المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية - الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية

[سليمان بن سحمان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة

- ‌فصل: قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم "الآخذ باليد وقت الشدائد…" الخ

- ‌فصل: نقل الملحد كلام القسطلاني المتضمن خلق العالم بما فيه من روح النبي…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث جابر وفيه " إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك.... الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد".... الخ

- ‌فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها

- ‌فصل: قال الملحد: (الباب الأول: في الآيات القرآنية الدالة على جواز التوسل…الخ

- ‌فصل: سياق أبيات ابن القيم في نونيته فيما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم

- ‌فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور

- ‌فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة

- ‌فصل: استدل الملحد على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من رآني في المنام فسيراني…" الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: قد فهم آدم من قرن اسمه تعالى باسم نبيه أنه الوسيلة…الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: الآيات التي تمسك بها الوهابية لا تدل على مدعاهم…الخ

- ‌فصل: في الجواب عن قوله: إن القائلين بالتوسل بالأنبياء والصالحين يقولون:…الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: إن العوام الطالبين من الصالحين ما لا يطلب إلا من الله: طلبهم مجاز…الخ

- ‌فصل: وإنما دهى الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم من قوله: إن هؤلاء المدعوين من دون الله…الخ

- ‌فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط

- ‌فصل: في رد قول الملحد: (لكن ندعو العامة إلى الأدب في التوسل…الخ

- ‌فصل: في رد قول الملحد: (الباب الثاني في ذكر الأحاديث الدالة على التوسل بالنبي…الخ

- ‌فصل: ذكر المعترض أن الناس اصابهم قحط في زمن عمر…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث توسل آدم صلى الله عليه وسلم بنبينا محمد…الخ

- ‌فصل: في رد استدلال الملحد لمراده بقوله صلى الله عليه وسلم:"…أسألك بحق السائلين

- ‌فصل: في رد استدلال الملحد بقوله صلى الله عليه وسلم:"…فليناد يا عباد الله احبسوا

- ‌فصل: قال الملحد: الباب الثالث في أقوال العلماء بالتوسل بالأنبياء والصالحين…الخ

- ‌فصل: نقل الملحد كلام السبكي المتضمن تحسين التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد عن معروف الكرخي أنه قال لتلاميذه:.. الخ

- ‌قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء

- ‌فصل: أنشد الملحد أبياتا للبكري فيها الغلو والإطراء…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك

- ‌فصل: ذكر الملحد قصة العتبي نقلا عن النووي، وبيان بطلانها…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث ابن عباس"أن عمر قال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك…الخ

- ‌فصل: نقل المعترض حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة وبيان بلادة المعترض…الخ

- ‌فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت

- ‌فصل: قال ابن القيم: فصل: ذكر فيه مفاسد اتخاذ القبور أعيادا…الخ

- ‌فصل: ذكر الملحد حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة"…الخ

- ‌فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية

الفصل: ‌فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية

‌فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية

فصل

ولنختم الجواب بالفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، ليعلم الناظر في هذه الأوراق أن هؤلاء الغلاة الجهال ما عرفوا من معنى "لا إله إلا الله" ما عرفه جهال الكفار الذين بعث الله فيهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فإن هؤلاء الغلاة يزعمون أن من قال: لا إله إلا الله، وأقر أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المدبر لجميع الأمور، أنهم لا يقصدون ممن يدعونه ويستغيثون به ويلجأون إليه من الأنبياء والأولياء والصالحين بذلك تأثير شيء منهم بإيجاد نفع أو دفع ضر، ولا يعتقدون ذلك البتة، بل يعتقدون أن الله هو المنفرد بالإيجاد والإعدام والنفع والضر، وأنه لا مشارك له في ذلك، وهذا هو اعتقاد جهال الكفار الذين بعث الله إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يدعون الأنبياء والملائكة والأولياء والصالحين، ويلتجئون إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم ليقربوهم إلى الله زلفى، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

ص: 303

إذا عرفت ما قدمت لك فاعلم أن التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة كما قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى:

وأما التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع حق الإفصاح كما قال في أول الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكمالها وغير ذلك. انتهى كلامه رحمه الله.

