المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل: استدل الملحد على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من رآني في المنام فسيراني…" الخ - الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية

[سليمان بن سحمان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة

- ‌فصل: قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم "الآخذ باليد وقت الشدائد…" الخ

- ‌فصل: نقل الملحد كلام القسطلاني المتضمن خلق العالم بما فيه من روح النبي…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث جابر وفيه " إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك.... الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد".... الخ

- ‌فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها

- ‌فصل: قال الملحد: (الباب الأول: في الآيات القرآنية الدالة على جواز التوسل…الخ

- ‌فصل: سياق أبيات ابن القيم في نونيته فيما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم

- ‌فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور

- ‌فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة

- ‌فصل: استدل الملحد على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من رآني في المنام فسيراني…" الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: قد فهم آدم من قرن اسمه تعالى باسم نبيه أنه الوسيلة…الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: الآيات التي تمسك بها الوهابية لا تدل على مدعاهم…الخ

- ‌فصل: في الجواب عن قوله: إن القائلين بالتوسل بالأنبياء والصالحين يقولون:…الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: إن العوام الطالبين من الصالحين ما لا يطلب إلا من الله: طلبهم مجاز…الخ

- ‌فصل: وإنما دهى الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم من قوله: إن هؤلاء المدعوين من دون الله…الخ

- ‌فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط

- ‌فصل: في رد قول الملحد: (لكن ندعو العامة إلى الأدب في التوسل…الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: (الباب الثاني في ذكر الأحاديث الدالة على التوسل بالنبي…الخ

- ‌فصل: ذكر المعترض أن الناس اصابهم قحط في زمن عمر…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث توسل آدم صلى الله عليه وسلم بنبينا محمد…الخ

- ‌فصل: في رد استدلال الملحد لمراده بقوله صلى الله عليه وسلم:"…أسألك بحق السائلين

- ‌فصل: في رد استدلال الملحد بقوله صلى الله عليه وسلم:"…فليناد يا عباد الله احبسوا

- ‌فصل: قال الملحد: الباب الثالث في أقوال العلماء بالتوسل بالأنبياء والصالحين…الخ

- ‌فصل: نقل الملحد كلام السبكي المتضمن تحسين التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد عن معروف الكرخي أنه قال لتلاميذه:.. الخ

- ‌قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء

- ‌فصل: أنشد الملحد أبياتا للبكري فيها الغلو والإطراء…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك

- ‌فصل: ذكر الملحد قصة العتبي نقلا عن النووي، وبيان بطلانها…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث ابن عباس"أن عمر قال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك…الخ

- ‌فصل: نقل المعترض حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة وبيان بلادة المعترض…الخ

- ‌فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت

- ‌فصل: قال ابن القيم: فصل: ذكر فيه مفاسد اتخاذ القبور أعيادا…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة"…الخ

- ‌فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية

الفصل: ‌فصل: استدل الملحد على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من رآني في المنام فسيراني…" الخ

‌فصل: استدل الملحد على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من رآني في المنام فسيراني

" الخ

فصل

قال الملحد: "كيف لا وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" 1 فرؤيته يقظة أكبر دليل على حياته- صلى الله عليه وسلم.

والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه لا يدل على أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يرى يقظة في الدنيا كما كان يرى حيا قبل أن يموت وكذلك ليس بصريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم حي قبره الحياة المعهودة في الدنيا ولا فيه دلالة على جواز التوسل به فضلا عن أن يدعى ويستغاث به ويرجى في كشف الشدائد والمهمات لتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأن يصرف له شيء من خالص ما

1 أخرجه البخاري في صحيحه 12/383- كتاب التعبير- باب من رأى النبي في المنام؛ ومسلم في صحيحه 4/1775- كتاب الرؤيا- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من رآني في المنام فقد رآني"؛ وأبو داود في سننه 5/285- كتاب الأدب- باب ما جاء في الرؤيا؛ وفي الباب عن جماعة من الصحابة.

ص: 98

لرب الأرض والسماوات؛ من جميع أنواع العبادات التي صرفها المشركون لغير الله من المعبودات.

قال في السراج الوهاج على قوله: " فسيراني في اليقظة": أي سيراني يوم القيامة رؤيا خاصة في القرب منه؛ أو من رآني في المنام ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة إلي والتشرف بلقائي ويكون الله جعل رؤيته في المنام علما على رؤياه في اليقظة.

