الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها
.
…
قال شمس الدين بن القيم – رحمه الله تعالى وعفا عنه-:
فصل
وأما الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق 1 أبدانها فمن وجوه:
أحدها: أن خلق أبي البشر وأصلهم كان هكذا؛ فإن الله سبحانه أرسل جبرائيل فقبض قبضة من الأرض ثم خمرها حتى صارت طينا ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوره فلما دخلت الروح فيه صار لحما ودما حيا ناطقا. ففي تفسير أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس؛ وعن مرة عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم؛ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش؛ فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا؛ وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن؛ وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجن؛ وكان إبليس مع ملكه خازنا؛ فوقع في صدره 2 فقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي.
وفي لفظ:- لمزية لي على الملائكة؛ فلما وقع ذلك الكبر
1 سقطت "خلق" من طبعة الرياض.
2 في الأصل "جدره" وما أثبته من الروح لابن القيم.
في نفسه اطلع الله على ذلك منه؛ فقال الله للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة؛ قالوا: ربنا وما يكون حال الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا؛ قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون – يعني من شأن إبليس- فبعث جبريل إلى الأرض يأتيه بطين منها؛ فقالت الأرض: أعوذ بالله أن تقبض مني؛ فرجع ولم يأخذ. فقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها؛ فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها؛ فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره؛ فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم ياخذ من مكان واحد 1 فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء. فلذلك خرج بنو آدم مختلفين؛ فصعد به قبل الرب حتى عاد طينا لازبا- واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض – ثم قال للملائكة: إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين؛ فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه؛ 2 وخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة؛ فمرت به الملائكة ففزعوا منه 3 لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليسا؛ فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد
1 في الأصل "واحدا" وما أثبته من الروح للإمام ابن القيم.
2 في طبعة الرياض "عنده".
3 في طبعة الرياض "عنه".
كما يصوت الفخار؛ يكون له صلصة؛ فذلك حين يقول 1: من صلصال كالفخار؛ ويقول لأمر ما خلقت؛ ودخل من فيه وخرج من دبره؛ فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإن ركبكم صمد؛ وهذا جوف لئن سلطت عليه لأهلكنه؛ فلما بلغ الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح؛ قال للملائكة 2: إذا نفخت فيه من روحي فاس جدوا له؛ ولما نفخ فيه الروح دخل الروح في رأسه فعطش؛ فقالت الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله فقال: يرحمك ربك؛ فلما دخل في عينيه نظر إلى ثمار الجنة؛ فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام قبل أن تبلغ الروح رجليه فنهض عجلان إلى ثمار الجنة فذلك 3 حين يقول: خلق الإنسان من عجل وذكر باقي الحديث.
وقال 4 يونس بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهب قال: حدثنا ابن زيد قال: لما خلق الله 5 النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا. وقالوا: ربنا لما خلقت هذا النار ولأي شيء خلقتها؟ قال: لمن عصاني من خلقي.
1 في الأصل "فلذلك" وما أثبته من الروح للإمام ابن القيم.
2 سقطت "الملائكة" من الأصل؛ وما أثبته من الروح.
3 في الأصل "فلذلك" وما أثبته من الروح.
4 في الأصل "وذكر" وما أثبته من الروح لابن القيم.
5 سقطت لفظه "الله" من الأصل "الروح لابن القيم".
ولم يكن لله 1 خلق يومئذ إلا الملائكة؛ والأرض ليس 2 فيها خلق؛ إنما خلق آدم بعد ذلك؛ وقرأ قوله: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: آية1] قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ليت ذلك الحين. ثم قال: وقالت الملائكة ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ لا يرون له خلقا غيرهم قال: لا إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة.وذكر الحديث.
قال ابن إسحاق: فيقال والله أعلم: خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسه نار فيقال والله أعلم: لما انتهى الروح إلى رأسه عطش فقال: الحمد لله. فذكر الحديث.