فإذا عرفت هذا تبين لك أن توحيد الربوبية هو توحيد العبد ربه سبحانه وتعالى بأفعاله الصادرة منه، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات والنفع والضر وتدبير جميع الأمور إلى غير ذلك من أفعال الرب سبحانه وتعالى، وهذا هو اعتقاد جاهلية العرب فإنهم كانوا مقرين ومعترفين أن الله هو الفاعل لهذا الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء وإعدامه، وأن النفع والضر بيده، وأنه هو رب كل شيء ومليكه، كما كانوا يقولون في تلبيتهم:"لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملك وما ملك"، ولا

ص: 304

يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء الصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه قال تعالى:{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس31]{قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ} [المؤمنون:84ـ89] وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر:38] وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} الآية [يونس18] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر3] وقال تعالى: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأحقاف28] وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا

ص: 305

تَذَكَّرُونَ} [النحل17] وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء43] وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان3] الآية، وحكي عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء97] ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والتدبير والتأثير، وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.

فإذا عرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون هو توحيد الألوهية والعبادة كما قال تعالى:{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات35] وقال تعالى عن كفار قريش: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص5] وهذه الآية نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب عليه الصلاة والسلام بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: يا عم أفلا

ص: 306

أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم؟ فقال من بين القوم أبو جهل: ما هي؟ لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: قولوا: "لا إله إلا الله" فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وذلك قوله: {وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص6] فإذا تمهد هذا واتضح لك، علمت أنه لا ينجي من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا القيام بما دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب من هذا النوع الآتي بيانه، وهو توحيد الله تعالى بأفعال العبد الصادرة منه؛ لأن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وتعظيما وخوفا ورجاء، وخضوعا وخشوعا وإنابة وتوكلا واستعانة واستغاثة ودعاء، فهو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: النوع الثاني: ما تضمنته سورة {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون 1] وقوله تعالى {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} [آل عمران63] الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة المؤمن ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما

ص: 307

خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته وأمره ونهيه فهو حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، انتهى.

فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار والإعتراف بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المدبر لجميع الأمور، وعرفت أن جهال الكفار الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بهذا معترفون به، ولم ينازع أحد منهم في ذلك، بل يعتقدون أن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، وأنه المنفرد بالإيجاد والإعدام والتدبير والتأثير، وأنه لا مشارك له ولو في خلق ذرة من الذرات، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكون الدين كله لله، بأن يخلصوا العبادة ولا يشركوا معه في عبادته أحد سواه، فإن من دعا الله ودعا معه غيره فهو مشرك، فالدعاء والخوف والحب والرجاء والتوكل والإنابة والخشوع والخضوع والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر والإلتجاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله بها دون من سواه هي له سبحانه وتعالى، فمن صرف من هذه

ص: 308

العبادة شيئا لغير الله كان مشركا سواء اعتقد التأثير ممن يدعوه ويرجوه أو لم يعتقد ذلك فيه.

قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: التوحيد الذي جاء به الرسول إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد ألا إله إلا الله لا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالى إلا الله، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات قال تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] وقال تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل:51] وقال تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون117] وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف:45] وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة4] وقال تعالى عن المشركين: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصفات35] وهذا في القرآن كثير.

ص: 309

وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وقفوا في غاية التوحيد، فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأنه هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، وليس هو الإله بمعنى القادر على الإختراع، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الإختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكملة الصفاتية، وهو الذي يقولونه، عن أبي الحسن وأبتاعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين قال تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله. وهم مع هذا يعبدون غيره، قال تعالى:{قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} إلى قوله {فَأَنَّا تُسْحَرُونَ} [المؤمنون84-85] .

ص: 310

فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه، يوالي فيه، ويعادي فيه، ويسمع رسله، ويأمر بما أمر به، وينهى عما نهى عنه، وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أندادا قال تعالى:{أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر: 43] وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} إلى قوله سبحانه وتعالى: {عما يشركون} [يونس: 18] وقال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام94] وقال تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعونها، ويصوم وينسك لها، ويتقرب إليها ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، إنما الشرك إذا اعتقد أنها المدبرة، فإذا جعلتها سببا وواسطةلم أكن مشركا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك، انتهى كلامه.

ص: 311

وقال أيضا على قوله تعالى: {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ22] الآيات، نفى الله عما سواه كلما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، فلم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى:{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات: وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع،

ص: 312

والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع إما مالكا لما يريده عابده منه، فإن لم يكن شريكا للمالك كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا متنقلا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك وموارده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي حال بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، فتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، انتهى كلامه رحمه الله.