قال في المصابيح: وعلى الأول ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام وكفى بها بشارة وذلك أنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب منه إلا من تحقق منه الوفاة على الإسلام حقق الله لنا ولأحبابنا وللمسلمين والمتبعين ذلك بمنه وكرمه أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي.

قال العلماء: إن كان الواقع في نفس الأمر لكأنما رآني فهو كقوله فقد رآني؛ أو فقد رأى الحق؛ وإن كان سيراني في اليقظة ففيه أقوال؛ وسيأتي تفسيره: أحدها المراد به أهل عصره. الثاني: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة. الثالث: يراه في الآخرة رؤيا خاصة في القرب منه وحول شفاعته ونحو ذلك والله أعلم؛ انتهى.1

1 قال الحافظ ابن حجر بعد سياق كلام العلماء على مدلول هذا الحديث:=

ص: 99

.....................................................................................................................................

= والحاصل من الأجوبة ستة:

أحدها: أنه على التشبيه والتمثيل ودل عليه قوله في الرواية الأخرى: "فكأنما رآني في اليقظة".

ثانيها: أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.

ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.

رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك؛ وهذا من أبعد المحامل.

خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام.

سادسها: أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه؛ وفيه ما تقدم من الإشكال

- وهذا الإشكال هو ما حكاه بقوله: ونقل عن جماعة من الصالحين انهم رأوا النبي- صلى الله عليه وسلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة؛ وسألوه عن أشياء

قلت: وهذا مشكل جدا ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة؛ ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة؛ ويعكر عليه أن جمعا ممن رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف؛ وقد اشتد إنكار القرطبي على من قال: من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة كما تقدم قريبا..- وقول القرطبي الذي نقله الحافظ ابن حجر هو: اختلف في معنى الحديث فقال قوم: هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء؛ وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول؛ ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها؛ وأن لا يراها رائيان في آن واحد في مكانين؛ وأن يحيا الآن؛ ويخرج من قبره؛ ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس يخاطبونه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر؛ ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره. وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل

إلخ. انظر الفتح 12/384؛385.

ص: 100

فغاية ما في هذا الحديث أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة في الآخرة رؤيا خاصة باعتبار القرب منه أو يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة وليس فيه أنه حي في قبره كحياته في الدنيا لا تصريحا ولا تلويحا؛ وإنما هذه الدعوى المجردة من الدليل من تصرف هؤلاء الغلاة؛ واعتقادهم الباطل المخالف لكتاب الله وسنة رسوله وكلام سلف الأمة وأئمتها.

وأما حياة الأنبياء في قبورهم ورؤيته صلى الله عليه وسلم لموسى قائما يصلي في قبره فقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ ابن القيم رحمه الله وبه الكفاية.

وأما قوله: "وقد وقع الإخبار برؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة لجماعة من الأولياء اشتهرت كرامتهم؛ وعلت 1 مقاماتهم؛ واستقامت أحوالهم وجاءت على طبق الشريعة أقوالهم؛ من الخواص القائمين بالمراقبة؛ وصحة التوجه على قدم الصدق؛ ونهج الحق كالشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي العباس المرسي وسيدي علي وفاء وغيرهم من الأكابر؛ فلا يقدم على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم إلا متجازف".

فالجواب أن يقال: إن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة في هذه الدنيا من أمحل المحال وأبطل الباطل؛ فإن الله تعالى قد قبضه إليه

1 في الأصل وطبعة الرياض: "علة".

ص: 101

واستأثر به ورفعه إلى الرفيق الأعلى وإنما يتصور وجود هذا مناما فمن في المنام وكان من أهل الصلاح وعلى صفته التي هو عليها فقد رآه حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل به. وأما يقظة فهو من التخيلات الشيطانية التي أغوى بها الشيطان كثيرا من الناس ممن يدعي الولاية؛ فإن منهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين؛ وقد جرى هذا لغير واحد 1. وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمهن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات؛ والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وهم على مذهبهم؛ والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال؛ وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر فيغتر بهؤلاء كثير من الناس ممن قلت معرفته وغلظ حجاب قلبه عن معرفة الحق من الباطل.

وهؤلاء كما قال شيخ الإسلام تجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت؛ أو يطير في الهواء؛ أو ينفق بعض الأوقات من الغيب؛ أو يختفي أحيانا عن أعين الناس؛ أو أن

1 انظر رسالة الفرقان لشيخ الإسلام ص70؛ 71؛ 72؛ 73.ط الشرفية بمصر سنة 1323هـ

ص: 102

بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته؛ أو يخبر الناس بما سرق لهم؛ أو بحال غائب لهم؛ أو مريض؛ أو نحو ذلك من الأمور؛ وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله- صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه؛ وكرامات الأولياء أعظم من هذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله؛ فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكافر والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين؛ وتكون لأهل البدع؛ وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ليس لله بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام والظاهرة؛ انتهى.