فالقرآن والحديث؛ والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه ولما تعجبت من خلق النار وقالت لأي شيء خلقتها وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن والكافر والطيب والخبيث. ولما كانت أرواح الكافر كلها تبعا لإبليس بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة قبل كفره فإن الله سبحانه إنما حكم عليه بالكفر لعد خلق بدن آدم وروحه ولم
1 في الأصل "الله"وما أثبته من الروح وهو أوضح.
2 في الأصل "وليس" وما أثبته من الروح.
يكن قبل ذلك كافرا فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة وهو لم يكن إذا ذاك؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره؛ إلا أن يقال كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه؛ والذي احتجوا به على تقدم خلق الأرواح بخلاف ذلك.
وفي حديث أبي هريرة في خلق 1 العالم الإخبار عن خلق أجناس العالم وتأخر خلق آدم إلى يوم الجمعة ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل خلق الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن خلقها تابع لخلق الذرية؛ وتمام الكلام في كتاب الروح فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه 2.
والمقصود أنه لم يكن هناك خلق يسمى عالم الغيب من بني آدم؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم أشرف نسمة وأكرمها على الله من بني آدم؛ فعلمنا قطعا أن تفريع هؤلاء على هذا الحديث غير صحيح؛ مخالفا للكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
والمقصود أنه ذكر في الحديث الذي رواه عن الإمام أحمد والبخاري في تاريخه وغيرهما ممن رواه قوله: متى
1 في الروح "تخليق".
2 ص 297-304 ط الهند سنة 1383هـ وص 279-284 ط جمهورية مصر. وص 172-173 ط دار الفكر.
كنت نبيا. قال: "وآدم بين الروح والجسد" وقد تقدم في كلام ابن القيم عن ابن اسحاق وغيره أنه كان بين نفخ الروح في آدم وبين تصوير جسده أربعون سنة؛ وهذا مناف لما قال المناوي:- إن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب فإن خلق الزمان كان قبل أن يخلق الله آدم بمدة طويلة اللهم إلا إن كان أراد أنه في علم الله الذي كتبه حين كتب مقادير كل شيئ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
إذا تحققت ذلك فلا يقال إن عالم الغيب هوعلم الله لأن علم الله صفة قائمة بذاته وهو غير مخلوق وما سوى الله من العالم فهو مخلوق عالم الغيب وعالم الشهادة؛ وقد كان من المعلوم أن آدم عليه السلام إنما خلق بعد خلق السماوات والأرض آخر المخلوقات بعد هذا العدد المذكور؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم أكرم نسمة على الله من بني آدم وهو سيد ولد آدم.
فإذا عرفت هذا عرفت أن كلام المناوي من نمط ما يقوله أبو حامد الغزالي حيث قال: وأما الأفعال فبحر متسعة أكنافه؛ ولا ينال بالاستقصاء أطرافه؛ بل ليس في الوجود إلا الله وأفعاله؛ فكل ما سواه فعله؛ لكن القرآن اشتمل على الخلق منها الواقع في عالم الشهادة كذكر السماوات والكواكب والأرض والجبال والبحار والحيوان والنبات وإنزال الماء الفرات وسائر أصناف النبات وهي التي ظهرت للحس؛ وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها ما لا يظهر
للحسن بل هو في عالم الملكوت وهي الملائكة 1 الروحانية والروح والقلب أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت؛ وخارج عن عالم الملك والشهادة وذكر كلاما لا حاجة بنا إليه؛ ولكن المقصود أنه زعم أن الروح من جملة عالم الغيب والملكوت. قال شيخ الإسلام على هذا الكلام:-فهذا الكلام يستعظمه في باديء الرأي؛ أو مطلقا؛ من لم يعرف حقيقة ما جاء به الرسول؛ ولم يعلم حقيقة الفلسفة التي طبق هذا الكلام عليها وعبر عنها بعبارات المسلين.