فإذا تبين لك الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية عرفت أن مشركي أهل زماننا لا يعرفون ما عرفه كفار العرب، فإن كفار العرب يعلمون أنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله، فقد نفوا جميع المعبودات من دون الله، وأثبتوا العبادة لله وحده لا شريك له دون سواه، فأبوا عن النطق بلا إله إلا الله، وعتوا عتوا كبيرا، وأبى الظالمون إلا كفورا، فجحدوا لا إله إلا الله

ص: 313

لفظا ومعنى ولذلك لما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص5] وقال تعالى حاكيا عنهم {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات35] وهذا بخلاف ما عليه هؤلاء الغلاة الجهال فإنهم يقولونها وهم مع ذلك يعبدون مع الله غيره ممن يشركونه في عبادته بالدعاء الخوف والحب والرجاء والتوكل والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر والالتجاء وطلب الشفاعة منهم إلى غير ذلك من أنواع العبادة، فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة فقد عبد ذلك الغير، واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، سواء اعتقد التأثير والتدبير والإيجاد والإعدام والنفع والضرر ممن يدعوه أو يرجوه، أو لم يعتقد، وإن فر من تسمية فعلة ذلك تألها وعبادة وشركا.

ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها كتسمية عباد القبور عبادة غير الله توسلا وتشفعا وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فالاعتبار بحقائق الأمور لا بالأسماء والإصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة لا مع الأسماء، فإذا تحققت ما قدمت لك فلا بد من ذكر شيء يسير من كلام العلماء في معنى لا إله إلا الله.

ص: 314

قال الوزير أبو المظفر في "الإفصاح" قوله: شهادة أن لا إله إلا الله، يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن لا إله إلا الله، كما قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: آية19] قال واسم الله مرتفع بعد إلا من حيث إنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه. قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الآلهية، وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله.

وقال في "البدائع" ردا لقول من قال: إن المستثنى مخرج من النفي، قال: بل هو مخرج من المنفي وحكمه، فلا يكون داخلا في النفي إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في الإسلام بقول: لا إله إلا الله، لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمنت نفي الإلهة عما سوى الله، وإثباتها له تعالى بوصف الإختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قولنا: الله إله، ولا يستريب أحد في هذه البتة انتهى بمعناه.

وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره "لا إله إلا الله" أي لا معبود إلا هو.

وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق.

ص: 315

قال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له، وتذل له، وتخافه، وترجوه، وتلجأ إليه، وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس إلا الله وحده، ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله.

وقال ابن القيم رحمه الله: الإله الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وإنابة وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا.

وقال ابن رجب رحمه الله: الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه، وسواء لأمنه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله عز وجل فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول "لا إله إلا الله" وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.

وقال البقاعي: لا إله إلا الله أي انتفاء عظيما أن يكون

ص: 316

معبودا بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف.

وقال الطيبي: الإله فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب من أله إلهة أي عبد عبادة.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: وهذا كثير في كلام العلماء، وإجماع منهم، فدلت لا إله إلا الله على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائنا من كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره كما قال تعالى عن الجن {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن1] فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا، واعتقد ذلك وقبله وعمل به، وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب، فقوله في الحديث "وحده لا شريك له" تأكيد وبيان لمضمون معناها، وقد أوضح الله ذلك وبينه في قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه المبين، فما أجهل عباد القبور بحالهم، وما أعظم ما وقعوا فيه من الشرك المنافي لكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" فإن مشركي

ص: 317

العرب ونحوهم جحدوا لا إله إلا الله لفظا ومعنى، وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظا وجحدوها معنى، فتجد أحدهم يقولها لفظا وهو يأله غير الله بأنواع العبادة، كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والتوكل وغير ذلك من أنواع العبادة، بل زاد شركهم على شرك العرب بمراتب، فإن أحدهم إذا وقع في شدة أخلص الدعاء لغير الله تعالى، ويعتقد أنه أسرع فرجا لهم من الله، بخلاف حال المشركين الأولين فإنهم يشركون في الرخاء، وأما في الشدة فإنما يخلصون لله وحده كما قال تعالى:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت65] الآية فبهذا تبين أن مشركي أهل هذه الأزمان أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم. انتهى.

وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بأبي بطين في معنى الإله قال: وأما لإله فهو الذي تألهه القلوب بالمحبة والخشوع والخوف والرجاء وتوابع ذلك من الرغبة والرهبة والتوكل والاستغاثة والدعاء والذبح والنذور والسجود وجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود، وأجمع أهل اللغة أن هذا معنى الإله قال الجوهري: أله بفتح إلهة أي عبد عبادة، قال ومنه قولنا "الله" وأصله لاه على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه بمعنى معبود، كقولنا "إمام" فعال بمعنى مفعول، لأنه مؤتم به، قال والتأليه:

ص: 318

التعبد، والتأله: التنسك والتعبد، قال رؤبة سجن واسترجعن من تأله. انتهى.