وأما من ذكر من هؤلاء الذين يزعم أنهم أولياء فأما الشيخ عبد القادر الجيلاني- رحمه الله وأمثاله ممن هو على طريقته وسيرته فهو من عباد الله الصالحين والعلماء العاملين؛ وله من الأحوال الإيمانية؛ والمآثر السنية الدالة على متابعة الكتاب والسنة ما هو معروف من حاله ومقاله؛ ولكنه تجارى عليه الملحدون؛ ووضعوا عليه أوضاعا؛ ونسبوا إليه أقوالا هو بريء منها؛ ومن جملتها هذه الحكاية التي لا أصل لها؛ ولا نقلها

ص: 103

عنه من هو مأمون على الدين معروف بالصدق واليقين.

وأما من عداه من هؤلاء الذين ذكر أنهم من أكابر أولياء الله ممن لا نعرف حالهم فالإقدام على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم هو من الأمور التي يحبها الله ويرضاها؛ ومن رد الباطل على من قال به؛ إذ من المعلوم بالضرورة أن رؤيته – صلى الله عليه وسلم يقظة في هذه الدنيا لا تصح لا من الشيخ عبد القادر؛ ولا ممن هو أجل منه فضلا عمن هو دونه؛ لأن دعوى ذلك من المكابرة في الحسيات؛ والمباهتة في الضروريات والله أعلم.

"وأما قوله:

وإذا لم تر الهلال فسلم

لأناس رأوه 1 بالأبصار"

فالجواب:

أقول من المحال نراه حيا

بهذي الدار لا دار القرار

فغير مسلم تسليم هذا

لأقوام رأوه بالأبصار

وهذا لا يكون فقد أتانا

بذاك2 النص متضح المنار

1 في الأصل "رواه" وفي طبعة الرياض "رووه".

2 في طبعة الرياض"ذلك".

ص: 104

بأن المصطفى قد مات حقا

وأنا ميتون وذاك 1 جاري

على كل الخلائق ليس يبقى

سوى الخلاق من الخلق باري

فأما في المنام فذاك 2 حق

يراه الصالحون أولو الفخار

وأما يقظة فيراه حيا

كما قد كان حيا ذو اختيار

وتدبير وتصريف ويدري

كما يدريه في ماض وجار

فدعوى هذه دعوى لعمري

تبين أفكها بالإضرار

فإذا تحققت هذا فهؤلاء لم تكن أحوالهم وخوارقهم 2 أحوال وخوارق إيمانية؛ وإنما كانت أبصارهم وحقائق أحوالهم خيالات شيطانية؛ وعلى غير متابعة الكتاب والسنة مبنية؛ فلا يلتفت إلى أقوالهم؛ ولا يعول على ما ادعوه من أحوالهم؛ لأنها عن الحقائق الإيمانية خالية؛ وأقوالهم عن الدليل عارية.

وأما قوله:"فالآية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: آية 64] منسحب إلى الآن وإلى ما شاء الله."

1 في طبعة الرياض "ذلك".

2 في طبعة الرياض"وخوراقهم".

ص: 105

فأقول: هذا غير مسلم وقد تقدم الجواب عن هذا فراجعة.

وأما قوله:"ولذا ترى العلماء جميعا ذكروا في باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان عند المقابلة يتلو هذه الآية الكريمة كما يأتي نقل ذلك عنهم في الباب الثالث".

فالجواب أن يقال: نسبة هذا إلى العلماء جميعهم من أبطل الباطل، وأمحل المحال، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أتى قبر النبي صلى لله عليه وسلم وتلى هذه الآية واستحبها طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى.

وأما الأئمة وعلماء السلف فلم يذكره أحد منهم، ولا استحب أحد منهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار بعد موته، ولا غير ذلك ألبتة، فنسبته إلى العلماء كلهم من الكذب عليهم كما سنبينه.

والحكايات والمنامات لا يثبت بها حكم شرعي ولا يسوغ مثل هذا إلا في دين النصارى، فإن دينهم مبني على الحكايات والمنامات والأوضاع المخترعات. وأما دين الإسلام فهو محفوظ بالإسناد، فلا يثبت حكم شرعي إلا بكتاب الله عز وجل، وبما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ص: 106

وكان عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم، واشتهر ذلك بنقل الثقات العدول المتفق على عدالتهم.

