الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث السابع ختم الرسالة وبيان أنه لا نبي بعده]
المبحث السابع
ختم الرسالة وبيان أنه لا نبي بعده تقدم الحديث عن هذه المسألة مع ذكر الأدلة عليها عند الحديث عن خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين والحديث عن ختم الرسالة هنا هو من جانب آخر وهو أثر هذه العقيدة على دين المسلمين وثمرة تقريرها عليهم. فمن ثمار هذه العقيدة:
1 -
استقرار التشريع وكمال الدين لدى الأمة وأثر ذلك الكبير في حياة الأمة ولذا امتن الله على هذه الأمة بذلك في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3](المائدة: 3) .
وقد كان نزول هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قبل وفاته بأشهر بعد أن أكمل الله له التشريع. ولذا كان اليهود يغبطون المسلمين على هذه الآية على ما أخرج الشيخان أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال: (آية في كتابكم تقرؤوها لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا) . قال وأي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3](1) . وقد أبرز النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقة في صورة محسوسة وذلك بتشبيهه الرسالات قبله بقصر أكمل وأحسن بناؤه إلا موضع لبنة، فكانت بعثته موضع تلك اللبنة ختم بها البناء، وفي هذا تقرير ظاهر إلى أنه لم يبق مجال للزيادة في هذا الدين خاصة ولا الرسالات عامة كما أنه لا يمكن الزيادة في ذلك القصر بعد أن اكتمل بناؤه. وقد تقدم الحديث بنصه في المبحث السابق ضمن الحديث عن خصائص
(1) صحيح البخاري برقم (45) ، ومسلم برقم (3017) .
النبي صلى الله علي وسلم فليراجع في موضعه (1) .
2 -
ثقة الأمة بعدم نسخ هذا الدين وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ببعثه نبيا آخر " ومعنى ختم النبوة بنبوته عليه الصلاة والسلام أنه لا تبتدأ نبوة ولا تشرع شريعة بعد نبوته وشرعته، وأما نزول عيسى عليه السلام وكونه متصفا بنبوته السابقة فلا ينافي ذلك، على أن عيسى عليه السلام إذا نزل إنما يتعبد بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم دون شريعته المتقدمة لأنها منسوخة فلا يتعبد إلا بهذه الشريعة أصولا وفروعا ".
3 -
القطع بتكذيب كل مدع للنبوة بعده عليه الصلاة والسلام دون نظر أو تأمل، وهذا من أبرز ثمرات الإيمان بعقيدة ختم النبوة التي تحصل بها العصمة للأمة من اتباع من ادعى النبوة من الدجالين الكذابين، ولهذا كان التنبيه على هذا الأمر العظيم هو من أعظم مقاصد النبي صلى الله عليه وسلم في تقريره اعتقاد ختم النبوة به وذلك بإخباره عن خروج كذابين ثلاثين في هذه الأمة كلهم يدعي النبوة ثم تقريره أنه لا نبي بعده تحذيرا للأمة من تصديقهم واتباعهم. كما جاء هذا في حديث ثوبان صلى الله عليه وسلم في الفتن مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه:(. . . «وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (2) .
4 -
ظهور فضل الأمراء والعلماء من هذه الأمة حيث جعل سياسة الأمة في الدين والدنيا لهم بخلاف بني إسرائيل فإنهم كانت تسوسهم الأنبياء. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء تكثر) . قالوا: فما
(1) انظر ص170.
(2)
سنن الترمذي 4 / 499 وقال حديث حسن صحيح، وبنحوه أبو داود عن أبي هريرة سنن أبي داود 4 / 329 برقم (4333- 4334) .
تأمرنا؟ قال: (فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) » (1) . فكان مقام الخلفاء في الأمة مقام الأنبياء في بني إسرائيل في سياسة الناس وقيادتهم. وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (2) . وواقع الأمة يشهد بهذا فلا يزال أمر الدين والدنيا محفوظا بالخلفاء والأمراء والعلماء الذين يسوسون الناس بالشرع، ولا يزال الله تعالى يجدد لهذه الأمة ما اندرس من معالم دينها على مر العصور والدهور بالأئمة المجددين الذين ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فدين الله بهم قائم غضا طريا على تطاول عهد البعثة وتقادم زمن الرسالة. وذلك فضل الله على هذه الأمة عامة ومن شرفه بهذا المقام خاصة.
وعلى كل حال فعقيدة ختم النبوة وآثارها في الدين من أبرز خصائُص هذه الأمة التي أكسبتها قوة الإيمان بدينها وصدق اليقين به ورسوخ القدم في الثبات عليه، إلى أن يأتي أمر الله.
(1) صحيح البخاري برقم (3455) ، وصحيح مسلم برقم (1842) ، واللفظ له.
(2)
رواه أبو داود 4 / 313 برقم (4291) ، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، المستدرك 4 / 522.