَمَارَةٍ (إنْ كَانَ) الْخَصْمُ (عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْوَاوِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ لَا الَّتِي يَذْهَبُ إلَيْهَا وَيَرْجِعُ لِمَنْزِلِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا قِيلَ (لَا أَكْثَرَ) مِنْهَا
ــ
[حاشية الدسوقي]
وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى لَلْمُصَنِّفِ أَنْ يُؤَخِّرَ قَوْلَهُ وَسَمَّى الشُّهُودَ بَعْدَ الْمُتَوَسِّطَةِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ رَاجِعٌ لَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا نُقِضَ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَإِلَّا فَلَا يُنْقَضُ بِعَدَمِ تَسْمِيَتِهِمْ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْجَزِيرِيِّ فِي وَثَائِقِهِ وَابْنِ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتُؤْنِفَ) أَيْ الْحُكْمُ ثَانِيًا.
(قَوْلُهُ: يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا) أَيْ بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَتَزْكِيَتِهَا وَإِذَا حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَمَّى لَهُ الشُّهُودَ وَمَنْ عَدَّلَهُمْ وَأَعْذَرَ لَهُ فِيهِمْ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ لِكَثْرَةِ الْمُشَاحَّةِ فِيهِ) أَيْ لِكَثْرَةِ تَشَاحُحِ النُّفُوسِ بِسَبَبِهِ وَحُصُولِ الضِّغْنِ وَالْحِقْدِ وَالنِّزَاعِ عِنْدَ أَخْذِهِ وَقَوْلُهُ: فَيُؤَخَّرُ الْمُدَّعِي إلَخْ أَيْ لِيَكُونَ حُضُورُهُ أَقْطَعَ لِلنِّزَاعِ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا سُمِعَتْ) أَيْ الدَّعْوَى فِي الْعَقَارِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ) بَلْ وَيَحْكُمُ بِهِ أَيْضًا عَلَى حَاضِرٍ مُلِدٍّ بِدَفْعِ الْحَقِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الرَّهْنِ وَبَاعَ الْحَاكِمُ إنْ امْتَنَعَ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَا قَارَبَ كُلًّا) أَيْ فَالْأَرْبَعَةُ الْأَيَّامُ تَلْحَقُ بِالثَّلَاثَةِ وَالثَّمَانِيَةُ وَالتِّسْعَةُ تَلْحَقُ بِالْعَشَرَةِ وَأَمَّا الْوَسَطُ كَالْخَمْسَةِ وَالسِّتَّةِ فَيَلْحَقُ بِالْأَحْوَطِ قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ) أَيْ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِالشَّيْءِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ حَالَةَ كَوْنِهِ غَائِبًا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْحُكْمِ وَهُوَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ فِي غَيْبَتِهِ كَالْعَقَارِ وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبُ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ بَلْ تُمَيِّزُهُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِذَا ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو وَهُمَا بِرَشِيدٍ أَنَّ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ الَّذِي كَانَ مَعَهُ بِالْأَزْهَرِ يُحَضِّرُ فِيهِ مِلْكٌ لَهُ وَالْكِتَابُ حِينَئِذٍ بِالْأَزْهَرِ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا مِلْكٌ لِزَيْدِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ لَهُ بِهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا يَحْكُمُ بِالدَّيْنِ) أَيْ الْمُتَمَيِّزِ بِالصِّفَةِ وَإِنْ كَانَ تَمَيُّزُهُ نَوْعِيًّا لَا شَخْصِيًّا لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ فَإِذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مِنْ الْمَحَابِيبِ أَوْ الرِّيَالَاتِ عَشَرَةً أَوْ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ أَرَادِبَ قَمْحٍ سَمْرَاءَ أَوْ مَحْمُولَةً عَشَرَةً فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِذَلِكَ. (قَوْلُهُ: حَكَمَ بِهِ) أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْقِيمَةِ لَا بِالْمُقَوَّمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَالَ حَكَمَ بِهَا أَيْضًا كَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهِ إلَخْ) تَحَصَّلَ مِمَّا قَالَهُ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ الْغَائِبَ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ كَانَ يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ أَمْ لَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ حَكَمَ الْقَاضِي بِهِ وَلَا يَطْلُبُ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ إنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِقِيمَتِهِ حَكَمَ بِهَا وَلَا يَطْلُبُ حُضُورَهُ وَإِلَّا فَلَا يَحْكُمُ حَتَّى يَحْضُرَ.
(قَوْلُهُ: وَجَلَبَ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الشَّخْصِ الْغَائِبِ مِنْ مَحَلِّ وِلَايَةِ الْقَاضِي وَهُوَ غَيْرُ مُتَوَطِّنٍ بِهِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَهُوَ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَمُتَوَطِّنٌ بِهِ. (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى) أَيْ مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَقَوْلُهُ: وَجَلَبَ الْقَاضِي الْخَصْمَ إنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَيْ جَبْرًا عَلَيْهِ إنْ شَاءَ الْقَاضِي وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ إلَيْهِ إمَّا أَنْ تَحْضُرَ أَوْ تُوَكِّلَ أَوْ تُرْضِيَ خَصْمَك وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى يَجْلُبُهُ الْقَاضِي سَوَاءٌ أَتَى الْمُدَّعِي بِشُبْهَةٍ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَجَزَمَ ابْنُ عَاصِمٍ تَبَعًا لِسَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يَجْلُبُهُ إلَّا مَعَ إتْيَانِ الْمُدَّعِي بِشُبْهَةٍ كَأَثَرِ ضَرْبٍ أَوْ جُرْحٍ لِئَلَّا تَكُونَ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً وَيُرِيدُ إعْنَاتَ الْمَطْلُوبِ قَالَ شَيْخُنَا أَقُولُ كَلَامَ سَحْنُونٍ خُصُوصًا وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَاصِمٍ الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَحْكَامِ هُوَ الظَّاهِرُ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا فَلَا يَجْلُبُهُ اتِّفَاقًا إلَّا إذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي شَاهِدٌ. (قَوْلُهُ: لَا أَكْثَرَ مِنْهَا) أَيْ فَلَا يَجْلُبُهُ وَلَا يَدْعُوهُ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ فَإِنْ جَلَبَهُ