وقال في "القاموس" أله إلهة وألوهة عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، واختلف فيه على عشرين قولا ـ يعني لفظ الجلالة ـ قال: وأصله إلاه بمعنى مألوه، وكلما اتخذ معبودا له عند متخذه قال: والتأله والتنسك والتعبد، انتهى.

وجميع العلماء من المفسرين وشراح الحديث والفقه وغيرهم يفسرون الإله بأنه المعبود، وإنما غلط في ذلك بعض أئمة المتكلمين فظن أن الإله هو القادر على الإختراع، وهذه ذلة عظيمة، وغلط فاحش، إذا تصوره العامي العاقل تبين له بطلانه، وكأن هذا القائل لم يستحضر ما حكاه الله عن المشركين في مواضع من كتابة، ولم يعلم أن مشركي العرب وغيرهم يقرون بأن الله هو القادر على الإختراع، وهم مع ذلك مشركون، ومن أبعد الأشياء أن عاقلا يمتنع من التلفظ بكلمة يقر بمعناها، ويعترف به ليلا ونهارا وإسرارا وجهارا، هذا ما لا يفعله من له أدنى مسكة من عقل.

قال أبو العباس رحمه الله تعالى: وليس المراد بالإله هو القادر على الإختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الإختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الإختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد، كما قال

ص: 319

تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ} وقال تعالى: {قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون:84ـ85] الآيات، وقال تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف106] الآيات، وقال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره. وهذا التوحيد من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين فلا يعبد إلا إياه فيكون دينه الله، والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب فهو إله بمعنى مألوه لا بمعنى إله انتهى.

وقد دل صريح القرآن على معنى الإله وأنه هو المعبود كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِي وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف26ـ28] قال المفسرون: هي كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" باقية في عقبه أي ذريته. قال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده، والمعنى جعل هذه الموالاة والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في ذرية إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، وهي كلمة "لا إله إلا الله" فتبين أن موالاة الله بعبادته، والبراءة من كل معبود سواه هو معنى "لا إله إلا الله"

ص: 320

إذا تبين ذلك فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها، كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والدعاء والتوكل والذبح والنذر وغير ذلك فقد عبد ذلك الغير، واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية فعله ذلك: تألها وعبادة وشركاء، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغيير أسمائها، فلو سمي الزنا والربا، والخمر بغير أسمائها لم يخرجها تغيير الإسم عن كونها زنا وربا وخمرا ونحو ذلك، فمن المعلوم أن الشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنا مسبة الرب، وتنقصه، وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير أسمائها، كتسميته توسلا وتشفعا للصالحين وتوقيرا لهم ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أمته يستحلون الربا باسم البيع، ويستحلون الخمر باسم آخر غير اسمها، وذمهم على ذلك، فلو كان الحكم دائرا مع الاسم لا مع العلة لم يستحق الذم، وهذا من أعظم مكائد الشيطان لبني آدم قديما وحديثا، أخرج لهم الشرك في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم، وغيّر اسمه بتسميته إياه توسلا، وتشفعا ونحو ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل. انتهى.

فلا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من أن يكون المتكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا، ولا بد من العلم واليقين بمدلوها كما قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا

ص: 321

اللَّهُ} [محمد 19] وقوله: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف86] ، أما النطق بها من غير معرفة بمعناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه من نفي الشرك وإخلاص القول والعمل قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع.

قال في "المفهم على صحيح مسلم" باب لا يكفي مجرد اللفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب، هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم من تسويغ النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطل قطعا انتهى.

ومعنى "لا إله إلا الله" أي لا معبود حق إلا الله، وهو في غير موضع من القرآن قال تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء25] وقال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود50] فأجابوا ردا عليه بقولهم: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [الأعراف70] وقال تعالى:

ص: 322

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج62] الآية.

فتضمن ذلك نفي الإلهية عما سوى الله، وهي العبادة، وإثباتها لله وحده لا شريك له، والقرآن من أوله إلى آخره يبين هذا، ويقرره، ويرشد إليه، فالعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع والتذلل رغبا ورهبا، وهذا كله لا يستحقه إلا الله تعالى، فمن صرف من ذلك شيئا لغير الله فقد جعله الله ندا، فلا ينفعه مع ذلك قول ولا عمل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

تم بحمد الله.

ص: 323

قال محققه عفا الله عنه: تم تصحيح هذا الكتاب والتعليق على بعض أحاديثه في اليوم السابع من شهر جمادى الثانية من شهور سنة ثمان وأربعمائة بعد الألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبد السلام آل عبد الكريم.

ص: 324