وأما قوله:"على أن من يدعي أنها خاصة بقبل الوفاة فعليه الدليل وأنى له ذلك".

فالجواب أن يقال: أما كون المجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصا بحال حياته قبل وفاته فنعم، والدليل على ذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن الآية نزلت في قوم معينين من أهل النفاق بدليل قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: آية 61] فإن قيل: فالآية وإن وردت في أقوام معينين في حال الحياة فإنها تعم بعموم العلة. قيل: نعم هذا حق فإنها تعم ما وردت فيه وما كان مثله فهي عامة في حق كل من ظلم نفسه، وجاء كذلك في حال حياته، وأما دلالتها على المجيء إليه في قبره فقد عرف بطلانه، يوضحه.

الوجه الثاني: أنه لو شرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين وهذه مصادمة صريحة لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تجعلوا قبري عيدا"1.

الوجه الثالث: أن أعلم الأمة بالقرآن ومعانية وهم سلف الأمة، لم يفهم أحد منهم إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر

1 تقدم.

ص: 107

لهم، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.

فلو كان هذا منسحبا إلى ذا الآن وإلى ما شاء الله، لما ترك الصحابة- رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان هذه القربة التي ذم الله سبحانه من تخلف عنها، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق لها من بعدهم ممن لا يؤبه له من الناس ولا يعد في أهل العلم، ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجودا، وقد دعيت فيه إلى المجيء ليستغفر لها، وذم من تخلف عن هذا المجيء، فلما توفي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له، ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة.

الوجه الرابع: أنه لو كان المجيء إلى قبره بعد وفاته مشروعا لأمر به أمته وحضهم عليه ورغبهم فيه، لأنه من كمال شفقته ورحمته ورأفته بالمؤمنين، فلا خير إلا دل عليه أمته وأمر هم به، ولا شر إلا حذرها عنه ونهى 1 عنه، لأنه أكمل الخلق نصحا للأمة، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ومن كمال نصحه وشفقته بأمته أنه نهى عن اتخاذ قبره

1 في الأصل وطبعة الرياض"ونها".

ص: 108

عيدا. فقال صلى الله عليه وسلم "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا" الحديث،. فمن أتى إلى قبره بعد وفاته ليستغفر له فقد ارتكب ما نهى عنه وفعل ما يسخطه.

قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: آية 7] وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري 1 عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال إن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني".

وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن 2 علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر. فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتخذوا قبري3 عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سوي

1 "عن الثوري" من المصنف لعبد الرزاق 3/577 ط المجلس العلمي.

2 في طبعة الرياض "الحسن بن علي" وهو خطأ.

3 في اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام:"بيتي" 2/656، وفي مصنف ابن أبي شيبة 3/345 "قبري".

ص: 109

وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر ابن أبي شيبة حدثنا 1 زيد بن الحباب حدثنا 1جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا 1 علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو. فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني 2 أينما كنتم 3.

الوجه الخامس: أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" 4 وقد كان من المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفعلون 5 هذا. ولا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم لرسول الله فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، كانوا كما قال

1 في الأصل وطبعة الرياض "عن" وما أثبته من الاقتضاء 2/655.

2 في الأصل وطبعة الرياض:"فإن صلاتكم تبلغني" وما أثبته من الاقتضاء 2/655.

3 تقدم الكلام عليهما في رسالة ابن معمر"الرد على القبوريين".

4 أخرجه مسلم في صحيح – كتاب الأقضية-3/1344 عن عائشة وأخرجه البخاري 5/301- كتاب الصلح-، ومسلم 3/1343 عن عائشة بلفظ:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ولفظ البخاري: "ما ليس فيه".

5 في طبعة الرياض"تفعلون".

ص: 110

عبد لله بن سعود- رضي الله عنه: من كان منهم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم، 1 اختارهم الله لصحبة نبيه ولإظهار دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فاهتدوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم.

وقد قال مالك في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي ويدعو له ولأبي بكر وعمر فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو مرتين أو أكثر عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا من أحد من أهل الفقه في بلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراداه والله أعلم2.

1 في الأصل وطبعة الرياض"قوما".

2 كما ثبت ذلك عن ابن عمر. قال عبد الرزاق: عن معمر عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.

وأخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله ابن عمر فقال: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر. اهـ3/576.

ص: 111