فأما قول القائل إن القرآن اشتمل على الخلق؛ وهي التي ظهرت للحس؛ وأشرف أفعال الله تعالى ما لا يظهر للحس؛ يعني ولم يشتمل القرآن عليه. فهذا مع ما فيه من الغض بالقرآن؛ وذكر اشتماله على القسم الناقص دون الكامل؛ وتطرق أهل الإلحاد إلى الاستخفاف بما جاءت به الرسل؛ هو كذب صريح يعلم صبيان المسلمين أنه كذب على القرآن؛ فإن في القرآن من الأخبار عن الغيب من الملائكة والجن والجنة والنار وغير ذلك ما لا يخفى على أحد؛ وهو أكثر من أن يذكر هنا؛ وفي القرآن من الأخبار بصفات الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ما لا يهتدي هؤلاء إلى عشره؛ إذ ليس عندهم من ذلك إلا شيء قيل مجمل؛ بل الرسول إنما بعث ليخبرنا
1 في طبعة الرياض "الملائكة".
بالغيب؛ والمؤمن من آمن بالغيب؛ وما ذكره من المشاهدات فإنما ذكره آية ودلالة وبينة على ما أخبر به من الغيب؛ فهذا وسيلة وذلك هو المقصود. ثم يقال: إنه إنما ذكر الوسيلة؛ يا سبحان الله إذا لم يكن الإخبار عن هذا القسم في هذا الكتاب الذي ليس تحت أديم السماء كتاب أشرف منه؛ وعلم هذا لا يوجد عن الرسول الذي هو أفضل خلق خلق الله تعالى في كل شيئ في العلم والتعليم وغير ذلك؛ أيكون ذكر 1 هذا في كلام أرسطو وذوية؛ وأصحاب رسائل إخوان الصفا؛ وأمثال هؤلاء الذين يثبون ذلك بأقيسة مشتملة على دعاوي مجردة؛ لا نقل صحيح ولا عقل صريح؛ بل تشبه الأقيسة الطردية الخالية عن التأثير؛ وتعود عند التحقيق إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج؛ كما سنبينه؛ وكذلك روح الإنسان وقبله في الكتاب والسنة من الإخبار عن ذلك ما لا يحصيه إلا الله.
ثم تكلم على ما أخطأ فيه من ذلك الملائكة وما يتضمن ذلك.
والمقصود أنما ذكره هذا الملحد عن المناوي إن كان النقل صحيحا فهو من جنس ما يذكره أبو حامد مما يعود حقيقته عند التحقيق 2 إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج. وأما ما ذكره من هذين الاسمين الشريفين فلا يدلان على ما ذكره لا لفظا ولا معنى؛ ولا علاقة بينهما وبين ما ذكره؛ ولا
1 في طبعة الرياض "ذكره".
2 في طبعة الرياض"حقيقة عند تحقيق".
ارتباط بوجه من الوجوه لا بإشارة ولا بتلويح ولا بتصريح؛ وقد فسر أعلم الخلق بربه هذه الآية: قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: آية 3] بأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء 1؛ قوله صلى الله عليه وسلم: "الظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء" يدلان العبد على معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته؛ وأن العوالم كلها في قبضته؛ وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد؛ قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإسراء: آية 60] وقال: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: آية 20] ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين الدليلين على هذين المعنيين اسم العلو الدال على أنه الظاهر وأنه لا شيء فوقه؛ واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه؛ كما قال تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: آية 23] وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقر: آية 115] وهو تبارك وتعالى كما أنه العالي فوق خلقه بذاته؛ فليس فوقه
1 أخرجه الإمام مسلم في صحيح 4/2084-كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.
شيء فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء؛ بل ظهر على كل شيء فكان فوقه؛ وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه؛ وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه؛ وكل شيء في قبضته وليس في قبضة نفسه؛ فهذا قرب الإحاطة والعامة.
وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابدية وسائلية؛ فمعرفة هذه الأسماء الأربعة وهي الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة؛ فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه؛ واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر؛ فأوليته عزوجل سابقة على أولية كل ما سواه؛ وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه؛ فأوليته سبقه بكل شيء؛ وآخريته بقاؤه بعد كل شيء؛ وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء؛ ومعنى الظهور يقتضي العلو وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه؛ وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه؛ وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه وهي إحاطتان زمانية ومكانية؛ فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن؛ فما من ظاهر إلا والله فوقه؛ وما من باطن إلا والله دونه وما من أول إلا والله قبله وما من آخر إلا
والله بعده؛ فالأول قدمه؛ والآخر دوامه؛ والظاهر علوه وعظمته؛ والباطن قربه ودنوه؛ فسبق كل شيء بأوليته؛ وبقى كل شيء بآخريته؛ وعلا كل شيء بظهوره؛ ودنا عن كل شيء ببطونه؛ فلا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا يحجب عنه ظاهر باطنا بل الباطن له ظاهر الغيب عنده شهادة والبعيد منه قريب والسر عنده علانية؛ فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد؛ فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا؛ انتهى ملخصا من سفر الهجرتين.
فتبين مما ذكرناه أن لا تعلق لهذين الإسمين الشريفين بشيء مما ذكره المناري؛ وإنما هو من التفريعات والرموزات والإشارات التي لا حقيقة لها عند التحقيق؛ ولا قوام لها بالثبات على الطريق؛ وإن زعموا أن هذا من علم المكاشفة فهو عند التحقيق مكاشفة. فإذا عرفت هذا وتحققت أنه لم يكن قبل خلق المخلوقات عالم من أرواح بني آدم يسمى علم الغيب؛ وأن أول ما خلق الله العرش والماء والريح ثم خلق القلم وكتب في الذكر كل شيء كائن إلى يوم القيامة علمت يقينا أن ما ذكره القسطلاني والمناوي من الترهات والأكاذيب الموضوعات؛ وأن هذا الحديث المروي عن جابر كذب مختلق؛ وأن الصحيح
الثابت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم هو التقدير السابق كما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن وهب أخبرني أبو هاني الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات الأرض بخمسين ألف سنة"وعرشه على الماء " ورواه المسلم أيضا من حديث حيوة ونافع بن يزيد كلامها عن أبي هاني الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " ورواه البيهقي أيضا من حديث أبي مريم حدثنا الليث ونافع بن يزيد قالا: حدثنا أبو هاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم " فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات الأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة" ففي هذا الحديث الصحيح ما في ذلك الحديث من أنه قدر المقادير وعرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض؛ لكن بين فيه مقدار السبق أن ذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم لو كان ما ذكره المناوي والقسطلاني حقا ثابتا معلوما عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذكره العباس بن عبد المطلب لما امتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك؛ ففي السيرة النبوية
[روي عن عم أزي] 1 زحر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال: سمعة جدي خزيم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك فسمعت العباس يقول: يا رسول الله أريد أن أمدحك فقال: قل لا يفضض الله فاك فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي
…
مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر
…
أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد
…
ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم
…
إذا مضى علم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من
…
خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر
…
ض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النو
…
ر وسبل الرشاد نخترق
1 في الأصل "روى زحر بن حصن" وما أثبته من دلائل النبوة للبيهقي 5/267؛ والبداية والنهاية لا بن كثير5/32.
الظلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات: آية 41] والمستودع هو الموضع الذي كان آدم وحواء يخصفان فيه عليهما من ورق الجنة أي يضمان بعضه إلى بعض يستتران به؛ ثم هبطت إلى الدنيا في صلب آدم وأنت لا بشر ولا مضغة؛ وقوله: تركب السفين يعني في صلب نوح؛ وصالب لغة غريبة في الصلب الفتحتان كسقم وسقم؛ والطبق القرن أي كلما مضى عالم وقرن جاء قرن؛ ولأن القرن يطبق الأرض؛ والنطق جمع نطاق وهو ما يشد به الوسط ومنه المنطقة أي أنت أوسط قومك نسبا وجعله في عليا وجعلهم تحته نطاقا؛ وضاءت لغة في أضاءت. انتهى.
وبهذا يعلم أنه لم مكن عندهم أعني الصحابة رضي الله عنهم خصوصا أهل بيته أن الله خلق الأشياء كلها ولا أن العرش واللوح والقلم والملائكة والجنة والنار وسائر والمخلوقاة خلقها الله من نور محمد جزاء بعد جزء وخلقا بعد خلق.
ثم ذكر هذا الملحد كلاما لا حاجة بنا إلى الجواب عنه.